فقه صلاة الجمعة على من تجب ؟ وقتها

تاريخ الإضافة 2 يوليو, 2018 الزيارات : 1424

وجوب صلاة الجمعة :

أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرض عين ، وأنها ركعتان لقول لله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) الجمعة 9

ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله . فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا والنصارى بعد غد ).

نحن الآخرون : أي زمنا

السابقون : أي الذين يقضى لهم يوم القيامة قبل الخلائق .

بيد :غير

أنهم أوتوا الكتاب : أي التوراة والإنجيل .

الذي فرض عليهم : أي فرض عليهم تعظيمه .

اليهود غدا والنصارى بعد غد : أي أن اليهود يعظمون غدا يوم السبت ، والنصارى بعد غد يعني يعظمون يوم الأحد .

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : ( لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ) رواه أحمد ومسلم .

 

وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) رواه مسلم

ودعهم : أي تركهم . يختم على قلوبهم : أي يطبع على قلوبهم ويحول بينهم وبين الهدى والخير .

وعن أبي الجعد الضمري ، وله صحبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ترك ثلاثا جمع تهاونا طبع الله على قلبه ) رواه الخمسة ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه ، وصححه ابن السكن .

المراد بالسعي المأمور به إلى صلاة الجمعة :

في قول الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله )الجمعة 9

كيف نجمع بين قوله سبحانه: (فاسعوا) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار) ويجاب على هذا الإشكال بأن السعي تتعدد معانيه، فالسعي أحياناً يطلق على المشي، وأحياناً السعي يطلق على العمل، وأحياناً السعي يطلق على الجري: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى )[طه:20]، أي: تجري وتضطرب. (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ )[الصافات:102]

فللسعي معانٍ عدة. فالسعي المنهي عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا تأتوها وأنتم تسعون) يعني: تسرعون في المشي وتجرون. أما (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) [الجمعة:9] أي: فامضوا واذهبوا إلى ذكر الله.

وقال الحسن البصري والله ماهو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب .

من تجب عليه ومن لا تجب عليه :

تجب صلاة الجمعة على المسلم الحر العاقل البالغ المقيم القادر على السعي إليها الخالي من الأعذار المبيحة للتخلف عنها .

وأما من لا تجب عليهم فهم :

1 و 2 – المرأة والصبي ، وهذا متفق عليه .

3 – المريض الذي يشق عليه الذهاب إلى الجمعة أو يخاف زيادة المرض أو بطأه وتأخيره ، ويلحق به من يقوم بتمريضه إذا كان لا يمكن الاستغناء عنه ، فعن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض ) قال النووي : إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم . وقال الحافظ : صححه غير واحد .

4 – المسافر وإذا كان نازلا وقت إقامتها فإن أكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه : لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة فصلى الظهر والعصر جمع تقديم ولم يصل جمعته ، وكذلك فعل الخلفاء وغيرهم .

5 و 6 – المدين المعسر الذي يخاف الحبس ، والمختفي من الحاكم الظالم ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر ) قالوا : يا رسول الله وما العذر ؟ قال : ( خوف أو مرض ) رواه أبو داود بإسناد صحيح .

7 – كل معذور مرخص له في ترك الجماعة ، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك . فعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة . قل صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا فقال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض.

إن الجمعة عزمة : أي فريضة . والدحض : الزلق .

وعن أبي مليح عن أبيه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم . رواه أبو داود وابن ماجة .

وكل هؤلاء لا جمعة عليهم وإنما يجب عليهم أن يصلوا الظهر ، ومن صلى منهم الجمعة صحت منه وسقطت عنه فريضة الظهر ، وكانت النساء تحضر المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصلى معه الجمعة .

ولا يجوز اتفاقا صلاة الظهر لمن صلى الجمعة لان الجمعة بدل الظهر فهي تقوم مقامه والله لم يفرض علينا ست صلوات ، ومن أجاز الظهر بعد الجمعة فإنه ليس له مستند من عقل أو نقل لا عن كتاب ولا عن سنة ولا عن أحد من الأئمة .

