تفسير سورة يس

تاريخ الإضافة 9 نوفمبر, 2015 الزيارات : 553

تفسير سورة يس maxresdefault

مكيّة ، وهي ثلاث وثمانون آية

تسميتها :سميت سورة يس لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية ياء وسين

بين يدي السورة : سورة يس هي السورة السادسة والثلاثون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة مكية وآياتها ثلاث وثمانون آية، وسورة يس فيها من خصائص السور المكية ما هو معروف في قراءتك لهذه السورة، فتجد خصائص السور المكية واضحة في الرد على المشركين، وفي التأكيد على توحيد الله سبحانه، وعلى أمور العقيدة، والإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار، كذلك إثبات صفات الأنبياء وما يعتبر فيهم، وإثبات قضاء الله سبحانه وقدره، وإثبات علم الله سبحانه وتعالى، والكلام عن الحشر، وشكر الله سبحانه وتعالى والحث على ذلك، ومعجزة هذا القرآن وكيف أن هذا القرآن الحكيم من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وإثبات الجزاء على فعل الخير، والجزاء على فعل الشر مع ذكر الأدلة الكونية من الآفاق ومن أنفس الناس.

فضل سورة يس:

ذكر المفسرون أحاديث كثيرة وآثاراً في فضل هذه السورة، ولكن أكثر ما ذكروه ضعيف السند أو موضوع ، فمنها:

1-    (اقرءوا على موتاكم يس) ضعفه الألباني.

2-   ( إنَّ لِكلِّ شيءٍ قلبًا وقلبُ القرآنِ يس ومن قرأَ يس كتبَ اللَّهُ لَهُ بقراءتِها قراءةَ القرآنِ عشرَ مرَّاتٍ ) قال الالباني موضوع

3-   ( مَن دخلَ المقابرَ فقرأَ سورةَ يس خفَّفَ عنهُم يومَئذٍ ، وكان لهُ بِعَددِ مَن فيها حَسناتٌ ) قال الالباني موضوع

4-   ( مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس في لَيلةٍ أصْبَحَ مَغفُورًا له . ومَنْ قَرأَ الدُّخَانَ لَيلةَ الجمعةِ أصبحَ مَغفُورًا لَهُ ) قال الالباني موضوع

5-    ( سورة يس لما قرأت له ) قال في كشف الخفاء نقلاً عن المقاصد الحسنة : لا أصل له

والخلاصة : أنه لم يصح في فضل سورة يس شيء

الفصل الأول

حقائق الإيمان

في مواجهة عتوّ الطغيان

{ يَسِ (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ ، فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ، فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ ، فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ، فَأَغْشَيْنَاهُمْ ، فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)

قوله تعالى: (يس والقرآن الحكيم)جاء حديث ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (أن له عند ربه عشرة أسماء من ضمنها طه ويس) وهذا لا يصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يصح أنها من أسمائه صلى الله عليه وسلم، في سنده وضاع وضعيف ([1]).

ولكن الراجح فيها: أن (يس) ومثلها (طه)حرفان مقطعان من حروف اللغة العربية يتحدى الله عز وجل بهما الكفار، بأن يأتوا بكتاب مثل هذا الكتاب العزيز من جنس هذه الحروف التي يقرؤونها ، وما استطاع أحد من فحول بلغاء العرب وفصحائهم أن يأتي بمثل ذلك، ولن يقدروا أبداً أن يأتوا بمثل ذلك ، وغالباً إذا جاءت هذه الحروف يذكر الله عز وجل القرآن أو إشارة إلى القرآن بعدها إلا في مواضع يسيرة، فأي سورة فيها هذه الحروف المقطعة يشير بعدها إلى هذا القرآن، بياناً منه سبحانه أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، ولكن لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا أن يكون إنساناً مفترياً كذاباً .

والبعض احتج ايضا أن الخطاب بعد (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) و(يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين ) موجه للرسول صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنها نداء للرسول باسمه ،وهذا غير صحيح لأننا لو جعلنا هذا الأمر قاعدة لكان من أسمائه (المص) ففي أول سورة الأعراف قال تعالى :المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)”فهنا الخطاب موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ،ولم يقل أحد أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم (المص)

قال الإمام ابن القيم: وأما ما يذكره العوام أن يس وطه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح ولا حسن ولا مرسل ولا أثر عن صاحب، وإنما هذه الحروف مثل: الم، وحم، والر، ونحوها.([2])

قوله تعالى: (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) . أقسم الله عز وجل بهذا القرآن الحكيم، والحكيم من أسماء الله عز وجل، ووصف بها كتابه سبحانه وتعالى، وهو كلام حكيم رصين، فيه الحكمة وفيه الحكم، وهو كلام محكم، أحكمه الله سبحانه وأتقنه، وأتانا بأحسن القصص فيه وأعظم الكلام وأعظم الموعظة وأعظم الشرائع.

إذاً: القرآن الحكيم: القرآن ذو الحكمة، والقرآن المحكم، والقرآن الحاكم، والقرآن الذي لا خلل فيه ولا زلل ولا خطأ، وما من كتاب إلا ويوجد فيه أخطاء مهما راجعه صاحبه، قال تعالى: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا “النساء:82 ، أي: فكل كتاب من عند غير الله لابد وأن يكون فيه الاختلاف، ولا بد وأن يكون فيه الخطأ، إلا كتاب الرب سبحانه وتعالى.

قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم)

المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقسم له سبحانه بكتابه الحكيم إنه لمن المرسلين. وإذا قال له ربه سبحانه: “إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ “ كفى، ولكن يقسم له سبحانه لإزالة أي شك وريب في قلوب الناس.

قوله تعالى: ” عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ “ الصراط: الطريق الذي يوصل بين شيئين والمعنى: إنك على طريق مستقيم من عند الله سبحانه.

والمعنى: إنك يا محمد! على طريق الرسل الذين كانوا من قبلك، فهؤلاء على طريق الله وأنت على طريقهم، والكل يدعو إلى الله سبحانه وتعالى.

قوله تعالى (تنزيل العزيز الرحيم)يذكر الله سبحانه وتعالى أن هذا القرآن العظيم منزل من عنده سبحانه، وتَنزِيلَ : مصدر نزل تنزيلاً، فالقرآن منزل جاء من عند الله سبحانه وتعالى.

 قوله تعالى: (الْعَزِيزِ)،العزة صفة من صفاته، والعزيز اسم من أسمائه سبحانه وتعالى. والله عزيز، أي: لا يمانع ولا يغالب سبحانه، إذا قضى أمراً فلا يرد قضاءه أحد، فهو العزيز القوي الذي لا يغالب، القاهر الذي لا يمانع، الذي إذا قضى شيئاً فلابد أن يكون على ما أراد أن يكون.

قوله تعالى: (الرَّحِيمِ):اسم من أسمائه، والرحمة صفة من صفاته سبحانه وتعالى ؛ فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة، وقد ذكر سبحانه أن رحمته سبقت غضبه والرحمن والرحيم صيغتها مبالغة، والرحمن: ذو الرحمة العظيمة التي تعم الخلق جميعهم، والرحيم : ذو الرحمة العظيمة ؛ فالرحيم: يرحم خلقه سبحانه فيهديهم ويدلهم على الصواب، وينزل عليهم الكتاب، ويرسل إليهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو بعباده رحمن رحيم.

قوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)لتنذر من هؤلاء العرب قوماً من الأقوام الذين أنت فيهم، وتنذر غيرهم، ولكن ابدأ بهؤلاء. كما قال تعالى:” مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ” [القصص:46] ، إذاً: لم يأت العرب من أنفسهم نذير، ولم يأتهم رسول من عند الله سبحانه، وإنما كان الأنبياء من ذرية أخرى ليسوا من هؤلاء العرب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليس من العرب، إنما مولده في العراق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن أبناء إبراهيم إسحق وإسماعيل، وقد أخذ إبراهيم وإسماعيل وهو صغير وذهب به إلى مكة ووضعه هناك مع أمه هاجر، وتركه هنالك، وجاءت رفقة من جرهم كانوا عرباً، فتعلم منهم إسماعيل العربية وكان من أفضلهم فيها، فنافسهم فيها وغلبهم فكان إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام أبا هؤلاء العرب الذين جاءوا بعد ذلك، وكان أباً للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو ابن الذبيح إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

ومن عهد إسماعيل إلى عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، لم يكن هناك نبي من العرب، بل كل الأنبياء من ذرية إسحاق؛ لكن النبي الوحيد الذي جاء من العرب هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو من ذرية إسماعيل، فلذلك قال الله سبحانه: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6] أي: ما جاءهم نبي منهم .

قوله تعالى: (لِتُنذِرَ)أي: تخوفهم من عذاب الله سبحانه وتعالى، وتهددهم بما عند الله من عذاب على من يشرك به ومن يكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

قوله تعالى: (مَا أُنذِرَ)(ما) نافية، يعني: ما جاء نذير لآبائهم.

وقوله تعالى: “فَهُمْ غَافِلُونَ “أي: غافلون عن عذاب الله سبحانه، لا يستجيبون للأنبياء ولا يهتمون بعذاب ربهم سبحانه وتعالى، فالله عز وجل أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ليبشر المؤمنين، وينذر الكافرين.

قوله تعالى: “لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ” وجب الحكم بالعذاب على أكثر أهل مكّة ، وهم الذين عاندوا الحقّ ، وأصرّوا على الكفر ، وماتوا عليه ، وهذا إخبار منه سُبحانه بمآل أمورهم ، وخواتيم أحوالهم .

قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً…)

سبب النزول: جاء في سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل بن هشام ورجلين من بني مخزوم تواصوا فيما بينهم أنهم إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويسجد عند الكعبة أن يأخذ أحدهم حجراً ويرضخ به رأسه صلى الله عليه وسلم. فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي إذا بـأبي جهل لعنة الله عليه يأخذ حجراً ويجري إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبر بقسمه، فلما وصل فزع ورجع خاشعاً ذليلاً لعنة الله عليه وعلى أمثاله، إذ غلت يده إلى عنقه بالحجر الذي معه ورجع فزعاً إلى قومه .

 فقال الوليد بن المغيرة : أنا أرضخ رأسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم ير أصحابه، فلما نادوه رآهم وقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته ، فإذا بالثالث يقول: والله لأشدخن رأسه، فلما انطلق وأخذ الحجر فإذا به يرجع القهقرى، ونكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا بفحل يخطر بذنبه، ما رأيت فحلاً قط أعظم منه حال بيني وبينه، فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني…. فنزلت هذه الآية تبين شيئاً مما يصنعه الله عز وجل بهم في الدنيا، وما يصنعه بهم في الآخرة أشد وأعظم من ذلك، قال تعالى: “إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ “[يس:8]، أي: أرادوا رمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر فقيدت أيديهم إلى رقابهم ولم يقدروا على ذلك.

وهذا من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم أراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله سبحانه وتعالى يثبته ويزعزعهم فيخافون، فهذا أبو جهل لعنة الله عليه يأخذ شيئاً من رجل ولا يعطيه الثمن، فأراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل منهم: اذهب إلى محمد فإنه سيأتي لك بحقك من أبي جهل. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة هو ومن معه من المؤمنين كانوا في حالة ضعف، فكيف سيأتي لهذا الرجل بحقه من فرعون هذه الأمة؟

ومع هذا يذهب الرجل إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويطرق عليه بابه ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ له حقه من أبي جهل… ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع المظلوم لينصره صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو كان مستضعفاً في مكة والكفار ينظرون، فخرجوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم يتغامزون، ويضحكون، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل إلى بيت أبي جهل وطرق بابه، فخرج أبو جهل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعط الرجل حقه، فإذا به يرعب من النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: نعم يا أبا القاسم، ويرجع خاشعاً ذليلاً، ويأتي بالمال ويدفع للرجل حقه.

أرادوا أن يسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم فرد الله كيدهم في نحورهم! فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا أبا الحكم ويحك! ما الذي صنعت؟ قال: والله لقد رأيت فحلاً من الإبل أمامي فاغراً فاه، ولو لم أقل له: نعم لأكلني.

 فهؤلاء الكفار يرون تأييد الله سبحانه وتعالى لنبيه بالمعجزات، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل، قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7].

معاني الكلمات :

أَغْلَالًا :الأَغلال جَمع غُلّ (بضم العين): وهو ما تجمع به اليد إلى العنق للتعذيب ، أو ما يوضع في العنق .

الْأَذْقَانِ :جمع ذَقَن ، وهو مجتمع اللحيين .

فَهُمْ مُقْمَحُونَ :رافعون رءوسهم ، لا يستطيعون خفضها.

معنى جعل الأغلال في أعناق الكفار:

من جمال القرآن في تعبيراته وبلاغته، احتماله للمعاني الكثيرة التي تكون كلها صحيحة، فيكون الاختلاف اختلاف تنوع، فالله سبحانه يقول: “إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا “[يس:8]، إما أن يكون يوم القيامة وهم يحاسبون، أو وهم في النار، أو وهم في الدنيا جعل في أعناقهم ذلك دليلاً على المنع والحجز عن شيء أرادوه، فكل هذه المعاني صحيحة.

والقيد: الرباط الذي يوثق به الإنسان، سواء كان من حديد أو من غيره.

والغل: السلسلة التي تجمع يدي الإنسان إلى عنقه، فتكون اليدان مربوطتين إلى العنق في سلسلة، والرأس مرفوع إلى فوق، والذل عليه فنظره أسفل، فهو مقمح ذليل لا يقدر أن يحرك رأسه، هذا حالهم يوم القيامة.

فالمعنى: أيديهم مغلولة تحت أذقانهم، مربوطة بسلاسل في أعناقهم.

وقوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ، أي: أن الوضع ضيق عليه، فلا يقدر أن يوطئ رأسه فيستريح؛ لأن رأسه مرفوعاً، وعينيه ذليلتان تنظران إلى أسفل.

فالإقماح: رفع الرأس وغض البصر، ورفع الرأس هنا ليس من عزته؛ لأنه مجبر على ذلك. وقيل : إن الآية حقيقة وليس فيها (استعارة) وإنما هذا تصوير لهم يوم القيامة إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [سورة غافر آية 71].

قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].أي منعناهم في الدنيا عن الإيمان بموانع من استكبارهم عن قبول الحقّ ، وعتوّهم وعنادهم .

فَأَغْشَيْنَاهُمْ : غطّينا أبصارهم .

وقد يكون المعنى أن الله حجب ابصار هؤلاء الكفار ، فلم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكرر ذلك مرات منها :

1-   لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، ومر على الكفار وقد جمعوا له أربعين رجلاً، كل منهم شاب قوي من قبيلة يحمل سيفاً، فأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بضربة رجل واحد. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله سبحانه وتعالى، وأخذ تراباً من الأرض وألقاه على رءوس الجميع فأعماهم الله فلم يروا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمر من أمامهم حتى خرج صلوات الله وسلامه عليه.

2-   وكذلك في يوم حنين، قال تعالى: “وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا “ [التوبة:25]، وإذا بالمسلمين يفرون من الكفار، ولم يبق سوى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سبعون من آل بيته وأصحابه، وينزل النبي صلى الله عليه وسلم للكفار ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، يقول ذلك في موطن يفر منه الأبطال. ففي الحديث: (ثم يأخذ من الأرض تراباً ويلقيه عليهم ويقول: شاهت الوجوه)، فأعمى الله عز وجل الكفار، ولم يرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدأ هؤلاء السبعون في أسر الكفار، فر تسعة آلاف وتسعمائة وثلاثون ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وممن فر ألفان من مسلمة الفتح، ولم يبق إلا سبعون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يواجه هوازن وغطفان وعددهم عشرة آلاف، يواجههم بسبعين وتراب من الأرض يأخذه ويلقيه على وجوههم، وهو يقول: (شاهت الوجوه) فيعميهم الله سبحانه، ويأسرهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ولا يرجع المسلمون حتى تكون الدائرة على هؤلاء الكفار.

فالله عز وجل جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشاهم فلم يبصروا، فنصر نبيه صلوات الله وسلامه عليه في مواطن كما ذكرنا.

أما يوم القيامة فالله عز وجل يحشرهم عمياً في النار والعياذ بالله، قال تعالى: ” قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى” [طه:125-126].

 في رواية لهذا الأثر: أن أبا جهل ومعه عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف كانوا يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه السورة ومعه تراب، وقرأ الآية: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فأطرقوا جميعاً حتى مر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدروا له على شيء.

وقوله تعالى: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]،أي: ما يغشى الإنسان، وهو شيء يجعل غشاوة على بصره فلا يرى، والغشى قريب من ذلك، مأخوذ من العشاوة على العين، والغشاوة بالغين: لا يبصر أو لا يرى، والأعشى هو الذي لا يبصر في وقت دون وقت آخر.

المعنى الإجمالي للآيات :

–      يقسم الله تعالى بالقرآن المحكم بما فيه من الأحكام والحكم والحجج ، إنك يا محمد eلمن المرسلين بوحي الله إلى عباده ، على طريق مستقيم معتدل ، وهو الإسلام ، وهذا القرآن تنزيل من العزيز في انتقامه من أهل الكفر والمعاصي ، الرحيم بمن تاب من عباده وعمل صالحاً .

–      لقد أنزلنا عليك هذا القرآن يا محمد لتحذّر به قومك وهم العرب ، الذين لم ينذر آباؤهم الأقربون ، فهؤلاء القوم ساهون عن الإيمان والاستقامة على العمل الصالح

–       وإنّ كل أمة ينقطع عنها الإنذار تقع في الغفلة ، وفي هذا دليل وجوب الدعوة والتذكير على العلماء بالله وشرعه ، لإيقاظ المسلمين من غفلتهم .

–      وإنّ أكثر هؤلاء الكافرين قد وجب عليهم العذاب لإعراضهم عن الحقّ ، فهم لا يصدقون بالله تعالى ولا برسوله e، ولا يعملون بشرع الله وهديه .

–      وإنّ مثل هؤلاء الكفار الذين عرض عليهم الحق فردوه ، وأصروا على الكفر وعدم الإيمان ، كمن جعل في أعناقهم أغلال ، فجمعت أيديهم مع أعناقهم تحت أذقانهم ، فاضطروا إلى رفع رءوسهم إلى السماء فهم مغلولون عن كل خير ، لا يبصرون الحق ولا يهتدون إليه .

–      وجعلنا من أمام الكفار سداً ومن ورائهم سداً ، فهم بمنزلة من سدّ طريقه من بين يديه ومن خلفه ، فأعمينا أبصارهم ؛ بسبب كفرهم واستكبارهم ، فهم لا يبصرون رشداً ولا يهتدون ، وكلّ من قابل دعوة الإسلام بالإعراض والعناد ، فهو حقيق بهذا العقاب .

الدروس والعبر :

1      ـ القرآن الكريم معجزة النبي eالخالدة إلى يوم القيامة ، وهو تنزيل من ربّ العالمين ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

2       ـ إنّ محمد بن عبد الله eرسول من عند الله تعالى ، أرسله الله بالهدى ودين الحق ، للعالمين بشيراً ونذيراً ، على منهج وطريق ودين مستقيم هو الإسلام .

