التشويق إلى الحج

تاريخ الإضافة 13 أغسطس, 2017 الزيارات : 395

يتوجه ضيوف الرحمن خلال الايام القادمة إلى مكة حيث بيت الله الحرام ؛ لأداء منسك الحج والعمرة ، نسأل الله أن يتقبل منهم وأن يجعلها حجة توافد-ضيوف-الرحمن-111 (نسخ)مقبولة مبرورة ، وأن يرزقنا معهم بمنه وكرمه الفضل والأجر ، وأن يرزقنا حج بيته الحرام …. وأن لا يحرمنا دعاء الداعين في الموقف العظيم وأن يعمنا معهم في المغفرة والرحمة ، إن ربنا جواد كريم ….. اللهم آمين .

وهذا المشهد العظيم الذي يتكرر كل عام يأتي استجابة لأمر الله جل وعلا حينما دعا عباده فقال “وأتموا الحج والعمرة لله ” البقرة
وحينما رفع إبراهيم القواعد من البيت أمره الله تعالى أن يعلم الناس بالحج فقال تعالى : “
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ” الآية 27 الحج
فَذُكر ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُبْلِغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لَا يَبلغهم؟ فَقِالَ: يا إبراهيم أذن وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ.

فَقَامَ عَلَى جبل أَبِي قُبَيس، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ …. ”
فبلغت دعوة الخليل إبراهيم المسلمين عبر العصور والأزمان المختلفة وما زالت أصداء دعوته نراها إلى يومنا هذا بالملايين التي نشاهدها كل عام ، يأتون من كل فج عميق .

ففي إحصائية نشرت عام 2014 م عن أعداد الحجاج القادمين من 163 دولة إلى مكة، ، كشفت أن حجاج إندونيسيا هم الأكثر لهذا العام بعدما بلغو 173 ألفا حاجا.

ثم الحجاج الباكستانيين أتوا في المرتبة الثانية، بعدما بلغ عددهم، 147 ألفا .

 ويليهم الهنود بـ 140 ألفا ، ثم حجاج بنغلاديش بـ 99 ألفا ، ثم نيجيريا بـ76 ألفا ، وبعدهم حجاج مصر بـ72 ألفاً.

وكشفت الإحصائية أن عدد الحجاج القادمين من بريطانيا بلغ عددهم 17 ألفا ، ومن روسيا 16 ألفا  ، ومن الصين 14 ألفا .

 ودعا الخليل إبراهيم ربه قائلا  {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ. .} إبراهيم: 37

ونلاحظ قوله (أفئدة) وليست أجساما ، لم يقل فاجعل أجساداً ولا أقواماً ، إنما أراد إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن تقبل الأفئدة إليه ، فألقى الله تعالى بالأفئدة إلى هذا البيت العتيق فتأتي مشتاقة يسوقها الحنين .

قال علي بن الموفق: حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر، أفكر في حالي وكثرة تردادي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل مني حجي أم رد! ثم نمت فرأيت في منامي قائلا يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلا من تحب! قال: فاستيقظت وقد سرى عني.

 ومعنى تهوي: من الْهُويِّ أي: السقوط من أعلى لأسفل بفعل الجاذبية الأرضية ، فالذي يسقط من مكان عالٍ، ليس له اختيار في ألاَّ يسقط.

وهكذا تحِنُّ القلوب إلى بيت الله، وتتحرَّق شَوْقاً إليه، وكأن شيئاً يجذبها لأداء هذه الفريضة .

وقد يظن البعض أن الشوق ينطفئ بزيارة واحدة لكن الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} . . كلمة مثابة تعني مرجعا تذهب إليه وتعود. . ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات. . إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه.

ويروى أن محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ كان جالساً في الحرم ، قال فأقبل إليه رجل ثم سأله ، قال له : يا ابن سيرين من أين أنت ؟

قال ابن سيرين : أنا من بلاد بعيدة ، انا من العراق

فقال له ذلك الرجل : سبحان الله انت من جيران الحرم ، أنت من جيران الحرم

قال له ابن سيرين : فأنت من أين ؟

قال : أنا من بلاد ما وراء النهر ، “من أقصى بلاد روسيا” خرجت من عند أهلي منذ خمس سنين والآن وصل إلى مكة.

