تيسير فقه الاعتكاف

تاريخ الإضافة 14 يونيو, 2017 الزيارات : 776

الاعتكاف لزوم الشئ وحبس النفس عليه ، خيرا كان أم شرا .253156_414493338606470_1139581518_n

قال الله تعالى : ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) أي مقيمون متعبدون لها .

والمقصود به هنا لزوم المسجد والاقامة فيه بنية التقرب إلى الله عز وجل 

فمعنى الإعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للإتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الإنقطاع إلى الله تعالىبالكلية على كل حال.
وكان بعضهم لا يزال منفردا في بيته خاليا بربه فقيل له: أما تستوحش ؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

مشروعيته :

وقد أجمع العلماء على أنه مشروع ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما . رواه البخاري

وإنما كان يعتكف النبي في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعا لأشغاله، وتفريغا للياليه، وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه.

هل ورد حديث يبين فضل الاعتكاف؟

أولا: الاعتكاف مشروع ، وهو قربة إلى الله جل وعلا. فإذا ثبت هذا، فقد جاءت أحاديث كثيرة ترغب في التقرب إلى الله تعالى بنوافل العبادات، وهذه الأحاديث بعمومها تشمل كل عبادة ومنها الاعتكاف .
فمن هذه الأحاديث: قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ) . رواه البخاري.
ثانيا: وردت أحاديث في فضل الاعتكاف وبيان ثوابه إلا أنها كلها ضعيفة أو موضوعة .
قال أبو داود : قلت لأحمد (يعني الإمام أحمد بن حنبل): تعرف في فضل الاعتكاف شيئا ؟ قال : لا، إلا شيئا ضعيفا اهـ . مسائل أبي داود (ص96) .
ومن هذه الأحاديث :
1- روى ابن ماجه  عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ: ” هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا “. ضعفه الألباني  في ضعيف ابن ماجه. ( يَعْكِفُ الذُّنُوب ) أي: يَمْنَع الذُّنُوب. قاله السندي .
2- روى الطبراني والحاكم والبيهقي وضعفه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار  ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين ” . ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة
.

والخافقان المشرق والمغرب .
3- روى الديلمي عن عائشة  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من اعتكف إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ” ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5442) .

4- روى البيهقي وضعفه عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من اعتكف عشرا في رمضان  كان كحجتين وعمرتين ” . ذكره الألباني في “السلسلة الضعيفة” “. (518) وقال : موضوع .

ووردت آثار عن بعض السلف تنص على فضل الاعتكاف ، فعن عطاء الخراساني قال إن مثل المعتكف مثل المحرم ألقى نفسه بين يدي الرحمن ،فقال: والله لا أبرح حتى ترحمني.

ثم إن ثمة فضائل عديدة يمكن للمعتكف أن يجنيها، ومن الصعب أن يجنيها ، وهو خارجه:

1-  أن الاعتكاف عبادة في ذاته، فالمعتكف عابد مأجور مثاب حتى أثناء نومه في المسجد.

2- الاعتكاف يمكن صاحبه من انتظار الصلوات، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط” وانتظار الصلوات معناها : انتظارها في المسجد، وليس مجرد تعلق القلب بها خارجه، فهذا أمر آخر.

3- الاعتكاف يمكن صاحبه من المكث في المسجد فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة )

قال المنذري : رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وقال : إسناده حسن ، ثم قال المنذري : وهو كما قال رحمه الله تعالى ، وأما الشيخ الألباني فقد حسن الجملة الأولى فقط، وضعف الباقي.

4-  الاعتكاف يمكن صاحبه من تحري ليلة القدر.

5-  الاعتكاف يمكن صاحبه من شهود صلاة الجماعة ، وقد قال سعيد بن المسيب:”من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة” رواه أبو نعيم في الحلية.

6-  الاعتكاف يمكن صاحبه من إدراك تكبيرة الإحرام.

7- الاعتكاف يمكن صاحبه من شهود التراويح مع الإمام حتى ينصرف؛ فعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم” جمع أهله وأصحابه وقال إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة” رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه الألباني.

8-  الاعتكاف يمكن صاحبه من التفرغ للعبادة ولقراءة القرآن ،وشهود مجالس العلم بالمسجد، والتعاون على البر والتقوى مع المعتكفين والخلطة المؤدية لزيادة المحبة بينه وبين من يعرفهم من المعتكفين.

9- الاعتكاف يمكن صاحبه من التعارف بمن لا يعرفهم من المعتكفين وإيثارهم على نفسه بطعام أو فراش أو غيره والاحتساب في السمع والطاعة لتعليمات المسؤول عن إدارة شؤون الاعتكاف.