3   ـ إن رءوس الكفر والطغيان ، والتكذيب والعناد من أهل مكّة أو العرب ، أو ممّن يأتي بعدهم إنما يستحقّون الخلود في نار جهنّم ، لأنّهم أصرّوا على الكفر ، وأصمّوا آذانهم ، وأعموا أبصارهم عن النظر في آيات الله ، والتفكّر في دلائل وحدانيّته وقدرته .

4      ـ وما جاء من الآيات بعد قوله تعالى : { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) } إنّما هو كالتعليل والتدليل على عدم إيمان هؤلاء الكافرين ، فكأنّ سائلاً سأل : لماذا حُرموا من نعمة الإيمان ؟ وحَقّ عليهم العذاب ؟ فكان الجواب لأنّهم حجبوا عن أنفسهم بأنفسهم دلائل الحقّ ، فكان حالهم كحال السجين المغلول اليدين والرأس ، وقد اجتمع عليه مع ذلك الحبس في مكان ضيّق بين سدّين وجدارين : سدّ أمامه ، وسدّ خلفه ، فأنّى له المخرج من ذلك ؟  .

الفصل الثاني

من ينتفعون بالذكر وكتابة آثار الأعمال

تفسير الآيات 10-12

وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ،لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ، وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ، فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) } { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12).

قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )إنذارك إيّاهم وعدمه سواء ، فلا ينفعهم الإنذار بسبب العتوّ والاستكبار .

إذا لم ينذر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كفروا فمن ينذر؟

ليس المعنى على ظاهره إنما المعنى واصل دعوتك وإنذارك للناس، وإن أصر أناس على الكفر فلا تحزن؛ لأن منهم من كتب الله أزلاً شقوتهم وشقاءهم ، فالله عز وجل أمره بأن ينذر ويبلغ ويدعو، فلما رأى أناساً مصرين معاندين مكابرين هون عليه تعالى ذلك، وقال: لا تحزن ولا تأسف عليهم، فقد كتب الله شقوتهم أزلاً.

قال تعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:11].مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ : أي اتّبع القرآن .

وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ :أي خاف عقاب الله في السرّ والعلن ، وإن لم يره .

 أي:أن الذي ينتفع بالموعظة هو ذلك الإنسان المتواضع له سبحانه وتعالى، والذي يقبل كلام رب العالمين، ويعمر قلبه بما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، الذكر: ما ذكرته به، وما نزل من عند الله سبحانه.

وقوله: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)، الخشية: هي شدة الخوف المبني على العلمبعظمة المخشي منه والهيبة منه، قال الله تعالى“إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ”.وبين العلم الصحيح والخشية تلازم، ولا يكون المرء عالماً حقاً حتى يكون من أهل الخشية.

والتعبير القرآني تعبير قوي، فمن المعتاد أن يقال: ويخشى الله شديد العقاب سبحانه وتعالى. لكن الله قال: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)؛ لأنهم مؤمنون، فالله لا يقنطهم من رحمته، أي: أنتم تخافون من الرحمن فلكم عند الرحمن الرحمة العظيمة الواسعة.

وقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)أي: فبشر هؤلاء بالمغفرة من الله سبحانه وتعالى، وبشرهم بالأجر الكريم وهو الجنة العالية الغالية، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلاَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنِّى سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ أُرْعِدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ أَأَكْرَهْتُكِ قَالَتْ لاَ وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ وَمَا حملني عَلَيْهِ إِلاَّ الْحَاجَةُ فَقَالَ تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِهِ اذهبي فهي لَكِ. وَقَالَ لاَ وَاللَّهِ لاَ أَعْصِى اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ. أَخْرَجَهُ أحمد

وذكر أبو نعيم([3])أن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فدخلت عليه فقال لي فيم تنظر فقلت في النحو والعربية والشعر قال فأنشدني فأنشدته:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا … فَلَا تَقُلْ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً … وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
غَفَلْنَا الْعُمُرَ وَاللهِ حَتَّى تَدَارَكَتْ … عَلَيْنَا ذُنُوبٌ بَعْدَهُنَّ ذُنُوبُ
فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى … وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ

فبكى حتى سمع الجيران بكاءه.

ويقول القاسم بن محمد :كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي، فأقول في نفسي:بأي شيء فُضُل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟!إن كان ليصلي إنا لنصلي، ولئن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو إنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج. قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ انطفأ علينا السراج، فقام بعضنا لإصلاح السراج، فكانت هُنيهة -أي: لحظة من اللحظات- ثم جاء السراج، فنظرت إلى وجهه رحمه الله تعالى وقد ابتلت لحيته من كثرة الدموع،فقلت في نفسي: بهذه الخشية فُضِّل هذا الرجل علينا، ولعله عندما فقد السراج وصار إلى الظلمة ذكر القيامة فتأثر.

ويقول الشاعر:

نوح الحمام على الغصون شجاني * * * ورأى العذول صبابتي فبكاني
إن الحمام ينوح من خوف النوى * * * وأنا أنوح مخافة الرحمن
فلإن بكيت فلا أُلام على النوى * * * ولطالما استغرقتُ في العصيان
يا ربِّ عبدك من عذابك مُشفقٌ * * * بك مُستجيرٌ من لظى النيران
فارحم تضرعه إليك وحزنهُ * * * وامنن عليه اليوم بالغفران

وحكي أن بشراً الحافي كان في زمن لهوه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون. فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدق الباب. فخرجت إليه جارية، فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟ فقالت: بل حر!

فقال: صدقت لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.

فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافياً حاسراً وقد ولى الرجل ؛ فقال للجارية: ويحك! من كلمك على الباب؟ فأخبرته بما جرى. فقال: أي ناحية أخذ هذا الرجل؟ فقالت: كذا.

فتبعه بشر حتى لحقه، فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم. قال أعد عليّ الكلام ؛ فأعاده عليه؛ فمرّغ بشر خديه على الأرض وقال: بل عبد! عبد! عبد! ثم هام على وجهه حافياً حاسراً حتى عُرف بالحفاء.

 فقيل له: لمَ لا تلبس نعلاً؟ قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف. فلا أزول عن هذه الحال حتى الممات([4]).

قوله تعالى: ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم … )

نُحْيِي الْمَوْتَى :نبعثهم بعد الموت .

وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا :أي نكتب في اللوح المحفوظ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة

وَآثَارَهُمْ :ما تركوه بعدهم من الحسنات المستمرّ نفعها بعد الموت ، كالعلم النافع ، والمسجد والمشفَى والمدرسة ، أو من السيّئات كالمظالم ، والأضرار ، ونشر البدع والضلالات بين الناس .

وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ :وَكُلَّ شَيْءٍ من أعمال العباد جمعنَاه وضبطناه ، وحقيقة الإحصاء : العدّ والحساب ، وهو هنا كناية عن الإحاطةِ والضبط ، وعدم تخلُّف شَيْءٍ عن الذكر وَالتعيين ، لأنّ الإحصاء والحساب يستلزم ألاّ يفوت شيء من المحسوباتِ .

إِمَامٍ مُبِينٍ :في اللوح المحفوظ ، أو في صحائف العباد .

 ( إِنَّا نَحْنُ )وإذا سأل سائل عن وقت تحقيق البشارة والنذارة ؟ فالجواب : إن ربك يحيى الموتى ليجازى الكل ، ويحقق ما وعده من البشارة وضدها ، واللّه يكتب ويحصى ما قدمه الناس وما أخروه من كافة الأعمال ، وهو يكتب آثارهم ، فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعده من خير وشر يجازى عليها عبر هنا سبحانه تبارك وتعالى بنون العظمة لبيان عظيم فعله، وأنه الله الخالق العظيم الذي يحيي الموتى بقدرته سبحانه.

قال الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12].ما يقدمه الإنسان هو ما يفعله الآن، وأثره هو ما يتركه بعد وفاته، فيظل موجوداً باقياً، كالوقف الذي يحبسه، كمبنى يبنيه ويجعله مسجداً لله سبحانه وتعالى، هذا أثر للإنسان بعد ما يموت، حيث يظل الناس يصلون في هذا المكان، فيكون هذا أثراً من آثار هذا الإنسان يكتبه الله سبحانه وتعالى، فآثار المرء تبقى وتذكر بعده بخير أو بشر، ولو سن للناس سنة شر لكانت بعده في الناس يذكرونه بها.

من آثار الخير الحسنة التي يتركها الإنسان بعد وفاته: العلم الذي يعلمه، أو النهر الذي يجريه، أو البئر يحفرها للناس، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو مسجداً بناه، أو مصحفاً ورثه، أو ترك أولاداً صالحين يدعون له، كل هذا مما يكون أثراً لهذا الإنسان ينتفع به بعد وفاته ، كما في الحديث قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ” إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه وولدًا صالحًا ترَكَه ومُصحفًا ورَّثَه أو مسجِدًا بناهُ أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناهُ أو نَهرًا أجراهُ أو صدَقةً أخرجَها من مالِه في صِحَّتِه وحياتِه يَلحَقُهُ من بعدِ موتِهِ” حسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة

 أما الإنسان الذي يسن للناس سنة شر، فيصنع للناس أشياء فيقلده الناس عليها، كإنسان ظلم نوعاً من الظلم وسنه للناس، فصار عليه الناس بعده يسنون هذا الظلم ويتبعونه ويقلدونه، كفرضه على الناس أشياء لم ينزل الله عز وجل بها من سلطان، فيأخذ بها الناس، أو يضرب الناس على أشياء لم يؤمر بها لا في كتاب الله، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مما يتركه الإنسان ويسنه ويقلده من يليه بعد ذلك، فيأخذ من الناس أموالاً بغير حق، فيقلده الناس في ذلك، فهذا من المظالم وفي الحديث :قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنةً، فلَه أجرُها، وأجرِ مَن عمِلَ بِها بعدَهُ، مِن غيرِ أن ينقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سَيِّئةً، كانَ علَيهِ وزرُها ، و وِزرِ مَن عمِلَ بِها من بعدِه، من غيرِ أن ينقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ ، (ثمَّ تلى هذِه الآيةَ : “وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ” ،  قال : فقسَمهُ بينَهُم)أخرجه مسلم وابن أبي حاتم والزيادة التي قبل الأخيرة له، وإسنادها صحيح

كتابة آثار خطوات العباد إلى المساجد

كذلك من أثر الإنسان آثار مشيه، كما جاء عن جابر في صحيح مسلم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن بني سلمة كانت بيوتهم بعيدة عن مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وخلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد؛ لأن ديارهم بعيدة، وكانوا يحضرون مع النبي صلى الله عليه وسلم جميع الصلوات، فأحبوا أن ينتقلوا قرب المسجد ليهون الأمر عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم)، يعني: الزموا دياركم، وتكتب آثاركم، والآثار هي الخطوات التي تمشونها إلى بيت الله عز وجل، فهي تعد لكم وتؤجرون عليها.

وروى هذا الحديث الإمام أحمد بلفظ آخر من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: هممنا أن ننتقل من دورنا لقرب المسجد، فزجرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (لا تعروا المدينة)، يعني: أطراف المدينة يكون سكانها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وتبقى أطراف المدينة للمنافقين، ويجيء الكفار من هذه الأماكن، قال: (لا تعروا المدينة)، لا تتركوا أطراف المدينة عارية بحيث يقدم علينا أي أحد ولا ندري ما الذي يحدث فيها. قال صلى الله عليه وسلم: (لا تعروا المدينة، فإن لكم فضيلة على من عند المسجد بكل خطوة درجة).

كتابة آثار الماشين في الظلم إلى المساجد

جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) أي: الخارجين من البيت لصلاتي الفجر والعشاء في الظلمة. فمن خرج إلى بيت الله سبحانه يبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالنور التام يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله سبحانه بقوله: يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12]، فنور المؤمن يترتب على ما عاناه في الدنيا من بذل لله سبحانه، ومن صبر على الطاعة، فيؤجر الأجر العظيم عند الله سبحانه.

من كان بيته بعيداً عن المسجد لا يحزن ولكن يفرح؛ لأن خطواته مكتوبة، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]. أما إذا كان بيته قريباً من المسجد فهل يبحث عن مسجد بعيد يذهب إليه حتى تكتب الآثار؟

الجواب: ليس الأمر كذلك، طالما أنك قريب من المسجد فالله عز وجل رحمك بذلك، والذي تفعله هو أن تحضر مبكراً إلى بيت الله سبحانه، وتعوض آثار غيرك بالمكث في بيت الله سبحانه وتعالى، فعندما تسمع الأذان تأتي إلى بيت الله، أو تأتي قبل الأذان بفترة، فهذا يعوض لك وتنال من صلاة الملائكة عليك: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم صل عليه. وهذا أجر عظيم. لكن أن يترك الإنسان المسجد الذي بقربه خاصة إذا كان مسجداً على السنة، ويهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويقيمون فيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا معنى أن يترك ذلك وأن يتوجه إلى مسجد بعيد مثلاً .

إحصاء أعمال العباد في اللوح المحفوظ:

قوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]. الإمام المبين هو اللوح المحفوظ، وهو عند الله عز وجل، مكتوب فيه كل شيء. كذلك صحائف الأعمال للعباد، كل عبد صحيفته يراها يوم القيامة: ” اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا “الإسراء:14

( فِي إِمَامٍ )،صحيفة أعمال، أو اللوح المحفوظ، وهذا الإمام للإنسان يوم القيامة، أي: الكتاب الذي عند الله سبحانه وتعالى، فهو الكتاب المقتدى به، وهو حجة على العباد. قالوا أيضاً: معناه: صحائف أعمال العباد. إذاً: إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، هو اللوح المحفوظ، الذي ينسخ منه ما في أيدي الملائكة، والكتب التي يجد فيها العباد ما عملوا في الدنيا.

ما هو اللوح المحفوظ ؟

اللوح المحفوظ : كتاب كتب الله فيه مقادير الخلق قبل أن يخلقهم فكتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وقد ورد اللوح المحفوظ في القرآن والسنة في عدة مواضع:

(ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب)[الحج:70 ]

و(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)الحديد: 22

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين – الطويل – وفيه: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض”.قال الحافظ ابن حجر أن المراد بالذكر هنا: هو اللوح المحفوظ

وله تسمياتٌ عدةٌ في القرآن:
1-  هو أم الكتاب.
2- وهو الذكر.
3-  وهو الكتاب المكنون.
4-  وهو الإمام المبين.
أولاً : أمّا كونه ( أم الكتاب ) فلقول الله تعالى:  يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ  الرعد – 39 ، وقوله تعالى وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ  الزخرف – 4.
” فِي أُمِّ الْكِتَابِ ” : في اللوح المحفوظ.
قال ابن كثير ” وقوله تعالى” وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ” بين شرفه في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى(وإنه ) أي: القرآن ” فِي أُمِّ الْكِتَابِ ” أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس، ومجاهد.
ثانيًا : وأما كونه (الكتاب المكنون ) فلقوله تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ  الواقعة (77-78).
“فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ  مصون عند اللّه في اللوح المحفوظ محفوظ من الشياطين.
وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل.
ثالثًا : وأما كونه ( الإمام المبين ) فلقوله تعالى”  وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ  .

رابعًا : وأما كونه ( الذِّكر ) فلقوله تعالى:  وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ  الأنبياء – 105.
الذكر هو أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ عند الله .

ما الحكمة من كتابة الله تعالى لمقادير الخلق في اللوح المحفوظ وهو لا يضل ولا ينسى ؟

أولاً:يعتقد المسلم الذي آمن بالله تعالى ربّاً أنه تبارك وتعالى الحكيم في فعله ، وشرعه ، وحُكمه , ويعتقد المسلم أنه ثمة حكَماً جليلة في أفعاله ، وتشريعاته ، منها ما يُعرف , ومنها ما استأثر الله بعلمه.

ثانياًمما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى علِم ما يكون من الخلق ، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ ، فعلمه تعالى سابق على كتابته ، وقد ذكر العلماء أن القدر له أربع مراتب : العلم ، ثم الكتابة ، ثم المشيئة ، ثم الخلق .

فالمرتبة الثانية من مراتب القدَر : كتابة مقادير كل شيء ، فالمخلوقات مهما عظم شأنها ، أو دق : قد كتب الله ما يخصها في اللوح المحفوظ ، من خلق وإيجاد ونشأة وإعداد وإمداد ، إلى غير ذلك ، كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70 ، وقال : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) النمل/ 75 ،  وقال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) فاطر/ 11 ، والآيات في ذلك كثيرة.

وقد يقال في حكمة ذلك أمور ، منها:

1-   إثبات علم الله السابق على تلك الكتابة ، وأنه علم لا يتبدل ، ولا يتغير، وهو جواب موسى عليه السلام في حواره مع فرعون حيث سأل فرعون عن القرون السابقة ما حالهم هل هم في النار أم لا ، فأجابه موسى أن علم حالهم عند الله ، وهو في اللوح المحفوظ ، وأعلمه أن وجود ذلك العلم في اللوح هو مع اتصاف ربه تعالى بالاستغناء عنه ، وأنه سبحانه لا يتصف بالنسيان ، ولا بالخطأ ، كما هو حال البشر ، قال تعالى : ( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى . قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) طـه/ 51 ، 52.

2-    تطمين العبد المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ،ففيه التسليم لقضاء الله ، والرضى بقدره . قال الله تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد/22.

وقد أشار صحابي جليل إلى هذه الحكمة ، فعَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي) صححه الألباني في ” صحيح أبي داود” .

3-   وفيه بيان لمشيئة الله النافذة التي لا راد لها ، ولا معقب لحكمه .

وإليه الإشارة في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).صححه الألباني في ” صحيح الترمذي” .

4-    إثبات عظيم قدرة الله ، وكماله ، وإقامة الحجة على الخلق ،ومما لا شك فيه أن كتابة مقادير الخلائق ، وصفاتها ، وأحوالها ، صغيرها وكبيرها ، رطبها ويابسها : أمر عظيم ، وقد بيَّن الله تعالى أنه عليه يسير ؛ إثباتاً لعظيم صفاته ، وكمال جلاله ، قال تعالى : ( أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70 ، وقال الله تعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) الأنعام/59.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط ، وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها ما شاء من خلقه ، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين ، فضلا عن غيرهم من العالمين ، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار ، والرمال والحصى والتراب ، وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها ، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ، ويشتمل عليه ماؤها.

(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ )من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة

{ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ }من حبوب الثمار والزروع ، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق ؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات.

(وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ )هذا عموم بعد خصوص.

(إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )وهو اللوح المحفوظ ، قد حواها واشتمل عليها ، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء ، ويذهل أفئدة النبلاء ، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته في أوصافه كلها ، وأن الخلق -من أولهم إلى آخرهم- لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك ، فتبارك الرب العظيم ، الواسع العليم ، الحميد المجيد ، الشهيد المحيط ، وجل مِنْ إله، لا يحصي أحد ثناء عليه ، بل كما أثنى على نفسه ، وفوق ما يثني عليه عباده . فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء ، وكتابه المحيط بجميع الحوادث ” . انتهى . “تفسير السعدي” (259).

المعنى الإجمالي للآيات :

–      وإنّ كثيراً من هؤلاء الكفار المعاندين يستوي تحذيرك لهم وعدم تحذيرك ، فهم لا يصدقون بالحقّ ، ولا يعملون بمقتضاه .

