قانون منع الرموز الدينية بكيبيك

تاريخ الإضافة 12 أبريل, 2019 الزيارات : 1377

في الوقت الذي تتطلع فيه شعوب العالم لنيل الحريات والحقوق ، نصدم هنا وبالتحديد في مقاطعة كيبيك بقوانين و مشاريع قوانين تحارب الحد الأدنى لحقوق الإنسان تحت مسميات و حجج واهية.

ولا يخفى علينا ما يجري طوال الأيام الماضية مايعتزمه حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) بعد أن فاز في الانتخابات المحلية الأخيرة بمقاطعة كيبيك حيث يعتزم بتقديم مشروع قانون حول علمانية الدولة من شأنه منع شريحة كبيرة من العاملين في الإدارات العامة ارتداء شعارات دينية.

ينص مشروع القانون على منع ارتداء “الرموز الدينية”، بغضّ النظر عن حجمها والديانة التي ترمز إليها، خلال العمل من قبل موظفين في القطاع العام اعتبر أنهم في موقع سُلطة، كالمدعين العامين وعناصر الشرطة وحرّاس السجون والمدرّسين في المدارس الابتدائية والثانوية العامة ومدراء هذه المدارس.

ومن المتوقع أن يقرّ هذا القانون، في يونيو القادم 2019 مع احتفاظ حكومة “فرنسوا لوغو” بالغالبية في برلمان المقاطعة.

هذا وقد سارع رئيس الوزراء الكندي “جاستن ترودو” إلى انتقاد هذا المشروع قائلاً “بالنسبة لي، من غير المعقول أن يشرّع مجتمع حرّ التمييز ضدّ أحد أيّا كان بسبب ديانته

وفي تصريح آخر قال: “إنني لن أفاجئ أحدا إذا قلت إن الدولة لا يجب أن تُملي على مواطنيها ما يجب عليهم ارتداؤه أو عدم ارتدائه”، وأضاف: “إزالة الحقوق والحريات الأساسية لمواطنينا أمر جسيم، وسوف نعمل مع الجميع حتى يفهموا عواقب هذه التصريحات“.

 أيضا أكدت نقابات المعلمين أنها لن تطبّق القانون، بينما يسعى خبراء ومحامون إلى اللجوء إلى القضاء لتعارضه مع الميثاق الكندي للحرية الدينية الشخصية.

لكن حكومة كيبيك أوضحت أنها ستطبّق بنداً دستورياً نادر الاستعمال للتصدي لأي تحديات حقوقية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

هل الحجاب رمز ديني أم فرض ؟

 الحجاب لا يحتمل المزايدة السياسية لاستجلاب أصوات الناخبين  وهو ما استغربه كل الاستغراب ؛إذ أن معنى ذلك إجبار المسلمة أن تخالف دينها ، وتعصي أمر ربها الذي قال في كتابه: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) النور 31

و(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) الأحزاب 59

فوجوب الحجاب على المرأة المسلمة أمر أجمعت عليه كل المذاهب والمدارس الإسلامية.

وقد ساءنا وآلمنا أن يصدر هذا التوجه من كندا  بلد الحرية والانفتاح !!! لأن التوجه ينافي حريتين  أساسيتين من الحريات التي هي من حقوق الإنسان : الحرية الشخصية، والحرية الدينية .

وقد أكدتهما كل الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان .

ودعوى الحفاظ على علمانية المجتمع لا تقوم على أساس منطقي سليم؛ لأن العلمانية في المجتمع الليبرالي معناها :

أن تقف الدولة موقف الحياد من الدين ؛ فلا تقبله ولا ترفضه ، ولا تؤيده  ولا تعاديه، وتدع حرية التدين أو عدمها للأفراد ؛ بخلاف العلمانية الماركسية فهي التي تعادي التدين ؛ وتعتبر الدين – كل الدين – أفيون الشعوب، وهي تنفي الإله عن الكون  والروح عن الإنسان .

كذلك دعوى أن الحجاب رمز ديني : دعوى مرفوضة  فالحجاب ليس رمزا بحال ؛ لأن الرمز ما ليس له وظيفة إلا التعبير عن الانتماء الديني لصاحبه مثل الصليب على صدر المسيحي أو المسيحية والطاقية الصغيرة على رأس اليهودي  فلا وظيفة لهما إلا الإعلان عن الهوية .

وهذا بخلاف الحجاب فإن له وظيفة معروفة هي الستر والحشمة ،ولا يخطر ببال من تلبسه من المسلمات : أنها تعلن عن نفسها وعن دينها  ولكنها تطيع أمر ربها .

أين مبدأ المساواة ؟

هذا وإن منع  المسلمات من الحجاب كما عارض مبدأ الحرية : فإنه يعارض مبدأ المساواة الذي أقرته الشرائع السماوية  والمواثيق الدولية  وحقوق الإنسان لأن معنى هذا القرار : اضطهاد المتدينة والتضييق عليها وحرمانها من حقوقها في العمل أو التوظف والتوسعة على غير المسلمة وغير المتدينة من المسلمات .

إن الحضارة الحقة هي التي تتسم بالتسامح ، ويتسع صدرها للتنوع الديني والثقافي ، وتسمح بالتعددية العرقية والدينية والفكرية ولا تحاول أن تجعل كل الناس نسخا مكررة.

وإن كان من حق الأغلبية في المجتمع الديمقراطي أن تسن ما تراه من القوانين ، ولكن الديمقراطية العادلة هي التي ترعى حقوق الأقليات : دينية أو عرقية  ولا تجور عليها  وإلا حكمنا على الأقليات بالفناء باسم الديمقراطية وحكم الأغلبية .

