فقه وآداب المساجد

تاريخ الإضافة 6 أغسطس, 2018 الزيارات : 1262

مما اختص الله به هذه الأمة أن جعل لها الأرض طهورا ومسجدا فأيما رجل من المسلمين أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته .

تعريف المسجد :

المسجد لغة: الموضع الذي يسجد فيه، ثم اتّسع المعنى إلى البيت المُتّخذ لاجتماع المسلمين لأداء الصلاة فيه، لأن السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، فاشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقال : مركع.

والمسجد في الاصطلاح الشرعي: المكان الذي أُعِدّ للصلاة فيه على الدّوام

أما الجامع: فهو نعت للمسجد، سمّي بذلك؛ لأنه يجمع أهله؛ ولأنه علامة للاجتماع، فيقال: المسجد الجامع.

أهمية المسجد في الإسلام

إن مكانة المسجد في الإسلام لتظهر بجلاء في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء، حتى أمر ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة، وأول مسجد بني لعموم الناس.

وعندما واصل صلى الله عليه وسلم سيره إلى قلب المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده صلى الله عليه وسلم .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً في سفر أو حرب وبقي فيه مدة اتخذ فيه مسجداً يصلي فيه بأصحابه رضي الله عنهم، كما فعل في خيبر.

والمساجد أحب البقاع إلى الله عز وجل كما في حديث النبيصلى الله عليه وسلم– “أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها“. رواه مسلم عن أبي هريرة ، قال الإمام النووي – رحمه الله -: (أحبّ البلاد إلى الله مساجدها)؛ لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى، (وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)؛ لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه).

والمسلم في أي مكان يحل فيه أول ما يبحث عنه يبحث عن المسجد لأن قلبه معلق به لا يجد راحته ولا يشعر بالسكينة إلا فيه فعن أبي الدرداء –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة، والجواز على الصراط إلى رضوان الله، إلى الجنةرواه الطبراني والبزار وصحَّحه الألباني.

أول مسجد في تاريخ البشرية :

قال أبو ذر : قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا ؟ قال : ( المسجد الحرام ) . قلت : ثم أي ؟ قال : ( ثم المسجد الأقصى ) قلت : كم بينهما ؟ قال : ( أربعون سنة ) ثم قال : ( أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ) وفي رواية : ( فكلها مسجد ) رواه الجماعة .

أفضل المساجد:

المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)

وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه). وجاء: (والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)وهذه الزيادة اختلف العلماء في تصحيحها وتضعيفها

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى)متفق عليه

ومسجد قباء أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبتٍ ماشياً وراكباً فيصلي فيه ركعتين) متفق عليه

وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة) صححه الألباني في صحيح النسائي

فضل بنائها :

عن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – قال : سمعت النبي-صلى الله علي وسلميقول: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله – تعالى – بنى الله له مثله في الجنة ) البخاري

يعني : بيتًا مثله في الجنة، فالمثلية الواردة في الحديث جاءت لإيضاح أن الجزاء من جنس العمل، فهي تعني المثلية في الكم لا في الكيف ؛ لأن موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها، كما ورد بذلك الخبر عن الصادق المصدوق.

وهذا شامل لكل مسجد صغيرًا كان أو كبيرًا، أو كان بعض مسجد، فالحديث هنا جاء من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، فالمسهم مع غيره في بناء مسجد والمجدد له ومن أدخل توسعةً عليه يكون داخلاً في مضمون الحديث السابق، ويؤيد هذا المعنى ما ورد من أحاديث صحيحة؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (من بنى لله مسجدًا قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة(

