التقوى الدُرَة المَفقُودة والغاية المَنشُودة

تاريخ الإضافة 2 أكتوبر, 2017 الزيارات : 252

  معنى التقوى

 أن يأخذ العبد وقايته من سخط الله عز وجل وعذابه ، وذلك بامتثال المأمور واجتناب المحظور .

 قال عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه : التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله ، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير .

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله : وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه

فتقوى العبد  لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك ، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه “

وقال علي بن أبي طالب : التقوى هى الخوف من الجليل ، والرضا بالتنزيل ، والإستعداد ليوم الرحيل .

وقيل : هى أن لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك .

وقال طلق بن حبيب :التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله “ .

وقال الحسن : ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام .

وقال الثورى : إنما سموا متقين لأنهم اتقوا مالا يتقى .

وقال ميمون بن مهران : المتقى أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه .

وقال ابن مسعود فى قوله تعالى : ]اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [ أل عمران : 102 

قال : أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر .

وقال أبو هريرة حينما سئل عن التقوى فقال :هل أخذت طريقاً ذا شوك ؟ قال : نعم ، قال : فكيف صنعت ؟ قال : إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه : قال ذاك التقوى .

وأخذ هذا ابن المعتمر وقال :

خل الذنوب صغيرها                    وكبيرها فهو التقى

واصنع كماش فوق                      أرض الشوك يحذر ما يرى

ولا تحقرن صغيرة                        إن الجبال من الحصى

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل : أوصيك بتقوى الله عز وجل ، والتى لا يقبل غيرها ، ولا يرحم إلا أهلها ، ولا يثاب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل ،

جعلنا الله وإياك من المتقين .

وكتب رجل من السلف إلى أخ له : أوصيك بتقوى الله فإنها من أكرم ما أسررت ، وأزين ما أظهرت ، وأفضل ما ادخرت أعاننا الله وإياك عليها وأوجب لنا ولك ثوابها.

 وقال زيد بن أسد : كان يقال : من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا .

 وقال الثورى لابن أبى ذئب : إن اتقيت الله كفاك الناس ، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئاً .

شرف التقوى وأهميتها:

التقوى وصية الله عز وجل للأولين والأخرين

قال الله تعالى :]  وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ   [……  ( النساء: 131)         

 التقوى وصية النبى صلى الله علية وسلم لأمته

عن العرباض بن سارية قال : ( صلى بنا رسوله الله صلى الله علية وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فاوصنا فقال : اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشياً ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلاله ) .

قوله : ” أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة “.قال ابن رجب رحمه الله : فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والأخرة ، أما التقوى فهى كافلة سعادة الدنيا والأخرة لمن تمسك بها ، وهى وصية الله للأولين والأخرين ، وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين  ففيها سعادة الدنيا ، وبها تنظم مصالح العباد فى معاشهم ، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم “.

وعن أبى ذر ومعاذ بن جبل رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله علية وسلم : ( اتق الله حيث ما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن )

وقوله صلى الله عليه وسلم :”حيثما كنت” أى : فى السر والعلانية ، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه.

وعن أبى هريره رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى علية وسلم يوماً لأصحابه ( من يأخذ عنى هؤلاء الكلمات فيعمل بهن ، أو يعلم من يعمل بهن ؟ قال أبو هريره: قلت : أنا يا رسول الله ، فأخذ بيدى وعد خمساً فقال : اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناًً ، واحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ، ولا تكثر الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب ). 

.وكان دعاء النبى صلى الله عليه وسلم  :  (  اللهم أت نفسى تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها )

 التقوى أجمل لباس يتزين به العبد

قال الله تعالى : ]يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ [……. ( الاعراف : 26 )

فبعد ان تمنن الله عز وجل على عبادة بما جعل لهم من اللباس والريش . واللباس ما يستر به العورات ، والريش والرياش ما يتجمل به – فالاول من الضروريات والثانى من الزيادات التكميليات – دلهم على أفضل لباس وهو ما يوارى عورات الظاهر والباطن ويتجمل به ، وهو لباس التقوى .

