تفسير سورة الحجرات (8)من مفسدات الأخوة (الغيبة)

تاريخ الإضافة 13 يناير, 2017 الزيارات : 71

ما زلنا مع تفسيرنا لآيات سورة الحجرات واليوم نعيش مع قول الحق جل وعلا: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ 12 الحجرات

أولا / ماهي الغيبة ؟

الغيبة: هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقصٍ في بدنه أو نسبه أو في خُلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه.

أمَّا البدن: فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة، وجمع ما يتصوَّر أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان.

أمَّا النسب: فكأن تقول: «أبوه هندي، أو فاسق، أو خسيس، أو إسكاف، أو زبال …»، أو شيئًا مما يكرهه كيفما كان.

 أمَّا الخُلق: فكأن تقول: «هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراءٍ، شديد الغضب، جبان، عاجز، ضعيف القلب، متهور…» وما يجري مجراه.

 وأمَّا في أفعاله المتعلِّقة بالدِّين: فكقولك: «هو سارق، أو كذاب، أو شارب خمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة، أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع أو السجود،…».

 أمَّا في فعله المتعلِّق بالدنيا: فكقولك: «إنه قليل الأدب، متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقًّا، أو يرى لنفسه الحقَّ على الناس، أو أنه كثير الكلام، نئوم ينام في غير وقت النوم، ويجلس في غير موضعه…».

 وقد عرَّف رسول الله  الغِيبة حين قال: «أتدرون ما الغيبة؟»..قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: «ذِكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟

قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه»

الغيبة لا تقتصر على اللسان

ا الذكر باللسان إنما حُرِّم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه ، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكلّ ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغِيبة ، وهو حرام.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علينا امرأة، فلما أومأت بيدي أنها قصيرة، قال: «اغتبتيها»

ومن ذلك أيضًا: المحاكاة، كأن يمشي متعارجًا، أو يحاكي طريقة مشيته باستهزاء ، فهو غِيبة، بل هو أشدّ من الغيبة ؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم .

وكذلك الغيبة بالكتابة؛ فإنَّ القلم أحد اللسانين.

الفرق بين الغيبة والنميمة والبهتان :

الغِيبة : هي ذكر المسلم في غيبته بما فيه مما يكره نشره وذِكره ، كما سبق .

والبهتان : ذِكر المسلم بما ليس فيه وهو الكذب في القول عليه .

والنميمة : هي نقل الكلام من طرف لآخر للإيقاع بينهما .

ثانيا / الأدلة على تحريم الغيبة :

قوله تعالى : : ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾12 الحجرات

 فشبه حالة المغتاب، كحالةِ إنسان جلسَ على جثةِ أخيه وبدأ يُقطع لحمها ويأكلها وهذا الأخ هو إنسان ميت، هل هناك إنسان يمكن أن يقبل مثل هذه الصورة أو يشتهي مثل هذا اللحم، هذا هو حال المسلم الذي يغتابُ أخاه المسلم.

قال العلماء وجه التشبيه أن هذا الأخ أنت تأكلُ لحمه فكذلك أنت تتحدث عنهُ فهذا الكلام الذي تقوله كأنك تأكل لحم أخيك.

الأمر الثاني هذا الإنسان هو غائبٌ ليس موجوداً في مجلسكَ لا يدري بما تقوله أنت عنه فكذلك هذا الميت لا يدرك ما يقال عنه، فكأن هذا الإنسان الغائبُ هو إنسان ميت وأنت تأكل لحمه وتتفكه به.

فكما أن الإنسان يكره هذه الصورة ؛ وهي أن يأكل لحم أخيه المسلم الميت ، فكذلك يجبُ عليه أن يكره الحديث ،  أو أن يكره عيب أخيه المسلم الغائب عنه .

فقال الله عزَّ وجل هنا: ” وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ” نعم لا يحب أحدنا أن يأكل لحم أخيه ميتا ” فَكَرِهْتُمُوهُ “.