–      ولكنّ تحذيرك ينفع من آمن بالقرآن ، واتبع ما فيه من أحكام الله تعالى ، ووعده ووعيده ، وخاف الرحمن ، دون أن يراه ، وحيث لا يراه أحد إلا الله ، فبشر هذا وأمثاله بمغفرة من الله لذنوبه ، وثواب منه عظيم في الآخرة على أعماله الصالحة .

–      إنا نحن نحيي الأموات جميعاً ببعثهم ليوم القيامة ، وجمعهم للحساب ، ونكتب ما عملوا من الخير والشر ، وآثارهم التي كانوا سبباً فيها في حياتهم وبعد مماتهم من خير ، كالولد الصالح ، والعلم النافع ، والصدقة الجارية ، أو شرّ كالكفر والعصيان ، وكل شيء جمعناه وسجّلناه في كتاب واضح هو أم الكتب ومرجعها ، وهو اللوح المحفوظ . فعلى العاقل أن يحاسب نفسه ، ويستقيم على مرضاة ربّه ، ليكون قدوة للناس في الخير في حياته وبعد مماته .

الدروس والعبر :

1-    لا أمل في إنذار الكفّار والمعاندين إذا سدّوا على أنفسهم منافذ الهداية ومدارك المعرفة ، ولم تتفتّح بصائرهم لرؤية الحقّ والنور الإلهيّ .

2-   وإنما ينفع الإنذار من آمن بالقرآن الكريم كتاباً منزّلاً من عند الله ، واتّبع ما فيه من الحقّ ، وخشي عذاب الله وسخطه ، فله البشارة من الله تعالى بمغفرة ذنوبه ، ودخول الجنة دار النعيم والتكريم .

3-   البعث حقّ ، والإيمان به واجب ، لأنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء ، وقد أحصى الله كل شيء من أعمال العباد وضبطه في كتاب مبين .

الفصل الثالث

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ

قال الله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ، إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ ، فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ، فَقَالُوا : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا : مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ، وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إلاّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا : رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إلاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا : إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ، لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا : طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ، قَالَ : يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ، وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ : ادْخُلْ الْجَنَّةَ ، قَالَ : يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ، وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ ، وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ ، أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) } .

معاني الكلمات :

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا :أي : شبّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين .

أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ : هي مدينة أبهم القرآن الكريم اسمها ، كما أبهم اسم المرسلين إليها ، ولم يرد في صحيح السنّة أو الآثار ما يعيّن شيئاً من ذلك ، وقد دأب كثير من المفسّرين على أنّها مدينة أنطاكية ، جنوبيّ تركيا ، وشماليّ بلاد الشاموهذا غير صحيح كما سيأتي.

إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ :هما اثنان من الرسل ، وقيل : هم رسل من الحواريّين من أصحاب عيسى عليه السلام ، وليس هناك ما يدعونا إلى القول بذلك.

فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ :قوّينا وأيّدنا بثالث .

إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا :مشاركون لنا في البشريّة ، فليس لكم علينا من مزيّة .

تَطَيَّرْنَا بِكُمْ :تشاءمنا بكم ، مبالغة منهم في استقباح ما يدعون إليه ، ونفورهم منه .

والتطيّر في الأصل :تكلّف معرفة دلالة الطير على خير أو شرّ ، بالنظر إلى نوع الطير ، وصفة اندفاعه وجهة اندفاعه أو مجيئه ، ثمّ أطلق على كلّ حدث يتوهّم منه أحد أنّه كان سبباً في لحاق شرّ به فصار مرادفاً للتشاؤم .

لَنَرْجُمَنَّكُمْ :بالحجَارة . “وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ “: ولينالنّكم منا عذاب مؤلم شديد .

طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ :سبب شؤمكم يعود عليكم ، وهو الكفر والتكذيب .

أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ :أئن وعظناكم وذكّرناكم بالله تعالى ، ودعوناكم إلى الحقّ ونصحناكم تشاءمتم بنا وبما ندعوكم إليه .

قَوْمٌ مُسْرِفُونَ : متجاوزون الحدّ في الشرك ومخالفة الحقّ .

أَقْصَى الْمَدِينَةِ : أبعد مواضعها .

يَسْعَى :يسرع في مشيه لنصح قومه .

فَطَرَنِي :خلقني في أحسن صورة .

لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا :لا تستطيع أن تقدّم لي شيئاً من النفع .

وَلَا يُنقِذُونِ :ولا تستطيع تلك الآلهة المزعومة أن تصرف عنّي شيئاً من الضرّ والأذى .

صَيْحَةً وَاحِدَةً :صوتاً مهلكاً من السماء .

خَامِدُونَ :ميّتون لا حراك بهم ، كما تخمَد النار .

يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ :يا ويلاً أو يا تندّماً ! على الخلق أن يكفروا ، فتكون تلك عاقبتهم ، والحسرة : شدّة الغمّ والندم مشوباً بتلهّف على نفع فائت .

مِنْ الْقُرُونِ : من الأمم المَاضية .

لَا يَرْجِعُونَ :أنّهم لا رجعة لهم إلى الدنيا .

مُحْضَرُونَ :نحضرهم للحساب والجزاء .

قصة أصحاب القرية

يذكر القرآن قصة لأناس سبقوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [يس:13] واشتهر عند المفسرين أنهم كانوا في عهد المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام،، وأن هذه القرية هي قرية أنطاكيا، وهذا غير صحيح([5])، إذن فهي قرية ما ولو كان في ذكرها فائدة لذكر الله ذلك في كتابه .

قال تعالى : “إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ ، فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ، فَقَالُوا : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) فتوجه اثنان منهما إلى هذه القرية يدعوان ملكها إلى دين الله سبحانه وتعالى، فكذبوا هذين الاثنين: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)والتعزيز بمعنى الشد والتقوية، يعني: شددنا الاثنين بثالث، يقويهما ويتكلم معهما، ويدعو إلى الله سبحانه تبارك وتعالى.

فقالوا لملك هذه القرية إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ، أرسلنا من الله لندعوكم إلى عبادته سبحانه. وعلى عادة أهل الكفر بالتكذيب والإعراض، (قالوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) [يس:15]، قالت الرسل: “رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ” [يس:16]، يعني: نحن صادقون فيما نقول، والله يشهد علينا بأنا صادقون فيما نقول: “وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ” [يس:17]، ما علينا إلا أن نبلغ رسالة الله سبحانه بلاغاً بيناً واضحاً، ونريكم آيات الله سبحانه وتعالى.

“قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا” [يس:18]،أي: نحن تشاءمنا منكم. ” لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ “[يس:18]، إما أن تنتهوا عن هذا الذي تدعوننا إليه، وتذهبوا بشؤمكم، أو نرجمكم. والرجم هو القذف بالحجارة حتى القتل، كأنهم يهددونهم بأن يقتلوهم رمياً بالحجارة، سنعذبكم، سنفعل بكم ونفعل من ألوان العذاب، وإما أن تنتهوا عما أنتم فيه.

فقالت الرسل: “طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ “[يس:19]، شؤمكم معكم، شؤمكم منكم، أنتم سبب الكوارث والمصائب التي تحدث لنا. “أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ [يس:19]، أئن ذكرناكم بالله سبحانه تبارك وتعالى أعرضتم وقلتم مثل ذلك: “بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ “[يس:19]. مفسدون في الأرض، أسرفتم على أنفسكم بالكفر، ولم تنظروا في آيات الله سبحانه وتعالى.

قصة حبيب النجار

قال الله تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20].من هذا الرجل؟ وما حكايته؟ هذا الرجل كان يسمى حبيب النجار ،آمن وكان قبل ذلك كافراً، وجاء عن ابن عباس أنه كان ينحت الأصنام ، وأنه كان مريضاً مرضاً شديداً، وكان يصنع الأصنام ويدعوها من دون الله سبحانه سنين طويلة فما نفع دعاؤه، فمر به الرسل وهم آتون إلى هذه القرية فدعوه إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، فتعجب من كلامهم، ومن هو الله؟ فدعوه إلى الله سبحانه الذي خلقه، ورزقه، والذي يحيي ويميت، والذي يشفي المرضى، فقال: لو أنا دخلت في دينكم هل سيشفيني الله؟ قالوا: ندعو لك، والله إن شاء يشفيك. فإذا به يتابعهم فيدعون له، فلما دعوا له شفاه الله، فعرف أن الحق هو ما عليه الرسل، فلما عرف ذلك آمن، وكان أهل القرية أهل ظلم وعدوان، فلذلك لم يشتهر عنه أنه آمن بهؤلاء الرسل، وتوجه الرسل إلى غيره يدعونهم إلى الله سبحانه من ضعفاء الناس، فمنهم من استجاب، ولكن الأغلب لم يستجيبوا لهم، وتوجهوا إلى ملك هذه القرية يدعونه إلى الله سبحانه، فلم يستجب لهم، والأغلب من الكبراء وأهل هذه القرية أنهم لم يؤمنوا، وأصروا على قتل هؤلاء الرسل عليهم السلام. فلما أصروا على القتل، واستفاض الخبر في المدينة أنهم سيقتلون جاء هذا الرجل العابد مسرعاً لينقذ هؤلاء، أو يحاول أن يدافع عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

قص الله عز وجل علينا قصته فقال: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس:20]، جاء يجري من أقصى المدينة خائفاً على الرسل الذين أرسلهم ربنا سبحانه، وكانوا السبب في أن يرد الله عز وجل عليه صحته وعافيته، فقال: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20]، هؤلاء أهل خير وليسوا أهل شر كما تزعمون، وليسوا كاذبين وإنما هم رسل من عند رب العالمين سبحانه. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:21]؛ لأنه جرب قبل ذلك، فقد مر عليه الرسل فدعوا له ولم يطلبوا منه أجراً، فهو يعلم أن هؤلاء يدعون إلى الله ولا يطلبون من الناس شيئاً. ويلاحظ أن هذا الرجل جاء مسرعاً وأطال الكلام معهم كأنه يكسب وقتاً للرسل لكي يفلتوا، أو لعل الناس يتركونهم، أو يأتي من ينقذ هؤلاء الرسل، لذلك جادل كثيراً مع هؤلاء القوم: قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20]، حتى الآن ما قال لهم: أنا آمنت، ولكن قال: (يا قومي!) أي: أنا منكم، اتركوهم واسمعوا لهم، فهو يحاول أن ينقذ هؤلاء الرسل بأي شيء يقوله لهؤلاء القوم. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:21]، فأنا خبرتهم من قبل، وسمعت كلامهم، وهم على هدى، ولم يقل: أنا آمنت معهم حتى الآن. وحين لم يجد فائدة منهم قال: وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:22]، يتكلم عن نفسه: لماذا أنا لا أدخل في دين هؤلاء؟ لم لا أعبد الذي فطرني وهم يدعونني إليه: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، سوف نرجع إلى الله سبحانه وتعالى مرة ثانية.

أَأتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ [يس:23]. هل أعبد آلهة من دون الله سبحانه، وماذا تنفع هذه الآلهة؟ لقد صنعنا أصناماً قبل ذلك ولم تفدنا، كنت مجذوماً سنيناً من الدهر ولم تنفع هذه الأصنام، وإنما الذي نفعني الله سبحانه، وحسن عبادته تبارك وتعالى.

(أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ [يس:23]هذه الأصنام لا تشفع عند الله سبحانه وتعالى، ولا تغني شيئاً، ولا تنقذني من عذاب الله سبحانه تبارك وتعالى ، لو أني عبدت هذه الأصنام من دون الله سبحانه: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:24]، والضلال بمعنى: التيه والبعد، ضل الإنسان الطريق بمعنى: تاه، دخل في صحراء ولا يعرف الرجوع.

 ( إنيَ آمنت بربكم فاسمعون )هو كان مؤمناً قبل ذلك، وكأنه يريد وقتاً يجادل فيه القوم، ولو بدأ بقوله: أنا مؤمن فسوف يقتلونه معهم، ولكن بدا بأنه يحاور ويجادل لعلهم يتركون هؤلاء وينظرون في المعجزات التي أيدهم الله عز وجل بها، ولكن لم ينفع ذلك مع هؤلاء، فلما وصل لذلك: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس:25-26]، وكأن هنا شيئاً محذوفاً في السياق، وكأنه أول ما قال إنه مؤمن قاموا إليه فقتلوه، فكان شهيدا عند الله سبحانه، فأدخله الله عز وجل الجنة.

ثم قال معبراً عن ذلك، وكأن الدنيا لا تستحق أن تذكر بما فيها من قتل وعذاب مقابل الجنة العظيمة التي عمل لها هذا، وعمل لها الرسل، ويعمل لها المؤمنون، قال الله سبحانه: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس:26]، قال له ربه أو قالت له الملائكة: ادخل الجنة، فهو شهيد، قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27]. هنا انتهت قصة هذا الرجل الفاضل الذي جعله الله عز وجل قدوة، وكيف أنه بدأ حياته بعبادة غير الله سبحانه، وفي النهاية عبد الله.

قال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ [يس:28].يعني: هؤلاء أحقر من أن ننزل عليهم جنداً من السماء لإهلاكهم وما كنا لنفعل ذلك بهم. فما كان الأمر إلا أن قال: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:29]، من جبريل عليه السلام فهلكوا. ( (إن كانت إلا صيحةٌ واحدةٌ فإذا هم خامدون)والمعنى: ووقعت صيحة واحدة على هؤلاء فإذا هم خامدون. والإنسان عندما تكون فيه النفس يكون حياً، فإذا خرج روحه من جسده همد وخمد، وذهبت منه الحياة. فإذا بصيحة من جبريل على هؤلاء أخمدتهم جميعهم. انظر كيف أخمدهم الله سبحانه وتعالى بصيحة واحدة، ولم ينزل عليهم ملائكة .

(يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)[يس:30]، وجاء التحسر على وجه النداء كأنه قال: يا حسرة أقبلي، والحسرة الندامة والتلهف على الشيء الذي يفوت، ففاتهم الإيمان. أي: تعجبوا لأمر هؤلاء العباد الذين يستحقون أن يتحسروا على أنفسهم وينادوا على الحسرة وعلى الندامة حين لا تنفعهم.

قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [يس:31].الجواب: بلى، قد رأوا هذا الشيء كله، فقد ذهب آباؤهم وأجدادهم، والقرون السابقة الذين ما زالوا يفتخرون بهم، وكل إنسان منهم يقول: كان أبي، وكان جدي ويحفظ نسبه إلى الجد العاشر. فكل هؤلاء ذهبوا، ولم يرجع أحد. وهذا دليل على أنه لا أحد يموت فيرجع إلى الدنيا مرة ثانية إلا أن تكون معجزة لنبي من الأنبياء، فيحيي ميتاً ثم يموت مرة ثانية، كما كانت للمسيح عليه الصلاة والسلام. وما يذكره البعض من الناس من رجوع روح فلان وما أشبه ذلك كله من الكذب والخرافات.

قال تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:32] أي: أن الله يجمعهم ويحضرون بدون اختيارهم يوم الحشر، ليجازيهم على أعمالهم.

المعنى الإجمالي للآيات :

واضرب يا محمّد eلمشركي مكّة ، الرادّين لدعوتك .. اضرب لهم مثلاً بأصحاب مدينة فيه عبرة لهم ، حين ذهب إليهم المرسلون ، فلقد أرسلنا إليهم رسولين لدعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى ، وترك عبادة من سواه ، فكذّب أهل القرية الرسولين ، وأبوا الاستجابة لدعوة الحقّ ، فقوّينا دعوتهم برسُول ثالث ، فقال الثلاثة لأهل القرية : إنّا مرسلون إليكم من ربّ العالمين  .

فقال أهل القرية للمرسلين : ما أنتم إلاّ أناس مثلنا ، لا مزيّة لكم علينا ، وما أنزل الرحمن شيئاً من الوحي ، وما دعوتكم لنا إلاّ كذب وافتراء .

فقال المرسلون : إنّ ربّنا الذي أرسلنا يعلم إنّا إليكم لمرسلون ، وما علينا إلاّ أن نبلّغكم رسالة ربّنا كما أمرنا ، ولا نملك هدايتكم ، فالهداية بيد الله وحده ..

قال أهل القرية : إنّا تشاءمنا منكم ، لئن لم تكفّوا عن دعوتكم لنقتلنّكم رمياً بالحجارة ، وليصيبنّكم منّا عذاب أليم موجع ..

فقال المرسلون : إنّما شؤمكم وأعمالكم من الشرك بالله تعالى والشرّ معكم ، ومردودة عليكم ، ألأنّنا وعظناكم بما فيه خيركم وصلاحكم تشاءمتم بنا ، وتوعدّتمونا بالرجم والتعذيب .؟! بل أنتم من عادتكم الإسراف في التكذيب والعصيان .

وهيّأ الله تعالى رجلاً مؤمناً صالحاً ، فجاءهم من مكان بعيد من قريته ، بعدما سمع بخبر المرسلين ، وأنّ قومه يهمّون بقتل الرسل أو تعذيبهم ، فنصح قومه بقوله : يا قومي اتّبعوا المرسلين إليكم من الله ، إنّهم لا يطلبون منكم أموالاً على تبليغ الدعوة ، ممّا يدلّكم على صدقهم وإخلاصهم ، وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده ، وفي هذا بيان فضل من سعى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ثمّ قال لهم هذا الداعِي إلى الخير : كيف أعبد من دونِ الله آلهةً ، لا تملك من الأمر شيئاً ؟! إن قدّر الرحمن عليّ شيئاً من السوء ، فهي لا تستطيع دفعه أو منعه ، ولا تستطيع إنقاذي ممّا أنا فيه .؟ إنّي إن فعلت ذلك لفي انحراف عن الحقّ واضح ، إنّي آمنت بربّي وربّكم ، فاستمعوا ما قلته لكم ، واستجيبوا للإيمان كما استجبت .. فلمّا قال لهم ذلك ، وثب إليه قومه فقتلوه ، فأدخله الله الجنّة ، وقيل له بعد قتله إكراماً له : ” ادخل الجنّة ” ، فقال وهو في النعيم والتكريم ، متأسّفاً على حال قومه ، مشفقاً على مصيرهم : يا ليت قومي يعلمون ، بغفران ربّي لي ، وإكرامه إيّاي بسبب إيماني بالله ورسله ، وصبري في سبيله ، ليتهم يعلمون ذلك فيستجيبوا كما استجبت ، ليدخلوا الجنّة كما دخلت ، وينالوا من الكرامة ما نلت .

وما احتاج عذاب هؤلاء المكذّبين المعاندين إلى إنزال جند من السماء ، فهم أهون على الله وأضعف من ذلك ، وما كنّا ننزل الملائكة على الأمم إذا أردنا إهلاكهم ، بل نبعث عليهم عذاباً يدمّرهم ، ويقضي عليهم ، لقد جاءت هؤلاء صيحة واحدة ، فإذا هم ميّتون ، لم تبق منهم باقية .

فيا أسفاً على هؤلاء المكذّبين والمستهزئين بالرسل ، لما حلّ بهم من العذاب في الدنيا ، وما سيعاينون بأعينهم يوم القيامة .! حين يرون العذاب فلا تنفعهم الندامة .

ألم ير هؤلاء ويعتبروا بمن قبلهم من القرون التي أهلكناها أنهم لا يرجعون إلى هذه الدنيا ؟

ولكنّ كلّ هذه القرون التي أهلكها  الله وغيرها سيحضرهم جميعاً يوم القيامة للحساب والجزاء ، فليس إحضارهم في أوقات مختلفة ، ولا في أماكن متعدّدة ، كما قضت بذلك حكمته وعدله وفضله ، لينال كلّ مكلّف جزاءه ، ولا يظلم ربّك أحداً .

