الرسائل الربانية للعبد

تاريخ الإضافة 3 يناير, 2018 الزيارات : 14504

تكلمنا في الخطبة الماضية عن الغفلة وأن بداية الطريق إلى الله تستدعينا أن نستيقظ من الغفلة ونبصر الطريق إلى الله، وندرك الغاية التي من أجلها خلقنا ، والسعي في نيل رضاه سبحانه وتعالى، لكن منا من انغمس في الدنيا فلا يستيقظ ،ولا ينتبه ؛ فمن رحمة الله وحلمه أن يرسل إليه بعض الإنذارات والتنبيهات لعله يفيق من غفلته ، وهو ما يسميه بعض علماء السلوك بالرسائل الربانية للعبد.

ما معنى الرسائل الربانية ؟

عندما يكون الإنسان غارقا في ملذاته ومعاصيه ؛مقصرا في حق الله لا يعاجله الله بالعقوبة فهو الحليم الذي لا يعجل ، وإنما يبتليه الله تعالى بما يوقظه من غفلته كمرض أو مصيبة أو يسمعه موعظة أو تذكرة ، أو نحو ذلك ، فيُكون هذا الابتلاء أو هذه الموعظة رسالة من الله ، وكأن هذا الأمر جاء لينبّه به الغافلين من عباده قال تعالى: “والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا” النساء 27:28

وفى الأثر أن الله سبحانه يقول:” إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، أرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلىّ صاعد ، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغنى عنهم ! ويتبغضون إلىّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إلى ، أهل ذكرى أهل مجالستي ، من أراد أن يجالسني فليذكرني ، وأهل طاعتي أهل محبتي ، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا إلى فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب المعايب ، من أتاني منهم تائباً تلقيته من بعيد، ومن أعرض عنى ناديته من قريب ، أقول له : أين تذهب؟ ألك رب سواي ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة عندي بمثلها وأعفو ، وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها (1)” 

وصدق الشاعر حين قال :

أيا عبد كم يراك الله عاصياً —- حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا

أنسيت لقاء الله واللحد والثرى —- ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى —- تجرد عرياناً ولو كان كاسياً

ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها —- لكان رسول الله حياً وباقيا

ولكنها تفنى ويفنى نعيمها ——وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا

رسائل الله لهداية البشر :

فالله سبحانه وتعالى من رحمته بنا يبعث رسائل خاصة.. لكل واحد فينا رسالة خاصة به وحده تجذب قلبه ليفيق وينتبه، موت صديق مثلا.. أو مصيبة تقع لك فتتذكر انك فعلت من الذنوب ما تستحق عليه أكثر من ذلك لولا لطف الله بك ، وهذه الرسائل الربانية لن تسمعها بأذنيك ولكن ستراها واضحة أمامك …في مشكلة تحدث لك في مرض ابن أو نقص في رزق.

وجاءكم النذير :

وقد جاء استنباط هذه الرسائل عندما يستغيث أهل النار من شدتها ويسألون الله أن يخرجهم منها (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) فيقول لهم الله  : (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) فاطر37

ما هو النذير ؟ عدة أقوال للعلماء :

1-  النذير: هو النبي صلى الله عليه وسلم:

لأنه بيّن لنا  كل ما يرضي الله وما يغضبه وبين حقيقة الدنيا، وحقيقة الموت ، والحساب والجنة والنار فمما قاله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) متفق عليه .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك”أخرجه البخاري

ويقوم مقام الرسول بعد وفاته العلماء فهم ورثة الأنبياء فهو يذكرون الناس بالله فكم من تائب ومهتد في رحاب بيت الله بموعظة أو بخطبة .

 

2-   النذير :هو القرآن الكريم :

لأن كل آياته تنذرنا عاقبة الغفلة عن الله وفصلت آياته حقيقة الدنيا والموت وما بعده من جزاء على الأعمال ، وحال أهل الجنة وحال آهل النار .

 

3- النذير : المصائب:

ربما تجد إنسانا شاردا، غافلا، ينتقل من صفقة إلى صفقة ، ومن حفلة إلى حفلة،ومن غفلة إلى غفلة  فتأتيه مصيبة،أو مرض ،أو خسارة ليفيق وينتبه ، فالمصيبة رسالة، رسالة من الله وفي هذا المعنى قال تعالى:﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾47 سورة القصص

فما من مصيبة تأتي إلا وهي رسالة من الله، لتحاسب نفسك، ومن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر؛لأنه صار هو المصيبة.