العمل وترك الجمعة:

يتعارض العمل في كثير من الدول غير المسلمة مع صلاة الجمعة ، وقد لا يسمح نظام العمل أو طبيعته من الاستئذان لأداء الجمعة فما الحكم حينئذ؟

ينبغي للمسلم اختيار الأعمال والوظائف التي يتمكن فيها من أداء شعائر الله ولو كان عائدها المادي أقل من غيرها.

والله تعالى يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

ولا يعتبر العمل الدائم والمتكرر عذراً للتخلف عن صلاة الجمعة لمن وجبت عليه إلا في حالتين:

1- أن يكون في العمل مصلحة عظيمة لا تتحقق إلا ببقائه في العمل وتركه للجمعة، وبتركه لعمله قد تحصل مفسدة عظيمة ولا يوجد من ينوبه على ذلك العمل.

مثاله : الطبيب في الإسعاف الذي يعالج الحالات والإصابات العاجلة.

الحارس والشرطي الذي يحفظ أموال الناس ودورهم من السرقة والأعمال الإجرامية.

2. إذا كان العمل هو المصدر الوحيد لرزقه وليس لديه ما يغطي نفقته الضرورية من الطعام والشراب والأمور الضرورية له ولعائلته سوى ذلك العمل.

فيجوز له البقاء في العمل وتركه للجمعة ضرورة حتى يجد عملاً آخر، أو يجد ما يغنيه من الطعام والشراب والأمور الضرورية الكافية له ولمن يعول.

والمراد بالنفقة الضرورية هنا:

·  الضروريات : ما لا تقوم الحياة إلا به كالطعام والشراب والدواء.

· الحاجيات المهمة : التي يمكن العيش بدونها ولكن مع مشقة غير معتادة.

وقت صلاة الجمعة :
قولان لأهل العلم :
القول الأول : اتّفق الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي على أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظُّهر، الذي يدخل بزوال الشمس.
وعزاه النووي لجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم . بل قال الإمام الشافعي رحمه الله : ” ولا اختلاف عند أحد لقيته أن لا تصلى الجمعة حتى تزول الشمسانتهى. “الأم” (1/223)

واستدلوا بحديثين صريحين صحيحين :
1-
عن أنس بن مالك رضى الله عنه : أَنَّ النَّبِىَّ كَانَ يُصَلِّى الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ . رواه البخاري وبوَّب عليه رحمه الله بقوله : ” باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يروى عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث رضي الله عنهم ” انتهى.
2
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال) : كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ ) رواه مسلم

القول الثاني : تجوز قبل الزوال ، يعني أن بداية وقتها يسبق بداية وقت الظهر .
وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .
واستدلّ الحنابلة بظاهر بعض الروايات الصحيحة، وبروايات أخر:
(أ) عن أنس قال: كنا نبكِّر بالجمعة، ونَقيل بعد الجمعة، رواه البخاري،
وفي لفظ له أيضا: كنا نصلِّي مع النبي الجمعة، ثم تكون القائِلة، فظاهر الحديث أنّهم كانوا يصلُّون الجمعة باكِر النّهار، أي أوّله.

قال الحافظ ابن حجر ردًّا على هذا الاستدلال ليلتقي مع الرّوايات الأخرَى،لكِنّ طَريقَ الإجماعِ أولَى من دَعْوى التّعارُضِ، وقد تقرّر أن التبكير يُطلَق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدؤون الصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت عادتهم في صلاة الظهر في الحَرّ، فإنهم كانوا يَقيلون ثم يصلُّون ، لمشروعيّة الإبراد، أي تأخير صلاة الظهر حتى يتلطّفَ الجوّ.


)
ب) عن أنس قال: كان النبي إذا اشتدّ البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرّ أبْردَ بالصلاة يعني الجمعة ، رواه البخاري .
قالوا: إن التبكير يُفهم من فعلها قبل الزوال، وأُجيب بما أُجيب به في الحديث السابق، وقوله يعني الجمعة، يحتمل أن يكون من كلام التابعي الذي روى عن أنس، أو مَن هو دون التابعي، فهو ليس من كلام أنس؛ لأن الروايات عن أنس، أنّه كان يبكّر بها مطلَقًا، كما أخرجه الإسماعيلي وليس فيه قوله: يعني الجمعة.