الدروس والعبر :

1-   لقد نوّع الله تعالى في القرآن أساليب الدعوة إلى دينه : بسوق الأدلة والبراهين ، أو بالحثّ على النظر في خلق السموات والأرض ، وما بثّ فيهما من دابّة ، وإعمال العقل والفكر ، أو بضرب الأمثال ، وذكر قصص الأنبياء والمرسلين ، وما كان من أخبار أقوامهم معهم ، وكلّ ذلك ليتّضح الحقّ وتقوم الحجّة على الناس .

2-   قضت حكمة الله تعالى أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم ، كيلا يبادر الناس إلى الاعتراض بحجة المغايرة والمخالفة ، فتكون اعتراض الكافرين ببشرية الرسل نوعاً من المعاندة والاستكبار .

3-   إنّ تشاؤم أصحاب القرية بالرسل دليل على فساد تفكيرهم وإفلاس حجتهم ، ولكنّ الشؤم الحقيقي هو من أهل القرية لشركهم بالله تعالى وكفرهم ، وتكذيبهم للرسل عليهم السلام ، وعنادهم للحقّ .

4-   قضت حكمة الله تعالى ألاّ يرجع أحد إلى الدنيا بعد موته ، وإنّما موعد الخلق جميعاً هو يوم القيامة ، لفصل القضاء بين الناس ، وإقامة العدل بين العباد ، وفي الآيات تكذيب وردّ على من يقول بتناسخ الأرواح أو بالرجعة بعد الموت إلاّ ما كان من ذلك خصوصيّة من الله لبعض عباده ، أو معجزة وتكرمة ، كقصّة عزير ، أو إحياء الموتى لعيسى عليه السلام أو ما أشبه ذلك . 

5-   على المؤمن الداعية أن يوطّن نفسه على الابتلاء في سبيل دينه ، وقد يبلغ به الابتلاء القتل في سبيل الله ، أو السجن ، أو التشريد في الأرض ، ولكنّ جزاءه عند الله هو النعيم المقيم ، والتكريم في جنان الخلد .

6-   المؤمن الحقّ يحبّ للناس ما يحبّ لنفسهِ ، ويكره لهم ما يكره لها ، وهذا المؤمن ، أبلغ في النصح لقومه ، حتّى نال شرف الموت في سبيل الله تعالى ، كما قال ابن عبّاس t: ” نصح قومه حيّاً وميتاً “

7-   قال الإمام القرطبيّ رحمه الله : ” وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترأف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار ، وأهل البغي ، والتشمّر في تخليصه ، والتلطّف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به أو الدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنّى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل ، وهم كفرة عبدة أصنام .؟ ” .

وهكذا ينبغي أن تمتلئ قلوب الدعاة إلى الله شفقة على عباد الله ، وألماً وحسرة على فسادهم وانحرافهم عن سبيل الله .

الفصل الرابع

من آيات  القدرة والإبداع

قال الله تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ، وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا ، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ، وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ، أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا ، مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ، وَمِنْ أَنفُسِهِمْ ، وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ ، نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ، فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ، حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآيَةٌ لَهُمْ ، أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ، فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ ، وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا ، وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) } .

معاني الكلمات :

وَآيَةٌ :علامة دالّة على القدرة المطلقة ، ومن أخصّ ذلك القدرة على البعث بعد الموت .

الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ :التي لا نبات فيها . أحْيَيْنَاهَا : بالماء فصارت حيّة بالنبات .

وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا :جنس الحَبّ كالحنطة وغيرها .

جَنَّاتٍ :جمع جَنّة ، وهي البساتين ذات الأشجَار المثمرة كالنخيل والأعناب .

وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ :شقَقنا في الأرض العيون الجارية بالماء على سطحها .

وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ :وما صنعته أيديهم من ثمار تلك الجنّات كالعصير وما شابهه .

أَفَلَا يَشْكُرُونَ :أفلا يعترفون بأنعم الله فيعبدون الله ويشكرونه .

سُبْحَانَ :تنزيهاً لله تعالى عمّا لا يليق به .

خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا :خلق جَميع الأصناف والأنواع المختلفة ، والأزواج : جمع زوج ، ويطلق على كلّ من الذكر والأنثى .

مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ :من النبات والشجر ، لأنّ النطف تتولّد من قوى الأغذية الحاصلة من تناول النبات .

وَمِنْ أَنفُسِهِمْ :وخلق الأزواجَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ، وهم الذكور والإناث من بني آدم خلقهم ممّا يتكوّن فيهم من أجزائهم الحيوانيّة .

وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ :من أصناف المخلوقات العجيبة في البرّ والبحر ، وفي السماء والأرض ، ممّا لم يطلعهم الله عليه ، ولم يجعل لهم سبيلاً إلى معرفته ، وقد يعرّفهم الله به بعد حين .

نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ :نفصل منه النهار ونزيله عنه ، والسلخ : إذهاب الضوء ، ومجيء الظلمة ، وأصله إزالة الجلد عن الحيوان .

وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا :تطلع وتسير لحدّ معيّن ، ينتهي إليه جريانها ودورانها ، والمعنى أنّها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار .

قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ :حدّدنَا سيره في منازل . والتقدير : يطلق على جعل الشيء بقدْر ونظام محكم ، ويطلق على تحديد المقدار ممّا تطلب معرفة مقداره ، كتقدير الأوقات والكميّات من الموزونات والمعدودات ، وكلا الإطلاقين مراد هنا . والمنازل جمع منزلة ، وهي المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة .

كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ :كعود عذق النخلة القديم الذي يكون الثمر في منتهاه .

وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ :أي لا يأتي قبل انقضائه ، ولا يسبقه .

فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ:الفلك هو المدار الذي يدور فيه الكوكب ، ويسير سيراً مطّرداً لا يحيد عنه ،يَسْبَحُونَ : يسيرون ويدورون .

ذُرِّيَّتَهُمْ :الذرية تطلق على الأبناء والآباء

الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ :السفينة المملوءة. وقيل : هي سفينة نوح عليه السلام .

وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ :ممّا علّمناهم من صناعة السفن والزوارق ، أو ما خلق الله من الإبل والخيل ، والبغال والحمير .

فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ :لا يجدون من يستصرخون به وهم في لجج البحر ، ولا ينقذهم أحد من الغرق .

إلاّ رَحمةً منّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ :أي لا أحد ينقذهم وينجيهم إلاّ بتقديرنا وإرادتنا ، أن يبقوا أحياء إلى استيفاء أعمارهم ، وانقضاء آجَالهم .

قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس:33].والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أحياها، وكل إنسان له عينان يرى الأرض جرداء، ثم ينزل عليها المطر، فأنبتت ما يأكل الناس والأنعام. قال تعالى: وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا [يس:33]، أي: جنس الحب، أي: حبوباً كثيرة أخرجناها فأطعمناكم إياها.

قال تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [يس:34]،وَجَعَلْنَا فِيهَا  أي: في هذه الأرض التي كانت ميتة. جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ فيها النخل الباسقة، وفيها الأعناب العظيمة الجميلة. وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [يس:34]عيون الماء

قال سبحانه: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [يس:35]. أي: ليأكلوا من ثمر ما أخرجناه من الأرض، قال تعالى: وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس:35] قد تكون (ما) نافية، فيكون المعنى: أن الله سبحانه هو الذي أخرج ذلك والتقدير: لتأكلوا هذه الثمار ولم تعمل أيديكم هذه الثمار، إنما الذي خلقها وأوجدها الرب سبحانه وتعالى، الذي أنزل الماء من السماء، وأحيا هذه الأرض.

أو تكون (ما) بمعنى (الذي) فيكون قوله تعالى: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس:35]، بمعنى : والذي علمت أيديهم ، والمعنى: أن الله خلق لك هذا القمح، ثم أخذته وطحنته ثم عجنته وأدخلته الفرن، فأخرجته خبزاً، فهذا الذي عملت يداك مما أخرجه الله سبحانه، وكلا المعنيين صحيح.

قال تعالى: أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:35] أي: هلا شكروا الله سبحانه على ما أخرج لهم، وعلى ما رزقهم من عقول فيصنعون ذلك ، وانظر إلى البهائم والحشرات والطيور كيف تأكل الثمرة كما هي، وتلتقط الحبة كما هي؛ لكن أنت أيها الإنسان أعطاك الثمار، وأعطاك الحبوب، وأعطاك العقل لتفكر، وألهمك كيف توقد النار وكيف تصنع الطبيخ، وكيف تصنع الحلوى، أفلا تشكر الله سبحانه وتعالى، وكان قادراً على أن يحجب عنك ذلك، فتأكل الطعام كما يخرج من الأرض بدون طبخ وإصلاح.

قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس:36].أي: تقدس الله تعالى عن ألا يٌشكر، وينزه عن النقص والعيب، وعن أن يذكر معه غيره، وعن أن يكون له الصاحبة أو الولد، أو الشريك في ملكه، فهو الخلاق العظيم العليم وحده لا شريك له. وقوله (سبحان) مصدر، والفعل سبح، أي: أسبح الله تسبيحاً وسبحاناً، فعبر بالمصدر نيابة عن جملة فيكون المعنى: سبحوا الله تسبيحاً عظيماً.

و(الأزواج)الأصناف والأنواع، فكلها خلقها الله سبحانه وتعالى، مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ فأخرج لكم من الأرض أزواجاً : وَمِنْ أَنفُسِهِمْ خلق الذكر والأنثى، وخلق لهم الأولاد والأحفاد والذريات .

 (وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)يخلق ما يشاء .

ومن آياته أيضاً: الليل والنهار، قال سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37]. وهذا التعبير الدقيق في كتاب الله سبحانه وتعالى يرينا هذه الآية العظيمة، (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) كأن هذا ينسلخ من ذاك، فيبدو للناس الليل ويظهر للناس النهار على ما يريهم الله سبحانه تبارك وتعالى.

الكون كله ليل، وجزء من الكون وهو الهواء الذي فوق الأرض يظهر فيه النهار، ثم ينسلخ بدوران الأرض كما ينسلخ الجلد من فوق الضحية التي تذبحها، قال الله سبحانه: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37] فالجزء الذي كان مضيئاً من الأرض دار فانسلخ منه نهاره فهم مظلمون الآن.

قال الله سبحانه: ( وَالشَّمْسُ )هذه آية من آيات الله سبحانه، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]. الأرض تدور، والقمر يدور حول الأرض في مدار، وهذه بعض الأشياء في كون الله العظيم الواسع الفسيح، كل شيء يجري في مداره، ويجري لمستقر له، الشموس والأقمار والنجوم والكواكب والمجرات كل شيء يجري ويدور حتى يأتي الأجل المحتوم وينتهي حينما يشاء الله سبحانه، “كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ “[الرحمن:26-27]. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38] وكأن لها نهاية، تجري وهي تحت عرش الرحمن تبارك وتعالى([6])، تطلع على الناس بإذن الله سبحانه، وتغرب على الناس بإذن الله سبحانه، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، قال: مستقرها تحت العرش).

كرسي الله عز وجل فوق سماواته، وعرشه فوق ذلك، وإذا قورن كل ما في السماء وكل ما في الأرض بالعرش فهي كسبعة دراهم في ترس، فعرش الله عز وجل هو المحيط بهذا كله، فالشمس مهما جرت فهي تحت عرش الله سبحانه وتعالى.

والعرش إذا قورن بالكرسي فهو كالحلقة في فلاة، والله فوق عرشه سبحانه أحاط بكل شيء، فالشمس مهما جرت والكواكب والنجوم مهما دارت فهي تحت عرش الرحمن سبحانه مسخرة بأمر الله تبارك وتعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ )[الحج:18]، كل هؤلاء قد سخرهم الله سبحانه فأطاعوا ربهم، وسجدوا لله عز وجل طوعاً، وسجد كثير من الناس طوعاً، وكثير حق عليهم العذاب لما أبو أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى. فهنا الشمس تطيع الله، وقد سخرها في الفلك، تشرق من مكان وتغرب من مكان، تخرج على الناس ولها مدار تجري فيه. “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا” [يس:38] أي: إلى أن يأتي وقت قرارها يوم القيامة حيث تشرق من مشرقها وتغرب من مغربها، فإذا جاءت العلامة الكبرى للقيامة يحبسها الله عند مغربها ولا يأذن لها في الخروج.

ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تستأذن ربها كل يوم عند المشرق وعند المغرب، فإذا كان يوم القيامة فإذا بالشمس تستأذن الله سبحانه فلا يأذن لها ويقال لها: اطلعي من حيث غربت، وهذه آية من آيات الله سبحانه، وهو علامة كبرى ليوم القيامة، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.

عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)،أصبحي، يعني: اطلعي في الصباح من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً) رواه مسلم

إذاً: الشمس تسجد تحت عرش الرحمن سبحانه في كل مطلع وكل مغرب، وطلوع الشمس في البلد الذي في المشرق يكون قبل طلوعها في البلد التي في المغرب، كأن الشمس في كل مطلع على بلد من البلدان ساجدة لله سبحانه مطيعة لأمر الله، حتى يأتي يوم القيامة، فإذا بالله سبحانه يأمرها أن ترجع وأن تطلع من حيث غربت، فتطلع الشمس من مغربها.

“ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ “[يس:38]، أي: طلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها آية من الآيات العظيمة، يعرف ذلك من يدرس علوم الفلك، فيرى كيف تجري الشمس، وكيف تدور هذه الأرض، وكيف تجري الكواكب والنجوم.. كل في فلك في السماء لا يصطدم مع الآخر، ولا شيء يمنعها إلا قدرة الله سبحانه وتعالى.

وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ “[يس:40]. قدر للشمس أن تجري بحسب ما يشاء سبحانه في مدارها، ومستحيل أن تخرج عن هذا المدار، كذلك القمر يجري في مداره الذي قدره الله سبحانه، كل شيء له قدر وقضاء عند الله سبحانه حتى يأتي يوم القيامة، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38].

قال تعالى: “وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ “[يس:39]إذاً: هذا القمر قدر له الله سبحانه ثمانية وعشرين منزلة ينزل في كل ليلة في منزلة معين لا يخطئه، فالشمس تجري في مستقر لها في جريانها ونزولها، والله عز وجل قدر أشياء لا تخطئ ، كما أن الشمس تجري إلى مستقرها كذلك القمر قدر الله عز وجل له منازل، أي: جعل له منازل ينزل فيها حتى عاد كالعرجون القديم ؛ والعرجون: هو عذق النخلة الأحمر الذي فيه البلح، والعرجون لو تتركه فترة حتى ييبس يزداد انحناؤه ويصفر لونه، وكذلك القمر يصير كالعرجون القديم قبل أن يستتر في آخر الشهر، فهو في نصف الشهر يكون مكتملاً، ثم يتناقص شيئاً فشيئاً حتى يصير كالعرجون القديم.

قال تعالى: “لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40].في الماضي لم يعرفوا مدار أحدهما فهم يرونها في الفضاء فقط، لكن علماء الفلك الآن حددوا المدار الذي تبتدئ منه الشمس، ومستحيل أن يتقابل مدار الشمس مع مدار القمر في يوم من الأيام من أجل أن تدرك هذا القمر أو تلمسه. (ولا الليل سابق النهار) ولكن الليل في مكان والنهار في مكان آخر، يتواليان على الكرة الأرضية، لا الليل سيجري فيدفع النهار ويسبقه، ولا النهار يسبق مع الليل، ولكن كل في فلك يسبحون. وكل هذه الأجرام التي خلقها الله سبحانه في فلك سباحة، وهذا التعبير أعظم وأجمل من أن يقول: يجرون؛ لأن فيها معنى الجري والدروان فقط، والسباحة تدل على أن ما فوقه وتحته فراغ، كالإنسان عندما يدخل في الماء لا يعوقه شيء لا من فوق ولا من تحت، كذلك هذه الشمس وهذا القمر والأجرام كلها تسبح في هذا الفضاء، والإنسان لا يدري كيف تسبح إلا بقدرة الله تبارك وتعالى.

قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41].آية من الآيات العظيمة: أنا حملنا ذريتهم، وكلمة ذرية مأخوذة من الذر، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن ما يخرج منها) فهنا ذكر، (ذرأ) أي: بث ونشر وخلق.

والذرية هنا بمعنى المخلوقين، فالذرية تطلق على الأبناء والآباء والرجال والنساء، فمن ذلك ما ذكره الله سبحانه تبارك وتعالى هنا في كتابه: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس:41] فالذرية هنا هم الآباء الأولون في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذين خلقناهم وذرأناهم آية لهم، ولو نظروا لعرفوا أننا حملنا آبائهم الأولين الذين كانوا مع نوح في الفلك الذي ما كانوا يعرفون كيف يصنع حتى صنعه نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فكان قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله سبحانه يمرون بنوح ويسألونه: ما هذا؟ يقول: فلك، فيقولون: وما تفعل بها؟ قال: تحمل على الماء، قالوا: أي ماء ونحن في صحراء؟ فكانوا يستهزئون به، قال: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39] فصنع هذا الفلك، ولم يكن نوح نجاراً متخصصاً في صنع السفن، وإنما “فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ” [المؤمنون:27]، فأوحى الله العظيم سبحانه وتعالى إلى نوح أن يصنع هذا الفلك، فعلمه كيف يصنعه، وكان الكفار يمرون ولا يتخيلون كيف يحمل نوح وحده هذا الفلك إلى البحر، وما علموا أن البحر سيأتيهم، فكانوا يسخرون ويستهزئون، فإذا بالله يأمر السماء أن تفتح ماءها على الأرض، وأن تخرج الأرض ماءها، وانطبق ماء السماء على ماء الأرض، وأغرق الله الأرض ومن عليها، ونجى نوحاً ومن معه في فلك يحمل فيها من كل ما خلق الله سبحانه وتعالى زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولم يعش فوق الأرض إلا من كان في هذه السفينة.

فآية من آيات الله عز وجل أنه جعلكم ذرية هؤلاء، فتذكروا نعمة الله عز وجل على آبائكم أن أنجاهم فكنتم أنتم أولادهم وأرسلنا إليكم من يدعوكم إلى الله لتؤمنوا، فاحذروا أن يصنع بكم مثل ما صنع بقوم نوح.

والفلك: السفينة، والمشحون: الممتلئ، سفينة نوح كانت ممتلئة من الإنس والطير وممن شاء الله عز وجل.

 وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42] أي: وخلق لهم من مثل هذه السفن ما يركبون من سيارات وطائرات وصواريخ ومركبات فضائية وأشياء يركبونها في البر والبحر والجو، فخلق الله عز وجل من مثل ذلك ما يركبه الإنسان في كل زمان ومكان.

والله على كل شيء قدير، وهو الذي علمهم ذلك وخلق لهم من مثله ما يركبون، فله الفضل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فهو الذي أعطى للإنسان عقلاً يفكر، ففكر في هذا الشيء وأوجد له الأشياء التي صنع منها ما يركبه في البر والبحر والجو.

