هداية الحيران في الرؤى والأحلام

تاريخ الإضافة 14 سبتمبر, 2016 الزيارات : 1048

الفرق بين الرؤيا والحلم :3333-%d9%86%d8%b3%d8%ae

الرؤيا هي: ما يراه الإنسان في منامه حسناً.

والحلم: ما يراه في المنام، فالرؤى والأحلام من المترادفات.

والحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينها من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان .

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان) رواه البخاري عن أبي قتادة الأنصاري

وقال الله تعالى في سورة يوسف:”قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.يوسف 44
“أضغاث أحلام” يعنون أنها أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها، وهي جمع ضغث و (الضغث) أصله الحزمة من الحشيش يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها و (الأحلام) جمع (حلم) وهو ما لم يصدق من الرؤيا .
وقال تعالى في الرؤيا: “إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور”. الانفال 43
أراهم الله إياه في منامه قليلا وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم .
ومن خلال هاتين الآيتين يتبين لنا الفرق بين الرؤيا والحلم : 

فالرؤيا ليست باخلاط وإنما هي موزونة لا اختلاط فيها ولا إشكال ويمكن تعبيرها وتأويلها.

بخلاف الحلم فإنه أخلاط ورؤيا كاذبة لا حقيقة لها أي لا تأويل لها وهي غالبا تكون من تلاعب الشيطان بالإنسان فللشيطان مكايد يحزن بها بني آدم وصدق ربنا حين قال: “إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنونالمجادلة ” 10
فالشاهد من هذه الآية أن الشيطان يحزن الإنسان أحيانا فيريه في منامه ما يكره.

أما ما جاء في السنة من التفريق بينهما فمنها:
1- حديث أبي قتادة السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان”.

2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره“. صحيح البخاري

3- عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره

وهناك أحاديث أخرى تدل على أن هناك فرقا بين الرؤيا والحلم وخلاصة الأمر في الفرق بينهما:
أن الرؤيا هي التي تتضمن بشرى للعبد بخير يصيبه دنيا وأخرى أو إنذارا أو تحذيرا له من الوقوع في شيء قد يعرض له فهذا من لطف الله تعالى بعبده أن ينذره ويحذره قبل أن تعرض عليه هذه الأشياء لينتبه لها.
أما الحلم فهو كما ذكرنا أخلاط لا حقيقة لها بل مداره على الفزع والحزن وغير ذلك مما فيه ما يكرهه الإنسان.

قال ابن القيم رحمه الله: ومن أراد أن تصدق رؤياه، فليتحر الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأوامر والنواهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكذب البتة.

وأصدق الرؤيا ما كان في الأسحار، فإنه وقت النزول الإلهي، واقتراب الرحمة والمغفرة، وسكون الشياطين، وعكسه رؤيا العتمة، التي هي وقت العشاء، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية، فكون الرؤيا تصدق بالأسحار فهذا غالباً، غالب الرؤيا الصادقة تكون في الأسحار.اهـ .


الأمور التي ينبغي مراعاتها في الرؤى والأحلام:
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم أمورا عند رؤية ما يحبونه وما يكرهونه فما هو المشروع في حقهم؟

أولا : الرؤيا الصالحة وما يشرع فيها:

  • أن يعلم أنها من الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم ، وإضافتها إليه إضافة تشريف وإلا فالكل من قدر الله يعني الحلم.
  • أن يحمد الله عليها:ودليل ذلك قولـه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه (.. فليحمد الله عليها )
  • أن يحدث بها: من يحب (فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يخبر إلا من يحب)
  • أن لا يقصها إلا على ذي حكمة وعلم ونصح ، فعن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا تحدث بها سقطت) قال وأحسبه قال: (ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا).
    وفي رواية أخرى (ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي)
    (واد) بتشديد الدال اسم فاعل من الود أو ذي رأي .

فهذه جملة من الأدلة على أنه ينبغي على من رأى رؤيا أن لا يقصها إلا على من هو معروف بالعلم والنصح والحكمة في تعبير رؤياه ؛ لأن العالم سيؤولها لـه على الخير مهما أمكنه ويرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه .


ثانيا : أما الحلمفله ما يخصه من أمور جاءت بها نصوص السنة المباركة تطييبا للنفوس وإذهابا للأحزان التي قد يصاب بها المرء عند رؤيا حلم يفزعه أو يقلقه ، 
فمن الأمور التي ينبغي مراعاتها وفعلها لمن رأى حلما:


أولا : الاستعاذة من شرها:
والدليل حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: (وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها)
ثانيا : الاستعاذة من الشيطان: 
دليل ذلك حديث أبي قتادة وفيه (.. والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه).