قال القرطبى رحمه الله : قوله تعالى : ” وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ” يبين ان التقوى خير لباس

كما قيل :

اذا المرء لم ثيابا من التقى           تقلب عريانا وان كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه               ولا خير فيمن كان عاصيا 

التقوى هى أفضل زاد يتزود به العبد

قال الله عز وجل : ]وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  [( البقرة : 197)

قال ابن كثير رحمة الله :وقوله : ” فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ” لما أمرهم بالزاد للسفر فى الدنيا ، أرشدهم إلى زاد الأخرة ، وهو استصحاب التقوى إليها

 أهل التقوى هم أولياء الله عز وجل وهم أكرم الناس

قال تعالى :”  أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ” يونس : 62 – 63                      

وجعل الله عز وجل التقوى هى الميزان الحق الذى يوزن به الناس ، لا ميزان الحسب والنسب والمال والشهرة ، فقال عز وجل : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات : 13

 ولقد صدق من قال :

فقد رفع الإسلام سلمان فارس           وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد ذكروا أن سلمان رضى الله عنه كان يقول :

أبى الإسلام لا اب لى سواه             إذا افتخروا بقيس أو تميم

كيف تتقى الله عز وجل ؟

بعد أن بينا شرف التقوى وتشوقت النفوس إليها قد يقول قائل :كيف أصل إلى هذه المرتبة الشريفة ؟

 وألخص الجواب  فى خمسة أمور :

1- محبة الله عز وجل تغلب على قلب العبد يدع لها كل محبوب ويضحى فى سبيلها بكل مرغوب

2- أن تستشعر فى قلبك مراقبة الله عز وجل وتستحى منه حق الحياء .

3- أن تعلم ما فى سبيل المعاصى والاثام من الشرور والآلام .

4- أن تعلم كيف تغالب هواك وتطيع مولاك .

5- أن تدرس مكائد الشيطان ومصائده ، وان تحذر من وساوسه ودسائسه.

1- محبة الله عز وجل :

قال ابن رجب رحمه الله : ومحبة الله سبحانة وتعالى على درجتين :

أحداهما : فرض لازم ، وهى أن يحب الله سبحانه وتعالى محبة توجب له محبة ما فرضه الله عليه ، وبغض ما حرمه عليه ، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره و نهيه ، وتقديم محبته على النفوس والأهلين والرضا بما بلغه عن الله من الدين ، وتلقى ذلك بالرضى والتسليم ، ومحبة الانبياء والرسل والمتبعين لهم باحسان جملة ، وعموما لله عز وجل ، وبغض الكفار والفجار جملة وعموما لله عز وجل وهذا القدر لابد منه فى تمام الايمان الواجب ،

ومن اخل بشئ منه فقد نقص من ايمانه الواجب بحسب ذلك ، قال الله عز وجل :

]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ  تَسْلِيمًا [..( النساء : 65 ) وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك ، فإن المحبة الواجبة تقتضى فعل الواجبات وترك المحرمات .

الدرجة الثانية : درجة السابقين المقربين ، وهى أن ترتقى المحبة إلى محبة ما يحبه من نوافل الطاعات ، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات ، وإلى الرضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلم النفوس من المصائب ، وهذا أفضل مستحب مندوب إليه

وفى صحيح البخاري عن أبى هريرة  عن النبى صلى الله عليه وسلم :قال :  ( يقول الله عز وجل : من عادى لى ولياً فقد أذنته بالحرب  ، وما تقرب إلى عبدى بشئ أحب إليه مما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوفل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذىيبصر به ، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذنى لأعيذنه ، وما تردت عن شئ أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته )

قال ابن القيم رحمه الله :ولو لم يكن فى المحبة إلا أنها تنجى محبه من عذابه ، لكان ينبغى للعبد أن لا يتعوض عنها بشئ أبداً . وسئل بعض العلماء أين تجد فى القران إن الحبيب لا يعذب حبيبه : فى قوله تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم  “المائده : 18  

كما نصحت إحدى الصالحات من السلف بنيها فقالت لهم :” تعودوا حب الله وطاعته فإن المتقين ألفت جوارحهم الطاعة فاستوحشت من غيرها ،فإذا أمرهم الملعون بمعصية ، مرت المعصية بهم محتشمه فهم لها منكرون “.

2- ومما يعين على تقوى الله عز وجل أن يدرب العبد نفسه على المراقبة وان يستشعر اطلاع الله عز وجل عليه فيستحى عند ذلك من المعصية ويجتهد فى الطاعة :

قال الله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ” الحديد : 4 

قال ابن كثير رحمه الله : أى رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم ، من بر أو بحر ، فى ليل او نهار ، فى البيوت او القفار ، الجميع فى علمه على السواء ، وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ، ويرى مكانكم ، ويعلم سركم ونجواكم .

 والايات المبينة لهذا كثيرة جدا كقوله تعالى :”  وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ” ق : 16 

وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( استحيوا من الله حق الحياء ، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلا ، ومن أراد الأخرة ترك زينة الحياة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) . 

قال سيفان بن عيينه : الحياء أخف التقوى ، ولا يخاف العبد حتى يستحى ، وهل دخل أهل التقوى إلا من الحياء .

( من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى ) : ما جمعه من الحواس الظاهرة والباطنة ، وحتى لا يستعملها إلا فيما يحل

( وليحفظ البطن وما حوى ) أى : وما جمعه الجوف باتصاله به من القلب والفرج واليدين والرجلين ،فإن هذه الأعضاء متصله بالجوف فلا يستعمل منها شئ فى معصية الله .

وعن أسامة بن شريك رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما كرهت أن يراه الناس منك فلا تفعله بنفسك إذا خلوت ) .

وسئل النبى صلى الله علية وسلم عن الإحسان فقال صلى الله علية وسلم : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

قال النووى رحمه الله : ” هذا من جوامع الكلم التى أوتيها صلى الله عليه وسلم ، لأنا لو قدرنا أن احداً قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى ، لم يترك شيئاً ما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم : ( اعبد الله فى جميع أحوالك كعبادتك فى حال العيان ) فإن التتميم المذكور فى حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه ، فلا يقدم العبد على تقصير فى هذا الحال للاطلاع عليه ، وهذا المعنى موجود مع رؤية العبد ، فينبغى أن يعمل بمقتضاه ، فمقصود الكلام الحث على الأخلاص فى العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى فى إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك ، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من تلبسه من النقائض إحتراماً لهم وإستحياءً منهم ، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه فى سره وعلانيته .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )  قيل : إنه تعليل للأول ، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى فى العبادة واستحضار قربة من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنة وظاهره ، ولا يخفى عليه شئ من أمره فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه الانتقال إلى المقام الثانى،وهو دوام التحقق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه .

 وقال بعضهم : خف الله على قدر قدرته عليك  واستحى من الله على قدر قربه منك .(2)

وكان الإمام أحمد ينشد :

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل        خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعـــة         ولا أن ما يخفى عليه يغيب

3- ومما يعين على التقوى معرفة ما فى سبيل الحرام من المفاسد والألام

فليس فى الدنيا والأخرة شر و داء إلا وسببه الذنوب والمعاصى .

قال ابن القيم رحمه الله : فما الذى أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم

والبهجة والسرور إلى دار الالام والأحزان والمصائب  ، وما الذى أخرج أبليس من ملكوت السماء ، وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته أقبح صوره وأشنعها ، وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعداً ، وبالرحمة لعنه ، وبالجنة ناراً تلظى ، فهان على الله غاية الهوان ، وسقط من عينه غاية السقوط ، فصارقوداً لكل فاسق ومجرم ، رضى لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة ، فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك ، وأرتكاب نهيك ، وما الذى أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال .

وما الذى سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على سطح الأرض كأنهم

أعجاز نخل خاوية ، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم ، وما الذى أرسل على

قوم ثمود الصيحه حتى قطعت قلوبهم فى أجوافهم وماتوا عن أخرهم ؟ وما الذى رفع

قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم ، فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعهم حجارة من سجيل ، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمه غيرهم ، ولإخوانهم أمثالها وما هى من الظالمين ببعيد ، وما الذى أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل ،فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى ؟ وما الذى أغرق  فرعون وقومه فى البحر ، ثم نقلت ارواحهم إلى جهنم ، فالأجساد للغرق ، والأرواح للحرق ، وما الذى أهلك القرون من بعد نوح ودمرها تدميراً.

 نسال الله السلامه ، ونعوذ بالله من الحسرة والندامه .

ولا شك أن سبيل المعاصى فيه من التعرض للعذاب العاجل والأجل وضيق الصدر والرزق وبغض الخلق ومحق البركة فهى كطعام لذيذ مسموم يتمتع به لحظات وتبقى آلامه فى

الحياة وبعد الممات كما قال القائل :

تفنى اللذاذة من نال لذتها           من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها         لا خير فى لذة من بعدها النار

4- ومما يعين على التقوى أن تتعلم كيف تغالب هواك وتطيع مولاك

قال الشيخ مصطفى السباعى رحمه الله : ” إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها بالله ، فإذا لم ترجع فذكرها بأخلاق الرجال ، فإذا لم ترجع فذكرها بالفضيحه إذا علم الناس ، فإذا لم ترجع فاعلم أنك تلك الساعة انقلبت إلى حيوان ” . 

وقال ابن القيم رحمه الله : ” وملاك الأمر كله الرغبة فى الله وأرادة وجهه والتقرب

إليه بأنواع الوسائل والشوق إلى الوصول إليه ، وإلى لقائه ، فإن لم يكن للعبد همة على

ذلك فالرغبة فى الجنة ونعيمها وما أعد الله فيها لأوليائه ، فإن لم تكن له همة عالية تطالبه

بذلك ، فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه ، فإن لم تطاوعه نفسه لشئ من ذلك ،  فليعلم أنه خلق للجحيم لا للنعيم ، ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه .

فلم يجعل الله طريقا إلى الجنة غير متابعته ، ولم يجعل للنار طريقاً غير مخالفته ،

قال الله تعالى :

]  فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38)  فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى  (39)  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى  (40)  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى  [….. ( النازعات : 37 – 41 )

وقال تعالى : ]وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ  [  ….. ( الرحمن : 46  )

قيل : هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه فى الدنيا ومقامه بين يديه فى  

الأخرة فيتركها لله .

وقد أخبر الله عز وجل أن اتباع الهوى يضل عن سبيله فقال الله تعالى :”  وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ  الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ “ ص : 26 

وقال ابن القيم رحمه الله :  ” واعلم أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة ، فإن الشهوة إما أن توجب ألماً وعقوبة ، وغما أن تقطع لذة أكمل منها ، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة ، وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه ، وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير من ذهابة ، وإما أن تضع قدراً قيامه خير من وضعه ، وإما أن تسل نعمة بقاؤها ألذ من قضاء الشهوة “. 