10- الاعتكاف يمكن صاحبه من اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ،وغير ذلك من النوايا الصالحة .

مقاصد الاعتكاف
– تحري ليلة القدر .
– الخلوة بالله عز وجل ، والانقطاع عن الناس ما أمكن حتى يتم أنسه بالله عز وجل وذكره .
– إصلاح القلب ، ولم شعثه بإقبال على الله تبارك وتعالى بكليته .
– الانقطاع التام للعبادة  من صلاة ودعاء وذكر وقراءة قرآن .
– حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات .
– التقلل من المباح من الأمور الدنيوية ، والزهد في كثير منها مع القدرة على التعامل معها .

الجوانب التربوية للاعتكاف :
(1) تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية :
يؤصل الاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله عز وجل ، ويدربه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان ، إذ يقول الحق تبارك وتعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/56 . حيث إن المعتكف قد وهب نفسه كلها ووقته كله متعبداً لله عز وجل .

ويكون شغله الشاغل هو مرضاة الله عز وجل ، فهو يشغل بدنه وحواسه ووقته – من أجل هذا الأمر – بالصلاة من فرض ونفل وبالدعاء ، وبالذكر ، وبقراءة القرآن الكريم ، وغير ذلك من أنواع الطاعات .

وبهذه الدُّرْبة في مثل أيام العشر الخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على تحقيق مفهوم العبودية لله عز وجل في حياته العامة والخاصة ، ويضع موضع التنفيذ قول الحق تبارك وتعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام /163 ، قال القرطبي ( محياي ) أي : ما أعمله في حياتي ، ( ومماتي ) أي : ما أوصي به بعد وفاتي ، ( لله رب العالمين ) أي : أفرده بالتقرب بها إليه ) 7/69 .

(2) تحري لليلة القدر :
وهو المقصد الرئيسي من اعتكافه صلى الله عليه وسلم إذ بدأ اعتكافه أول مرة الشهر كله وكذلك اعتكف العشر الأواسط تحرياً لهذه الليلة المباركة ، فلما علم أنها تكون في العشرة الأخيرة من شهر رمضان اقتصر اعتكافه على هذه العشر المباركة .

(3) تعوّد المكث في المسجد
فالمعتكف قد الزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة . وقد لا تقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية أمر الاعتكاف ، ولكن عدم القبول هذا سرعان ما يتبدد عادة بما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله .

ومعرفة المعتكف بأهمية بقائه في المسجد أثناء اعتكافه تتجلى في الأمور التالية :
1- أن الرجل الذي يمكث في المسجد قد احب المسجد من قلبه ، وعرف قدر بيوت الله عز وجل ، وهذا الحب له قيمة عند الله عز وجل ؛ إذ يجعله من الفئات التي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

2- أن الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة له أجر صلاة ، وأن الملائكة تستغفر له ، ففي الحديث الذي أورده أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، لا يزال أحدكم في مصلاه ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) البخاري 2/360 فتح الباري .

3- البعد عن الترف المادي والزهد فيه :
في الاعتكاف يتخفف المعتكف من الكثير من هذه الأمور ، ويصبح كأنه إنسان غريب في هذه الدنيا ، وطوبى للغرباء ، فهو من أجل مرضاة الله عز وجل ارتضى أن يقبع في ناحية من المسجد ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطى به ، قد ترك فراشه الوثير وعادته الخاصة من أجل ذلك الرضا .

أما طعامه فهو مختلف في وضعه ، إن لم يكن في نوعه ، إن كان طعامه يأتيه من منزله ، فهو عادة لا يأتيه بالكثرة ولا يتناوله بالوضع الذي كان يتناوله في منزله على طاولة وكرسي مع أهله وولده ، بل يأكل كما يأكل الغريب ، ويأكل كما يأكل العبد الفقير إلى ربه ، وإن خرج إلى السوق من أجل الطعام فهو يعمل جاهداً على التعامل مع ما هو متوفر ولا يشترط نوعاً معيناً ، لأنه مطلوب منه العودة إلى معتكفه ، وعدم الإطالة في مثل هذه الأمور ، وبهذا يعرف أن الحياة يمكن إدارتها بالقليل الذي يرضى عنه الله ، وكذلك يمكن إدارتها بالكثير الذي لا يُرضي الله عز وجل ، والفرق بينهما كبير .