ثالثا : أن يبصق عن شماله: ودليله حديث أبي قتادة (… وليبصق عن شماله)
رابعا :اليقين أنها لا تضره: وهذا في غاية الأهمية لارتباطه بجانب مهم وهو جانب الاعتقاد فلا بد أن يعتقد أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم صدق وأنها حقا لا تضره، دليل ذلك نفس حديث أبي قتادة وفيه قال صلى الله عليه وسلم (وليبصق عن شماله فإنها لا تضره).
خامسا : التحول عن جنبه: ففي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق على يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه).
سادسا: أن يقوم فيصلي: دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال صلى الله عليه وسلم (… فإن رآى أحدكم ما يكره فليقم فليصل).
سابعا : قراءة آية الكرسي: والصواب أن يقرأها عند إرادته أخذ مضجعه ودليل ذلك حديث أبي هريرة المشهور والذي فيه تعليم إبليس أباهريرة لآية إذا قرأها لم يقربه شيطان ثم ذكر هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم (صدقك وهو كذوب).

ثامنا : أن لا يحدث بها أحدا: كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه (ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره).
أما الحكمة في ذكر هذه الأشياء :

  • أما الاستعاذة من شرها: لأنها مشروعة عند كل أمر يكره.
  • أما الاستعاذة من الشيطان: لأن هذه الرؤيا منه وأنه يخيل بها بغرض تحزين الآدمي والتهويل عليه كما ذكرنا ذلك سابقا.
  • أما البصق أو التفل يسارا: وذلك لطرد الشيطان وإظهار احتقاره ، وأما كون البصق عن اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها. وأما كون البصق ثلاثا قيل للتأكيد وكونها ثلاثا لتكون وترا.
  • أما كونه يعتقد أنها لا تضره: معناه أن الله جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه.
  • أما الصلاة: لأن فيها لجوءا إلى الرب سبحانه وتعالى ولأن في التحريم بها عصمة من السوء وبها تكمل الرغبة وتصح الطلبة لقرب المصلى من ربه عند سجوده.
  • أما التحول: فهو للتفاؤل فإنه به يتفاءل العبد بتحول تلك الحال التي كان عليها.

أنواع ما يراه النائم في نومه :
في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا) والرؤيا ثلاثة:
1-
رؤيا بشرى من الله عز وجل.
2-
ورؤيا مما يحدث الإنسان نفسه.
3-
ورؤيا من تحزين الشيطان.
فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم وليصل والقيد في المنام ثبات في الدين والغل أكرهه.)

وفي شرح مسلم للنووي ، قال العلماء : إنما أحب القيد ; لأنه في الرجلين ، وهو كف من المعاصي والشرور وأنواع الباطل . قلت : وفيه إيماء أيضا إلى اختيار الخلوة وترك الجلوة ، كما هو شأن أرباب العزلة من ترك الإقدام على الخروج بالأقدام وهو المعني بقولهم : القيد ثبات في الدين . قال : وأبغض الغل ; لأن موضعه العنق ، وهو صفة أهل النار قال تعالى :(إذ الأغلال في أعناقهم ) ، قلت : وفيه إشارة أيضا إلى أن الرقبة مستثقلة بالذمة من حقوق الله وغيره ، فهذا الاستثقال في الدنيا يورث الأغلال في الأخرى)

وجاء في سنن ابن ماجة من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

ومن نظر في النصوص التي ذكرت وغيرها مما لم يذكر يجد أن الرؤيا لا تخرج عن هذه الثلاث ونجملها فيما يلي:
1-  
الرؤيا الصالحة أي الرؤيا الحسنة التي لا تشتمل على شيء يكرهه الرائي بل فيها مصلحة دينية أو دنيوية.

2-
الرؤيا التي تسمى رؤيا الخاطر( حديث النفس ) التي سماها صلى الله عليه وسلم بما يحدث الإنسان به نفسه ، كالطالب الذي يذاكر في الامتحان ويقلب الأوراق، ويتخيل الاختبار وما سيأتي من الأسئلة ونحو ذلك فينام، فيرى نفسه في قاعة الاختبار في المنام وتوزع الأوراق، وأنه يحل وأنه سلم الورقة وأنه .. ، شيء كان مهموماً به في يومه فرآه في ليلته، معاملة واحد يتابع فيها، فيرى في المنام المعاملة، ونحو ذلك.

فإذاً هذا النوع لا تقول أنه رؤيا من الله بشارة أو تقول أنه تلاعب من الشيطان، بل هو هم كان الإنسان مهموماً به في نهاره، فانطبع في شعوره، فرآه في ليله في المنام.
3-
الرؤيا التي هي بمثابة التحزين للرائي والتي هي من قبل الشيطان أو أن الشيطان يتلعب بابن آدم  مثل الذي ورد في الحديث: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: رأيت فيما يرى النائم البارحة كأن عنقي ضربت فسقط رأسي فأتبعته، فأخذته ثم أعدته مكانه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدثن به الناس).