5- ومما يعين على تقوى الله عز وجل معرفة مكائد الشيطان ومصائده، والحذر من وساوسه ودسائسه :

قال العلامة ابن مفلح المقدسى رحمه الله : اعلم أن الشيطان يقف للمؤمنين فى سبع عقبات ، عقبة الكفر ، فإن سلم منه ففى عقبة البدعة ، ثم فى عقبة فعل الكبائر ، ثم فى عقبة

فعل الصغائر ، فإن سلم منه ففى عقبة  فعل المبيحات فيشغله بها عن الطاعات ،

فإن غلبه شغله بالأعمال المفضولة عن الأعمال الفاضلة ، فإن سلم من ذلك وقف له فى العقبة السابعة ، ولا يسلم منها المؤمن إذ لو سلم منها أحد لسلم منه رسول الله صلى الله علية وسلم وهى تسليط الأعداء الفجرة بأنواع الأذى . 

فلا شك فى أن معرفة العقبات التى يقف عندها الشيطان ، ومعرفة مداخله إلى قلب ابن أدم مما يعين على الحذر منه ، وأولى من ذلك بالذكر أن تعرف أن الشيطان عدو لبنى أدم فلا يمكن أن يأمره بخير أو ينهاه عن شر .

قال الله تعالى :  إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ “فاطر : 6   

قال رجل للحسن البصرى  :  أينام إبليس ؟ قال : لو نام لوجدنا راحة .

وقال تعالى :” أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  “ مريم : 83

أى تزعجهم إلى المعاصى ازعاجاً كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم ، فلا تزال بالعبد تقوده إلي الذنب ، وتنظم شكل الأجتماع بألطف حيله وأتم مكيده .

صفات المتقين

وبعد أن ذكرنا معنى التقوى وشرفها وطريق الوصول إليها  نرى من المفيد كذلك أن نتعرف على صفات المتقين:

1-  فمن صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب إيماناً جازماً:

والغيب هو ما غاب عن حواسنا ما أخبرنا الله عز وجل بوجوده أو أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم ، كالإيمان بالله وملائكته والإيمان بالأخرة ، ولا شك أن هذه الصفة أخص صفاتهم ، فإنها التى تدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والانقياد الكامل لأمر الله عز وجل ونهيه ، وهذه الصفة هى أول صفة وصفهم الله عز وجل بها فى كتابه.

قال الله تعالى : ] ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  [( البقرة : 2 – 4 )

2- ومن صفاتهم أنهم يعفون ويصفحون :

كما قال تعالى :  وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى “البقرة : 237 

وقال تعالى فى وصف المتقين: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” أل عمران : 134 

ويروى عن عائشة أن خادماً لها غاظها فقالت : لله در التقوى ما تركت لذى غيظ شفاء .

] وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ  [  العفو عن الناس هو التجافى عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها ، وتلك مرتبة فى ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها ،فالعفو مرتبة قبل مرتبة كظم الغيظ ، إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة ،وهناك مرتبة أعلى منها وهى ما أفاده قوله عز وجل : ]  وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فالإحسان وصف من اوصاف المتقين ، ولم يعطفه على ما سبقه من الصفات بل صاغه بهذه الصيغة تمييزاً له بكونه محبوباً عند الله تعالى ويروى أن بعض السلف غاظه غلام له فجأة غيظاً شديداً فهم بالانتقام منه فقال الغلام  ]وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ  [َ فقال : كظمت غيظى ،قال الغلام :  ]وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس  ِ  [فقال : عفوت عنك . قال ]  وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال : اذهب فأنت حر وجه الله .

3- ومن صفاتهم أنهم لا يقارفون الكبائر ، ولا يصرون على الصغائر :

بل كلما وقعوا فى صغيرة رجعوا إلى الله بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح عملاً بقول النبى صلى الله عليه وسلم : ( اتبع السيئة الحسنة تمحها ) . 

ودل على هذه الصفة قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ   “ الأعراف : 201 

يخبر تعالى عن المتقين من عبادة الذين أطاعوه فيما أمر وتركوا ما عنه زجر ، أنهم إذا مسهم  – أى : أصابهم  طائف مِّنَ الشَّيْطَانِ،  بإصابة الذنب ، تَذَكَّرُواعقاب الله وجزيل ثوابه ووعده ووعيده فتابوا وانابوا ورجعوا إليه من قريب .