(4) الإقلاع عن كثير من العادات الضارة :
في ظل غياب مفهوم التربية الإسلامية في كثير من المجتمعات الإسلامية ، وفي كثير من بيوت المجتمعات الإسلامية . نشأت وتفشّت لدى أفراد هذه المجتمعات كثير من العادات التي تتعارض مع تعاليم الدين الحنيف ، وعمّت هذه العادات المنكرة حتى أصبحت نوعاً من المعروف الذي لا يرى فيه ضرر على الدين والنفس ، ومن تلك العادات : التدخين ، وسماع الغناء الماجن ، ومشاهدة ما يبث في القنوات الفضائية من مشاهد تُنافي حياءالمسلم وعفّته ، وغير ذلك من عادات لها ضررها على الدين والنفس .

وتأتي فترة الاعتكاف لتكشف للفرد المسلم زيف تلك العادات ، وزيف ذلك الاعتقاد الذي سكن في نفوس كثير من المسلمين بعدم القدرة على التخلص من مثل تلك العادات ، لأنها قد استحكمت في النفوس .

(5) ويتعرف الإنسان المسلم في فترة الاعتكاف ، وقد خلا إلى خالقه ، على مفهوم العبادة بصورتها الشاملة ، وأنه يجب أن يكون متعبداً لله عز وجل على مدار الساعة في حياته العامة والخاصة .

فهو عندما يتخذ مرضاة الله عز وجل ومحبّته ميزانا يزن به كل عمل يقوم به ، يجد أن تلك العادات التي أشرنا إليها آنفاً وكثير غيرها لا تتفق مع هذه المحبة لله عز وجل بل تعمل في اتجاه معاكس لها ، ويجد بذلك أن مثل تلك العادات تخرجه عن دائرة العبودية الصادقة لله ، وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن يتخلص منها في أسرع وقت ممكن .

(6) هذه الطاعات المستمرة لله عز وجل تحتاج إلى صبر مستمر من قِبَل المعتكف ، وفي هذا تربية للإرادة ، وكبْح لجماح النفس التي عادةً ما ترغب في التفلّت من هذه الطاعة إلى أمور أخرى تهواها .

وهناك الصبر على ما نقص مما ألِفته النفس من أنواع الطعام المختلفة التي كان يطعمها في منزله ، فتلك الأنواع لا تتوفر في المسجد ، فيصبر على هذا القليل من أجل مرضاة عز وجل .

وهناك الصبر على نوع الفراش الذي ينام عليه ، فلن يوضع له سرير في المسجد ، أو فراش وثير كالذي ينام عليه في منزله ، فهو ينام على فراش متواضع جداً إن لم يكن فرش المسجد .

وهناك الصبر على ما يجد في المسجد من مزاحمة الآخرين له ، ومن عدم توفر الهدوء الذي كان يألفه في منزله إذا أراد النوم .

وهناك الصبر عن شهوة الزوجة إذ يحرم عليه مباشرتها عند دخوله إلى منزله للحاجة حتى التقبيل والعناق ، وهي حلاله ، وفي هذا الأمر تتجلى قيمة الصبر وقيمة القوة في الإرادة وضبط النفس ، ومن خلال هذه المواقف وغيرها نجد أنه يمكن تربية الإنسان على القدرة على تأجيل كثير من الأمور والرغبات العاجلة من أجل أمور أهم منها ، فهو يؤجل كل هذه الحاجات النفسية والمادية العاجلة من أجل الفوز برضى الله تبارك وتعالى .

(7)  قيام الليل والتعود عليه

(8) قراءة القرآن وختمه

أقسامه :

الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وإلى واجب

فالمسنون : ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله ، وطلبا لثوابه ، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ويتأكد ذلك في العشر الاواخر من رمضان لما تقدم .

والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه ، إما بالنذر المطلق ، مثل أن يقول : لله علي أن أعتكف كذا ، أو بالنذر المعلق كقوله : إن شفا الله مريضي لاعتكفن كذا

وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من نذر أن يطيع الله فليطعه ” وفيه : أن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال : ” أوف بنذرك ” .

زمانه :

الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره وسماه الناذر ، فإن نذر الاعتكاف يوما أو أكثر وجب الوفاء بما نذره .

والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد ، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر .

ويثاب ما بقي في المسجد ، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف

فعن يعلى بن أمية قال : إني لامكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لاعتكف  وقال عطاء : هو اعتكاف ما مكث فيه ، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف . وإلا فلا .

وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء ، قبل قضاء المدة التي نواها . فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ، وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الاواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب ؛ قالت عائشة : فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب ، وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائه فضرب ؛ فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية ، فقال : ما هذه ؟ ” آلبر تردن “

قالت : فأمر ببنائه فقوض (أزيل وهدم ) ، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الاول ” يعني من شوال “

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن دليل على قطعه بعد الشروع فيه .