4-  والنذير: موت الأقارب والأصدقاء :

نحن الآن نعيش في هذه الحياة بصحة وعافية و أمن وأمان ثم يؤول الأمر إلى مفارقة هذه الحياة بحلول الأجل ومجيء الموت ويذكرنا بهذا موت الأقارب والأصدقاء … فهذا شخص تعيش معه ليلاً ونهاراً فجأة تسمع خبر وفاته ،فتنتبه أنك ميت كما مات ومحمول على الأعناق كما حمل !!!

 

كما قال الشاعر :

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته — يوماً على آلة حدبـاء محمول

فإذا ما حملت إلى القبور جنازة — فاعلم أنك بعدها محمول

ما الحكمة من تشييع الجنازة واتباع الميت والوقوف على قبره ورؤية الميت وهو يدفن ويواريه التراب ؟

كل هذا شرع لأخذ العظة والعبرة،وترقيق القلب ، ومراجعة الإنسان نفسه ، وتجديد التوبة إلى الله ، ولذلك يستحب لمن تبع الجنازة أن يكون مشغولا بذكر الله تعالى ، أو التفكر فيما يلقاه الميت ، وأن هذا عاقبة أهل الدنيا ، وليحذر عما لا فائدة فيه من الكلام ، فإن هذا وقت ذكر وموعظة ، فتقبح فيه الغفلة .

عن البراء بن عازب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبرًا فجثا عليه، فاستقبلته من بين يديه لأنظر مـا يصنع ، فبكى حتى بـل الثرى مـن دموعه،  ثم أقبل علينا قال: (أي إخواني لمثل هذا فأعدوا) صحيح ابن ماجة

ويقول أبي الدرداء رضي الله عنه: “إذا ذكر الموتى فعد نفسك كأحدهم”.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “السعيد من وعظ بغيره”.

ورأى الحسن البصري رجلا بعد الجنازة يبكي فقال له : أرأيت يا هذا لو كنت مكان هذا الميت  فماذاتتمنى ؟

قال : أتمنى أن أعود إلى الحياة الدنيا ثانيا لأعمل صالحا غير الذي كنت أعمل .

قال : يا هذا أنت الآن فيما تتمنى .

 

5- والنذير : الشيب :

الشيب هو النذير المبين ، لا تخطئه العين وإن أنكره الفؤاد ،  هو نذير الإنسان الآتي من داخل بدنه كما أنه بداية استقبال الكبر وتوديع الشباب ….. وقد أعطى الله الإنسان الأجل وأفسح له في العمر وأظهر له الشيب عنواناً على قرب انتهاء رحلته ، فمن شابت لحيته ورأسه فقد أتاه من الله النذير.

ولقد بكى العلماء والصالحون الشيب، وعلموا أنه داعي القبر، وأنه بريد الموت، وأنه سائق إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

قال الإمام أحمد : ” والله ما مثلت الشباب -يعني: أول العمر- إلا بشيء كان في يدي ثم سقط من يدي “

 

وقال أبو العتاهية :

بكيت على الشباب بدمع عيني     فلم يغن البكاء ولا النحيب

ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيب

 

يقول: يا ليت الشباب -أول العمر- يعود إليَّ فأخبره ماذا فعل بي المشيب؟ غيَّر لوني، وغير بهجتي، وحطم قوتي.

 

6-  النذير : بلوغ الستين :

والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ” أعمار أمتي بين الستين والسبعين ”  رواه الترمذي

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ “أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً ” صحيح البخاري

قَالَ العلماء : معناه لَمْ يَتْرُكْ لَهُ عُذراً إِذْ أمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ . يقال : أعْذَرَ الرجُلُ إِذَا بَلَغَ الغايَةَ في العُذْرِ.

فمن دخل في الستين دخل في أسواق الآخرة، أي أكل، وشرب، وتزوج، وأنجب، فالإنسان في شبابه كل شيء كبير عنده، والآمال عريضة ، الزواج شيء كبير، المال شيء كبير، العمل، التجارة، تجد الشاب في بداياته يرى الدنيا بحجم غير معقول، فكلما تقدمت به السن صغر حجمها، أما عند الموت لا يراها شيئاً، لا يرى إلا العمل الصالح، لا يرى إلا طاعة الله، لا يرى إلا الاستقامة على أمر الله، فلذلك: من دخل في الستين دخل في أسواق الآخرة.