وهذا بالطبع لا يحصل إلا بمشاركة جماعة في بناء مسجد تكون حصة الواحد منهم قدرًا معينًا.
وقوله: (ولو كمفحص قطاة) مفحص القطاة موضع بروكها على بيضها، وهو مشتق من الفحص أي البحث، فالدجاجة والقطاة تفحص في الأرض برجليها لتتخذ لنفسها مفحصاً تبرك فيه أو تبيض فيه ، والقطاة : نوع من الحمام الصحراوي ، ومعلوم أن ذلك المكان صغير جدًا، ومفحص القطاة لا يمكن بحال أن يتسع لمصلي، فدل على أن أيّ تبرع يُسهم في بناء مسجد موعودٌ صاحبه ببيت في الجنة، والمقصود ألا يحتقر أحد مساهمته في بيت الله ولو كان السهم الذي دفعة للمسجد يبلغ أن يكون مقداره بالنسبة للمسجد بهذا المقدار الصغير لموضع بيض القطاة ، حتى لا يحتقر أحد ما أنفقه من المال لبناء مسجد ، وقد يدخل في ذلك من ساهم في بنائه ، أو عمل فيه بيده، أو دفع أجرة العاملين، ونحو ذلك من العمل الذي ينسب إلى صاحبه أنه ساعد في بناء المسجد بنفسه أو ماله، احتسابا وطلبا للأجر المرتب على ذلك، وهو أن يبني الله له مثله، أو أوسع منه في الجنة، حيث إن البيت في الجنة لا يقاس بما في الدنيا، ولا نسبة بينهما، وذلك مما يدفع من وسع الله عليه إلى المسارعة في الخيرات، واغتنام الفرصة في هذه الحياة، فيقدم لآخرته ما يجد ثوابه مضاعفا عند ربه أضعافا كثيرة.

حكم تخصيص مسجد تحته بناء أوفوقه :

لا حرج في كون المسجد تحت بناء ، أو فوقه بناء ، إذا أنشئ على هذه الصفة ابتداء .

جاء في “الموسوعة الفقهية” (12/295) : ” أجاز الشافعية والمالكية والحنابلة جعل علو الدار مسجدا دون سفلها ، والعكس ؛ لأنهما عينان يجوز وقفهما ، فجاز وقف أحدهما دون الآخر” انتهى .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : “لا مانع من كون المسجد تحت السكن إذا كان المسجد والسكن بنيا من الأصل على هذا الوضع ، أو أحدث المسجد تحت السكن ، أما إذا كانت إقامة السكن فوق المسجد طارئة فإن هذا لا يجوز ؛ لأن سقفه وما علاه تابع له” انتهى .”فتاوى اللجنة الدائمة” (5/220) المجموعة الثانية .

   تسمية المسجد:

 قال علماء اللجنة الدائمة ما مختصره :

 المساجد تسمى على أحد الوجوه الآتية:

1- إضافة المسجد إلى من بناه ، وهذا مِن إضافة أعمال البر إلى أربابها ، وهي إضافة حقيقية للتمييز ، وهذه تسميته جائزة ، ومنها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن العربي في “أحكام القرآن” (4/277) : ” المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا ، فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفا , فيقال : مسجد فلان ” انتهى .

2- إضافة المسجد إلى من يصلِّي فيه ؛ يعني : القبيلة ، أو الجماعة ، أو الحي الذي يعتاد الصلاة فيه ، أو إلى المحلة ، وهي إضافة حقيقية للتمييز ، فهي جائزة ، ومنها : مسجد قباء ، ومسجد بني زريق كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في حديث المسابقة إلى مسجد بني زريق ومسجد السوق ، كما ترجم البخاري رحمه الله بقوله : ( باب العلماء في مسجد السوق ) .

3- إضافة المسجد إلى وصف تميز به ، مثل : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، كما في قوله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى )، وفي السنة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة : ( لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) ، ومنه : ( المسجد الكبير ) وقد وقع تسمية بعض المساجد التي على الطريق بين مكة والمدينة باسم ( المسجد الأكبر ) كما في ( صحيح البخاري ) ومثله يقال : ( الجامع الكبير ).