ثم ذكر الله عز وجل ما يقابل هذه الصفة فى المتقين بقوله تعالى : ” وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ  “ الإعراف : 202

أي إخوان الشياطين وهم غير المتقين تتمكن الشياطين من إهوائهم فيمدونهم فى غيهم وفسادهم ،لأنهم لا يذكرون الله تعالى إذا شعروا فى أنفسهم بالنزوع إلى الشر والباطل والفساد فىالأرض ، ولا يستعيذون منه بالله .

4- ومن صفاتهم أنهم يتحرون الصدق فهم أصدق الناس إيماناً وأصدقهم أقوالاً وأعمالاً :

قال تعالى : وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ “ الزمر : 33 

وقال تعالى : أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  ” البقرة : 77 

5- ومن صفاتهم أنهم يعظمون شعائر الله

قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ “ الحج :32

]  ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ  [  الشعائر جمع شعيرة وهى كل شئ لله تعالى فيه أمر أشعر به واعلم .

فالمتقون يعظمون طاعة الله وأمره فيدفعهم ذلك الى طاعته ، ويعظمون كذلك ما نهى الله عنه فيدفعهم ذلك عن معصيته ، وعكس ذلك الاستهانة بالاوامر فلا يؤديها ، وبالنواهى فيقع فيها نسال الله السلامة .

قال انس رضى الله عنه :” انكم لتعلمون اعمالا هى ادق فى اعينكم من الشعر ، كنا لنعدها على عهد رسول الله من الموبقات “.

وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أ نفه فقال به هكذا ) 

6- ومن صفاتهم انهم يتحرون العدل ويحكمون به ولا يحملهم بغض احد على تركه :

قال الله تعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون “ المائدة : 8 

لا يحملنكم بغض المشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما فى قلوبكم من عداوتهم بارتكاب ما لا يحل لكم .

وقد ثبت فى الصحيحين عن النعمان بن بشير انه قال : ( نحلنى أبى نحلا فقالت أمى : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ليشهده على صدقتى فقال :( أكل ولدك نحلت مثله ؟ )قال : لا.  فقال :  ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) . قال : فرجع أبى فرد تلك الصدقة  . 

7- المتقون يدعون ما لا بأس به حذراً مما به بأس ويتقون الشبهات

 قوله صلى الله عليه وسلم :  ( إن الحلال بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرا لدينه وعرضه ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام ).

فالمتقون يتورعون عن الشبهات وعما يرتابون فيه ما ليس حلالاً بينا ، وذلك أدعى أن يتورعوا عن الحرام البين ، ومن اجترأ على الشبهة اجترأ كذلك على الحرام  .

عن ابن عمر رضى الله عنهما قال :” لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك فى الصدر “.

ثمرات التقوى

التقوى هى أعظم سبب للسعادة فى الدنيا والأخرة ، بل لا سعادة بدونها ، لأن مدار التقوى على معرفة الله عز وجل معرفة تشغل العبد بطاعته وذكره وشكره ، وهذه من سعادة النفوس ، وما يترتب على ذلك من محبة الله عز وجل والرضا به وحسن التوكل عليه .

سعادة أعظم من السعادة الأولى ، فالمتقون يسعدون بالطاعة وثمارها فى الدنيا ، وشاهد هذه السعادة فى نفس العبد أنه إذا وقع فى معصية الله عز وجل لضعف وازع التقوى كم يجد من حرج فى صدره وضيق ووحشه بينه وبين الله عز وجل وبين عباد الله المؤمنين ، فلو حصلت له الدنيا بحذافيرها لم تعوضه هذه الوحشة .

ثمرات التقوى العاجلة

1 –  المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب :

قال تعالى :   وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ  “الطلاق : 2-3 

عن ابن عباس رضى الله عنه : يجعل له مخرجاً : ينجيه من كل كرب فى الدنيا والأخرة

وقيل : المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقة على صالح.