لقي الفضيل بن عياض رجلاً فسأله الفضيل عن عمره:

كم عمرك؟

قال: ستون سنة

قال الفضيل : إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل

فقال له الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون

فقال الفضيل يا أخي! هل عرفت معناها؟

قال: نعم. عرفت أني لله عبد وأني إلى الله راجع.

فقال الفضيل : يا أخي! فمن عرف أنه لله عبد وأنه إلى الله راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً

فبكى الرجل وقال: يا فضيل ! وما الحيلة؟

قال الفضيل : يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتقي الله فيما بقى يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي.

قال لبيد الشاعر:

المرء يأمل أن يعيش — وطول عيشٍ قد يضره

تفني بشاشته ويبقى بعد — حلو العيــــــــــش مره

وتخـــــــــــونه الأيــــــــــام — حتى لا يرى شيئاً يسره

 

وقال أعرابي:

إذا الرجال ولدت أولادهـــــا … واضطربت من كبرٍ أعضادها

وجعــــــــلت أسقامها تعتادها … فهي زروع قد دنا حصـــــــادها

لكن هناك من لا يجيد القراءة عن الله :

فمن أجلّ نعم الله على الإنسان أن يرزقه الفهم ، فمن فهم أدرك حكمة الله في تصريفه لحياته فيزيد تعلقه بالله سبحانه.. ومن وفقه الله سبحانه حقيقة هو من وفقه إلى فهم رسائله…. ومن سوء عمل الإنسان أن تزيد غشاوته فلا يدرك هذه الرسائل ولا يفهمها ، كما أخبر الله عن ثمود: “وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى” (فصلت 17)
وأقرب مثال على ذلك رئيس مصر المخلوع اللامبارك فقد رأى الموت بعينه في حادث المنصة الشهير ونزل تحت الكرسي خوفا من الموت ، … وتولى رئاسة الجمهورية ووقف الشيخ حسنى في أول خطاب له أمام مجلس الشعب المصري؟ ليقول  «الكفن ملوش (ليس له)جيوب، سنعلي من شأن الأيادي الطاهرة»  ،ومع هذا خرج بعد أن سرق مصر وشعبها وقدرت ثروته هو وأسرته بسبعين مليار !!!

وجاءت الرسالة الثانية فقد نجا من محاولة اغتيال في عام1995في أديس أبابا العاصمة الإثيوبية، ولم يقرأ الرسالة جيدا ….

وقابله رجل بالمسجد النبوي فقال له “يا ريس اتق الله واحكم بشرع الله حتى تحقن دماء المصريين” ،حدث هذا في رمضان 1993 .
، وبمجرد قوله لهذه الجملة انقض حراس مبارك على الرجل ، ونقل بطائرة من المدينة إلى جدة ومنها رحل إلى مصر ، إلى السجن الذي
قضى به خمسة عشر سنة دون محاكمة ولم توجه إليه أي تهمة .

وفي أيام المخلوع الأخيرة ذهب إلى ألمانيا ليعالج من سرطان البنكرياس ورجع الرجل كما هو لم يتغير ، فكانت رسالة وفاة حفيده ذو الاثني عشر عاما في مايو 2009  ….. ولكنه لم يقرأ ولم يفهم عن الله فكان خلعه بعد أحداث ثورة 25 يناير 2011 وهو الآن وقد دخل عامه  الرابع والثمانين في خزي السجن وذل الحبس هو وابنيه ينتظر عقوبة الإعدام  ، وسبحان المعز المذل !!!

توبة مالك بن دينار

يقول:بدأت حياتي ضائعا سكيراً عاصيا .. أظلم الناس وآكل الحقوق .. آكل الربا .. أضرب الناس .. افعل المظالم .. لا توجد معصية إلا وارتكبتها .. شديد الفجور .. يتحاشاني الناس من معصيتي.

يقول: في يوم من الأيام .. اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفله .. فتزوجت وأنجبت طفله سميتها فاطمة .. أحببتها حباً شديدا .. وكلما كبرت فاطمة زاد الإيمان في قلبي وقلت المعصية في قلبي .. ولربما رأتني فاطمة أمسك كأسا من الخمر .. فاقتربت مني فأزاحته وهي لم تكمل السنتين . وكأن الله يلهمها أن تفعل ذلك .. وكلما كبرت فاطمة كلما زاد الإيمان في قلبي .. وكلما اقتربت من الله خطوة ..  ابتعدت شيئا فشيئاً عن المعاصي.. حتى اكتمل سن فاطمة ثلاث سنوات …لكن ماتت فاطمة !!!