وحدث أن رجلين ذكرا ماعزاً لما اعترف ورجم فقالا: (لم يرض بستر الله عليه حتى جاء واعترف حتى رجم رجم الكلب)، فسمعها صلى الله عليه وسلم، فسكت حتى مر بحمار قد انتفخ فقال: ( فلان وفلان ! قالا: نعم يا رسول الله، قال: انزلا فكلا من هذه الميتة، قالا: يرحمك الله يا رسول الله، أتؤكل هذه الجيفة؟ -استعظما الأمر- قال: والذي نفسي بيده، للذي قلتما في أخيكم -أي: ماعز – أشد من أكلكما هذه الجيفة، والله إنه الآن ليرتع في بحبوحة الجنة ).

كما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان واقفاً مع إحدى نسائه فمرت من أمامهما صفية ، فقالت: ما يعجبك منها؟ يكفيك أنها وأشارت بيدها -يعني: أنها قصيرة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والله لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته )، والتعبير هنا بماء البحر دون ماء النهر لأن ماء النهر عذب، وأقل شيء يؤثر فيه، وماء البحر مالح لا يتأثر إلا بشيء غلب عليه، وكما يقولون: الماء المخلوط بالملح أو السكر يمنع أن يتشرب ما يدخل عليه من بكتيريا وغيره، فمثل بالبحر لبعد تأثره بما يقع فيه: ( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) فكيف بأكبر من ذلك؟!

أما الأحاديث فهي كثيرة منها:

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “قال لأصحابه: أتدرون ما الغيبة؟

قالوا: الله ورسوله أعلم . قال: ذكرك أخاك بما يكره

قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته”رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم  “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله” أخرجه مسلم

وقال في حجة الوداع: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت”  .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم “لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم” أخرجه أبو داود .

 ثالثا /الأسباب الباعثة على الغيبة :

1- قلَّة الخوف من الله والوقوع في محارمه: فإنَّ من استشعر عظمة الله تعالى، وأنه مُطَّلعٌ على أفعاله وأقواله؛ تجنَّب ما يُسخِط الله ويُغضبه ، وضعف الورع والإيمان يجعل المرء يستطيل في أعراض الناس ؛ جاء في حديث عائشة في قصة الإفك قولها عن زينب بنت جحش أنها قالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً ، تقول عائشةً: (وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله فعصمها الله بالورع) .

2- – اللعب والهزل: فيذكر غيره بما يُضحِك الناس منه، على سبيل المحاكاة، حتى أنَّ بعض الناس يكون كسبه من هذا.

3- تشفِّي الغيظ: بأن يجري من إنسانٍ في حقِّ آخر سببٌ يُوجب غيظه، فكلَّما هاج غضبه تشفَّى بغيبة صاحبه.

4- موافقة الأقران ومجاملة الرّفقاء ومساعدتهم: فإنهم إذا كانوا يتفكَّهون في الأعراض رأى هذا أنه إذا أنكر عليهم أو قطع كلامهم استثقلوه ونفروا منه، فيساعدهم ويُجاريهم، ويرى أنَّ ذلك من حُسن المعاشرة..! قال تعالى حكاية عن لسان أهل النار {وكنا نخوض مع الخائضين} [المدثر:45].

قال قتادة في تفسير الآية: كلما غوى غاو غوينا معه .

5- إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره: فيقول: «فلان جاهل وفهمه ركيك»، ونحو ذلك، غرضه أن يُثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويُريهم أنه أعلم منه.

6- الحسد: فإنَّ ثناء الناس على شخصٍ وحبِّهم له وإكرامهم يدفع المغتاب إلى القدح فيه ليقصد زوال ذلك.

رابعا / كيفية التخلص من الغيبة:

1- تقوى الله عز وجل والاستحياء منه: ويحصل هذا بسماع وقراءة آيات الوعيد والوعد وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث تحذر من الغيبة ومن كل معصية وشر، ومن ذلك {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف:80].

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله عز وجل حق الحياء ، قلنا : يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله ، قال: ليس ذاك ، ولكن من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى ، وليحفظ البطن وما وعى . . ) .