التحذير من الكذب في الرؤيا :

قال صلى الله عليه وسلم (من كذب في الرؤيا كلف يوم القيامة عقد شعيرتين، ومن كذب على يمينه لا يجد رائحة الجنة وإن أعظم الفرية أن يفترى الرجل على عينيه يقول رأيت ولم ير شيئا).
والوعيد قد جاء لمن يكذب في المنام، الذي يقول: رأيت كذا، وهو لم ير، بعض الناس يكذبون في المنام، وبعضهم يكذب لأغراض دنيوية، ربما يأتي ويقول: رأيت كذا، لكي تعطيه شيئاً، أو يتقرب منك، ونحو ذلك، وهذا حرام، لو قال بعض الناس: نستخدمه في الدعوة إلى الله، أو لكي نقنع شخصاً عاصياً ونحذره، نخترع له رؤيا نقول: رأيناك في قبر أو رأيناك في سواد، أو رأيناك تضرب، أو رأينا حولك ثعباناً وغير ذلك.

فنقول: لا يجوز، فالغاية لا تبرر الوسيلة، لا بد أن تكون الغاية شرعية والوسيلة شرعية، إذا أردنا أن ندعو إلى الله عز وجل، لا بد أن تكون الوسائل شرعية، أما أن نكذب في المنام لكي نهدي الناس، فهذا أسلوب خاطئ ولا يمكن القبول به، والحديث يقول: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) والحديث رواه البخاري

وفي حديث آخر (من أفرى الفرى أن يري الرجل عينه ما لم تر) ادعاء وكذب، وما معنى يعقد بين شعيرتين، يعني: يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا حيث أنه محال فالتكليف فيه نوع من التعذيب .

 وربما تجر الرؤيا الكاذبة على الإنسان مصيبة لم تكن في الحسبان بسبب كذبه في المنام، فقد جاء أن رجلاً قص على ابن سيرين رحمه الله فقال: رأيت كأن بيدي قدحاً من زجاج فيه ماء، فانكسر القدح وبقي الماء، فقال: اتق الله فإنك لم تر شيئاً، يعني أنه اكتشف كذبه، فقال: سبحان الله كيف تكذبني؟ هذا كلامي، قال ابن سيرين :  ستلد امرأتك وتموت ويبقى ولدها، فلما خرج الرجل، قال: والله ما رأيت شيئاً، فما لبث إلا أن ولد له وماتت امرأته.

فينبغي على المؤمن أن يحذر أشد الحذر في مسألة الكذب في المنام.


أقسام الناس في الرؤيــا:
ذكرنا فيما سبق أقسام الرؤيا هذا باعتبار الرؤيا أما باعتبار الرائي فهي أيضا أقسام وذلك بحسب صدق الرائي وبهذا الاعتبار أي اعتبار الرائي قسم أهل العلم أحوال الناس في رؤياهم إلى ثلاثة أقسام:
أقسام الناس باعتبار الرؤيا:
1-
أنبياء. 2- صالحون. 3- مستورون. 4- فسقة. 5- كفار.

أولا: رؤيا الأنبيـــاء : وهم أصدق الناس رؤيا بلا شك لأنهم أصدق الناس قولا وعملا ولذا كانت رؤيا نبينا صلى الله عليه وسلم كفلق الصبح لأنها وحي من الله تعالى إليه.

ثانيا: رؤيا الصالحين: وهم في المرتبة الثانية بعد أنبياء الله ورسله والغالب على رؤياهم الصدق لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما لا يحتاج إلى تعبير بل تدل على الأمر دلالة واضحة. قال صلى الله عليه وسلم (… وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا) وقال أيضا (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة).


ثالثا: رؤيا المستورين: أي من حالهم مستور لهم صلاة وزكاة وحج وغيره من الطاعات لكنهم مقصرون في البعض ولهم بعض الذنوب التي هي دون الشرك فهم أيضا لهم رؤيا ولكن هؤلاء أحيانا تأتيهم الرؤيا التي هي من الله وتأتيهم الرؤيا التي هي من الشيطان فيرون هذه تارة وهذه تارة.


رابعا: رؤيا الفساق: ورؤياهم يقل فيها الصدق ويكثر فيها الأضغاث الذي هو من تلاعب الشيطان.


خامسا: رؤيا الكفار: وهي التي يندر فيها الصدق وذلك لخبثهم وكفرهم بالله ورسله وغالبها من الشيطان لكن قد يرون رؤيا صادقة لكن هل هي من الوحي أو نقول بأنها جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة: أجاب الإمام القرطبي عن ذلك فقال: وإن قيل: (إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها) فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة وقد تقدم في (الأنعام) أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة وكذلك رؤيا هؤلاء .