وقال عمر بن عثمان الصدفى : ومن يتق الله فيقف عند حدوده ويتجنب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة ، ويرزقه من حيث لا يحتسب من حيث لا يرجو .

2- السهولة واليسر فى كل أمر :

قال الله تعالى وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا “ الطلاق : 4 

 ومن يتق الله فى اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً فى توفيقه للطاعة . 

قال سيد  قطب رحمه الله  : واليسر فى الأمر غاية ما يرجوه الإنسان ، وإنها لنعمة كبرى أن يجعل الله الأمور لعبد من عباده فلا عنت ولا مشقه ولا عسر ولا ضيق.

3- تيسير تعلم العلم النافع :

قال الله تعالى : ]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [( البقرة : 282 )

 اتقوا الله فى جميع ما أمركم به ونهاكم عنه وهو يعلمكم ما فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم .

4- إطلاق نور البصيرة :

قال الله تعالى : ]يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً [.( الانفال : 29 )

وتقوى الله فى الأمور  كلها تعطى صاحبها نوراً يفرق به بين دقائق الشبهات التى لا يعملهن كثير من الناس ،فهى تفيده علماً خاصاً لم يكن ليهتدى إليه لولاها ، وهذا العلم هو غير العلم الذى يتوقف على التلقين كالشرع أصوله وفروعه ، وهو مالا تتحقق التقوى بدونه ،لأنها عبارة عن العمل فعلاً وتركاً بعلم .

5- محبه الله عز وجل ومحبة ملائكته والقبول فى الأرض :

قال الله تعالى : بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ “أل عمران : 76 

عن أبى هريرة  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أحب الله العبد قال لجبريل : قد أحببت فلانا فأحبه . فيحبه جبريل عليه السلام ، ثم ينادى فى أهل السماء : إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول فى الأرض ) .

وكتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن خالد : سلام عليك أما بعد ، فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله ، فإذا أحبه الله حببه إلى عباده .

وعن هرم بن حيان قال : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين عليه حتى يرزقهم مودته .

فقد وعد الله عز وجل عبادة المؤمنين الذين يداومون على الأعمال الصالحة بهذه المودة والمحبة كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  “ مريم : 96 

6- نصره الله عز وجل وتأييده وتسديده :

وهى المعية المقصودة بقول الله تعالى: “وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ “ البقرة: 194

 فهذه المعية هى معية التأييد والنصره والتسديد وهى معية الله عز وجل لأنبيائه ومعيته للمتقين والصابرين .

قال قتادة : ومن يتق الله يكن معه ، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التى لا تغلب والحارس الذى لا ينام ، والهادى الذى لا يضل .

وكتب بعض السلف إلى أخيه: أما بعد إن كان الله معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو .

7- البركات من السماء والأرض :

قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ” الاعراف : 96″  

(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ) لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب .

8- البشرى وهى الرؤيا الصالحة وثناء الخلق ومحبتهم .

قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى  فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ “ يونس : 62- 64 

والبشرى فى الدنيا ( هى الرؤيا الصالحه يراها المؤمن أو ترى له ) 

وعنه صلى الله عليه وسلم :  ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات) 

وعن أبى ذر قال :  قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال : ( تلك عاجل بشرى المؤمنين) . 

9- الحفظ من كيد الأعداء ومكرهم

قال تعالى :   وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ   أل عمران : 120

 يرشدهم تعالى إلى السلامه من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذى هو محيط بأعدائهم ، فلا حول ولا قوة لهم إلا به ، وهو الذى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . 

10- حفظ الذرية بعناية الله عز وجل

قال الله تعالى  :   وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا  “ النساء : 9 

وقوله تعالى :وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا  “ الكهف : 82 

فإن الغلامين حفظا ببركه صلاح أبيهما فى أنفسهما ومالهما .