2- تذكر مقدار الخسارة التي يخسرها المسلم من حسناته ويهديها لمن اغتابهم من أعدائه وسواهم.قال صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا ، فيأخذ هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناتهم أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) .

3- أن يتذكر عيوبه وينشغل بها عن عيوب نفسه ، وأن يحذر من أن يبتليه الله بما يعيب به إخوانه.

قال الإمام مالك: “أدركت بهذه البلدة – المدينة – أقواماً لم يكن لهم عيوب ، فعابوا الناس ، فصارت لهم عيوب ، وأدركت بهذه البلدة أقواماً كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس ، فنسيت عيوبهم” .

قال الحسن البصري : كنا نتحدث أن من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله عز وجل به .

قال أبو هريرة: يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه.

4- مجالسة الصالحين ومفارقة مجالس البطالين:قال صلى الله عليه وسلم : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد ، لا يعدمك من صاحب المسك ، إما أن تشتريه أو تجد ريحه ، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة) .

قال النووي في فوائد الحديث : فيه فضيلة مجالسة الصالحين ، وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب ، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجوره وبطالته ، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة .

4- قراءة سير الصالحين والنظر في سلوكهم وكيفية مجاهدتهم لأنفسهم: قال أبو عاصم النبيل: ما اغتبت مسلماً منذ علمت أن الله حرم الغيبة .

قال الفضيل بن عياض: كان بعض أصحابنا نحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة. أي لقِلّته .

5- أن يعاقب نفسه ويشارطها حتى تقلع عن الغيبة.قال حرملة : سمعت رسول ابن وهب يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني ، فكنت أغتاب وأصوم ، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أني أتصدق بدرهم ، فمن حب الدراهم تركت الغيبة.

قال الذهبي : هكذا والله كان العلماء ، وهذا هو ثمرة العلم النافع .

خامسا / مواضع جواز الغيبة :

ذكرَ العلماء أن هناك بعض الحالات التي تجوز فيها الغيبة وذلك إذا كان هناك مقصود شرعي ولا يمكن الوصول إلى هذا المقصود الشرعي إلا بهذه الطريقة.

وذكر العلماء لذلك ضابطين:

الضابط الأول أن يكونَ هذا الذي ستتكلم عنه هذا العيب ستذكره لمقصودٍ شرعيٍ معتبر.

والأمرُ الثاني أنك لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا المقصود إلا عبرَ ذكركَ أخاكَ بما يكره.

تجوز الغيبة في عدة مواضع منها :

1- غيبة الفاسق المجاهر بفسقه :

إذا كان الفاسق أو المبتدع مظهرًا لفسقه وبدعته وجب أولاً الإنكار عليه والنصح له بالتي هي أحسن، وأن يهجر ويذم على ذلك، أما إذا كان مستترًا بذنبه مستخفيًا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرًّا، ويهجره مَن عرف حاله؛ حتى يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة، أما إن كان الفاسق يدعو إلى فسقه وكذلك المبتدع يدعو إلى بدعته وإلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الناس بذلك – بيَّن أمره للناس؛ ليتقوا ضلاله، ويعلموا حاله، وذلك بعد الإعراض عن النصيحة، ويكون غرض الناصح أن يكفي الله المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم.

وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث وإن كان في سندها ضعف.

قال الحسن: ثلاثة ليس لهم حرمة، صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر.

2- ذكر من ظلمك لمن ترجو أن ينصفك، أو لنفي التهمة عنك :

قال – سبحانه -: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) النساء148 ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَطلُ الغني ظلمٌ يحل عرضه وعقوبته”، يعني الإنسان إذا كان غنياً يستطيع أن يقضي دينه ثمَّ بدأ يماطلُ في هذا الدين يطلبهُ الدائن ولكنّ الغني يماطل يعني يتأخر ويتقاعس في قضاءِ هذا الدين فلهذا الإنسان أن يتكلم على هذا الغني ويقول هو ظلمني وأكل مالي … وإلى غير ذلك.