هل ينبني على الرؤيا حكم شرعي؟
لا يسوغ لأحد من البشر أن يجعل أحكام الشريعة مصدرها الرؤى والأحلام، وقد وقع في هذا غلاة الصوفية  فلا تستغرب من قوم يقولون (حدثني قلبي عن ربي أن أفعل كذا) أو يقول (أخذتم علمكم عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت) يعنون أن علمهم جاء عن طريق الإلهام الرباني الذي قذفه الله في قلوبهم ولذا تراهم لا يبالون بفعل محرم أو ترك واجب .

وخلاصة القول في ذلك أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يثبت بالرؤيا حكم شرعي حتى ولو رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد يقول قائل: أنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأمرني بكذا وهو حكم يخالف الشريعة فهذا مردود وبلا شك لأن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد كمله الله تعالى قال تعالى:اليوم أكملت لكم دينكم“.
قال النووي رحمه الله: لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان، ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان، أي: ليلة ثلاثين شعبان، لم يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره، فإذاً المنامات لا يؤخذ منها الأحكام الشرعية.


الخلاصة : الرؤية لا يؤخذ منها حكم شرعي إلا إذا رآها نبي (كرؤيا الخليل إبراهيم أنه يذبح ولده ) أو أقرها نبي (كرؤيا عبد الله بن زيد للأذان وإقرار النبي بذلك .)

ضوابط تعبيـر الرؤى:
مما يؤسف لـه في هذه الأزمنة المتأخرة أن كثر المعبرون للرؤى ولا نعني بذلك أهل الخبرة بالتعبير والتأويل ولكن نعني من تجرأ عليها بدون وعي ولا إدراك وظن أن الأمر سهل ونسي أنها ما دامت جزءا من النبوة فلا يجوز التجرؤ عليها وعلى تأويلها إلا بالعلم وقوة الإدراك .

قيل للإمام مالك: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال أبالنبوة يلعب؟
وقال مالك : لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها فإن رأى خيرا أخبره وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، فقيل هل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت عليه؟ فقال: لا ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة.

فعلم التعبير من العلوم الشرعية ويثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه وهو داخل في الفتوى لقولـه للفتيين (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
وقال الملك :”أفتوني في رؤياي]” وقال الفتى ليوسف “أفتنا في سبع بقرات” فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم .

والمعبرون على ثلاث طبقات متفاوتة
الطبقة الأولى : الملهم
الطبقة الثانية : المجتهد
الطبقة الثالثة : الجاهل

الطبقة الأولى الملهمون :
وهم الذين أكرموا بالملكة الخاصة والنور الإلهي الذي يؤيد شفافيتهم وصفاء نفوسهم وأرواحهم حتى أدركوا درجة وجزءا من النبوة
وهؤلاء هم أعلى طبقات المعبرين كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين من التابعين وغيرهم من أهل العلم قديما وحديثا
وهذه الطبقة من المعبرين قلّما يخطئون في تعبير الرؤى والأحلام فصوابهم أكثر من خطئهم بل لعلهم لا يخطئون إلا نادرا.

الطبقة الثانية المجتهدون :

 وهم الذين أدركوا وحصّلوا أنواعا من العلوم الشرعية في التفسير والحديث ووهم مع ذلك ممن أكثروا وأدمنوا الاطلاع على تعابير السلف وأساليب المعبرين…حتى حصلوا على نوع ملكة خاصة تعينهم في كثير من الأحايين على معرفة المراد بالرؤيا
وهذا الصنف بالذات هو المراد بكلام كثير من أهل العلم ممن تحدثوا عن علم التعبير المكتسب ، ولذلك فإن خطأه في هذا أكثر من خطأ الصنف الأول الذي يؤيد بالنور الإلهي

الطبقة الثالثة الجاهلون :

وهم الذين نصبوا أنفسهم لتعبير الأحلام معتمدين على القواميس التي وضعها أهل العلم قديما وحديثا
وهؤلاء لا علم لهم بشيء من هذه الأصول فتراهم يفسدون في التعبير ولا يصلحون وكان الأجدر بهم أن يتأسوا بحاشية الملك إذ قالوا : وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين”

أما الضوابط المعتبرة في حق المعبر:
1- أن يكون عالما حاذقا بعلم تأويل الرؤى؛ فلا يؤولها إلا بعلم وإدراك.

2- إذا قصت عليه الرؤيا أن يقول خيرا أو يقول خيرا تلقاه وشرا تتوقاه.

3-أن يكتم على الناس عوراتهم فلا يذهب فيقول فلان رأى كذا أو كذا مما فيه كشف لعوراته ونحوه.

4- أن يكون فطنا ذكيا تقيا نقيا من الفواحش عالما بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولغة العرب وأمثالها وما يجري على ألسنة الناس.