)جـ) عن سهل بن سعد قال : ما كنا نَقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة، رواه الجماعة وزاد أحمد ومسلم والترمذي، في عهد النبي قالوا: إنّ الغداء والقيلولة محلُّهما قبل الزوال، وحكَوا عن ابن قتيبة أنه قال: لا يسمّى غداء ولا قائلة بعد الزوال، وأجيب بأن القيلولة هي نوم نِصف النهار بسبب شدّة الحَرّ، وذلك يكون بعد الزّوال، وكيف يكون غداء قيلولة قبل الزوال.

وقد اختلف أصحاب أحمد في الوقت الذي تصحُّ فيه قبل الزوال، هل هو الساعة السادسة أو الخامسة، أو وقت دخول صلاة العيد في أول النهار؟
(د) عن جابر ـ رضي الله عنه كان يصلِّي الجمعة ثم نذهب إلى جِمالنا فنُريحها حين تزول الشمس ، رواه مسلم وأحمد والنسائي قالوا: إن راحةَ الجِمال حين الزوال بعد صلاة الجمعة دليل على أنّها صُلِّيَت قبل الزوال. وأُجيب بأن قوله: حين تزول الشمس أي في أول وقت زوالها أو قَريبًا منه مما يدلُّ على شدة التّبكير بالصلاة في أول وقتِها.
(هـ) ثبت أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يخطُب خُطبتين ويجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكِّر الناس، كما في صحيح مسلم من حديث أمِّ هشام بنت حارثة أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: ما حفِظتُ “ق والقرآن المَجيد” إلا مِن في “فم” رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وهو يقرؤها على المِنبر كل جمعة، وعند ابن ماجه من حديث أبي بن كعب أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ يوم الجمعةتباركوهو قائم يذكّر بأيّام الله. وكان يصلّي بسورة الجمعة والمُنافقين.

كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث على وأبي هريرة وابن عباس، قالوا: لو كانت خُطبته وصلاته بعد الزوال، ما انصرف منها إلا وقد صار للحِيطان ظِلٌّ يستظلّ به . وأجيب بعدم التسليم بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يخطب دائمًا بسورةق أو تبارك” وإن كان قد تكرّر منه، لكن الغالب أنه كان ينتهي من الصّلاة مبكرًا لا يشتدُّ الحرُّ على المُصَلِّين وهم عائدون إلى بيوتِهم.

(و) وعن عبد الله بن سيدان السلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاتُه قبل نصف النهار، ثم شهِدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهِدتها مع عثمان فكانت صلاتُه وخُطبته إلى أن أقول: زال النّهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكرَه، رواه الدارقطني وأحمد في رواية ابنه عبد الله، وأجيب بأن ابن سيدان غير معروف العدالة على الرغم من أنه تابعي كبير، قال ابن عدي عنه: شِبْه المجهول، وقال البخاري: لا يُتابَع على حديثه.وحكى في الميزان عن بعض العلماء أنه قال: هو مجهول لا حجة فيه.

على أنه لو سلم بصحة الرواية ما معنى أن خطبة عثمان وصلاته استمرّتا حتى زوال النهار، هل تعدى بهما الوقت حتى دخل وقت العصر وغابت الشمس أو كادت؟ إنّ الكلام فيه مبالغة ظاهرة، فينبغي أن يُحمل التبكير على أنه في أول وقتها وهو الزوال، والتأخير على أنه قُبيل دخول وقت العصر.
(ز) روى عن ابن مسعود أنه صلّى الجمعة ضُحًى وقال: خَشِيتُ عليكم الحرّ، كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن سلمة، ورد بأن شعبة وغيره قالوا: إن عبد الله هذا وإن كان صدوقًا إلا أنّه تغيّر لما كَبِرَ كما روى عن معاوية أنه صلّى الجمعة أيضا ضُحًى، كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن سويد، ورد بأن سعيدًا هذا ذكره ابن عدي في الضعفاء.