ولا يستعجب إنسان أن يقضي اولئك خلال مجيئهم الى مكة مثل هذا الوقت الطويل ، فإن احدهم كان يخرج من بيته ثم يظل وقتاً يسير في طريقه ولا يحمل معه ما يكفيه طوال سفره خوفاً من قطاع الطريق أو ربما من شدة فقره ، وعدم قدرته ، فيأخذ معه ما يجعله يمشي لمدة شهرين وثلاثة ثم تفنى نفقته فيضطر الى أن يدخل إلى بلد ويشتغل فيه ربما ستة اشهر او سبعة اشهر او اكثر فيجمع بعد ذلك مالاً ثم يكمل سفره، يكمل هذه الطريق الطويل، وقد فارق الأهل والأولاد ، وترك البلاد والأوطان ، وقلبه لا يزال معلقاً بالإقبال إلى البيت العتيق .

 ولا يزال الناس الى يومنا اليوم يقبلون إلى هذا البيت العتيق ، ولقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهتز قلبه هزاً للمجيء إليه، منذ ان خرج عليه الصلاة والسلام منه ـ ألم ترى انه صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا ، التفت إليها ثم قال عليه الصلاة والسلام : ” والله إنكِ احب بلاد الله إليّ ولولا أن اهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجت ” فكان عليه الصلاة والسلام في المدينة مهاجرا ولا يزال قلبه بمكة متعلقا ، يهتز قلبه شوقاً إلى ان يطوف بالبيت الحرام ، ويسعى بين الصفا والمروة إلى أن يرمي الجمرات ، حتى أذن الله تعالى له بذلك .

 الحج يجب مرة واحدة
هذا وقد أجمع العلماء على أن الحج لا يتكرر ، وأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة – إلا أن ينذره فيجب الوفاء بالنذر – وما زاد فهو تطوع
قال تعالى: ” وَأَتِمُّواْ الحج وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ” البقرة:196

وقال تعالى: وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ” آل عمران:97.
وَمَن كَفَرَ أي ومن كفر بوجوب الحج

وقال تعالى: “وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ ” الحج:27.

وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” يا أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ” ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال صلى الله عليه وسلم ” لو قلت : نعم ، لوجبت، ولما استطعتم ” ثم قال : ” ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلك مكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ” رواه البخاري ومسلم.


لماذا فُرض الحج مرة واحدة؟
الحج عبادة متميزة لأنه عبادة بدنية ومالية، الصلاة والصيام عبادتان بدنيتان والزكاة عبادة مالية، اما الحج فهو عبادة تجمع بين البدنية والمالية، لأن المؤمن يبذل فيها جهدا ببدنه، ويبذل فيها ماله لأنه يسافر ويرحل فيحتاج لنفقات، لذلك نرى الحج هو الفريضة التي ذكر الله فيها من استطاع إليه سبيلا: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) والنبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أركان الإسلام الخمسة ذكر

“وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا”

 لأن كل إنسان قادر على أن يصلي أو يصوم، لكن ليس لكل إنسان أن يكون قادرا على أن يذهب إلى الأرض المقدسة، لذلك كان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعله مرة واحدة في العمر؛ لأن الله سبحانه لا يريد أن يكلف عباده شططا، ولا أن يرهقهم من أمرهم عسرا، يريد الله بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج.
فالتكليف في الإسلام بحسب الوسع (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ولذلك عندما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم” – كما في الحديث السابق ذكره – أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا” وقال قائل: أفي كل عام يا رسول الله؟، وسكت، وأعاد السؤال، والنبي صلى الله عليه وسلم يسكت، حتى قال صلى الله عليه وسلم : “لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم”.

فلا يستطيع الإنسان أن يؤدي الحج في كل عام، فأراده الله سبحانه مرة في العمر، فهذا تخفيف من ربنا ورحمة منه عز وجل.