5- إذا لم يمكنه تأويلها فإن الأولى أن يحيلها على من هو أعلم منه بالتأويل ولا يتحرج في ذلك.

 6- إذا كانت الرؤيا فيها شيء يكرهه صاحبها فإنه يصمت أو ليقل خيرا وذلك بأن يدعو صاحبها إلى التزام تقوى الله ويذكره بوقوفه بين يديه وينصح لـه وغير ذلك مما فيه مصلحة.

أما عن تعبير الرؤيا وطريقة ذلك، فاعلم أن تأويلها ينقسم إلى أقسام قال ذلك الإمام البغوي رحمه الله:
الأول: قد تكون بدلالة القرآن كتأويل الحبل بالعهد كقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا)
الثاني: قد تكون بدلالة السنة كتعبير القوارير بالنساء كقولـه صلى الله عليه وسلم: (يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير).
الثالث: قد تكون بالأمثال السائرة بين الناس. كالصائغ يعبر بالكذاب لقولهم: أكذب الناس الصواغون.
الرابع: قد يكون مستندا إلى الأسماء والمعاني: (أي التفاءل فيها) كمن رأى رجلا يسمى راشدا فيعبر بالرشد وسالما يعبر بالسلامة.
الخامس: أنه قد يكون التأويل بالضد والقلب كالخوف في النوم يعبر بالأمن والأمن يعبر بالخوف والضحك بالحزن وهكذا

وقد حصل على عهد ابن سيرين رحمه الله أنه أتاه رجلان، كل واحد منها يذكر أنه رأى في المنام أنه يؤذن، فقال للأول: أنت تحج، وقال للآخر: أنت تسرق فتب إلى الله ، فقيل له كيف ذلك؟ قال: رأيت على الأول علامات الصلاح فتأولت قول الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] ورأيت على الثاني علامات الخبث والفجور، فأولت قوله تعالى : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]

مع أن الرؤيا نفسها هنا وهنا، لكن قال للأول: أنت تحج وقال للآخر: أنت تسرق فتقطع يدك.

فإذاً ليس هناك قانون يضبط الرؤى، وليس هناك شيء موحد لجميع الرؤى، وليس كل من رأى في المنام نهراً أو بحراً، معناه شيء معين، وليس كل من رأى في المنام أنه يقلع منه ضرس، أنه سيفقد واحداً من أولاده، هذا قانون مضطرب وليست قاعدة في كل من يرى هذا الشيء.

المسألة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله عز وجل يلقي في قلوب الذين يعلمون تفسير هذه الرؤيا إلهاماً فلا تستطيع أن تقول: إن لها قاعدة.

وقد نسبت كتب كثيرة لأناس من أهل العلم على أنهم ألفوها في هذا، منهم الكتاب المنسوب لابن سيرين، ولعل الغالب على الظن أنه مما جمعه طلابه من بعده، وليس مما كتبه هو.

وكذلك لا يمكن الاعتماد على معاجم تفاسير الأحلام. التي ظهرت، بحيث أنها تكون قاعدة مطردة.


الأصول المتبعة في رؤيا النبي في المنام:
كثيرا ما نسمع أن بعض الناس رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكل هذا لا شك حق ولكن ترى هل الأمر على إطلاقه بمعنى هل كل من رأى رؤيا وزعم فيها أنه النبي صلى الله عليه وسلم نصدقه ابتداء دون وضع ضوابط لزعمه.
لا شك أنه لابد من وجود ضوابط معتبرة وهذه الضوابط وضعها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة).

ولمسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي.

من نظر إلى هذه الأحاديث وجد أنها جاءت بعدة أمور:
الأمر الأول: ثبوت رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فإذا جاء إليك أحد فقال لك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم لا تكذبه.
الأمر الثاني: أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست مقصورة على أهل الصلاح بل العصاة كذلك يرونه وذلك لأن الأحاديث لم تخصص بل جاءت عامة ولذا قال الإمام النووي ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم تكون للصالحين وغيرهم.
الأمر الثالث: أن الشيطان لا يمكنه أن يتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا من تمام حفظ الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.
الأمر الرابع: أنه ينبغي معرفة صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية لكي تعرف هل هو أم لا لأن الشيطان يستطيع أن يكذب ولكنه لا يستطيع أن يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا جاء الرجل وقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فنقول لـه نعم لكن صف لنا ما رأيت فإن قال رأيت رجلا طويلا يلبس عمامة كبيرة وثوبا يجرجر على الأرض ليس لـه لحية وبيده مسبحة طويلة فنقول لـه هذه ليست رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا شيطان لأن الشيطان لا يستطيع أن يأتي بهيئته التي جاءت بها نصوص السنة المعروفة من كونه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ولحيته كانت كذا وثوبه كان كذا فإن جاءت بخلاف ذلك فأعلم أنها ليست برؤيا النبي صلى الله عليه وسلم.