وقال ابن المسيب لابنه : يا بنى إنى لأزيد فى صلاتى من أجلك رجاء أن أحفظ وتلا هذه الاية :  “ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا  ” الكهف : 82  

11- سبب لقبول الأعمال التى بها سعادة العباد فى الدنيا والأخرة

 قال تعالى : ” قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ “ المائده : 27 

قال بعض السلف : لو أعلم أن الله يقبل منى سجدة بالليل وسجدة بالنهار لطرت شوقاً إلى الموت , إن الله عز وجل يقول : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )   .

 12- سبب النجاة من عذاب الدنيا

 قال تعالى : “ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ “ فصلت : 17 – 18 

( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ )  بينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام , فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التى جعلها أية وعلامة على صدق نبيهم  ( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ  )  أى : بعثنا عليهم صيحة ورجفة وذلاً وعذاباً ونكالآ ( بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )  أى : من التكذيب والجحود ، ( وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أى : من بين أظهرهم لم يمسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر , بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح عليه السلام بإيمانهم وتقواهم لله عز وجل . 

الثمرات الآجلة

1-   تكفير السيئات وهو سبب النجاة من النار , وعظم الأجر وهو سبب الفوز بدرجات الجنة :

 قال تعالى : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا  “ الطلاق : 5 

ومن يخف الله باجتناب معاصيه وأداء فرائضه يمحو الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله ، ويجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه , ومن إعظامه له الأجر أن يدخله جنته فيخلده فيها  . (

ولا يصدر عن النار بعد ورودها إلا المتقون قال الله تعالى : وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا   “ مريم 71 – 72 

2- عزالفوقية فوق الخلق يوم القيامة :

قال الله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  “ البقره : 212 

 ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ )  حتى بدلوا النعمة  ( الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )  لحضورها فألهتهم عن رغائب الأخرة .

قوله ( وَيَسْخَرُونَ ) أى : يهزأون مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ( وَالَّذِينَ اتَّقَواْ ) وهم المؤمنون وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها , وإيذاناً بترتيب الحكم عليها ( فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لأنهم فى عليين وهم فى أسفل سافلين , أو لأنهم يتطاولون عليهم فى الاخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم فى الدنيا , كما قال تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ  ” المطففين : 34 – 35 

3- ميراث الجنة فهم أحق الناس بها وأهلها :

قال تعالى :   تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا  “ مريم : 63 

وقال تعالى : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  “آل عمران : 133 

وقال تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا  “مريم : 85 )

فيحشرهم يوم القيامة وفداً اليه , والوفد هم القادمون ركباناً , ومنه الوفود , وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الاخرة وهم قادمون على خير موفود إليه الى دار كرامته ورضوانه . 

وبين الله عز وجل  قربهم من الله فقال عز وجل : “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ “ القمر : 54 – 55  

( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ )  أى : مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم , وهو الجنة( عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) أى : يقدر على ما يشاء وعند هاهنا عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة  . 

نسأل الله أن يختم لنا بخاتمة السعادة وأن يرزقنا الحسنى وزيادة , وأن يجعلنا من عباده المتقين الذين يسعدون فى الدنيا بالطاعات ومحبة رب العالمين , وفى الأخرة بالجنات والنظر الى وجه الله الكريم ,

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

هذه المحاضرة مقتبسة من رسالة بنفس العنوان للشيخ أحمد فريد

أسأل الله أن يردنا وإياه إلى الحق مردا جميلا


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى  دخل الشيخ محمد الغزالي إحدى الجامعات بالشرق الجزائري محاضراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته ….. ثم قال بصوت متقطع : … أنا… أنا… مثلي يتحدث عن محمد!!! وأجهش باكياً… وطال بكاؤه… ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف

تاريخ الإضافة : 20 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 554 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 506
  • 327
  • 1٬332
  • 738
  • 38٬194
  • 209٬336