وسبب إنكاره صلى الله عليه وسلم : أنه خاف أن يكنّ غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو غيرته عليهن فكره ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون ، وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك ، أو لأنه صلى الله عليه وسلم رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف ، وهو التخلي عن الازواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك ، أو لأنهن ضيقن المسجد بأبنيتهن .

شروطه :

alt

ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما ، مميزا وطاهرا من الجنابة ونقاء المرأة من الحيض والنفاس ، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ولا جنب ولا حائض ولا نفساء .

أركانه :

حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف .

أما وجوب النية فلقول الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ” وأما أن المسجد لا بد منه فلقول الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )

ووجه الاستدلال ، أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف ، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد 

رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف :

يصح في كل مسجد يصلى فيها الصلوات الخمس وتقام فيه الجماعة ،وقالت الشافعية الأفضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع ، ولان الجماعة في صلواته أكتر ، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته .

وقت دخول المعتكف والخروج منه :

تقدم أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد . فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار معتكفا حتى يخرج ، فإن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس . فعند البخاري عن أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ” . والعشر اسم لعدد الليالي ، أول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين أو ليلة العشرين .

ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر .

ما يستحب للمعتكف وما يكره له :

يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات ، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى وتصل المرء بخالقه جل ذكره .

ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث ، وقراءة سير الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين ، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد اقتداءبالنبي صلى الله عليه وسلم .

ما يباح للمعتكف

يباح للمعتكف ما يأتي :

1 – خروجه من معتكفه لتوديع أهله ، قالت صفية ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت فانقلبت ، فقام معي ليقلبني ( يردها لبيتها )، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد . فمر رجلان من الانصار ، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي ” ، قالا : سبحان الله يا رسول الله ، قال : ” إن الشيطان يجري من الانسان مرجى الدم ، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ” أو قال ” شرا

2 – ترجيل شعره وحلق رأسه ، وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشعث والدرن ولبس أحسن الثيات والتطيب بالطيب .

قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة ، فأغسل رأسه  وأنا حائض . رواه البخاري ومسلم

3 – الخروج للحاجة التي لا بد منها ، قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان . رواه البخاري ومسلم وغيرهما .

وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ، لان هذا مما لا بد منه . ولا يمكن فعله في المسجد ، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه ، وإن بغته القئ فله أن يخرج ليقئ خارج المسجد ، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله خروجه إليه ، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل . انتهى .

ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة . روى سعيد بن منصور قال : قال علي بن أبي طالب : إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليحضر الجنازة ، وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم .

وأعان رضي الله عنه ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بها خادما ، فقال : إني كنت معتكفا ، فقال له علي : وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت ؟

وعن قتادة : أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس

4 – وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه ، مع المحافظة على نظافته

وصيانته ، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء ، ونحو ذلك .

ما يبطل الاعتكاف :

يبطل الاعتكاف بفعل شئ مما يأتي :

1- الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا وإن قل ، فإنه يفوت المكث فيه ، وهو ركن من أركانه .

2 – الردة . لمنافاتها للعبادة ، ولقول الله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) . 3 ، 4 ، 5 – ذهاب العقل بجنون أو سكر . والحيض والنفاس ، لفوات شرط التمييز والطهارة من الحيض والنفاس .

6– الوطء لقول الله تعالى : ( ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد ، تلك حدود الله فلا تقربوها ) ولا بأس باللمس بدون شهوة ، فقد كانت إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم ترجله وهو معتكف ، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء ، لانه قد أتى بما يحرم عليه ، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل ،

نذر الاعتكاف في مسجد معين :

من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الاقصى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا “

أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف  في المسجد الذي عينه ، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء ، لان الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا ولانه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة ، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاز في مسجدي هذا بمائة صلاة ” .

وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل منه .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

حق النقد لا حرية السب

 بعض من يكتبون التعليقات على الفيسبوك يسبك ويتهمك ويلعنك وحينما تحذف التعليق يقول لك هذا جبن منك ليس عندك قدرة على المواجهة ولا ترحب بالنقد ولا بما يخالف رأيك !!!! وهل هذا الكيبورد الذي تختبيء وراءه يرخص لك ما تفعل ويحول عنتريتك الكاذبة الى حالة من التشنج مصحوبة بقيء لفظي وغائط فكري ؟!! انت حتى

تاريخ الإضافة : 22 سبتمبر, 2017 عدد الزوار : 9 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 2
  • 350
  • 263
  • 731
  • 542
  • 31٬612
  • 154٬017