 “وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ “[يس:43]نحن أركبناهم هذه السفينة، وعلمناهم كيف يصنعون الفلك، فلما صنعوا الفلك اغتروا وعبدوا غير الله تبارك وتعالى، وإن نشأ نغرق هؤلاء فلا يوجد لهم من يغيثهم إذا أغرقناهم.

والصريخ: المغيث والمنقذ، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء إذا أردنا أن نهلكهم ونغرقهم ، والإنسان إذا تطاول على الرب سبحانه أرسل إليه من يقصمه.

فالله وحده على كل شيء قدير، والإنسان عاجز لا يقدر، كم صنع الإنسان من سفينة وأراد الله إغراقها فحطمها، ونذكر سفينة تيتانك التي صنعها أصحابها وسموها بالسفينة التي لا تقهر، وإذا بها أول ما نزلت وركبها أغنياء العالم إذا بالله يقصمها، وتقف السفينة وتنكسر نصفين في المحيط ويغرق الجميع.

هذا غرور الإنسان الذي يوحي له ويوهمه أنه يقدر على ما لا يقدر عليه أحد، صعدت مركبة إلى القمر ثم المركبة الثانية، وبعد ذلك قالوا: سنعمل على القمر مستعمرة، ومواصلات بين الأرض والقمر، وسنعمل …..وسنعمل، ثم تصعد مركبة فضائية فتحترق، ثم يعيدون الكرة وتحترق وتنزل إلى الأرض.

الإنسان عندما يغتر ويظن أن بقدرته أن يصنع ويعمل إذا بالله عز وجل يريه آياته ويحطمه ويهلكه ويضيع له هذه الأشياء التي يصنعها، فإذا وصلوا إذا بالله يرينا آيات عظيمة من آياته سبحانه وتعالى التي يذكرها لنا في كتابه.

” وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ ” [يس:43].لا صريخ: لا منقذ ولا مغيث لهم. ولا هم ينقذون: لا ينقذهم أحد إلا رحمته، فلا أحد يجيرهم ولا يرد عليهم ولا ينقذهم. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [يس:44] من رحمة رب العالمين أن شاء سبحانه أن يترك هؤلاء ولا يستأصلهم، يعني: لأجل رحمة من الله سبحانه تركنا هؤلاء، فلم أستأصلهم بعذاب وأخرناهم إلى يوم القيامة لعله يخرج من أصلابهم من يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ومتعناهم إلى حين حتى يأتي الأجل، ثم عذاب رب العالمين أو رحمته سبحانه. نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو.

المعنى الإجمالي للآيات :

–      ومن دلائل قدرة الله تعالى على البعث والنشور ، هذه الأرض الميتة ، التي لا نبات فيها ، أحياها الله بإنزال الماء ، وأخرج منها أنواع النبات مما يأكل الناس والأنعام ، وجعل فيها بساتين من نخيل وأعناب ، وفجر فيها من عيون المياه ، التي تجري على وجه الأرض ، ومن أحيا الأرض بالنبات أحيا الخلق بعد الممات .

–      كلّ ذلك ؛ ليأكل العباد من رزق الله وثمره ، وما ذلك إلاّ من رحمة الله تعالى بهم ، وفضله عليهم ، لا بسعيهم ولا بكدّهم ، ولا بحولهم أو قوّتهم ، أفلا يشكرون الله سبحانه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ؟

–      فتنزه الله العظيم الذي خلق هذه الأصناف جميعها من أنواع نبات الأرض ، ومن أنفسهم ذكوراً وإناثاً ، ومما لا يعلمون من مخلوقات الله الأخرى ، لقد انفرد الله سبحانه بالخلق والحكمة وبديع الصنع ، فلا ينبغي أن يشرك به غيره .

–      ومن العلامات الدالة على توحيد الله تعالى وكمال قدرته : هذا الليل عندما ننزع منه النهار ، فيعمّ الظلام حياة الناس .

–      والشمس آية لهم عظيمة ، تجري في فلك السماء لمستقر لها ، قد قدّره الله لها ، فهي لا تعداه ولا تقصر عنه ، ذلك تقدير العزيز الذي لا يغالب ، العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء .

–      والقمر آية من آيات الله في خلقه ، قدره منازل كل ليلة : يبدأ هلالاً ضئيلاً ، حتى يكمل قمراً مستديراً ، ثم يرجع ضئيلاً مثل عذق النخلة المتقوس في الرقة والانحناء

–      ولكلٍّ من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، وسائر النجوم والكواكب وقت قدره الله لها لا تتعداه ، ولا تقصر عنه ، فلا يمكن للشمس أن تلحق القمر ، فتمحو نوره ، أو تغير مجراه ، ولا يمكن لليل أن يسبق النهار ، فيدخل عليه قبل انقضاء وقته المقدّر بدقّة ، والغرض من ذلك التذكير بنعمة الليل ونعمة النهار ، فإنّ لكليهما فوائد للناس ، فلو طغى أحدهما على الآخر ، فاستقرّ في الأفق لتعطّلت منافع الناس والحيوان ، ولاختلّ نظام الكون ، وكلٌّ من الشمس والقمر والكواكب يجرون في فلك إلى أجل معلوم  .

–      ومن الأدلّة والبراهين على أن الله تعالى هو وحده المستحق للعبادة ، لأنّه المنعم بالمنعم كلّها ، أنّا حملنا المؤمنين ، وهم أصول هؤلاء المشركين ومن على ظهر الأرض في سفينة نوح ، وملأناها بأجناس المخلوقات ، ونجّيناهم من الطوفان لتستمرّ الحياة في الأرض بعد هلاك الكافرين .

–      وخلقنا لهؤلاء المشركين وغيرهم مثل سفينة نوح ، من السفن وغيرها من المراكب التي يركبونها ، وتحقّق لهم مصالحهم ، وتبلغهم أوطانهم .

–      وإن نشأ نغرقهم ، فلا يستطيعون النجاة ، ولا يجدون من يغيثهم من الغرق ؛ إلاّ أن نرحمهم فننجيهم ونمتّعهم إلى أجل معلوم ؛ لعلّهم  يرجعون ، ويستدركون ما فرّطوا فيه .

الدروس والعبر :

1 ـ من الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته على البعث وإحياء الموتى وغير ذلك : إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر ، وإخراج الحب منها ، الذي هو قوام الحياة وأساس القوت والمعاش .

2 ـ ومن الأدلة أيضاً خلق البساتين في الأرض وما فيها من نخيل وأعناب ، وتفجير الينابيع فيها للأكل من ثمر ماء العيون ، أو من ثمر الجنات والنخيل ، وممّا عملته أيدي الناس من الثمار ، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة ، ومما اتخذوا من الحبوب كالخبز وأنواع الحلويات .

3  ـ وفي الآية : { لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ، أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) } إشارة واضحة مرغّبة بإدخال الصناعة على الزراعة ليعظم خيرها ، ويعمّ نفعها ، وتفتح للناس باباً للارتزاق واسعاً ، إذ إنّ الله تعالى قد امتنّ على عباده بما يأكلون ممّا تخرج الأرض ، وما علّمهم ممّا تصنعه أيديهم ، ولولا أنّ ذلك ممّا يرغبه لعباده ، ويرشدهم إليه ممّا يصلح معاشهم ، ويديم نعم الله عليهم ، لما ذكره في معرض ذكر النعم والامتنان بها ، وهذه النعم تستوجب شكر الخالق المنعم المتفضل ، وشكره يكون بعبادته سبحانه ، والإذعان لسلطانه وإرادته .

4 ـ يجب تنزيه الخالق عما لا يليق به ، والبعد عن صنيع الكفار الذين عبدوا غير الله سبحانه ، مع ما رأوا من نعم الله وآثار قدرته .

5 ـ إن آثار قدرة الله ومظاهرها في العالم كثير ، منها خلق النبات والثمار ، المختلفة الألوان والطعوم ، والأشكال والأحجام ، صغراً وكبراً . ومنها خلق الأولاد والازواج أي ذكوراً وإناثاً ، ومنها خلق أصناف أخرى لا يعلمها البشر في البر والبحر ، والسماء والأرض ، وإذا كان الله تعالى قد انفرد بالخلق ، فلا ينبغي أن يشرك به .

6 ـ ومن العلامات الدالة أيضاً على توحيد الله تعالى وقدرته ، ووجوب عبادته : تعاقب الليل والنهار وما يتبعهما من ظلمة وضوء لتحقيق مصالح العباد ، وضبط السنين والحساب ، وجريان الشمس لمستقر لها ، وهو محورها أو نهاية سيرها يوم القيامة ، وتقدير القمر منازل ، هي ثمانية وعشرون منزلاً ، ينزل القمر كلّ ليلة بمنزل منها ، فإذا صار في آخرها ، عاد إلى أولها ، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة ، ثمّ يستتر ، ثمّ يطلع هلالاً ، فيعود إلى قطع الفلك على المنازل ، وهي منقسمة على البروج ، لكل برج منزلان وثلث .

7 ـ ومن آيات الله سبحانه جعل مدار مستقل ، لكلّ من الشمس والقمر والأرض ، فلا يدخل أحدها على الآخر ، كما لا يتجاوز مساره المرسوم .

8 ـ ومن دلائل قدرة الله ورحمته : حمل ذريّة القرون الماضية والحاضرة والمقبلة في السفن المملوءة بالسلع والأمتعة ، وخلق وسائط أخرى للركوب مماثلة للسفن ، وهي الإبل سفن الصحراء والبراري ، ووسائل النقل الحديثة في البرّ والجوّ من سيارات وقطارات وطائرات ونحوها ، وهذه آية من آيات الله المشهودة في كلّ وقت ، فيها عبرة لكلّ ذي قلب .!

9 ـ والله قادر على إغراق ركاب السفن في البحار ، فلا يغيثهم أحد ، ولا يجيرُهم ، ولا ينقذهم ، ولكن رحمة الله تعالى اقتضت إبقاءهم وإنقاذهم ليتمتعوا بمتع الحياة الدنيوية إلى آجالهم المرسومة ، وأعمارهم المحدودة ، ثمّ يكون جزاؤهم عند الله على ما قدّموا في هذه الحياة .

الفصل الخامس

حوار مع الكافرين والمصير المنتظر

يقول الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلاّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ ، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا : أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ : مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ، تَأْخُذُهُمْ ، وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَايَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ، وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا : يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ ، وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ، وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54)

ـ معاني الكلمات :

اتّقُوْا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : ما سبقكم في الدنيا من أحوال الأمم المكذّبين ، أو ما يحلّ بهم من الآفات والمصائب والنوازل .

وَمَا خَلْفَكُمْ :وما ينتظركم من عَذاب الآخرة . وقيل : مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : ما ينتظركم من عَذاب الآخرة ، وَمَا خَلْفَكُمْ : من أحوال الأمم في الدنيا ، وكلا المعنيين صحيح .

مُعْرِضِينَ :غيرَ مبالين ، ولا ملتفتين .

مَتَى هَذَا الْوَعْدُ :متى يجيء البعث ويتحقّق ، أو يحلّ العذاب ، وهذا من عنادهم وشدّة تكذيبهم .

صَيْحَةً وَاحِدَةً :النفخة الأولى وهي نفخة الموت .

وَهُمْ يَخِصِّمُونَ :يختصمون في أمورهم وتجاراتهم غافلين عمّا ينتظرهم .

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ :النفخة الثانية ، وهي نفخة البعث .

الْأَجْدَاثِ :القبور جمع جَدَث .

يَنسِلُونَ :يسرعون في الخروج .

مِنْ مَرْقَدِنَا :قبورنا .

صَيْحَةً وَاحِدَةً :هي نفخة البعث . وفي ذلك تهوين لأمر البعث والحشر ، وأنّ الله غنيّ عن الأسباب المألوفة في الدنيا .

مُحْضَرُونَ :حاضرون مجموعون للحساب والجَزاء .

قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [يس:45].(ما بين أيديكم): ما تقدم وسبقكم في الأمم السابقة كيف أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود أصحاب الأيكة وقوم فرعون ولوط، أرأيتم ما الذي تقدم؟ هذا ما بين أيديكم من السابقين قبلكم. (وما خلفكم) أي: ما وراءكم من غيب لا يعلمه إلا الله سبحانه بعد ما تموتون وينكشف أمامكم الحجاب، وترون عذاب الله سبحانه وتعالى، فإذا قيل للكفار: اتقوا النقم التي نزلت في السابقين، واحذروا من غضب الله عز وجل وما أعده للكافرين، واجعلوا بينكم وبين غضب الله وقاية من الإيمان والعمل الصالح لعل الله عز وجل يرحمكم ؛ كان جواب هؤلاء أنهم لا يؤمنون.

وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46]فكأن الجواب إذا قيل لهم ذلك: أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرضوا عمن يدعونهم إلى الله سبحانه، وإذا رأوا الآيات البينات لم يزدهم ذلك إلا استكباراً ونفوراً ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ ) قرآنية تتلى عليهم، أو آية حسية من آيات الله سبحانه مرئية ( إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ).

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا [يس:47]إذا قيل للكافر: أنفق لله سبحانه فقد أعطاك مالاً، فلم لا تعط المساكين والفقراء؟ (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) فيجيب هؤلاء الكفار أنحن نطعم هؤلاء؟! إذا أراد ربنا أن يؤكلهم أكلهم، ونحن لماذا نرزقهم وأنتم تقولون: ربكم هو الرزاق سبحانه وتعالى، فلو أراد أن يتركهم تركهم، فكأنهم يحتجون بالقدر، والكلام صحيح والمراد به باطل، مثلما قال الكفار: “لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ “[النحل:35] فاحتجوا بالقدر على الله سبحانه وتعالى، ونقول: صحيح لو شاء الله لهداكم أجمعين، ولكن هل أمركم الله عز وجل أن تحتجوا بقضائه وقدره، أم أمركم بما تقدرون عليه من عمل؟ أنت تنفق مالك في هذا المجال وفي هذا المجال، ِلم لم تقل: لو شاء الله ما أنفقت، أو لو شاء الله كان فعل كذا؟ أنت تجوع، فتنفق مالك لكي تأكل، فلماذا لا تحتج بالقدر في هذا الشيء وتقول: لو شاء الله لأطعمني؟ هل منهم من يقول هذا الشيء؟ لا. يحتجون بالقدر فيما يريدون ويتركون الاحتجاج فيما لا يريدون، فهم كذابون يتكلمون على الله بما لا يعرفون.

قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يس:49]يعني: أنت تأمرنا بتقوى الله، لماذا؟ فيجيبهم ربهم سبحانه وتعالى: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:49] هم يظنون أن يوم القيامة شيء صعب، ولا يعلمون أنه صيحة واحدة بنفخ في الصور يهلك بها جميع هؤلاء، فلا يقدرون على الرجوع إلى أهلهم، ولا يقدرون على حياتهم بعد ذلك إلا أن يحييهم الله للبعث والنشور.

( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا )بمعنى: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي النفخ في الصور حين يأمر الله عز وجل إسرافيل أن ينفخ في الصور، فينفخ نفختين، نفخة الإماتة ثم نفخة البعث من القبور.

“مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49](يخصمون) أصلها يختصمون، يعني: يختصمون في أمر الدين والدنيا ويكذب بعضهم بعضاً، ويخاصم بعضهم بعضاً، وهم في وسط هذا الشغل جاءت الصيحة فأخمدت الجميع ” فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ” [يس:50] لا يقدر أن يوصي بعضهم بعضاً بالمال والأولاد.

وفي البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه) ذهب ليشتري قماشاً فيخرج إلى السوق ويتبايع هو والتاجر، وتقوم الساعة على هذه الصورة، فلا يطوي هذا الثوب ولا يستلم هذا المال. قال صلى الله عليه وسلم: (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) حلب الرجل ناقته وأخذ اللبن لكي يشربه، وقبل أن يشرب هذا اللبن تقوم. (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه) الحوض الذي يسقي فيه الغنم والإبل أحضرت له الحجارة وملأه ماء وأتى بالإبل لتشرب، فتقوم الساعة قبل ذلك. (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) تقوم الساعة والناس في انشغال، وتأتي الساعة عليهم وهم في انشغال عن الآخرة والعمل الصالح.

قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [يس:51].الصور: البوق الذي يحمله إسرافيل الملك الموكل بالنفخ، فينفخ فيه بإذن الله سبحانه وتعالى؛ فيصعق من في السموات ومن في الأرض، ثم يؤمر فينفخ فيه نفخة أخرى فإذا هم قيام ينظرون. نفختان ذكرهما الله عز وجل في كتابه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، ينفخ نفخة الإماتة فيموت من في هذا الكون، ثم ينفخ نفخة أخرى لإحياء الموتى، ونفخ إسرافيل في الصور سبب، ولكن الذي يحيي ويبعث الناس ليجازيهم هو الله تبارك وتعالى.

ومنذ خلق الله تبارك وتعالى إسرافيل وهو معه هذا الصور – وهو البوق الذي ينفخ فيه- ينظر إلى عرش الرحمن ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور، يخاف أن ينشغل عن ذلك، فهو في نظر دائم متعلق بعرش الرحمن سبحانه حتى يأمره الله سبحانه في وقت حدده يعلمه الله ولا يعلمه غير الله سبحانه وتعالى.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ [يس:51]والأجداث جمع جدث، والجدث: القبر، فإذا هم من قبورهم يخرجون وإلى ربهم ينسلون، أي: يمشون مشياً مسرعاً، ويخرجون من القبور ويقومون مسرعين متوجهين إلى مكان اجتماعهم وحشرهم وحسابهم.

قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52]هذا كلام الكفار حين يبعثون ويعلمون أن مصيرهم إلى النار، فيقولون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ويجابون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وصدق المرسلون [يس:52] لم يتبين لهم صدق المرسلين إلا حين جاءتهم الوفاة، حين دخلوا قبورهم، فلما بعثوا من قبورهم تبين لهم أن الرسل كانوا على حق في حين لا ينفع ما تبينوه الآن، فقد صاروا إلى الآخرة وليسوا في الدنيا.

“قَالُوا يَا وَيْلَنَا” : يدعون بالويل، يعني: يا ويلنا احضر، والويل الهلاك، كأنهم يدعو أحدهم على نفسه بالهلاك، يقول: يا ويل احضر، يا هلاك احضر، تعالى الآن خذني. وهذه الكلمة فيها ما فيها من الرعب الذي يخرجون به من قبورهم.

“مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ” [يس:52]والقبر مرقد لصاحبه، وهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النيران، فهم كانوا يعذبون في قبورهم ولكن الله سبحانه حين يأمر بالنفخ في الصور النفخة الأولى فيقضي على جميع الخلق بالموت، ويقضي على أهل القبور بالرقاد، وعندما يرقدون يرفع عنهم العذاب في هذه الفترة ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية.

في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين النفختين أربعون. قيل: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قيل: أربعون شهراً؟ قيل: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت) راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه لا يدري أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، قال: (أبيت) يعني: أن أتكلم فيما ليس لي به علم، والذي أخبر هو النبي صلى الله عليه وسلم.

 قال: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)، الإنسان يبلى تماماً في قبره إلا آخر عظمة في العمود الفقري، وهي مكان الذيل من الحيوان، وهي كالبذرة للإنسان ينبت منها يوم القيامة ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل) البقل: النبات الذي ينبت ساقه في الأرض وأوراقه عليها مثل الجرجير وغيره مما يخرج على الأرض، ينزل من السماء ماء وتنبت البقول وينبت الإنسان كما ينبت هذا النبات، ينزل من السماء ماء فيجمع الله عز وجل الإنسان من كل مكان وينبت ويخرج مرة أخرى ويركب الخلق يوم القيامة من عجب الذنب.