هل يلزم وقوع الرؤيا بعد تعبيرها مباشرة:
بعض الناس ينتظر حصول ما رآه بعد تعبير المعبر لـه رؤياه وهذا مما لا شك فيه أمر غير صحيح لأن حصول مقصود الرؤيا قد يتأخر سنة أو ثلاثا أو أكثر ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤياه لفتح مكة قبل أن يفتحها بعام ؟!

 ألا ترى أن يوسف عليه السلام لم تحصل لـه رؤياه إلا بعد أكثر من ثلاثين عاما فحصول أمر كوني قدري يحصل بتقدير الله سبحانه وتعالى لـه في وقته الذي هو مكتوب عنده في لوحه المحفوظ.
والاستعجال بوقوعها أمر غير مطلوب ولكن ينبغي للإنسان أن يهيئ نفسه لحصول رؤياه إن كان فيها بشرى ينتظرها وإن كان فيها إنذار فليستعد له

معنى كون الرؤيا جزءاً من النبوة

بالنسبة لكون الرؤيا جزء من النبوة، فما معناه؟

أولاً: الأحاديث الواردة فيه إذا ألقينا عليها نظرة نجد تفاوتاً في الأرقام، فمثلاً بعض الروايات فيها، (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) وفي رواية أخرى: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة) الحديث الأول في الصحيح، والثاني أيضاً رواه مسلم ، والثالث: (رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة) كذلك في مسلم .

فـابن حجر رحمه الله لما علق على هذه الروايات قال: تصل إلى خمسة عشر لفظاً، وأنها تتفاوت، من ست وعشرين إلى سبعين، وأشهر الروايات: (جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فما معنى هذا الاختلاف؟ وما مدلوله؟

ولعل من أمثل ما ذكر في الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف أحوال الرائين، فبعض الناس أحوالهم صادقة جداً ورؤياهم صادقة جداً فتكون رؤياهم جزء من ست وأربعين، وبعض الناس في الصدق والتقوى والإيمان أقل، فتكون رؤياه جزء من سبعين، ولكن ما المقصود أن الرؤيا جزء من النبوة؟

النبوة فيها أشياء كثيرة، فيها تشريع وأحكام، وفيها أخبار عما سبق وعما سيأتي من الغيب، وغيرها من الأشياء الكثيرة من إنذار وبشارات، والنبوة تحتمل معجزات؛ لأن فيها إخباراً بالغيب، والرؤيا الصالحة يمكن أن تدل على شيء يحدث في المستقبل، سواء كان بشارة أو نذارة، سواء كان شيئاً حسناً أو شيئاً سيئاً، أو شيئاً من الشر سيقع، فيمهد للمؤمن نفسياً بهذه الرؤيا لكي يستعد لمواجهة الحدث الذي سيكون.

إذاً.. الرؤيا ممكن أن يكون فيها إخبار عن شيء سيحدث في المستقبل، وبما أن النبوة جزء منها إخبار بالغيب فتلتقي الرؤيا مع النبوة في هذه النقطة، وفي هذه الجزئية.

وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات، مثل بشائر نصر الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه قد أعطي الكنزين الأحمر والأبيض، وأن الكنز الأبيض والأحمر: الفضة والذهب، وهما كنزا كسرى وقيصر.

وكما أن في النبوة مبشرات، كذلك الرؤى فيها مبشرات، فالنبي عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه قال (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) والبشر: هو الذي يظهر على الإنسان من طلاقة الوجه وفرحه ونحو ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا نبوة بعدي، فشق ذلك على الناس، فقال : لكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة) رواه الترمذي وهو حديث حسن، وفي رواية لـأحمد : (لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات، قالوا: يا رسول الله! ما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له) رواه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:64] قالوا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

ففي هذه الأحاديث بشارة من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم للمؤمنين لبقاء ما يتحفهم وما يؤنسهم من أجزاء النبوة مما فيه إشارة للرائي، والمرئي له.

 ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً) وهذا يدل على أن هناك علاقة بين صحة الرؤيا وبين صدق الشخص الذي يرى، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا، أصدقهم حديثاً).

فيه إشارة إلى أن طهارة الباطن من أسباب نقاء الرؤيا ووضوحها ومجيئها كفلق الصبح في الصدق، تقع في الواقع كما رآها، وكلما كان أصدق في الحديث كانت رؤياه أصدق في الحدوث والبيان والوضوح والوقوع أيضاً، وقد يندر أن يرى إنسان كافر أو كذاب رؤية صحيحة في المنام، لكن ممكن أن يقع ذلك على ندرته، مثلما رأى ملك مصر ، ما أراه الله الرؤيا إلا لأجل يوسف، كي يخرج يوسف من السجن، ويبحث الملك عن تعبيرها، ولا يرى أحداً يعبر، ولا ينبري لذلك إلا يوسف فيكون سبب الإفراج عنه، وأن يتبوأ المنزلة العالية ويكون على خزائن الأرض.