يقول: فانقلبت أسوأ مما كنت .. ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على البلاء .. فعدت أسوا مما كنت .. وتلاعب بي الشيطان … حتى جاء يوما فقال لي شيطاني: لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!!

فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب……

فرأيتني في المنام ، رأيتني يوم القيامة وقد أظلمت الشمس .. وتحولت البحار إلى نار. وزلزلت الأرض .

واجتمع الناس إلى يوم القيامة .. والناس أفواج … وأفواج .. وأنا بين الناس ….. وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان .. هلم للعرض على الجبار

يقول:فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شده الخوف

حتى سمعت المنادي ينادي باسمي .. هلم للعرض على الجبار

يقول:فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤية) وكأنه لا أحد في أرض المحشر غيري.. وفجأة رأيت ثعبانا عظيماً شديداً قويا يجري نحوي فاتحا فمه، فجريت أنا من شده الخوف …. فوجدت رجلاً عجوزاً ضعيفاًً .. فقلت: آه: أنقذني من هذا الثعبان

فقال لي .. يا بني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن اسلك هذه الناحية لعلك تنجو ..

فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي .. فقلت: أاهرب من الثعبان لأسقط في النار؟!!

فعدت مسرعا أجري والثعبان يقترب….فعدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني .. فبكى رأفة بحالي .. وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اهرب تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو

فجريت للجبل والثعبان يكاد أن يلتهمني، فرأيت على الجبل أطفالا صغاراً فسمعت الأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك أدركي أباك

يقول: فعلمت أنها ابنتي .. ويقول ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها 3 سنوات تنجدني من ذلك الموقف ، فأخذتني بيدها اليمنى .. ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شده الخوف ، ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا…. وقالت لي يا أبت :

(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله )

قلت : يا بنيتي .. أخبريني عن هذا الثعبان!!

قالت هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك .. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة..؟

قلت : وذلك الرجل الضعيف: قالت ذلك العمل الصالح .. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئاً !!!

ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيرة ما كان هناك شئ ينفعك

ثم التفتت إلي وقالت  يا أبت : (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ؟!!)

يقول:فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يا رب .. قد آن يا رب نعم

وتاب مالك بن دينار وطابت سيرته بصدق توبته.

الله ينادي يا عبادي

إخواني وأختم بهذا الحديث الذي كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثى على ركبتيه ،عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم .

 


 

 

(1)الأثر أخرجه الطبراني وابن عساكر والبيهقي في شعب الإيمان  عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- ، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة  ، وقد ذكره بنصِّه غير واحد من أهل العلم، كالإمام ابن تيميَّة ذكره في ” مجموع الفتاوى ” (14/319) حيث قال :  ” وقد جاء فى بعض الأحاديث : ( يقول الله تعالى : أهل ذكري أهل مجالستي ، وأهل شكري أهل زيادتي ، وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، أي محبهم ، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب )

وذكره ابن القيم رحمه الله في ” مدارج السالكين ” في منزلة التوبة  (1/194) من غير عزو لكتاب .

، وأخرج نحوه مختصراً ابنُ أبي الدنيا -في كتاب الشكر- عن مالك بن دينار رحمه الله قال: (قرأتُ في بعض الكتب أنَّ الله يقول: وذكر نحوه ، وروي من طرق أخرى، وكلها لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يستأنس بها، ولا يزالُ أهل العلم ينقلونها في كتبهم كأثر من الآثار التي يستأنس بها ، وأفتى الشيخ ابن باز رحمه الله بجواز روايته وقام بشرحه والرابط هنا : http://www.binbaz.org.sa/mat/10551

 

وقال الشيخ المنجد بعد أن بين ضعف الحديث : ومع ذلك فمعنى الحديث صحيح مقبول ، وليس فيه ما ينكر ، إلا أنه لا تجوز نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم .

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الوصية بين الفقه الإسلامي والقوانين في الغرب

في يوم الجمعة الماضياستضاف مسجدنا أحد الإخوة المحامين لعمل ندوة (عن الوصية في القانون الكندي) ونظرا لأهمية ماجاء فيها وتغيب الكثير من الإخوة عن الحضور ؛ فإني أخصص خطبة هذا الأسبوع للحديث عن هذا الموضوع أولا /الوصية في الفقه الإسلامي  : الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع . حكمتها : الوصية قربة

تاريخ الإضافة : 29 نوفمبر, 2018 عدد الزوار : 1595 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬832
  • 0
  • 1٬889
  • 0