قال الله عز وجل: “إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً” [يس:53]،(إن) بمعنى: (ما) ما كانت إلا صيحة واحدة ، فهي صيحة واحدة ينفخ في الصور فيهلك الجميع، وصيحة واحدة أخرى فيبعث الجميع، ليس كل إنسان يحتاج لأن ينفخ له في الصور بمفرده، إن كان الرب سبحانه أماتهم فرادى، وكل إنسان جاءته الوفاة في وقته، ولكن لما قضى بالنفخ في الصور ليهلك جميع من فوق الأرض كانت نفخة واحدة، ولما أمر بإحياء الجميع ممن ماتوا قبل ذلك ومن ماتوا بهذه النفخة كانت صيحة واحدة، لبيان أن الله لا يعجزه شيء.

“إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ” [يس:53] محضرون أمام ربهم سبحانه، يقفون للجزاء، ليأخذ كل منهم صحيفة عمله، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها باليسار من وراء ظهره، لا أحد يفلت، لا أحد يهرب، لا أحد يذهب بعيداً ويشرد عن هؤلاء، الجميع محصورون مجموعون لله رب العالمين (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54]

ما هو الصور :

الصور في لغة العرب القَرْن ، وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصور ، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” ما الصور ؟ قال : الصور قرن ينفخ فيه ” قال الترمذي فيه : حديث حسن صحيح .

النَافخ في الصُّور
اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام ، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن صاحب الصور مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن طَرْف صاحب الصور منذ وُكِّل به مستعد ينظر نحو العرش ، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طَرْفه ، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان ” قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي  .

وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كيف أنعم ، وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ ، وحنى جبهته ، وأصغى سمعه ، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ ، فينفخ . قال المسلمون : فكيف نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، توكلنا على الله ربنا ” رواه الترمذي وحسنه الالباني .

اليَوم الذي يكون فيه النفخة
تقوم الساعة في يوم الجمعة ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خُلِق آدم ، وفيه أُدخل الجنة ، وفيه أُخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة “

كم مَرَّة ينفخ في الصُّور ؟

الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين ، الأولى يحصل بها الصعق ، والثانية يحصل بها البعث ، قال تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) [ الزمر : 68 ] .
وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة ، والنفخة الثانية بالرادفة ، قال تعالى : ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ – تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) [ النازعات : 6-7 ] .
وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة ، وصرح بالنفخ بالصور في الثانية ، قال تعالى: ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ – فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ – وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) [ يس : 49-51 ] .

وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما بين النفختين أربعون “. قالوا : يا أبا هريرة ، أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت ، قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ”  .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ثم ينفخ في الصور ، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ، ورفع ليتاً (الليت : صفحة العنق ، وإصغاؤه : إمالته) ، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ، قال : فيصعق ، ويصعق الناس ، ثم يرسل الله – أو قال : ينزل الله مطراً ، كأنه الطَّلُّ ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون “

وقد رجح هذا الذي دلت عليه هذه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم ، منهم القرطبي  ، وابن حجر العسقلاني.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات ، وهي نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة البعث .
وممن ذهب هذا المذهب ابن العربي ، وابن تيمية ، وابن كثير  ، والسفاريني  ، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) [ النمل : 87 ] .
كما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث ، كحديث الصور، وهو حديث طويل ، أخرجه الطبري ، وفيه : ” ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام لرب العالمين “.
أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة على أن هذه نفخة ثالثة ، إذ لا يلزم من ذكر الحق تبارك وتعالى للفزع الذي يصيب من في السماوات والأرض عند النفخ في الصور أن تجعل هذه نفخة مستقلة ، فالنفخة الأولى تفزع الأحياء قبل صعقهم ، والنفخة الثانية تفزع الناس عند بعثهم .وجاء في تذكرة القرطبي : ” ونفخة الفزع هي نفخة الصعق ، لأن الأمرين لازمين لها ، أي : فزعوا فزعاً ماتوا منه “

أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى ، ونقل تضعيفه عن البيهقي

الذين لا يُصعقون عند النفخ في الصّور

أخبرنا الباري جلَّ وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يُصعقون عندما يُصعق من في السماوات ومن في الأرض ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) [ الزمر : 68 ] .
وقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله : ( إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ).
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين ، فإن الجنة ليس فيها موت ” مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (4/261)

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله ، لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على المراد .

المعنى الإجمالي للآيات :

–      وإذا قيل لهؤلاء  المشركين : احذروا الآخرة وأهوالها ، ومصائب الدنيا وعقابها ، رجاء رحمة الله لكم ، أعرضوا ولم يستجيبوا ، وأصرّوا على ما هم فيه من كفر وطغيان .

–      وما تجيء هؤلاء المشركين من حجّة بيّنة واضحة من عند ربهم ، لتهديهم للحقّ ، وتبيّن لهم صدق الرسول e، إلاّ جحدوا بها ، وأعرضوا عنها .

–      وإذا قيل لهم : أنفقوا من الرزق الذي منّ الله به عليكم ، قالوا مكابرين للحقّ ، معاندين للمؤمنين : كيف نرحم ونطعم من لو يشاء الله رحمه وأطعمه ؟

–      فكما أنّهم أخلّوا بتعظيم الخالق ، وأداء حقّ العبوديّة لله فقد حرموا العطف والشفقة على الإنسانية ، وانعدمت عندهم عاطفة الرحمة بالمخلوقات ، فهم إذا دعوا إلى الإنفاق مما رزقهم الله بخلوا وتهكموا ، وجادلوا بالباطل وتهرّبوا ، وهو شأن البخلاء في كل عصر .

–      ويقولون للمؤمنين : لستم ـ أيها المؤمنون ـ فيما تقولون لنا إلا في ضلال واضح عن الحق ، إذ تأمروننا بذلك .

–      ويقولون للمؤمنين على وجه التكذيب والعناد والاستنكار : متى يكون البعث إن كنتم صادقين فيما تقولون عنه ؟

–      فيأتيهم الردّ من الله تعالى : ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله وعذابه إلاّ نفخة الفزع عند قيام الساعة ، التي تأخذهم فجأة ، وهم منهمكون في شؤون حياتهم يختصمون .

–      فلا يستطيعون عند سماع النفخ في الصور أن يوصوا أحداً بشيء ، كما لا يستطيعون الرجوع إلى أهليهم ، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم .

–      وعندما ينفخ في الصور النفخة الثانية ، تردّ أرواحهم إلى أجسادهم ، فيخرجون من قبورهم سراعاً إلى ربهم .

–      ويقول عندئذ هؤلاء المكذبون بالبعث ـ نادمين متحسّرين ـ : يا حسرتنا ! ويا هلاكنا ! من أخرجنا من قبورنا ؟ فيأتيهم الجواب : هذا ما وعد الرحمن ، وأخبركم عنه المرسلون الصادقون .

–      فما كان البعث من القبور إلا نتيجة نفخة واحدة في الصور ، فإذا جميع الخلق ماثلون لدينا للحساب والجزاء ، وفي ذلك اليوم يتمّ الحساب بالعدل ، فلا تظلم نفس شيئاً بنقص حسناتها أو زيادة سيئاتها ، ولا يجزى أحد إلا بما عمل في الدنيا .

الدروس والعبر :

1 ـ كان الردّ الحاسم على استعجال الكفار قيام الساعة استهزاء أنها تأتي فجأة كلمح البصر أو هي أقرب ، وتحدث بنفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في وقت يختصم الناس في أمور دنياهم ، فيموتون في مكانهم ، وهذه هي نفخة الصعق .

2 ـ من آثار الموت المفاجئ بتلك النفخة أنهم لا يتمكنون من العودة إلى ديارهم إذا كانوا خارجين منها ، ولا يستطيعون الإيصاء إلى غيرهم بما لهم وما عليهم . وقيل : لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضاً بالتوبة ، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم .

3 ـ ثم تأتي النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور من القبور ، فهما نفختان ، لا ثلاث ، بدليل هذه الآية : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) } .

4-   يتعجب أهل البعث ويذهلون ويفزعون مما يرون من شدائد الأهوال فيتساءلون عمن أخرجهم من قبورهم ، مفضلين عذاب القبر ؛ لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد .

5-   عندما تحدث النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور ، يخرج الناس جميعاً مسرعين إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء ، كما قال تعالى : { مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ(8) } القمر .

الفصل السادس

حال أهل الجنة وحال أهل النار

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ ، عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ، وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَلّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي ، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ، أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ، فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ ، فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا ، وَلَا يَرْجِعُونَ (67) } .

شُغُلٍ :نعيم عظيم ، يشغلهم عمّا سواه .

فَاكِهُونَ :متلذّذون أو فرحون .

في ظِلالٍ :جمع ظِلّ ، وهو ما لا تصيبه الشمس .

عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ :السرر في البيوت المزيّنة بالثياب والأسرّة والستور .

وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ :ما يتمنّونه ويشتهونه ويطلبونه من أنواع الملذّات والنعيم .

سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ :وأعظم ما يتمنّون سلام الله عليهم ، تكريماً لهم ورضواناً .

وَامْتَازُوا :تميّزوا وانفردوا عن المؤمنين .

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ :ألم أوصكم وأكلّفكم .

أَلّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ : ألاّ تطيعوه وتستجيبوا لوسوسته .

جِبِلًّا :خلقاً أو جَماعة عظيمة .

اصْلَوْهَا :اُدخلوها وقاسوا حرّها .

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ :نغلقها فلا يستطيعون الكلام .

يَكسِبُونَ :يقترفون من الإثم والفجور .

لَطَمَسْنَا على أعينِهُم : أعميناهم أو صيّرناها ممسوحة لا يرى لها شقّ .

فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ :ابتدروا الطريق ليجوزوه .

فَأَنَّى يُبْصِرُونَ :فكيف يبصرون الطريق .؟

لَمَسَخْنَاهُمْ :لغيّرنا صورتهم إلى أقبح صورة .

عَلَى مَكَانَتِهِمْ :في مكان معاصيهم أو في منازلهم .

فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ :فَلم يقدروا على ذهاب أو عودة .

يقول ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55] ( أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) كأنهم ملكوها، هذه الجنة جنتكم، هذه التي أعددناها لكم. ( فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ) أي: منعمون، يعني: نفوسهم طيبة منعمة بالجنة. ( فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ )، قد شغلوا بما في الجنة من نعيم، شغل الدنيا يتعب فيه الإنسان ويرجع يريد أن ينام ويستريح، فالجنة ليس فيها نوم ولا تعب ولا انشغال بمعاص، بل في شغل مما يسر أهل الجنة، ويجعلهم مشغولين عن غيرهم من أهل النار، فيشغلهم الله تبارك وتعالى بالحور العين، وبفاكهة الجنة، وبما أحبوا واشتهوا من أشياء، قد صانوا أنفسهم في الدنيا عن معاصي الله فصارت لهم الجنة بما فيها من نعيم من عند الله سبحانه.

قال تعالى: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ [يس:56]: كل إنسان مع زوجاته في الجنة، له من الحور العين ما شاء الله تبارك وتعالى، كذلك زوجته التي كانت معه في الدنيا تكون من أجمل ما يكون في الجنة، فها هو وزوجه إذا دخلت معه الجنة كانوا منعمين.

 يقول سبحانه: “فِي ظِلالٍ “،جمع ظل، والظلة: الشيء الذي يجعل فوق رأس الإنسان، والجنة ليس فيها شمس تحرق أهلها، ولكن فيها نعيم الزينة فيزين لأهل الجنة مثلما تجد في الأفراح يعمل للعروسة شيء فوق رأسها، ليس لأنه يوجد مطر، وإنما زينة للعرس، وزينة أهل الجنة أعظم من ذلك بكثير، شبهوا بالعروس في الدنيا؛ لأن العروس في الدنيا تتزين لزوجها، فهؤلاء في الجنة زينت لهم الجنة على ما نسمع هنا.

يقول سبحانه: عَلَى الأَرَائِكِ [يس:56]،الأرائك: جمع أريكة، وهو: الكرسي الكبير المتسع، أو العرش الذي يجلس عليه الملك، أو السرر في الحجال، يقول المفسرون: الأرائك: السرر في الحجال، والحجال: جمع حجلة، والحجلة: البيت الذي يصنع من قماش للعروس لتجلس فيه، مثلما يقولون الآن بألفاظهم: الكوشة، وهي قبة معمول لها زينة من فوقها ومن تحتها وفيها كرسي تجلس عليه العروس، فأهل الجنة في هذه الحجال. عَلَى الأَرَائِكِ [يس:56] بيوت عظيمة جميلة مزينة لأهلها.

( مُتَّكِئُونَ )يتكئ الإنسان أي: يجلس مسنداً ظهره ويده.

الإنسان المرفه يجلس متكئاً على اليمين أو الشمال يأكل، أما الجائع فهو مقبل على الطعام حامد لله سبحانه، شاكر له، لكن الإنسان البطر الذي عنده الأكل كثير يجلس هذه الجلسة، وهو في الدنيا ممنوع منها عند الطعام ، ولكن في الجنة اجلس كما شئت، اتكئ كما شئت، فالآن وقت الجزاء ووقت الثواب ووقت السرور والفرح فاجلس كما شئت.

“لهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ “فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ليس محتاجاً إلى قطع الثمار من الأشجار ولكن يطلب ما يشاء وهو يأتيه، وإذا قطع الثمار من أشجار الجنة نبت مكانه غيره، فثمار الشجرة لا تنتهي، نعيم مقيم لا مقطوع ولا ممنوع.

“وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ”  ، ما يدعي الإنسان، بمعنى: ما يطلب، وما يسأل، فيطلبون الشيء مهما عظم، فيعطيهم الله ما شاء من فضله ومن رحمته سبحانه وتعالى.

“سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ”أعظم ما يكون لهم في الجنة أن يسلم عليهم الرب سبحانه وتعالى، أي: يعطيهم الله سبحانه تبارك وتعالى السلام والأمن، ويحييهم ربهم الحياة الطيبة والتحية العظيمة، سلام قولاً من ربكم سبحانه تبارك وتعالى، فيميز هذا التسليم بأنه قولاً من الله سبحانه سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ خالق مالك يملك كل شيء، رحيم بعباده سبحانه تبارك وتعالى.

وانظر هذا الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]) هذا أعظم ما يؤتاه أهل الجنة، لذة النظر إلى وجه الرب تبارك وتعالى، ويزيد على ذلك أن ينظروا إلى وجهه سبحانه وتعالى.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم، وأن يرينا وجهه الكريم سبحانه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، ونسأله أن يزيننا بزينة الإيمان، ويجعلنا هداة مهتدين.

يقول الله تعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59].قيل للمجرمين: تميزوا، تعالوا من هذه الناحية، يقال: ميزت الناس بعضهم عن بعض إذا فرقت بينهم، فيقال لهم: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59]، ابتعدوا عن المؤمنين، لستم معهم في الجنة، ولا لكم نور من نورهم، انحازوا إلى ذات الشمال، فيؤخذون إلى النار والعياذ بالله.

أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59]،أجرموا في حق دينهم.. أجرموا في حق ربهم سبحانه.. أجرموا في حق المؤمنين.. أجرموا في حق نبيهم عليه الصلاة والسلام، فقيل لهم: انحازوا إلى هاهنا، اجتمعوا إلى النار والعياذ بالله.

ويقول لهم ربهم سبحانه: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس:60]

 ألم أحذركم قبل ذلك من الشيطان: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، ها هي السعير التي حذرناكم منها، وحذرناكم من اتباع الشيطان، فأبيتم إلا متابعة الشيطان حتى أرداكم في الجحيم.

ألم نقل لكم قبل هذا: لا تعبدوا الشيطان ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60]، عداوته ظاهرة بينة واضحة ، وقد أعذرنا إليكم فلا عذر يقبل منكم اليوم.

وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:61]اعبدوا ربكم وحده لا شريك له.

 “هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ” يعني: طريق الله سبحانه طريق لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ومن تابع دين الله سار إلى جنة الله سبحانه.

قال تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62].(جبلاً) الجبلة الخلقة، معناه: الخلق الكثير، ملايين من الخلق أضلهم الشيطان وأغواهم عن طريق الرحمن.

أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: 62] ألا يوجد عندكم عقل تعقلون وتعرفون أن هذا هو الحق من عند الله، تركتم هذا واتبعتم الشيطان من دون الله تبارك وتعالى.

قال تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63].جهنم اسم من أسماء النار.

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ [يس:64]، (اصلوها) يصلى الشيء بمعنى: يحترق فيه، فيقول: عانوا حرارتها، قاسوا من لهيبها.

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس:64]هذه جهنم البشعة الفظيعة التي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال عنها: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) تخيل هذا العدد الضخم! هذه جهنم خلقها الله سبحانه وتعالى، وجعلها عذاباً لمن عصاه سبحانه، هي عظيمة، وقد وعدها الله عز وجل أن يملأها ممن كفر وممن عصاه سبحانه وتعالى، ولا تشبع أبداً، كلما ألقي فيها فوج تقول: هل من مزيد، حتى يسكتها الله سبحانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط)، حينها تسكت ولا تطلب المزيد.

قال تعالى: اليوم نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]. حضروا الموقف أمام رب العالمين، فلما سألهم أجابوا وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، ومن حاول أن يكتم الله حديثاً أنطق عليه أعضاءه فاعترفت عليه يوم القيامة.

وجاء في صحيح مسلم من حديث أنس : (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)، انظروا العبد يوم القيامة، ما زال يجادل ربه: يا رب! ألست حرمت الظلم على نفسك، وأنت أجرت من الظلم عبادك؟

فيقول الله سبحانه: (بلى، فيقول هذا العبد: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني )يعني: لا أريد ملائكة تشهد علي، أنا أشهد على نفسي، يظن أن ذلك ينفعه. قال: (فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فِيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام)، شهدت عليك أعضاؤك بما عملت في الدنيا، فيقول وهو يدعو على نفسه: (بعداً لكُنّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل) يعني: كان يدافع عن نفسه، عن أعضائه التي أوبقته وشهدت عليه.

يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65]تنطق الأيدي، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ، وهذا من التفنن في القرآن العظيم، لم يقل: تكلمنا أيديهم وتكلمنا أرجلهم، ولكن ذكر أن كل عضو ينطق ويتكلم، ففصل فذكر أن الأيدي تتكلم، والأرجل تشهد، كأنه أقامها مقام الشاهد؛ لأن الإنسان غالباً ما يصنع أفعاله بيده، فكأن اليد بعيدة عن الرجل، والرجل شاهدة على اليد بما فعلته، وعلى الفم بما قاله، فتقول : ضربت فلاناً، أخذت مال فلان، سفكت دم فلان، والرجل تشهد على هذا الإنسان وعلى هذه اليد بما صنعت .

وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ [يس:66] الطمس: إزالة الأثر، تقول: طمست الريح الأثر، بمعنى: أزالت الأثر.