4- تسمية المسجد بإضافته إلى أحد وجوه الأمة وخيارها من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء ، مثل : مسجد أبي بكر رضي الله عنه ، مسجد عمر رضي الله عنه ، وهكذا للتعريض ، فهذه التسمية لا بأس بها.

5- تسمية المسجد باسم من أسماء الله سبحانه وتعالى ، مثل : مسجد الرحمن ، مسجد القدوس ، مسجد السلام ، ومعلوم أن الله سبحانه قال وقوله الفصل : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا )، فالمساجد جميعها لله تعالى بدون تخصيص ، فتسمية مسجد باسم من أسماء الله ليكتسب العلمية على المسجد أمر محدث ، لم يكن عليه من مضى ، فالأولى تركه ، والله الهادي إلى سواء السبيل ” انتهى النقل عن فتاوى اللجنة الدائمة.

هل غرفة الإمام من المسجد ؟

إذا كانت الغرفة المتصلة بالمسجد قد أعدت لتكون مسجدا ، أي نواها باني المسجد أن تكون جزءا من المسجد الذي يُصلى فيه ، فلها أحكام المسجد ، فيتأكد صلاة تحية المسجد عند دخولها ، وتمنع الحائض والنفساء من المكث فيها .

وأما إن كانت قد نويت لتكون ملاحق للتعليم أو لعقد الاجتماعات ، أو سكنا للإمام أو المؤذن ، لا لتكون محلا للصلاة ، فلا تأخذ حكم المسجد حينئذ .

وإذا جهلت نية باني المسجد ، فالأصل أن ما كان داخل سور المسجد ، وله باب على المسجد ، فله حكم المسجد .

 

ما حكم بناء المحراب في قبلة المسجد ؟.

المحراب الذي يصلي فيه الإمام في المسجد لم يكن موجودا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم , ولا في القرن الأول ، وإنما ظهر في القرن الثاني وتتابع المسلمون على بنائه في مساجدهم لما فيه من المصلحة ، كدلالة الداخل إلى المسجد على جهة القبلة .

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة : المحراب في المسجد ، هل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فأجابوا : ” لم يزل المسلمون يعملون المحاريب في المساجد في القرون المفضلة وما بعدها ؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين ، ومن ذلك بيان القبلة ، وإيضاح أن المكان مسجد ” انتهى . ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 6 / 252 ، 253 ) .

 

وذهب بعض العلماء إلى أن اتخاذ هذه المحاريب بدعة ، ويُنهى عنها ، واستدلوا بما رواه الطبراني والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا هذه المذابح ) . يعني : المحاريب . صححه الألباني في صحيح الجامع.

 

ولكن يجاب عن هذا الاستدلال بأن المحاريب في هذا الحديث ليست هي المحاريب التي في المساجد ، وإنما المراد بذلك صدور المجالس ، فهذا نهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن التصدر في المجلس ، لما يُخشى منه من حصول الرياء أو شيء من العجب في صاحبه .

 

قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” : قلت : المحاريب صدور المجالس . انتهى .

 

وقال ابن الأثير في “النهاية” : المحْرابُ : المَوْضع العَالي المُشْرِفُ ، وهُو صَدْر المَجْلس أيضاً ، ومنه سُمّي محْراب المسْجد ، وهو صَدْرُه وأشْرَف مَوْضِع فيه . انتهى .

 

حكم المصليات التي تتخذ في البيوت أو الشركات:

المصليات التي تتخذ في البيوت أو في بعض المؤسسات والشركات ويقصد بها صلاة أهل المكان فقط ، ولا يقصد بها أنها مسجد عام مفتوح لجميع المسلمين ، لا تأخذ حكم المسجد .

وقد كان عمل الناس قديماً أن الرجل يتخذ موضعاً في داره للصلاة يسمى “مصلى البيت” أو “مسجد البيت” ولم يكن لهذا المسجد أحكام المساجد المعروفة .