عظمة الإسلام في التسامح :

من عظمة الإسلام أن دائرة التسامح فيه تصل لما هو مباح في الأديان الأخرى ومحرم في الإسلام ؛ فالشريعة علمتنا أن نسامح فيما يراه الشخص مباحاً في أمر دينه فلا نضيق عليه فيه وإن كنا نحن نراه حراماً.

 فمثلا نحن نرى أن أكل لحم الخنزير حرام، ولكن لا نمنع المسيحي من أن يأكل لحم الخنزير وأن يربي الخنزير في بيته أو في مزارع عنده، هذا حقه، لا نريد أن نضيق عليه في أمر مباح، مع أن الأمر المباح يستطيع الإنسان أن يتركه، يعني ليس من الواجبات الدينية أن يأكل المسيحي لحم الخنزير، فهو مباح له، ولكن الإسلام يقول له أنت حر فيما أبيح لك .

كذلك شرب الخمر مباح عند المسيحيين محرّم عندنا، فالخمر عندنا أم الخبائث ومفتاح الشرور، ومع هذا لا نضيق على المسيحيين في أن يشربوا خمراً بشرط أن يشربوها في مناطقهم الخاصة، ولا يبيعوها للمسلمين ولا يعلنوا بها في المناطق الإسلامية، هذا هو الإسلام.

وحضارتنا الإسلامية في أيام مجدها وشموخها كانت حضارة متسامحة اتسعت لكل الأديان، ولكل الثقافات، آمنت بظاهرة التنوع، فشارك في بناء الحضارة الإسلامية مسلمون ومسيحيون ويهود ومجوس ومن كل الملل والنحل شاركوا فيها ، ووسعتهم الحضارة الإسلامية.

واجبنا في هذه الأزمة :

نحن هنا نعيش في بلد يتمتع بالحريات إلى حد كبير؛ وقد جئنا من بلادنا هربا من الديكتاتورية والظلم ، ولا ينبغي أن تكون الجالية بعيدة كل البعد عن التفاعل مع الواقع والأحداث حولنا ؛ لأنعدم اندماج الجالية مع الحدث اليومي خاصة في كيبيك له من العواقب ما نراه الآن من التضييق على الحقوق والحريات.

ما هي السبل المتاحة لمواجهة هذا القانون ؟

بداية ينبغي الابتعاد عن السلبية ، ورد الفعل الموتور والحماسة بلا بصيرة في عواقب الأمور .

 ولاشك أن التحدي كبير جدا و يتطلب تضافر الجهود و العمل المشترك الموحد للجالية و ذلك بشكل سريع من خلال الخطوات المقترحة التالية :

1- لابد من الاتصال الفوري مع جميع ممثلي البرلمان الكيبيكي للتعبير عن رفض الشروع في طرح مشاريع تحمل في طيّاتها الفصل العنصري بين أبناء الوطن الواحد بسبب ما يعتقدون .

2- إيجاد حالة رأي عام من خلال التواصل مع المفكرين والسياسيين ؛ وذلك من خلال الجمعيات والمنظمات الفاعلة في هذا المجال .

 3- التنسيق مع الجاليات الأخرى التي سوف تتأثر إلى حد ما بهذا القانون.

4- كتابة مقالات للصحف الناطقة بالفرنسية للتأثير على الرأي العام في كيبيك.

5- التواصل مع المؤسسات الكيبيكية الاجتماعية والثقافية وشرح موضوع الحجاب وإنه أمرٌ شخصي لا يستحق كل هذا التهويل والإثارة والمبالغة خاصة وإنه يعطّل شريحة كبيرة من النساء الكيبكيات المسلمات اللاتي وًلِدنَ و نشأنَ و درسن في كبيبك وهنَّ مصّرات على الاندماج بحجابهن في بناء كبيبك والعيش في مجتمعه المتميّز.

6- العمل والتواصل مع مجموعات حقوق الإنسان لتحفيزها على العمل ضد هذا المشروع ، وإيضاح أن كندا كانت وما زالت دولة الحرية والانفتاح  فلا ينبغي الاستجابة لدعوات منع الحجاب والتي تتعارض مع الحرية الشخصية للفرد في الاعتقاد واللباس ،ولا ينبغي أن يكون لهذه الدعوات وجود لأن كندا على رأس الدول التي تدعم الحريات ، وينبغي التركيز في الخطاب مع المجتمع على الجانب الحقوقي والإنساني  والدفاع عن الحريات .

7- المشاركة في الفعاليات المختلفة من مؤتمرات أو مظاهرات سلمية أو وقفات احتجاجية للتعبير عن الرفض التام لهذه القوانين المنافية لحقوق الإنسان .

وأخيرا أقول : أبرزت الأحداث أهمية أن يكون للمسلمين كتلة تصويتية فعالة في أي انتخابات قادمة لنشجع القوى السياسية المعتدلة المدافعة عن الحريات الشخصية والدينية ضد المعادية لها .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

قانون منع الرموز الدينية بكيبيك

في الوقت الذي تتطلع فيه شعوب العالم لنيل الحريات والحقوق ، نصدم هنا وبالتحديد في مقاطعة كيبيك بقوانين و مشاريع قوانين تحارب الحد الأدنى لحقوق الإنسان تحت مسميات و حجج واهية. ولا يخفى علينا ما يجري طوال الأيام الماضية مايعتزمه حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) بعد أن فاز في الانتخابات المحلية الأخيرة بمقاطعة كيبيك

تاريخ الإضافة : 12 أبريل, 2019 عدد الزوار : 1377 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 318
  • 0
  • 2٬121
  • 0
  • 1٬778٬446
  • 0
  • 94
  • 9٬505