وقد ذهب أكثر المفسّرينَ إلى أنّ المراد بالآية الحديثُ عنْ حال الكافرين في الدنيا ، ففسّروا الصراط بالطريق المعروف ، مع أنّ سِياقَ الآية في الحدِيثُ عن مشهد مِن مشاهد يوم القيامة ، بدءاً من قوله تعالى : { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63)اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64)} فكان الأصحّ والأرجح أن تفسّر الآية بما يعرض للكافرين من أهوال يوم القيامة ومواقفه ، فالكافر الذي عاند الحقّ في هذه الحياة ، وطمس بصيرته عن رؤية آيات الله تعالى في نفسه ، وفي الآفاق من حوله ، يعاقب يوم القيامة بأن يطمس بصره وهوَ في أشدّ الحاجة إليه ، عندما يقدّم إلى الصراط ليجتازه ، فيفاجأ بطمس بصره ، ويحاول أن يبادر قبل ذلك ، فهيهات هيهات .! ويؤيّد ذلك عموم ما جاء في قول الله جلّ وعلا : { ومَن أعرضَ عنْ ذِكري فإنّ لهُ مَعِيشةً ضَنكاً ، ونحشرُه يومَ القيامةِ أعمَى } وقد نقلَ الإمام القرطبيّ في تفسيره عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ما يؤيّد هذا القول ويعضده : يقول الإمام القرطبيّ : وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدّم ، وتأوّلها على أنّها في يوم القيامة ، وقال : إذا كان يوم القيامة ، ومدّ الصراط ، نادى منادٍ : ليقم محمّد eوأمّته ، فيقومون برّهم وفاجرهم ، يتبعونه ليجوزوا الصراط ، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجّارهم ، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتّى يجازوه .؟ ثمّ ينادي منادٍ ليقم عيسى eوأمَّته ، فيقوم فيتّبعونه برّهم وفاجرهم ، فيكون سبيلهم تلك السبيل ، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام ([7]).

ويؤيّد هذه الرواية ما جاء في صحاح الأحاديث من أنّ مرور الناس على الصراط إنما هو على حسب أعمالهم ؛ فمنهم من يمرّ كالبرق الخاطف ، ومنهم كراكب الجواد السريع ، ومنهم من يحبو على الصراط حبواً ، ومنهم مخدوش مسلّم ، ومنهم من تتخطفه كلاليب جهنّم .

وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس:67]،المكانة: المكان الذي يزاولون فيه معصيتهم ويمكثون فيه، لو أردنا كنا مسخناهم قردة وخنازير، وقد فعل بالبعض من عباده، ولو شاء لفعل بهؤلاء أيضاً من كفار قريش.

فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ [يس:67]، كنا مسخناهم قردة وخنازير، أو جعلناهم جمادات صوراً وتماثيل، فما قدروا لا مضياً للأمام ولا رجوعاً إلى الخلف، ولكننا أخرنا عنهم العذاب؛ لعل بعضهم يتوب.

المعنى الإجمالي للآيات :

–      وإنّ أهل الجنة في ذلك اليوم مشغولون عن غيرهم بأنواع النعيم التي يتفكّهون بها ويتنعّمون ، إنّهم هم وأزواجهم يتنعمون بالجلوس على الأسرة المزيّنة ، تحت الظلال الوارفة ، ولهم في الجنة أنواع الفاكهة اللذيذة ، ولهم كلّ ما يطلبون من أنواع النعيم ، ولهم فوق ذلك نعيم آخر أكبر ، حين يكلّمهم ربّهم ، وهو الرحيم بهم ، ويسلّم عليهم ، فتحصل لهم السلامة التامّة والسعادة ، ويحظون بتكريم ما بعده من تكريم .!

–      وفي ذلك اليوم يقال للكفار : تميّزوا عن المؤمنين ، وانفصلوا عنهم ، ويقول الله لهم توبيخاً وتذكيراً : ألم أوصكم على ألسنة رسلي ألاّ تعبدوا الشيطان ولا تطيعوه ؟ إنّه لكم عدوّ ظاهر العداوة لا يريد لكم إلاّ الشقاء والوقوع فيما يغضب الله ، ولقد أمرتكم بعبادتي وحدي ، فعبادتي وطاعتي ، ومعصية الشيطان هو الدين القويم الموصل لمرضاتي وجنّتي . ولقد أضل الشيطان منكم خلقاً كثيراً عن الحقّ ، أفما كان لكم ـ أيها المشركون ـ عقل ينهاكم عن اتّباعه وطاعته .؟!

–      ثمّ يقال لهم : هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله تعالى وتكذيبكم لرسله ، ادخلوها اليوم وقاسوا حرّها ؛ بسبب ما كنتم عليه من الكفر والجحود .

–      وفي ذلك اليوم نطبع على أفواه المشركين فلا ينطقون ، وتكلمنا أيديهم بما بطشت به ، وتشهد أرجلهم بما سعت إليه في الدنيا ، وكسبت من الآثام ، فلا يستطيعون التنصّل من جرائمهم ، وما كانوا عليه من الظلم والفساد .

–      ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نذهب أبصارهم ، كما ختمنا على أفواههم ، فإذا بادروا إلى الصراط ليجوزوه لم يستطيعوا ، إذ كيف يتحقق لهم ذلك ، وقد طمست أبصارهم ؟! فتخطفهم كلاليب جهنّم ، ويسقطون فيها  .

–      ولو شئنا لغيرنا خلقهم ، وأقعدناهم في أماكنهم ، فلم يستطيعوا المضي أمامهم ، ولا أن يرجعوا وراءهم .! أفلا يعتبرون بذلك ويتّعظون .؟!

الدروس والعبر :

1-    الحساب حق وعدل ، والجزاء قائم على العدل المطلق فلا ينقص من ثواب العمل أي شيء مهما قل ، ولا يجزى الناس إلاّ بما عملوا من خير أو شرّ .

2-   إن أصحاب الجنة يتنعّمُون فيها نعيماً ماديّاً ، وليس روحيّاً فقط ، فهم في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي في النار ، وما هم فيه من أليم العذاب ، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم .

3-   يتنعّمُ أهل الجنة بأنواع النعيم هم وأزواجهم ، تحت ستور تظلّلهم ، وعلى الأرائك متكئون ( أي السرر في الحجال ، كالناموسيات أو الكوشة التي تهيأ للعروس) .

4-   ولهم في الجنّة أنواع من الفاكهة لا تعد ولا تحصى ، ولهم كلّ ما يتمنّون ويشتهون ، فمهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذّ .

5-   ولهم أكمل الأشياء وأعلاها الذي لا شيء فوقه وهو السلام من الله الربّ الرحيم ، إمّا بوساطة الملائكة ، أو بغير وساطة ، مبالغة في تعظيمهم ، وذلك غاية ما يتمنّونه وما يكرمهم الله به .

6-   وفي الآخرة يميّز المجرمون عن المؤمنين ، ويعزلون تحقيراً لهم ، وإعداداً لسوقهم إلى نار جهنم ، وذلك حين يؤمر بأهل الجنّة إلى الجنّة ، فيقال للمجرمين : اُخرجوا من جملتهم .

الفصل السابع

دلائل النبوّة ومعالم الرسالة

يقولُ الله تعالى : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ، فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ، فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ ، وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ، أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً ، لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ، وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ، وَمَا يُعْلِنُونَ (76) } .

معاني الكلمات :

نُعَمِّرْهُ :نطل عمره .

نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ :نرده إلى أرذل العمر ، فيصبح بعدَ قوّته وشبابه ضعيفاً هرماً .

وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ :وما جعلنَا محمّداً eقادراً على قول الشعر أو نظمه .

وَمَا يَنْبَغِي لَهُ :ولا يتَأتّى منه ، ولا يسْهل عليه لو طَلبه .

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ :تذكير وموعظة من الله تعالى لعباده .

وَقُرْآنٌ مُبِينٌ :كتاب سماويّ ، مبيّن للأحكام والشرائع التي يكلّف الله بها عباده .

مَنْ كَانَ حَيًّا :حيّ القلب مستنير البصيرة ، يعقل الحقّ ويستجيب له .

وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ :يجب العَذاب ويثبت .

أنعَاماً :هيَ الإبل والبقر والغنم ، وخصّها بالذكر لما فيها من بديع الفطرة وعظيم المنافع

وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ :صيّرناها مذلّلة منقَادة لهم .

ولهُم فِيها مَنافِعُ :من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، فضلاً عن لُحومها وألبانها .

وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ :وَهُمْ لَآلهتهمْ من الأصنام جُنودٌ يذودون عنهم ، ثمّ هم مُحْضَرُونَ في النار معهم .

قال الله سبحانه: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68].ومن نعطيه عمراً يعيش حتى يجاوز الستين.. السبعين.. ، إذا عمرناه نكسناه، والإنسان في حياته يمشي في منحنى سنه وهو صغير من الصفر، ثم يستمر في الزيادة إلى أن يعلو إلى أقصى قوته وشبابه وصحته، ومن ثم يأتي منحنى النزول بعد ذلك حتى يصل إلى الصفر، ويدخل إلى قبره. فالإنسان كلما ازداد عمره في طاعة الله كلما كان خيراً له، فيستغل الإنسان حياته وصحته وشبابه في أن يعبد الله سبحانه، وإذا اكتمل الشباب واكتمل للإنسان القوة فما بعد الكمال إلا النقصان، فبعدما كان يقدر على أن يصلي قائماً يصلي قاعداً، بعدما كان يصلي قاعداً يصلي وهو مضطجع .

لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر، ويقول: (أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)

قال الله سبحانه: “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ “(69) يخبر سبحانه وتعالى عن نبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه سبحانه ما علمه الشعر، وما من شيء تعلمه النبي صلى الله عليه وسلم إلا وربه الذي يعلمه إياه سبحانه، فعلمه من الغيب ما شاء سبحانه وتعالى، وأخفى عنه من الغيوب ما شاء، فما من شيء تعلمه إلا من فضله سبحانه، ومنعه عن أشياء لا يتعلمها صلى الله عليه وسلم، ومنها: الكتابة والقراءة، وهذه للنبي صلى الله عليه وسلم معجزة، أنه نبي أمي صلوات الله وسلامه عليه، هكذا وصفه ربه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلَ [الأعراف:157]. فهو أمي صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله يحفظه ويعلمه ما يشاء، فصفة الأمية في النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر من معجزاته، من أنه تعلم هذا العلم كله وهو لا يقرأ ولا يكتب صلوات الله وسلامه عليه.

فهنا ربنا تبارك وتعالى يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] الشعر من علوم البشر يتعلمه الناس ويجيدونه فيتكلمون به، ويكون للبعض من الناس تميزا أنه يفهم الشعر ويجيده ويتكلم به، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك؛ لأنه لو كان يقول الشعر كما يقول الناس لصدق عليه قول المشركين حيث قالوا: هذا شاعر، وبدأ يلفق أشياء من الشعر ويغير أوزانها ويقول: هذا قرآن فلم يكن يقول الشعر صلوات الله وسلامه عليه، بل لعله إذا تكلم بأبيات من الشعر لا يهمه أن تأتي موزونة أو غير موزونة صلوات الله وسلامه عليه.

فربنا يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] ليس النبي صلى الله عليه وسلم بمكانة من يتعلم الشعر، وقد ينبغي لغيره أن يتعلمه، فيتعلم العلماء من الشعر ويدرسونه ويقولونه ويتكلمون به، أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو ممنوع من ذلك، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]. وكان هذا آية من آياته صلى الله عليه وسلم، فعندما يأتي الكفار الذين يجيدون الشعر ويكلمون النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لبعضهم: أنت الذي تقول كذا؟ فيقول البيت من الشعر ولا يحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم الرجل يسمع إليه يقول: صدق الله “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ” . فغيره صلى الله عليه وسلم يقوله ويجيده، أما هو فلا يقوله، وإن قال فيأتي بشيء من المصادفة، وانظر مثلاً في قول طرفة بن العبد قاله النبي: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً     ويأتيك من لم تزود بالأخبار

بيت مكسور، لكن انظر إلى صاحب البيت كيف قاله!

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً    ويأتيك بالأخبار من لم تزود

فلما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ما اهتم أن يأتي به موزوناً.

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] كتاب فيه التذكرة، وفيه ذكر للعرب وشرف لهم بأن ينزل هذا القرآن على نبيهم صلى الله عليه وسلم، وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] مفصح عما تحتاجون إليه من أحكام لدينكم ودنياكم وأخراكم.

قال تعالى لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:70].أي: ينتفع بإنذار القرآن له من كان قلبه حياً وليس ميتاً ولا قاسياً، وليس قلبه في ظلمات الكفر، ولكن الإنسان الذي يستجيب هو الذي ينتفع بالبشارة والنذارة.

(وَيَحِقَّ)أي: لتكون النتيجة والعاقبة إحقاق ما قاله الله سبحانه على الكافرين أنه أقسم: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]

قال تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ” [يس:71].

(أولم يروا)أولم يعتقدوا فيما يرونه من آيات الله سبحانه التي ينظرون إليها، ويعتبروا بذلك ويتفكروا؟ هلا اعتبروا بذلك؟!

 قوله: “مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا “[يس:71] أي: أبدعنا وأوجدنا، وخلقنا وصنعنا هذه الأشياء التي يرونها أمامهم: “أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ” [يس:71] والله سبحانه خالق كل شيء بـ(كن) فيكون ما شاءه الله سبحانه تبارك وتعالى. والأنعام جمع نعم، وتطلق على ثلاثة أشياء: على الإبل والبقر والغنم، فمما خلق الله عز وجل للعباد -وأكثر من يعايشون ذلك هم العرب- الإبل والبقر والغنم، فيرون خلق الله العظيم.

“فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ” يملكون هذه الأشياء، وإن كان الملك الحقيقي هو لله سبحانه وتعالى، ولكن جعلهم يملكونها ويتوارثونها، يشتريها بعضهم من بعض فيملك في هذه الدنيا.

تفسير قوله تعالى: (وذللناها لهم فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72]..)

وأي: سخرناها لهم. والرَكوب (بفتح الراء)غير الرُكوب (بضم الراء)، الرُكوب الفعل نفسه، والرَكوب: الدابة التي تركبها وهي فَعول بمعنى مفعول، أي: مركوبهم، فمنها ما يرَكبونه.

قال سبحانه: “وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ “[يس:73]فينتفعون بما شاء الله عز وجل منها، ويشربون من ألبانها وشحومها وأوداكها (الودك شحْم الألية والجنْبين في الخروف والعِجْل).

“أَفَلا يَشْكُرُونَ “هلا شكروا الله تبارك وتعالى على هذه النعم العظيمة التي سخرها لهم وذللها لهم؟ هذه الأنعام أقوى من الإنسان بكثير، فالجمل العظيم، والبقرة والثور الكبير أقوى من الإنسان، ومع ذلك جعل الله عز وجل قياده بيد هذا الإنسان، يأتي الصبي الصغير فيمسك بالجمل ويمشي به، ولعله يضرب الجمل حتى يجري، فسخر هذا الشيء الضخم الكبير لهذا الطفل الصغير، والله على كل شيء قدير سبحانه، آية من آيات الله تبارك وتعالى.

“واتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً “فعبدوا غير الله سبحانه. ولماذا عبدوا غير الله؟ “لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ” يظنون أنهم ينتصرون بهؤلاء، فهذا جهل مطبق، وغباء عجيب في هؤلاء. عبدوا غير الله وهم يعلمون أن الذي خلق هذه البقرة هو الله، والذي خلق لنا هذا الطعام هو الله، من تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الأصنام ولا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا يعبدونهم؟ قال: “لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ” فهؤلاء إذا خرجوا لقتال ذهبوا إلى أصنامهم يطلبون منها أن تنصرهم، وهم يعرفون أنهم هم الذين صنعوا هذه الأصنام.

قال سبحانه: “لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ “أين هذه الأشياء التي تنصرهم.

“وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ ” الكفار يعتقدون أنهم هم المدافعون عن هذه الأصنام، والحراس لها، لا أحد يقدر أن يأتي إلى جنب الصنم، فسيقتلونه دفاعاً عن أصنامهم، فكأنهم يتشرفون بعبادة هذه الأشياء الحقيرة، فجندوا أنفسهم لها يعبدونها من دون الله، ويدافعون عنها، وعجيب هذا الأمر، وهل الإله يحتاج إلى من يدافع عنه؟! شيء مغلوط معكوس من هؤلاء الأغبياء، فيعبدونها لعلها تنصرهم، قال سبحانه: “لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ “ في الدنيا هؤلاء المشركون يعتقدون أنهم جنود هذه الآلهة ينصرونها ويدافعون عنها، ويحضرون عندها للدفاع عنها في الموقف يوم القيامة، ومحضرون في نار جهنم والعياذ بالله.

قال تعالى: “فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ “يطمئن نبيه صلى الله عليه وسلم، أن لا تحزن على هؤلاء: أي: قولهم إنك ساحر وكاذب وكاهن، فلا تحزن من أقوالهم فقد قيل هذا القول عن الأنبياء من قبلك إنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ” يعني: هم وإن أعلنوا لك أنك كاذب فنحن نعلم أنهم في سرهم يعتقدون أنك صادق، ولكن الغيرة والحسد دفعهم إلى هذا الشيء.

المعنى الإجمالي للآيات :

–      ومن نطل عمره حتّى يهرم نردّه إلى حالة ضعف العقل وضعف الجسد،التي ابتدأت بها حياته ، أفلا يعقلون أنّ من فعل بهم مثل هذا قادر على بعثهم وحسابهم .؟!

–      وما علّمْنا محمّداً eقولَ الشعر ، وما ينبغي له أن يكون شاعراً ومن هذا القبيل ما أثر من قول الإمام الشافعيّ رحمه الله :

ولولا الشعرُ بالعلماءِ يُزري            لكنتُ اليوم أشعرَ مِن لبيدِ

–      وأمّا هذا القرآن الذي جاء به محمد eفهو وحيٌ منزّل من السماء ، وذكر لأولي الألباب ، وهو قرآن مبين في أحكامه وحكمه ومواعظه ؛ أنزله الله لينذر من كان حيّ القلب مستنير البصيرة ، ينتفع بالموعظة والذكرى ، ويحقّ العذاب على الكافرين بالله ؛ فتقوم عليهم حجة الله البالغة بالقرآن ، فهو كلّه حكمٌ وعقائد وشرائع .. لا مدخل فيه إلى شيء من العبث أو الهزل : { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) } الطارق .

–      فإذا انتفت الريبة بهذا القرآن ، وبمن جاء به من عند الله ، فلم يبق للكافرين المكذّبين إلاّ العناد والمكابرة ، وهو ما يوجب عليهم العذاب العاجل بجهاد المؤمنين لهم بأنواع الجهاد ، والعقاب الأخرويّ بعذاب الجحيم .

–      ومن أدلة وجود الله ووحدانيته : خلق الإنسان والحيوان والنبات ، فقد خلق الله سبحانه كل ذلك ، وأبدعه من غير واسطة ولا شركة .

–      ومن فضله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم ، حتّى إنّ الصبيّ الصغير يقود الجمل العظيم ، ويضربه ويوجهه كيف يشاء ، وهو له طائع ، ومن نعمته تسخيرها لمنافعهم في الركوب ، والأكل من لحمها ، والشرب من حليبها وألبانها ، وصنع الجبن والسمن منها ، وكلّ ذلك مما يوجب شكر الخالق المنعم على نعمه ، بعبادته وطاعته ، وإخلاص العمل له .