عن عتبان بن مالك رضي الله عنه أنه لما عمي وشق عليه الذهاب إلى المسجد في أيام المطر والسيول طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي إلى داره ليصلي في موضع يتخذه عتبان مصلى ، فلبى النبي صلى الله عليه وسلم طلبه . رواه البخاري ومسلم

 

قال الحافظ ابن حجر : “من فوائد الحديث : أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته ولو أطلق عليه اسم المسجد” انتهى .

 

وذكر ابن قدامة في “المغني” (4/464) أن مسجد البيت ” لا تثبت له أحكام المسجد الحقيقية” انتهى .

 

وجاء في “الموسوعة الفقهية” (2/121) :

“مسجد البيت ليس بمسجد حقيقةً ولا حكماً ، فيجوز تبديله ، ونوم الجنب فيه” انتهى .

 

حكم بناء القبة والمأذنة على المسجد ؟

لا حرج في بناء القبة على المسجد لغرض الإضاءة والتهوية ، وكذلك بناء المئذنة لأجل بلُوغ صوتِ المؤذن إلى أقصى حدٍ مُمكن ، أو لِيُعرف المسجد منْ بُعد فُيقصد من قِبَلِ المصلِّين ؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد ، لكن ينبغي الاقتصار على ما يحقق الغرض ، من غير إسراف ، فيكفي في المئذنة بناء مستقيم مرتفع ، بلا زخارف أو زينة ، وإن بني المسجد بدونها فلا حرج .

 

النهي عن زخرفة المساجد :

عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد ) رواه أحمد ، ولفظ ابن خزيمة : ( يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا ) .

وروى ابن خزيمة أن عمر أمر ببناء المساجد فقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصرف فتفتن الناس. رواه البخاري معلقا . أكن الناس من المطر : أي استرهم .

فتفتن الناس : أي تلهيهم

 

حكم النقوش وكتابة الآيات والأدعية على حيطان وسقف المسجد :

روى البخاري عن ابْن عَبَّاسٍ قولَه : ” لَتُزَخْرِفُنَّهَا ، كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ ، وَالنَّصَارَى ” .

ومعناه : أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم ، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم.

 

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِى الْمَسَاجِدِ ) صححه الألباني في ” صحيح أبي داود.

وروى البخاري عن أَنَس بنِ مالِك : ” يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ، ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلاً ” .وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 275 ) :

يحرُم تزيين المساجد بنقشها ، وتزويقها بمال الوقف ، عند الحنفية ، والحنابلة ، وصرَّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الذي صرف فيه ؛ لأنه لا مصلحة فيه ، وظاهر كلام الشافعية : منع صرف مال الوقف في ذلك ، ولو وقف الواقف ذلك عليهما – النقش ، والتزويق – : لم يصح في القول الأصح عندهم ، أما إذا كان النقش والتزويق من مال الناقش : فيُكره – اتفاقاً – في الجملة إذا كان يُلهي المصلي ، كما إذا كان في المحراب ، وجدار القبلة .

فعمارة المساجد وبناؤها ، وتعظيمها وصيانتها ، من العبادات العظيمة ، والقربات الجليلة عند الله؛ لكن ليس من عمارتها المطلوبة كتابة الآيات ، والأحاديث ، والأدعية على الجدران ، لأن المقصود بالكتابة هو الزينة المتباهى بها ، والتي تشغل المصلين في صلاتهم ، والتي تجعل المساجد متاحف ، وأماكن للسياحة ، كما يحدث – للأسف – في كثير من البلدان ، وليس هذا الأمر مما يفتخر به المسلمون ، وإنما فعله من ركن إلى الدنيا ، وأراد منافسة الكفار في بنائهم ، أو مباهاة غيره من الحكام ،

وإنما عمارة المساجد : إقامة الصلاة فيها ، والاعتكاف ، والتعليم ، وذِكر الله ، وليس هو تشييدها بأنواع الحجارة ، ولا طليها بمختلف الألوان ، ولا تزويقها بأشكال من الخطوط تُرسَم فيها الآيات ، وتُكتب فيها الأحاديث والأدعية .