وجوبه على الفور أو التراخي:
للعلماء قولان:

الأول: ذهب الشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، ومحمد بن الحسن إلى أن الحج واجب على التراخي ، فيؤدى في أي وقت من العمر ، ولا يأثم من وجب عليه بتأخيره متى أداه قبل الوفاة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الحج إلى سنة عشرة، وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه ، مع أن إيجابه كان سنة ست فلو كان واجبا على الفور لما أخره صلى الله عليه وسلم.
الثاني: وذهب أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، وبعض أصحاب الشافعي ، وأبو يوسف إلى أن الحج واجب على الفور.
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أراد الحج فليعجل ، فإنه قد يمرض المريض ، وتضل الراحلة ، وتكون الحاجة ” . رواه أحمد
وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” تعجلوا الحج – يعني الفريضة – فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ” رواه أحمد
أي : ما يعرض له من مرض أو حاجة

وحمل الأولون هذه الأحاديث على الندب ، وأنه يستحب تعجيله والمبادرة به متى استطاع المكلف أداءه.

وأما حديث: ( من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً) فإن الترمذي قال عقبه : ” هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ ” انتهى .
وهلال هذا قال البخاري : منكر الحديث ، وقال الترمذي: مجهول ، وحكى عن النووي تضعيفه ، وكذا ضعفه الألباني في “ضعيف الترمذي .

حكم الحج والعمرة بالتقسيط :
ولا يجب الحج إلا على المستطيع ، ومن الاستطاعة : القدرة المالية، والقدرة البدنية للسفر وأداء المناسك .
ولا يكلف الإنسان بالاستدانة للحج ؛ ولا يستحب له أن يفعل ذلك ،فإن خالف واستدان فالحج صحيح إن شاء الله تعالى، لأن ملكية نفقة الحج أو العمرة هي شرط وجوب لا شرط صحة بمعني أن عدم ملكية الشخص لها في وقت الحج لا يعني عدم صحة الحج بل يعني عدم وجوبه عليه ، حيث إنه إذا لم يحج حين إذن فلا إثم عليه أما إذا أحرم بالحج فقد لزمه إتمامه وحجته صحيحة وتسقط عنه حجة الفريضة وكذلك الحال في العمرة وعلي ذلك يجوز الحج بالتقسيط وكذلك العمرة .

ويرى بعض العلماء عدم استحباب ذلك ، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : بعض الناس يأخذ سلفيات من الشركة التي يعمل بها ، يتم خصمها من راتبه بالتقسيط ليذهب إلى الحج ، فما رأيكم في هذا الأمر ؟

فأجاب : الذي أراه أنه لا يفعل ؛ لأن الإنسان لا يجب عليه الحج إذا كان عليه دَيْن ، فكيف إذا استدان ليحج ؟! فلا أرى أن يستدين للحج ؛ لأن الحج في هذه الحال ليس واجباً عليه ، ولذا ينبغي له أن يقبل رخصة الله وسعة رحمته ، ولا يكلف نفسه دَيْناً لا يدري هل يقضيه أو لا ؟ ربما يموت ولا يقضيه ويبقى في ذمته ” انتهى . “مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين” (21/93)


حكم الحج لمن عليه دين:
إن كان الدين حالاً(حل ميعاد سداده)، ولا يملك الشخص ما يتمكن به من الجمع بين قضائه للدين ، ونفقة الحج معا، فالواجب هو تقديم قضاء الدين، وليس أمامه من سبيل إلا أن يستأذن غريمه، فإن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وأما الحج فوجوبه مقرون بالاستطاعة.

فإن أذن صاحب الدين في تأخيره فلا بأس عليه في أن يحج.

وأما إذا لم يكن الدين حالا، أو كان يجب على أقساط، ولا تؤثر نفقة الحج على سداده، فتجب المبادرة إلى حج الفريضة الحج ركن من أركان الإسلام، ودعامة من دعامات الإيمان


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة العجوز التي كتب اسمها على المسجد

يحكى أن ملِكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره…حيث يريد أن يكون هذا المسجد من ماله فقط دون مساعدة من أحد، وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك . وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي

تاريخ الإضافة : 10 أغسطس, 2017 عدد الزوار : 72 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬477
  • 517
  • 652
  • 461
  • 31٬683
  • 133٬096