فيندر أن يكون من الفاسد أو الكذاب أو الكافر رؤية صحيحة.

صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان

وأما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا اقترب الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب) فما معنى اقتراب الزمان؟

بعض العلماء فسره بتقارب الليل والنهار، أي اعتدال الزمنين، وهذا يكون في وقت الربيع، وأن الرؤى عند ذلك تكون أصدق وهذا في العموم، ولكن الراجح والله أعلم ليس هذا، وإنما المراد باقتراب الزمان قرب قيام الساعة، وانتهاء مدة الدنيا، كلما اقتربنا من نهاية الدنيا وقيام الساعة، تكون رؤى المؤمنين لا تكاد تكذب، كأنه لما صار الكذب في آخر الزمان متفشياً، وكذلك الكفر والظلم والجهل، عوض الله المؤمنين في آخر الزمان بأمور من المبشرات والمثبتات، وهي الرؤى التي يرونها صادقة صحيحة وتقع كما رأوها، فهذا تعويض للمؤمنين.

بعض الأمثلة لرؤى رآها النبي :

رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن عمر بن الخطاب عليه قميص يجتره فأوَّله بالدين، يعني: أن دين عمر كامل وسابغ.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشرب لبناً وأنه خرج من أظفاره الري وأنه أعطى الفضل لـعمر ، وأول اللبن هنا بالعلم.

 ورأى النبي صلى الله عليه وسلم قصراً وامرأة تتوضأ بجانب القصر، فقال: (لمن القصر؟ فقيل: لـعمر ؟ فذكرت غيرتك فوليت مدبراً، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه)

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه هاجر إلى أرض ذات نخل، ذهب وأهله إلى أرض اليمامة أو هجر ، فإذا المدينة هي يثرب،

ورأى رؤيا أنه انثلم سيفه، فانقطع صدره، فإذا هو ما وقع بالمؤمنين يوم أحد من مصيبة، ثم هزه مرة أخرى فإذا هو راجع كما كان، فأوله ما جاء الله به من فتح واجتماع المؤمنين،

ورأى في المنام بقراً تذبح، وكان تأويلها النفر من المؤمنين -السبعين- الذين أصيبوا في أحد وقتلوا.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أناساً من أمته، غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر كالملوك على الأسرة، فأخبر أصحابه بذلك واستيقظ يضحك، فسألت أم حرام بنت ملحان ، أن يجعلها الله منهم، فدعا لها، فهكذا حصل وركبت البحر زمن معاوية وغزت، وخرجت من الساحل وركبت الدابة فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت وذهبت شهيدة إلى الله سبحانه وتعالى.

وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم زوجته عائشة يحملها الملك جبريل في سرقة(لفافة) من حرير، ويقول هذه امرأتك، فيكشفها فإذا هي عائشة ، هذا الكلام قبل أن يتزوج عائشة بمدة، ويقول: إن يكن من عند الله يمضه، وفعلاً تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة .

 ورأى النبي عليه الصلاة والسلام امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت الجحفة ، فأولها: بأن وباء المدينة خرج من المدينة ونقل إلى الجحفة، وهذا الحديث في البخاري .

أمثلة لتعبير الرؤيا :
التعبير بدلالة القرآن الكريم أو السنة :