ومثل ذلك قيل فيما روى عن جابر وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقّاص، فإن الرّوايات عنهم لا تعارِض ما هو أقوى منها.

(ح) قال الحنابلة: إن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عن يوم الجمعةإن هذا يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين” فلمّا سمّاه عيدًا جازت الصلاة فيه وقت صلاة العيد “الفطر والأضحى” ورُدَّ بأنّ التّسمية لا تقتضي التشبيهَ في كل شيء، ألا ترى أن يوم العيد يحرُم صومه، أما يوم الجمعة فلا، وبخاصّة إذا سُبِق بصيام يوم الخميس، أو أُتبِعَ بصيام يوم السبت؟

قال العلامة القرضاوي : هذه هي أدلة الجمهور وأدلة أحمد، وقد رأيت أن أدلة الجمهور أقوى، وإنْ كان الشوكاني قال في الجمع بين الرأيين: إن أدلة الجمهور لا تنفي جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، أي ليس فيها أسلوب الحصر الذي يمنع ما عداه، وأنا أميل إلى أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظُّهر، وإن كان من المُمكن صلاتُها قبل الزوال بوقت قصير عند الضرورة، كالحرِّ الشديد ونحوه، والضّرورة تقدّر بقدْرِها. ولكلِّ بلد ظروفه، ولكل زمن ما يُناسِبه، والله أعلمراجع فتح الباري لابن حجر ج 3 ص 37 ونيل الأوطار للشوكاني ج 3 ص 330 والمغني لابن قدامة“.

وعلى ضوء هذا يمكننا الاستفادة من هذه الرخصة في المذهب: الحنبلي ، إذا وجدنا المسلمين في حاجة إليهما، حتى لا تضيع على المسلمين الجمعة خارج دار الإسلام، وهي من الأمور المهمة التي يجب أن يحرص عليها المسلمون، ويتشبثوا بها، لما فيها من تقوية الروابط، وتوثيق الصلة بالدين وشعائره، وتذكير المسلمين إذا نسوا، وتقويتهم إذا ضعفوا، وتأكيد هويتهم، وتثبيت أخوتهم.
فإذا استطعنا أن يصلي المسلمون الجمعة في الوقت المتفق عليه، وهو بعد الزوال إلى العصر، فهو الأولى والأحوط، أما إذا تعارض ذلك مع ظروف المسلمين في بعض البلدان أو في بعض الأوقات، أو في بعض الأحوال، فلا حرج في الأخذ بالمذهب الحنبلي في التبكير بالصلاة قبل الزوال ، فإن للضرورات أحكامها.

أذان عثمان يوم الجمعة :

الذي يُقطع به وعليه إجماع المسلمين أن الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر كان لها أذان واحد ، ولما كان عهد عثمان وتباعدت البيوت عن المسجد النبوي – وكان هو مسجدَهم الذي يجمعون فيه – رأى أن يزاد أذان قبل الزوال بمدة على دار له في السوق يقال لها ” الزَّوْراء ” تنبيهاً للناس على قرب صلاة الجمعة للاستعداد للذهاب إليها .

عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه قَالَ : ” كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ ” . رواه البخاري

الزَّوْرَاءُ : مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ .

وقوله ” زاد النداء الثالث ” معناه أن للجمعة ثلاثة نداءات : الأذان الأول الذي زاده عثمان رضي الله عنه ، والأذان الثاني الذي يكون عند الخطبة ، والأذان الثالث وهو الإقامة ؛ لأن الإقامة تسمى أذاناً .

وقد أنكر بعض الصحابة كابن عمر رضي الله عنه وبعض أتباع التابعين كسفيان الثوري رحمه الله هذا الأذان مطلقاً ، ورضيه جمهور العلماء مطلقاً ولو كثرت الجوامع وتقاربت البيوت .