3- في حالة الاستفتاء: 

يعني لو أن رجلا جاءَ أحدِ العلماء يستفتيه فيقول مثلاً ضربني فلان أو خانني فلان أو ظلمني فلان في كذا وكذا فما الحكمُ؟ ففي هذه الحالة لا تعد غيبة واستدل العلماء لهذه الحالة بأن هند رضي الله تعالى عنها وهي زوجة أبي سفيان رضي الله عنه جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يعطيني وأبنائي ما يكفيني أفآخذُ من ماله ؟ قال: ” خُذي وولدك ما يكفيك بالمعروف.

4- التعريف به:

التعريف بإنسان معروفٍ عند الناس باسم أو لقب أو وصف معين، بحيث لا يعرف إلا به، كأن تقول: جاء الأعمش، أو الأعمى، أو الأعرج… بشرط ألا يقصد بذلك التنقيص والاحتقار، وإلا حرم .

5- إذا كان ما تذكره من سوء فيه مصلحة غالبة أو ضرورة:

 كمن يسأل عن رجل ليأتمنه على مال أو عرضه أو نحوه  ، وكمن يريد تزويج إنسان أو يتزوج منه ، وقد ورد في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم، جاءته امرأة وقالت خطبني فلان وفلان – تستشيره من تتزوج منهما – فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه”. وفي رواية أخرى إنه ضرّاب للنساء، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصفتين اللتين تتعلقان بهذين الصحابيين حتى قال لها انكحي أسامة رضي الله تعالى عنه.

كذلك من هذا الباب تجريح الشهود والرواة، الشاهد إذا جاءَ القاضي وأرادَ أن يعدِّل هذا الشاهد وسألَ عنه ماذا تعرف عنه ؟ وأنت تعرفُ أنه فاسق فتقول يفعل كذا ويفعل كذا ويفعل كذا ؛ لأن شهادته سيبنى عليها حكمٌ شرعي.

ومن هذا الباب أيضاً ما يفعله علماءُ الحديث عندما يقولون هذا الراوي مثلاً كذاب وهذا متهم وهذا كذا ويذكرون بعض الصفات في بعض الرواة لأن ذكرَ هذه الأشياء يترتبُ عليها مصلحة شرعية وهي المحافظة على السنة.

ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصد الإنسان أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، وصديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه أو لا؟

الظاهر أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } وهذا يقع كثيراً، فكثيراً ما يؤذى الإنسان، ويجنى عليه بجحد مال أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال في كذا، يريد أن يخفف ما في قلبه من الألم والحسرة، أو يتكلم في ذلك مع أولاده، أو مع أهله، أو مع زوجته أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به؛ لأن الظالم ليس له حرمة بالنسبة للمظلوم.

سادسا /التوبة من الغيبة :

قال تعالى : “وَاتَّقُو الله إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ” يأمر الله سبحانه وتعالى بتقواه لأنها الحائل بين المسلم وبين اقتحام محارم الله عز وجل فتجعل بينك وبينها وقاية يمنعك من دخولها، هذا الحاجز هو خشية الله عز وجل ومراقبته.
ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدا فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل . 

في المسألة ثلاثة أقوال :

1- بعض العلماء يرى أنها مظلمة، وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه، عن الحسن، قال: “كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”.

2- وبعضهم يرى أنهامظلمة وعليه الاستحلال منها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال ؛ فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم” الحديث. رواه البخاري

ولكن استثنى العلماء ما إذا خشي حدوث مفسدة من إخباره بأنه اغتابه، أو مات قبل تحلله، فإنه يدعو له ويذكره بخير، ويستغفر له، ويكون كفارة له

3- وهو القول الوسط، ولعله الصواب: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلابد من أن تذهب إليه وتستحله، لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحله، أما إذا لم يعلم فيكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم .

وينبغي لمن جاء إليه أخوه يعتذر منه أن يسامحه، ولا ينبغي أن يناقش ويرى ما الذي حصل، لأنه ربما يذكر شيئاً كبيراً فتعجز نفس صاحبه عن أن يحلله، لأن النفس أمارة بالسوء، فالأولى أن لا يسأل، وأن يحتسب الأجر عند الله، ويقول: هذا جاء معتذراً، ومن عفا فأجره على الله، ويرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناء حسناً، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –

سابعا / ما حكم غيبة غير المسلم ؟

غير المسلم على نوعين :

الأول :محارب للإسلام: وهذا لا حرمة له فيجوز ذكر نقائصه للتحذير منه وإضعاف هيبته.

بدليل قول الله تعالى: (ولا ينالون من عدو نيلا) يقال : نال منه إذا أصابه برزء  ويدخل فيه كل ما يصيبهم  وينقص من قوتهم وعزيمتهم ويزيد من قوة المسلمين عليهم حساً ومعنى ويدخل في ذلك ذكر نقائصهم وعيوبهم لعموم اللفظ (وهذا ما يسمى الآن بالحرب الإعلامية ).

وفي البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان يوم قريظة : ” اهجهم  أو هاجهم  وجبريل معك”

ومعنى ( اهجهم ) فعل أمر من هجا يهجو وهو الذم  ومعنى  (هاجهم ) من المهاجاة أي جازهم بهجوهم .

الثاني : المعاهد بعقد ذمة أو أمان: كالذي يدخل إلى بلاد المسلمين بعقد وقانون يحفظ له حقوقه. (تأشيرة الدخول ) ، أو الذين يعيش المسلم بينهم في بلادهم بعقد عمل أو دراسة أو علاج ونحو ذلك.

وأحكام غيبة  هذا النوع كأحكام غيبة المسلم لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا ،وعليه ما علينا ، وإن كان المسلم أشد حرمة من غيره.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة” أبو داود وقال العراقي إسناده جيد

وعلى هذا : فإن كانت غيبته بذكر عيوبه الخلقية والجبلية كطوله وقصره وضعفه وسِمَنه وطريقته في الحديث فإن ذلك يحرم أو يكره على أقل تقدير لما فيه من الاستهزاء بخلق الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى وليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذيء.

وأما  قول النبي صلى الله عليه وسلم في الغيبة ” ذكرك أخاك بما يكره ” فذكر الأخ هنا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فلا يقتصر الحكم على المسلمين فقط على الصحيح .

 ثامنا / فضل من حفظ غيبة أخيه المسلم

إنَّ من حقِّ المسلم على أخيه المسلم أن يردَّ غيبته إذا اغتابه أحدٌ أمامه، وأن يقي عرضه من المثالب، ويحوطه من ورائه، وهذا من الحقوق الواجبة التي إن فرَّط فيها أصابته العقوبة إن عاجلاً أو آجلاً .. وليس هذا الفعل – الدفاع عن أخيك في غيبته – ليس من نوافل الأفعال.

من أجل ذلك جاءت الأدلَّة صحيحة صريحة في فضل من يقوم بهذا الواجب؛ فقد ورد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذبَ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًّا على الله أن يعتقه من النار»

وعنه  أنه قال: «من ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة»

فالمستمع لا يخرج من الإثم إلا أن يُنكر بلسانه أو بقلبه إن خاف، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلامٍ آخر فلم يفعل لزمه.

وختاما / من أقوال السلف في ذم الغيبة :

