تفسير سورة الحجرات : 9- يمنون عليك أن أسلموا

تاريخ الإضافة 15 فبراير, 2017 الزيارات : 616

أولا التفسير التحليلي :17ce0b61d78254e802568cdc61dc6952

 قوله تعالى : ” قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأَرض والله بكل شيء عليم “ قل أتعلمون الله : أي أتخبرون الله .

وهذا إنكار لقول الذين قالوا آمنا، يعني أتعلمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء.

والمعنى : قل لهم أيها الرسول: أتخبرون اللَّه بما في ضمائركم من الدين، ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا ؟ واللَّه عالم لا يخفى عليه شيء، يعلم كل ما في السموات وما في الأرض من جمادات ونباتات وحيوانات وإنس وجن، فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟ واللَّه لا تخفى عليه خافية من ذلك، يعلم بكل شيء، فاحذروا أن تدّعوا شيئا خلاف ما في قلوبكم .

قوله تعالى : ” يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين”

منّ عليه: ذكره بإحسانه ، والمنة هي النعمة الثقيلة  ، والمن لايكون إلا لله فهو صاحب العطاء والفضل أما المن من العبد فهو مذموم، والمقصود به ذكر المنة للمنعم عليه على سبيل الفخر والتعيير له .

سبب النزول :

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أسلمنا وقاتلنا العرب ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان .

فنزلت هذه الآية الكريمة: ” يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنوا علي إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ، إن كنتم صادقين ” .

وقوله: {بل الله يمن عليكم } أي ليس لكم منة على الرسول – عليه الصلاة والسلام – بإسلامكم، بل المنة لله – عز وجل – عليكم أن هداكم للإيمان، ولا شك أن هذا أعظم منة أن يمن الله على العبد بالهداية إلى الإيمان .

وقوله: {إن كنتم صادقين } أي إن كنتم من ذوي الصدق القائلين بالصدق، فإن المنة لله عليكم.

 قوله تعالى : { إن الله يعلم غيب السموات والأَرض والله بصير بما تعملون} أخبر الله في هذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السموات والأرض، وما ظهر فهو من باب أولى، وأخبر – عز وجل – أن من جملة ما يعلمه عمل بني آدم، ولهذا قال: {والله بصير بما تعملون  } وهذه الآية تفيد الترهيب من العمل السيء؛ لأن العبد سيجازى عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله عز وجل، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالهداية والتوفيق.

التفسير الموضوعي للآيات

 نسبة المنة والفضل لله في الهداية .

 المنّ حقيقة بالفعل لا يليق إلا لله فهو صاحب الفضل والعطاء والإنعام أن يعطيك، أن يملكك الكثير من النعم العظيمة ، أما المنّ بالقول فيفعله الجهلة المغترين بما آتاهم الله  ؛ هناك مَن يمنّ عليك، يقول لك: لحم كتفك من خيري، هذا منٌ بالقول، وهو مستقبح، ومبطل للأجر ، ، إلا إذا كُفرت النعمة كما قال النبي  حينما وجد الأنصار على أنفسهم في لعاعة من الدنيا تألف النبي بها قوماً ليسلموا، ووكلهم إلى إسلامهم، فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: ” يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي ، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي ” ، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا ، قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ…..” فلذلك المنّ مقبول ؛ حينما ينسى الإنسان الخير، فيذكره غيرُه به.


ومن أسماء الله تعالى المنان :

عن أنس: أنَّه كان مع رسول جالسًا ورجل يصلِّي ثم دعا: اللَّهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا إله إلا أنت المنَّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال واﻹكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد دعا اللهَ باسمِه العظيم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطى ) رواه. أبو داود وصححه اﻷلباني

 ومعناه : هو المنعم المعطي ، الذي يدر العطاء على عباده منا عليهم بذلك وتفضلا.

 المن كمال لله نقص في حق العبد :

فهذه الصفة في حقه تعالى صفة كمال، وفي حق المخلوق، – بهذا المعنى – صفة نقص، فلا يلزم أن يكون كل كمال في الخالق كمالا في المخلوق.

قال ابن القيم : حظر الله على عباده المن بالصيغة، واختص به صفة لنفسه لأن من العباد تكدير وتعيير، ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير .
وأيضاً فأنه هو المنعم في نفس الأمر والعباد وسائط.
وأيضاً الامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضاً المنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.
وأيضاً فالمنان بعطائه يشهد نفسه مترفعاً عن الأخذ ويشهد ذل الأخذ وحاجته إليه وفاقته .
وأيضاً فإن المعطي قد تولى الله ثوابه أضعاف ما أعطى .

“بل الله يمن عليكم “

 إن الله تعالى هو الذي يمنَّ علينا وهو الذي هدانا، فله النعمة ، وله الفضل أن هدانا للإسلام وحبب قلوبنا فى طاعته ، وأخذ بنواصينا إليه ، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

والله تعالى يذكر عباده دائماً بفضله فيقول: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) النور:21

أي: تذكروا أنكم تحت فضل الله تعالى ونعمته فهو المتفضل عليكم، وهو الذي وفقكم وهداكم للإسلام، ولو شاء لخذلكم ولسلط عليكم الأعداء، فاشكروه على فضله تعالى ونعمته .

قال العلماء: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.

وقال الشافعي : إذا خفت على عملك العُجب فاذكر رضا من تطلب و في أي نعيم ترغب و من أي عقاب ترهب فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله .

فنحن نعترف بفضل الله تعالى علينا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، و نرغب إليه أن يعمنا بواسع رحمته وفضله، وأن يتجاوز عن أخطائنا ونقصنا وتقصيرنا، فنحن كلنا أخطاء إلا أن يتجاوز الله عنا.