 

وإذا كان المراد به الفائدة للناس لحفظها والتذكير بألفاظها : فيجوز إذا التزمت الشروط التالية :

 

1. عدم جعل الأحاديث والأدعية مكتوبة على الجدران رسماً ؛ لأنها لا تزال ، فلا يستفاد من مكانها إن حفظها المصلون ، بل تكتب على ورق حائط ، يسهل تعليقه ونزعه ، وخاصة فيما يحتاجه المسلمون من معرفة ما يُكتب في مناسباتهم الموسمية .

 

2. أن لا تكون في قبلة المصلين ؛ حتى لا تشغلهم في صلاتهم .

 

3. أن لا تستعمل الزينة في الكتابة بما تفقد الحديث والدعاء هيبته .

 

4. تجنب كتابتها بشكل غير مقروء ، أو جعلها على شكل طائر ، أو رجل ساجد ، وما يشبهه .

 

5. أن تغيَّر باستمرار ، بحسب حاجة الناس ، لإزالة جهل ، أو تذكير بفضل ، أو تثبيت حفظ .

 

تنظيفها وتطييبها :

1 – روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد

عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور ، وأمر بها أن تنظف وتطيب . ولفظ أبي داود : ( كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا ونصلح صنعتها ونطهرها ، وكان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر ) .

2 – وعن أنس قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل إلى المسجد ) رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة .

 

هل يباع المسجد أو يهدم عند رحيل أهل المنطقة ؟

الوقف إذا تعطلت منافعه ولم يمكن الانتفاع به جاز بيعه على الصحيح من كلام أهل العلم ، سواء كان مسجدا أو غيره ، فإذا انتقل أهل المسجد إلى محل آخر ، ولم يبق من ينتفع به ، جاز بيعه ، ويوضع ثمنه في بناء مسجد آخر .

قال ابن قدامة رحمه الله : ” الوقف إذا خُرِّب ، وتعطلت منافعه ، كدار انهدمت ، ولم تمكن عمارتها ، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه ، وصار في موضع لا يصلى فيه ، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه ، أو تشعب جميعه ( أي : تصدعت جدرانه ) ، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه ، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته .

وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه ، بيع جميعه .

قال الإمام أحمد : إذا كان في المسجد خشبتان ، لهما قيمة ، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه ، وقال أيضاً : يحول المسجد خوفا من اللصوص ، وإذا كان موضعه قذرا . قال القاضي : يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه ” انتهى من “المغني” (5/368) بتصرف .

 

وقال ابن باز رحمه الله : ” وإذا تعطلت منفعة الوقف سواء كان مسجدا أو غيره جاز بيعه في أصح قوال العلماء، وتصرف قيمته في وقف آخر بدل منه مماثل للوقف الأول، حيث أمكن ذلك، وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك. فتعطل المنفعة أولى بجواز النقل، والمسألة فيها خلاف بين العلماء؛ ولكن القول المعتمد جواز ذلك؛ لأن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأمرت بحفظ الأموال، ونهت عن إضاعتها، ولا ريب أن الوقف إذا تعطل لا مصلحة في بقائه، بل بقاؤه من إضاعة المال، فوجب أن يباع ويصرف ثمنه في مثله ” انتهى من “فتاوى الشيخ ابن باز” (20/11).


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات.. الفضل يعود لشابة مسلمة طُردت من محكمة بـ«كيبك» فلم تصمت نقلا عن موقع عربي بوست  قضت محكمة الاستئناف في مقاطعة كيبيك الكندية، الأربعاء 3 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بأنه لا يحق لقاضٍ أن يرفض الاستماع إلى إفادة امرأة بسبب ارتدائها الحجاب. وخلصت أعلى هيئة قضائية في كيبيك، في حكم صدر بإجماع

تاريخ الإضافة : 4 أكتوبر, 2018 عدد الزوار : 100 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬438
  • 1٬025
  • 1٬670
  • 1٬158