–      وعلى الرغم من وجود الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيّته ، فقد اتخذ الكفار من دون الله آلهة ، لا قدرة لها على فعل ، طمعاً في نصرتها ، وأملاً في مساعدتها لهم إن وقعوا في شدّة ، أو نزل بهم عذاب .

–      ثمّ سلّى الله عز وجل نبيّه محمداً eفقال له : لا يحزنك قولهم : ساحر ، شاعر ، روي أن قائل ذلك عقبة بن أبي معيط ، فكذّبهم الله تعالى ، ونفى ذلك عن رسوله e، وبيّن سبحانه أنّه مطلّع عليم بما يُسرّ الكافرون ، أو يظهرون من القول والعمل ، فيجازيهم بذلك يوم القيامة .

الدروس والعبر :

1 ـ ليس القرآن شعراً ، وليس محمد eشاعراً ، فلا يقول الشعر ولا يزنه ، وكان eإذا حاول التمثّل ببيت من الشعر كُسِرَ وزنه على لسانه ، وذلك من أعلام نبوته e.

2 ـ إنّ القرآن الذي يتلوه النبي eعلى الناس أنزله الله تعالى حجّة على العالمين ، فيه الذكر والمواعظ ، والآداب والأخلاق ، والحكم والأحكام ، والتشريع المحقق لسعادة البشر .

3-سخر الله الكون للإنسان وهيأ له معاشه في هذه الدنيا فلا يليق به أن يتغافل عن نعم الله فيشكر غيره ويكفر بالله

الفصل الثامن

حجج بيّنات في وجوه المكذّبين

قال الله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ، وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، قَالَ : مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ ، وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا ، فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، بَلَى ، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) }

معاني الكلمات :

نُطْفَةٍ :ذَرّة من المنيّ ، وهو الماء المهين .

خَصِيمٌ :مبالغ في الخصومة ، وشديد الجدال بالباطل ، وإنكار البعث بعد الموت .

مُبِينٌ :مجاهر في إنكاره للحقّ ، متجرّئ على ربّه .

نَسِيَ خَلْقَهُ :نسي كيف كان ابتداء خلقه .

وَهِيَ رَمِيمٌ :بالية أشدّ البلى ، من رمّ يرِمّ ، أي بليَ .

جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا :هو الشجر النديّ الرطب ، كشجرتي المرخ والعَفَار ، تخرج منهما النار ، إذا احتكّ أحدهما بالآخر ، وهما عودان أخضران .

بلى :هو قادر على خلق مثلهم ، وهي كلمة جَواب بالإثبات ، تأتي بعد كلام منفيّ .

كُنْ فَيَكُونُ :أي إنّما شأنه إذا تعلّقت إرادته بشيء من الأشياء ، أن يقول له : كن ، فإذا هو كائن ، من غير توقّف على شيء آخر ، وهي أخصر كلمة تعبّر عن إرادة الخلق والوجود .

فَسُبْحَانَ : تنزيهاً لله عمّا ضرب الكافر من المثل كفراً وعناداً ، وعمّا نسب إلى الله زوراً وبهتاناً .

بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ : له الملك التامّ لكلّ شيء ، وهو المتصرّف فيه وحده ، والمَلَكُوتُ مبالغة في المِلك .

سبب نزول الآيات :

جاء في أسباب النزول أنّ أبيّ بن خلف لعنه الله جاء إلى النبيّ e، وفي يده عظم رميم ، وهو يفتّه في الهواء ويقول : يا محمّد ! أتزعم أنّ الله يبعث هذا .؟ فقال له رسول الله e: نعم ! يميتك الله تعالى ، ثمّ يبعثك ، ثمّ يحشرك إلى النار ” ، ثمّ نزلت هذه الآيات من آخر سورة يس { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ .. إلى آخر السورة  .

قال تعالى: “أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ “النطفة: نطف الماء بمعنى: سال وخرج صافياً قل أو كثر، وقد تطلق النطفة أيضاً على الماء القليل، والمقصود به هنا المني “فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ” (خصيم): مخاصم مجادل يجادل بالباطل. (مبين): مفصح عما يريد أن يقوله، فهو بين الخصومة والجدل.

قال الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] جاء بعظمة رأس إنسان يفتها في يده ويقول: هذا شيء قد أرم فكيف يعاد؟! ونسي كيف خلقناه. قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]. والرميم: البالي القديم العتيق. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79] قل لهذا الإنسان: الذي خلقها أول مرة أليس قادراً على إعادتها ؟! وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79] فهو أعلم بهم، هو بدأهم ويميتهم ويعيدهم مرة ثانية، وهو على كل شيء قدير.

قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس:80] فجعل لهم آية، فقال: ألا تتعجبون عندما ترون الشيء ونقيضه؟! فهذه الأشجار التي بداخلها الماء، فإنه يطلع من الجذوع إلى الساق فيروي أوراق النبات وثماره. فالشجرة أكثر تكوينها الماء، فهذا الشجر المكون من الماء إذا أحرق يحترق، وأعجب منه أنه هو يأتي بالنار، هناك شجرتان من أشجار البوادي عند العرب، يأخذ الغصن الطري من الشجرة، ثم يأخذ غصناً من الأخرى فيضع واحداً فوق الآخر، ثم يضرب هذا على هذا فتخرج له ناراً، فيقول: ألا تعجبون من هذه الأشياء التي خلقها الله عز وجل؟! هذا غصن طري في يدك بداخله ماء تضرب به على الغصن الآخر فتخرج لك منه نار؟! ألا تعجب من قدرة الله سبحانه: “الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ” [يس:80].

قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس:81].فهذا سؤال والجواب عنه معروف: بلى إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير!

” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ” الله خالق كل شيء إِنَّمَا أَمْرُهُ في غاية السهولة، إذا قضى أمراً أو أراد تكوين شيء، أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون الشيء الذي يريده الله تبارك وتعالى.

قال تعالى: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس:83]“فسبحان “ تنزيهاً لله تبارك وتعالى وتعظيماً وتقديساً لله الذي بيده الملكوت.

والملكوت: على وزن فعلوت صيغة مبالغة من الملك يعني: ملك عظيم، وملك الله سبحانه عظيم. (وإليه تُرجعون) المرجع إلى الله سبحانه للجزاء والحساب، للجنة أو للنار.

المعنى الإجمالي للآيات :

–      عجباً لأمر الإنسان الجاحد المنكر للبعث ، أو لم ير كيف خلقه الله من نطفةِ ماءٍ تافهٍ حقيرٍ ، ثم يخاصم ربّه ، ويجادل في خصومته ويتمادى ، مُبيناً في زعمه لحجته ، بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً .

–      لقد نسي هذا الإنسان الضعيف المخلوق أن الله أنشأه من نطفة ، ثم جعله إنساناً حيّاً سويّاً ، فهذا دليل حاضر من نفسه على إمكان البعث ، وقد احتجّ الله عز وجل على منكري البعث بالنشأة الأولى ، فكيف ينكر الإنسان ، ويقول بعد ذلك : من يحيي هذه العظام البالية ؟! والجواب : أن النشأة الثانية مثل النشأة الأولى ، فمن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية ولا ريب ، فالله تعالى عالم بكل الأشياء ، سواء في ذلك الأجسام العظام أو الذرات الصغار .

–      ومن أدلة وحدانيته تعالى وكمال قدرته على إحياء الموتى : ما يشاهده الناس من إخراج المحروق اليابس من العود النديّ الطريّ ، فإن الشجر الأخضر من الماء ، والماء بارد رطب ضدّ النار ، وهما لا يجتمعان ، فأخرج الله منه النار ، فدلّ ذلك على أنّه تعالى هو القادر على إخراج الضدّ من الضدّ ، وهو على كل شيء قدير ، فأيّ عجب بعد ذلك من خلق العباد مرّة أخرى .؟!

–      إنّ الله الذي خلق السموات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس قادر على أن يبعث الناس من قبورهم ، ويحييهم مرة أخرى للحساب والجزاء ، فهو سبحانه لا حدّ لقدرته ، ولا يعجزه شيء .. فهُو سبحانه الخلاّقُ : الكثيرُ الخلق ، والعظيم فيما خلق ، وهو العليم بما خلق : بدقائق أحواله وعظيمها ، وخفيّها وجليّها ، لا يخفى عليه شيء من أمرها ، لا يغفل عن خلقه لحظة ، ولا تأخذه سنة ولا نوم .

–      والاستدلال على بعث الناس من قبورهم ، وحشرهم إلى الحساب بين يدي ربّهم بخلق السموات والأرض هو من نوع قياس الأولى ، فالقرآن الكريم يقرّر ، ثمّ من بعده العلم المعاصر يقرّ ويعترف أنّ خلق السموات والأرض أعظم وأجلّ من خلق هذا الإنسان ، على عظمة ما في خلقه ، ودقّة ما في خلقه ، وحكمة ما في خلق كلّ عضو من أعضائه ، أو خليّة من خلاياه ، يقول الله تعالى : { لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) } غافر .

–      وأمّا العلم الحديث المعاصر ، باكتشافاته المتجدّدة فهو في كلّ يوم يكتشف الجديد ، ويقدّم البرهان تلو البرهان على ما قرّره القرآن قبل أربعة عشر قرناً .. إنّه يقرّر أنّ ” السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ خلقٌ عجيبٌ هائل .. هذه الأرض التي نعيش عليها ، ويشاركنا ملايين الأجناس والأنواع ثمّ لا نبلغ نحن شيئاً من حجمها ، ولا شيئاً من حقيقتها ، ولا نعلم عنها حتّى اليوم إلاّ القليل .. هذه الأرض كلّها تابع صغير من توابع الشمس ، التي تعيش أرضنا الصغيرة على ضوئها وحرارتها .. وهذه الشمس واحدة من مائة مليون في المجرة الواحدة التي تتبعها شمسنا ، والتي تؤلف دنيانا القريبة ! وفي الكون مجرات أخرى كثيرة ؛عدّ الفلكيون حتّى اليوم منها مائة مليون مجرة بمناظيرهم المحدودة ، وهم في انتظار المزيد كلما أمكن تكبير المناظير والمراصد ، وبين مجرّتنا أو دنيانا والمجرة التالية لها نحو خمسين وسبع مائة ألف سنة ضوئية ( والسنة الضوئية تقدّر بستة وعشرين مليون مليون من الأميال ! ) وهناك كتل ضخمة من السدم الذي يظن أنه من نثارها كانت تلك الشموس ، وهذا هو الجزء الذي يدخل في دائرة معارفنا الصغيرة المحدودة ! تلك الشموس التي لا يحصيها العدّ لكلّ منها فلك تجري فيه ، ولمعظمها توابع ذات مدارات حولها كمدار الأرض حول الشمس .. وكلها تجري وتدور في دقّة وفي دأب ، لا تتوقف لحظة ولا تضطرب . وإلاّ تحطم الكون المنظور واصطدمت هذه الكتل الهائلة السابحة في الفضاء الوسيع .. هذا الفضاء الذي تسبح فيه تلك الملايين التي لا يحصيها العد ، كأنها ذرات صغيرة . لا نحاول تصويره ولا تصوّره .. فذلك شيء يدير الرءوس !

–      إنّ الله تعالى إذا أراد خلق شيء لا يحتاج إلى جهد ومعالجة ، وإنما أمره نافذ ، وإرادته لا يعجزها شيء ، فتنزّه الله تعالى عمّا لا يليق به سبحانه ، مالك الملك ، لا يندّ عن ملكه وقهره شيء ، بيده مفاتيح كل شيء ، ومردّ الناس كلّهم إليه ، ومصيرهم بعد مماتهم للبعث والحشر ، ليحاسب كلّ امرئ على ما قدم ، ويجازى بما عمل من خير أو شرّ .

الدروس والعبر :

1-    لا حجّة للجاحد في إنكار البعث بعد الموت ، والحشر والجزاء إلاّ العنادُ والمكابرة ، أو ضعفُ العقلِ وقلّةُ التفكير .

2-   حجج الحقّ كثيرة ظاهرة ، مبثوثة في كلّ شيء من هذا الوجود ، وما على العاقل إلاّ أن يعمل فكره ، ويتجرّد عن الأهواء التي تصدّ عن اتّباع الحقّ ، ليرى أمامه شواهد الحقّ أكثر من أن تحصى أو تعدّ .

3-   مع أنّ من صفات الكافرين العناد للحقّ ، والتكبر عن قبوله ، والجدل وكثرة المماراة ، فإنّ على الدعاة إلى الله تعالى إقامة الحجّة عليهم ، ببيان الحقّ والتدليل على حقائقه  بأنوَاع الحجج والبراهين

4-   قدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء .

5-   إنّ تسبيح الله تعالى وتنزيهه هو روح التوحيد لله تعالى والإقرار بأسمائه وصفاته .

تم تفسير سورة يس بحمد الله



([1])أما الوضاع فإسماعيل بن يحيى التميمي، قال أبو حاتم: يروي الموضوعات عن الثقات لا تحل الرواية عنه . وقال الدارقطني : كذاب متروك، وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب لا تحل الرواية عنه. أما الضعيف فسيف بن وهب، قال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، وقال يحيى: كان هالكا من الهالكين، وقال النسائي: ليس بثقة، ينظر: إتحاف السادة المتقين 7 \ 163، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين3 \ 1483. وينظر فيمن حكم على الحديث بأنه ضعيف أو موضوع لا يصح: الرياض الأنيقة 30 ، نسيم الرياض وشرح الشفا 1 \ 316، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين 3 \ 1482، 1483

([2]) تحفة الودود بأحكام المولود 116، 117

([3]) حلية الأولياء9/220 “

([4])ابن قدامة : التوابين 221.

([5])من هم أصحاب القرية .؟ ذكر كثير من المفسّرين أنّ هذه القرية هي أنطاكية في شماليّ بلاد الشام ، وأنّ الرسولين هما من الحواريّين الذين أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام .. وقد تأثّروا في ذلك بالروايات النصرانيّة التي تذكر أنّ مرقص صاحب الإنجيل اسمه يوحنا ، وأنّه لازم خاله برنابا وبولس في رحلتهما إلى أنطاكية ، وتبشيرهما بالمسيحيّة فيها ، وقد ردّ ذلك ابن كثير في تفسيره ، فقال : ” وفي ذلك نظر من وجوه :

ـ أوّلها: أنّ ظاهر القصّة يدلّ على أنّ هؤلاء كانوا رسل الله عزّ وجلّ ، لا من جهة المسيح عليه السلام .

ـ ثانياً: أنّ أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم ، وكانت أوّل مدينة آمنت بالمسيح ، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع ، اللاتي فيهنّ بطاركة .

ـ ثالثاً: أنّ قصّة أنطاكية مع الحواريّين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة ، وقد ذكر غير واحد من السلف أنّ الله تبارك وتعالى بعد إنزال التوراة لم يهلك أمّة من الأمم عن آخرهم ، بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ، فعلى هذا يتبيّن أنّ هذه القرية المذكورة في القرآن غير أنطاكية ، فإنّ هذه لم يعرف أنّها أهلكت لا في الملّة النصرانيّة ، ولا قبل ذلك ” ، أقول : لقَد وقع في حمل هذه القصَّة على ما جاء في كتب أهل الْكتاب أجلّة منَ المفسّرين ، وكأَنّ الأمر مقطوع به كذلك ، أو فيه نَصّ أَو دليل ، وكان يسعُهم تحقيق الإمام ابن كثير رحمه الله ، ويبدو أنّ مَنْ أسلم مِن علماء أهل الكتاب قرأوا في كتبهم أَنّ أنطاكية ذهب إليها ثلاثة من تَلاميذ المسيحعَليه السلام ، فظنّوا أنّ القصّة يراد بها هذه الحادثة ، وتابعهم عَلى ذلك كثير منَ الناس ، وهذا من ضعف التحقيق ، فلا يكفي أن يكُون شَبه بيْن شَيءٍ وشيء حتّى نحكم أنّ هذا الشيء هو ذاك ، ويَبدو كذلك أنّ اسم مُؤمن : ” يس ” هو من هذا القبيل أيضَاً .

فاللهُ عزّ وجلّ أعلم أين وقعت هذه القصّة ، فإنّ رسل الله تعالى كثيرون ، ولم تخل أمّة من رسول أو نذير ، وفي الأرْض بلاد كثيرة عذّبت لم يشر القرآن إليها بأعيانها ، ولكنّ آثار عذابها لا تزالُ باقية شاهدة ، والقاعدة العامّة : هيَ أنّ كلّ مديْنة عذّبت لم تعذَّب إلاّ بعد أن قامت عليها الحُجّة ، قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ، وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) } القصص ، وقال سبحانه : { .. وَمَا كُنَّا معذّبينَ حتّى نبعثَ رسُولاً (15) } الإسراء . انظر تفسير ابن كثير 3/498/ وتفسير الشيخ عبد الحميد طهماز لسورة يس ص/14/ والأساس في التفسير للشيخ سعيد حوّى 8/4632/ .

([6])ـ يقول الشَّيخ نديم الجسر في كتابِه قصَّة الإيمان : ” لقد رأى العلماء أنّ لِهذه النجوم مواقع لا تتبدّل ولا تتغيّر ، فَظنّوها ثابتة ، وسمّوها ( الثوابت ) ومِنْهاشَمسنا ، وَما هي بثوابت ، كما حقّق العلماء في هَذا العصرِ ، بلْ كلُّهَا تدور وتجري لمستقرّ لها ، في مجريين مُختلفين ، يتداخَل أحدهمَا في الآخر ، ولكنّ هذَا الجَري يتمّ ويستمرّ في مواقع ومدارات لا تتبدّل ، ولا تتغيّر نسبة بعضها إلى بعض علَى كرّ الدهُور بذلِك النظام العجيبِ .. إنّ الشمس نجم من نجوم هذِه المجرّة .. إنّها تجري مثلَها ، وتسحب وراءها موكبها منَ السيّارات ومِن جملَتها الْأَرْض .. لقد عرف العلَماء مِنْ قَبل أَنَّها تدور عَلَى محوَرها مرّة في مدّة /26/ يوماً ، ولكِنّهم كانوا يحسبونها ثَابتة ، لا تنتقلَ ولا تَجري ، أَمّا اليوم فقد ثبتَ لهم ثبوتاً لا رَيْب فيه أنّها تجري ، وأَنّ النظام الشمسيَّ كلّه يجري في السَّماء ، كما تجري كلّ النجُوم في مجرّتنا وفيمَا وراءها جرياً عَجيباً لِمستقرّ لها ، كما يقول القرآن الكريم ” انظر قصَّة الإيمان ص/307/ .

([7])انظر تفسير القرطبي 15/50


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

الدعاء

رجل يحتاج للمال لاجراء عملية جراحية لزوجته فكانت المفاجأة

يحكي الشيخ محمد الصاوي :(القصة بالعامية المصرية) كان عندي سفر من مطار القاهره “هو من الاسكندريه” ..المعاد بعد الفجر فخفت تروح عليا الطياره .. فاتصلت على صديق ليا .. هوا إمام مسجد قريب من المطار ..قلتله هاجي انام عندك في المسجد لحد الفجر .. فخلي الباب مفتوح .. قالي خير ياشيخ … قلتله لا مفيش

تاريخ الإضافة : 18 يونيو, 2017 عدد الزوار : 33 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 0
  • 626
  • 221
  • 730
  • 269
  • 24٬684
  • 111٬279