كالحبل تعبره بالعهد، لقوله سبحانه: (واعتصموا بحبل الله) سورة آل عمران .
والسفينة تعبرها بالنجاة، لقوله تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) سورة الأعراف.
والخشب تعبره بالنفاق، لقوله عز وجل: (كأنهم خشب مسندة) سورة المنافقون.
والحجارة تعبرها بالقسوة، لقوله جل ذكره: (فهى كالحجارة أو أشد قسوة) سورة البقرة.
والرماد تعبره بالعمل الباطل لقوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح) سورة إبراهيم.
والغرق يعبر بالفتنة لقوله تعالي: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً) سورة نوح.
وأكل اللحم النيئ يعبر بالغيبة، لقوله تعالى : (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً) سورة الحجرات.
والبقل والقثاء والفوم والعدس والبصل يعبر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئاً أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار لقوله تعالى: (فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذي هو خير) سورة البقرة.
والشجرة الطيبة تعبر بالكلمة الطيبة، والخبيثة بالكلمة الخبيثة لقوله تعالى: (ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة) سورة إبراهيم.
والضلع والقوارير تعبر بالنساء لقوله صلى الله عليه وسلم: “المرأة خلقت من ضلع” وقوله: “ويحك يا أنجشة رويداً سوقك بالقوارير” رواهما الشيخان.
والقميص يعبر بالدين، لقوله صلى الله عليه وسلم: “رأيت الناس عرضوا على وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض على عمر بن الخطاب وعليه قميص يجتره”، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟.. قال: “الدين” أخرجه الشيخان.
واللبن يعبر بالعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوله بالعلم، ويعبر بالفطرة لحديث الإسراء.
والمرأة السوداء الثائرة الرأس تعبر بالوباء لقوله صلى الله عليه وسلم: “رأيت أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة – وهى الجحفة- فأولت أن وباء المدينة نقل إليها” رواه البخارى.
والغيث يعبر بالهدى والعلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: “مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث..” الحديث متفق عليه.
والصراط المستقيم يعبر بالإسلام، والأسوار تعبر بحدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله ، لحديث النواس: “ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ…” الحديث رواه احمد والترمذى وغيرهما.
والدار تعبر بالجنة، والمأدبة تعبر أيضاً بالإسلام، والداعي الذى يدعو إلى المأدبة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أجاب الداعي دخل الدار، فتلك الرؤيا بشارة له بالجنة-إن شاء الله- لحديث البخارى: “جاءت ملائكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم.. وفيه “مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة“.
والإبل تعبر بالعز، والغنم بالبركة، والخيل بالخير، لحديث ابن ماجه: “الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود فى نواصي الخيل إلى يوم القيامة“.
والكلب يعود فى قيئه يعبر برجل يعود فى هبته للحديث المتفق على صحته: “العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه“.
والأترجة تعبر بالمؤمن الذى يقرأ القرآن والتمرة بالمؤمن الذى لا يقرأ القرآن والريحانة بالمنافق الذى يقرأ القرآن والحنظلة بالمنافق الذى لا يقرأ القرآن، لقوله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر” متفق عليه.

والظلم يعبر بالظلمات والعكس، والشح بالهلاك وسفك الدماء لقوله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” رواه مسلم.

والنخلة أو التمرة تعبر بالمسلم أو الصالح لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هى؟ قال ابن عمر: فوقع الناس فى شجر البوادي، ووقع فى نفسى أنها النخلة، ثم قالوا: حدثنا ما هى يا رسول الله؟.. قال: هى النخلة” متفق عليه.

وحامل المسك يعبر بالجليس الصالح، ونافخ الكير يعبر بالجليس السوء للحديث المتفق عليه “مثل الجليس الصالح والجليس السوء..”.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يحدث أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر منهم والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل آخر فانقطع به، ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعبر) قال: أما الظلة فالإسلام، أما الذي تنطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً)، قال: فو الله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: (فلا تقسم) أخرجه البخاري

التعبير بدلالة المعنى والقياس والتشبيه:
كالنار تعبر بالفتنة، لأن النار تفسد كل ما تمر عليه وتتصل به وكذلك الفتنة.
والنجوم بالعلماء، لحصول هداية أهل الأرض بها.
والحديد وأنواع السلاح يعبران بالقوة والنصر والمال.
والرائحة الطيبة تعبر بالثناء الحسن وطيب القول والعمل.
والرائحة الخبيثة بالعكس.
والديك رجل عالي الهمة بعيد الصيت.
والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك بسمه.
وخروج المريض من داره ساكتاً يعبر بموته، ومتكلماً يعبر بحياته.
والخروج من الأبواب الضيقة يعبر بالفرج والنجاة.
والسفر من مكان إلى مكان يعبر بالانتقال من حال إلى حال.
وموت الرجل يعبر بتوبته ورجوعه إلى الله تعالى لأن الموت رجوع إلى الله تعالى.
والزرع والحرث بالعمل.
والكلب عدو ضعيف كثير الصخب.
والثعلب يعبر برجل غادر ماكر محتال مراوغ عن الحق.
وكل زيادة محمودة فى أعضاء الجسم فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد فى ذلك فشر.
وكل صعود وارتفاع فمحمود، وكل سقوط من علو إلى أسفل فمذموم.


أما التعبير بالأسماء واشتقاق اللغة:
كمن رأى رجلاً يسمى راشداً يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالماً يعبر بالسلامة وسعيداً بالسعادة ونافعاً بالنفع، وعقبة بالعافية، ورافعاً بالرفعة، وأحمد بالحمد وصالحاً بالصلاح.

روى مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب“.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى  دخل الشيخ محمد الغزالي إحدى الجامعات بالشرق الجزائري محاضراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته ….. ثم قال بصوت متقطع : … أنا… أنا… مثلي يتحدث عن محمد!!! وأجهش باكياً… وطال بكاؤه… ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف

تاريخ الإضافة : 20 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 327 زائر