 

وتوسطت طائفة ثالثة من العلماء فقبلت بأذان عثمان لكن مقيَّداً بعلة إحداثه وإيجاده وهو كثرة البيوت وبُعدها عن المسجد ، والاستغناء عنه حال عدم الحاجة إليه .

والذي نراه : أنه ينبغي لمن أخذ بأذان عثمان أن لا يجعله تشريعاً مستقلاًّ ، بل هو اجتهاد صحابي جليل ، ومن أخذ بأذان عثمان رضي الله عنه فلا يَجعله بعد دخول وقت الزوال ، ولا يجعل بينه وبين الأذان الثاني فترة قصيرة ؛ لأنه لن يكون مفيداً في هذه الحال .

ونفس الحال بالنسبة للمسلمين في بلاد الغرب : فإنهم يمنعون من رفع الأذان في مكبرات الصوت خارج المسجد ، فلا حاجة إلى تكرير الأذان داخل المسجد ، في حين أنه لا يسمعه إلا الحاضرون في المسجد ؛ وإنما الذي يظهر الاكتفاء بالأذان الأصلي لصلاة الجمعة ، كما هو الحال في باقي الصلوات ، إقامة لشعيرة الأذان بقدر الاستطاعة .

 

وقال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – : ” وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الإمام ، وقد زالت الحاجة إليه ؛ لأن المدينة لم يكن بها إلا المسجد النبوي ، وكان الناس كلهم يجمعون فيه وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد فزاد عثمان الأذان الأول ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور الصلاة ، أما الآن وقد كثرت المساجد وبنيت فيها المنارات وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن على المنارة : فإنا نرى أن يُكتفى بهذا الأذان وأن يكون عند خروج الإمام اتباعاً للسنَّة ، أو يؤمر المؤذنون عند خروج الإمام أن يؤذنوا على أبواب المساجد ” انتهى من هامش ” سنن الترمذي ” ( 2 / 392 ، 393 ) .

ما هو الوقت الذي يفصل بين أذان الجمعة الأول والثاني ؟

الوقت الذي يفصل بين أذان الجمعة الأول والثاني هو الوقت الكافي للناس في أن يتهيؤوا لصلاة الجمعة ويذهبوا ، وقد أمر به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في خلافته لما كثر الناس في المدينة ، أمر من ينادي على مكان يقال له ( الزوراء ) في المدينة حتى ينتبه الناس وينتهوا من بيعهم وشرائهم وأعمالهم الدنيوية ويتجهوا إلى صلاة الجمعة .

وأما الأذان الثاني ؛ فهذا إنما يكون إعلاماً بدخول وقت الصلاة ، وهو عند دخول الإمام وجلوسه على المنبر ؛ كما كان في وقت النبي صلى الله عليه وسلم .

فعرفنا الغرض من الأذانين : أن الأذان الأول لتنبيه الناس للذهاب لصلاة الجمعة ، ويكون في وقت متقدم ومبكر ؛ بحيث يستطيع الناس أن يتهيؤوا ويذهبوا مبكرين لصلاة الجمعة . وأما الغرض من الأذان الثاني ؛ فهو الإعلام بدخول الوقت ، ويكون إذا حضر الخطيب وجلس على المنبر ؛ كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

ولا بد أن يكون بين الأذانين وقت حتى يكون للأذان الأول فائدة ، أما أن يقرن الأذان الأول مع الثاني ولا يكون بينهما إلا وقت يسير ؛ كما يعمل هذا في بعض البلاد ؛ فهذا يلغي الفائدة من الأذان الأول ، ولم يكن هذا هو الذي قصده عثمان رضي الله عنه حينما أمر به ، ولا يكون له فائدة ” .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة إسلام الجاسوس البريطاني بعد تآمره على الحجر الأسود

 قصة إسلام الجاسوس البريطاني بعد تآمره على الحجر الأسود  حينما علم المستشرقون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحجر الأسود نزل من السماء وأنه من أحجار الجنة ،كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ( نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن

تاريخ الإضافة : 17 يوليو, 2018 عدد الزوار : 1921 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬452
  • 976
  • 1٬806
  • 1٬220