قال – سبحانه -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ﴾ النحل: الآية 53

وفي الحديث القدسي قال الله – سبحانه وتعالى -: ( يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم ).

ويذكر أنَّ عمر بن الخطاب حينما طُعن ، قال له عبد الله بن عباس – رضي الله عنهم أجمعين – مواسيًا: «يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون»

فرد قائلا: «أمّا ما ذكرت من صحبة رسول – صلى الله عليه وسلم – ورضاه: فإنما ذلك مِن مَنٌّ الله – تعالى – عليَّ، وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك مِن مَنٌّ الله عليَّ، وأمّا ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله! لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله – عز وجل – قبل أن أراه». رواه البخاري

فمن منا يستشعر فضل الله عليه ومنته أنه خلقنا وهدانا وكفانا وآوانا وأنعم علينا بطاعته، فكم من الناس الآن مع اللهو ومع العبث ، وكما يقول بعض السلف إن أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك .

( قل هل يستوي الأعمى والبصير) لا والله ، إذن الفضل والمنة لله جل وعلا

إذا عملت أي عمل…إذا أديت الصلاة ..إذا أديت الزكاة ..إذا صمت رمضان.. إذا حججت إلى البيت الحرام ..إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ..إذا حضرت محاضرة.. أو درساً …احمد الله أن وفقك فالمنة لله وحده .

والمسلم يعلم يقينا أنه لا يكون من أهل الجنة بمجرد عمله، بل بفضل الله تعالى وبرحمته، وإن كانت الأعمال من جملة الأسباب لدخول الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).

ومن الذكر الذي ورد بعد دبر كل صلاة أن يقول العبد: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن)، فله المن على عباده والفضل عليهم.

وعَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ ‏ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ : ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى ‏ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ، ‏وَ هُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى ‏وَارَى ‏التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ ، وَ كَانَ رَجُلاً كَثِيرَ الشَّعَرِ ، وَ هُوَ ‏ ‏يَرْتَجِزُ ‏ ‏بِرَجَزِ ‏ ‏عَبْدِ ‏ اللَّهِ :

اللَّهُمَّ ‏ لَوْ لا أَنْتَ ‏ مَا اهْتَدَيْنَا ‏—-  وَ لا ‏ تَصَدَّقْنَا وَ لا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏    —-   وَثَبِّتْ الأقدام إِنْ لاقَيْنَا

إِنَّ الأعداء قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا   —-    إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ ) . رواه الشيخان

فحقاً لله المنة على عباده، وله الفضل عليهم، فإذا أنعم على بعض العباد فهداهم وأقبل بقلوبهم على طاعته فإنه المتفضل وله الفضل في ذلك، وإذا خذل بعض العباد وحال بينهم وبين رشدهم، وأضلهم على علم فله الحكمة في ذلك، يقول الله تعالى: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ )الجاثية:23

فالله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هداه الله فقد تفضل عليه، ومن خذله وأضله فقد عامله بعدله.

ولا ينسب إلى الله تعالى ظلم ولا جور، بل هو العادل في عباده، فأعمالهم التي عملوها فضل من الله تعالى، وقد ورد في حديث أنه: (يجاء برجل قد عمل من الحسنات أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: يا رب! ألست أدخلها بأعمالي؟ فعند ذلك يقول الله: حاسبوا عبدي -أي: على نعمي عليه-. فإذا بدأوا في الحساب يقول الله لنعمة البصر: خذي حقكِ من أعماله.

فتأخذ من أعماله، ثم يقول لنعمة السمع: خذي حقكِ.

فلا تكاد أن تترك من أعماله شيئاً، فعند ذلك يقول الله: ادخلوه النار. فيقول: يا ربي! بل برحمتك أدخلني الجنة)، فعند ذلك يدخله الله الجنة ويعترف بأن أعماله التي عمل لا تستقل بإدخاله الجنة مهما كثرت ومهما عظمت.

وعدم المن على الله بالعمل الصالح أمر أدق من الإخلاص وأخفى، ويسميه ابن القيم – رحمه الله-: “عدم شهود المنة”، قائلاً: “أنفع العمل أن تغيب عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المنة”. وقريب من هذا أن المصلي يقول بعد فراغه من الصلاة: “أستغفر الله”؛ حتى لا يعجب بصلاته، بل إنه يحس بتقصيره، وأنه لم يوفها حقها.

وطرح ابن القيم في الفوائد سؤالا فقال  : ما معنى قول السلف : إن العبد ليعمل الحسنة يدخل بها النار ؟

فأجاب  : يفعل الحسنة فلا يزال يمنُّ بها على ربه ، ويتكبر بها ، ويرى نفسه ، ويعجب بها ، ويستطيل بها ، ويقول فعلت وفعلت ، فيورثه ذلك من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه .

وفي هذا المعنى قال بعض السلف: ربّ طاعة أورثت عزاً و استكباراً ، و ربّ معصية أورثت ذلاً و استغفاراً .

نسأل الله أن يأخذ بنواصينا إليه أخذ الكرام عليه ، وأن يحفظنا بالإسلام ، قائمين وأن يحفظنا بالإسلام قاعدين ، وأن يحفظنا في كل وقت وحين اللهم آمين .

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى  دخل الشيخ محمد الغزالي إحدى الجامعات بالشرق الجزائري محاضراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته ….. ثم قال بصوت متقطع : … أنا… أنا… مثلي يتحدث عن محمد!!! وأجهش باكياً… وطال بكاؤه… ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف

تاريخ الإضافة : 20 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 321 زائر