  • اغتاب رجل رجلا بسوءٍ أمام صاحبه فقال للمغتاب: أغزوت الترك؟ قال: لا، قال: أغزوت الروم؟ قال: لا، قال: سلم منك الروم والترك ولم يسلم منك أخوك!
  • وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً قال للحسن : يا أبا سعيد إني أرى أقواماً يحضرون مجلسك يحفظون عليك سقط كلامك ثم يحكونك ويعيبونك ، فقال : يا ابن أخي : لا يكبرن هذا عليك ، أخبرك بما هو أعجب ، قال : وما ذاك يا عم ؟ قال : أطعت نفسي في جوار الرحمن وملوك الجنان والنجاة من النيران ، ومرافقة الأنبياء ولم أطع نفسي في السمعة من الناس ، إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم الذي خلقهم فإذا لم يسلم من خلقهم فالمخلوق أجدر ألا يسلم .
  • وقال جبير بن عبد الله : شهدت وهب ابن منبه وجاءه رجل فقال : إن فلاناً يقع منك ، فقال وهب : أما وجد الشيطان أحداً يستخف به غيرك ؟
  • وعن حاتم الأصم قال : لو أن صاحب خير جلس إليك لكنت تتحرز منه ، وكلامك يُعرض على الله فلا تتحرز منه .
  • واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال له : اذكر القطن إذا وُضع على عينيك . أي عند الكفن والموت.
  • وقال رجل لعمرو بن عبيد : إن الأسواري مازال يذكُرك في قصصه بشرٍ ؛ فقال له عمرو : يا هذا ، ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ، ولكن أعلمه أن الموت يعُمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا ، والله – تعالى – يحكم بيننا وهو خير الحاكمين
  • وقال عمر بن عبد العزيز : من علم أن كلامه من عَمَلِهِ ، قل كلامه إلا فيما يعنيه .
  • وقال رجل للفضيل ابن عياض : إن فلاناً يغتابني ، قال : قد جلب لك الخير جلباً.
  • وقال عبد الرحمن بن مهدي : لولا أني أكره أن يُعصى الله تمنيت ألا يبقى في هذا العصر أحدٌ إلا وقع فيّ واغتابني فأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها.
  • وقال عبد الله بن محمد بن زياد : كنت عند أحمد بن حنبل فقال له رجل : يا أبا عبد الله قد اغتبتك ، فاجعلني في حل !!
    قال :أنت في حل إن لم تعد ، فقلت له : أتجعله في حل يا أبا عبد الله وقد اغتابك ؟ قال : ألم ترني اشترطت عليه .
  • وقال الحسن بن بشار : منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر منها .
  • وروي عن الحسن أن رجلاً قال : إن فلاناً قد اغتابك ، فبعث إليه طبقاً من الرطب ، وقال : بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك ، فأردت أن أكافئك عليها ، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام.
  • وقال عبد الله بن المبارك : قلت لسفيان الثوري : يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ، ما سمعته يغتاب عدواً له قط ، فقال : هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يُذهبها .
  • وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فاغتاب رجلا ، فقال له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية : ( إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا) وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية ( همازٍ مشاءٍ بنميم ) وإن شئت عفونا عنك ؟
    فقال : العفو يا أمير المؤمنين ، لا أعود إليه أبدا .
  • وقال الحسن البصري: والله لَلغيبة أسرع في دين الرجل من الأكَلة في الجسد.
  • وقال عمر بن الخطاب: عليكم بذكر الله فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء.
  • قال ابن عباس: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك، فاذكر عيوبك.
  • ويروى عن الحسن البصري أن رجلاً قال له: تغتابني؟! فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي.
  • وروي عن ابن المبارك أنه قال: لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والدي؛ لأنهما أحق بحسناتي.
    • وقال وهب: نذرت أني كلَّما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلَّما اغتبت إنسانًا أن أتصدَّق بدرهم، فمِن حُبِّ الدراهم تركتُ الغيبة.
  • وقيل للربيع بن خُثيم: ما نراك تعيب أحدًا؟ فقال: لست عن نفسي راضيًا فأتفرَّغ لذمِّ الناس؟!
  • وقال الإمام مالك: أدركت بهذه البلدة – يعني المدينة – أقوامًا ليس لهم عيوب فعابوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركت بهذه البلدة أقوامًا كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فنُسِيَت عيوبهم.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

i134461794927840024

بين حاتم الأصم وشيخه شقيق البلخي

روى عن حاتم الأصم تلميذ شقيق البلخي رحمهما الله أنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم منذ ثلاث وثلاثين سنة. قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثماني مسائل. قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل! قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني

تاريخ الإضافة : 23 مارس, 2017 عدد الزوار : 53 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬477
  • 279
  • 910
  • 295
  • 28٬372
  • 84٬174