وقفة مع قوله تعالى : «أذلة على المؤمنين»

تاريخ الإضافة 15 فبراير, 2017 الزيارات : 129

وصف الله هؤلاء المؤمنين المميَّزين بأنهم أذلة على المؤمنين، فما معنى هذه الصفة؟ وهل الذلّة محمودة؟
الذلّ هو الخضوع واللين، وإذا كان من جهة الإنسان نفسه فهو محمود، بمعنى أنه يختار أن يخضع لمن يستحق الخضوع له، بإرادته ورغبته، تكريماً لمن ذل وخضع له. ولذلك أمر الله الابن البار أن يذلّ لوالديه تكريماً لهما. قال تعالى: }واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً{ (الإسراء: 24)، تقول: ذل الابن لوالديه فهو ذليل لين خاضع، مأجور عند الله..
وإذا كان الذل من طرف خارجي فهو قهر وإخضاع وإذلال، وهو مذموم، لأن الطرف الخارجي يريد إذلال وإهانة واستكانة من يذلّه ويخضعه.. ولذلك يأبى المسلم أن يذل ويخضع لعدوه الكافر، ويكون عزيزاً أمامه.. ونتذكر في هذا السياق قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه:
أنا إن عشتُ لست أعدم قوتاً
وإذا متُّ لست أعـــــــدم قبـــــــراً
همتي همة الملـــــــــوك ونفسي
نفس حر ترى المذلة كفــــــــراً


الفرق بين الأذلة والأذلين
ومن لطائف القرآن تفريقه بين الجمعين: جمع التكسير «أذلة»، وجمع المذكر: «أذلون». «أذلة» جمع تكسير على وزن «أفعلة» مفرده الصفة المشبهة: ذليل، تقول: هو ذليل، وهم أذلة، وورد الجمع «أذلة» في القرآن غالباً في سياق المدح، كما في هذه الآية: }أذلة على المؤمنين{، وكما في وصف الصحابة في غزوة بدر، في قوله تعالى: }ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون{ (آل عمران: 123)، فالأذلة من كانت ذلتهم ذلة اختيارية، يتحبّبون بها، ويتقرّبون بها إلى من يذلّون له، كما في ذلّة المؤمنين في غزوة بدر، وذلة المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، وذلة الابن البار لأبويه.
أما «أذلون» فإنه جمع مذكر لم يرد في القرآن إلا في سياق الذم، ومفرده أفعل التفضيل «أذل»، ولم يرد في القرآن إلا في سياق الذم أيضاً. تقول: هو أذل، وهم أذلون.
قال تعالى في ذم الأذل زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي: «يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون{ (المنافقون: 8)، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز فإن خصمه عبدالله بن أُبيّ هو الأذل.
وقال تعالى في ذم أعداء هذا الدين: }إن الذين يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلّين{ (المجادلة: 200). والأذلون هم الذين بلغوا النهاية في الذل والضعف والهوان.

والخلاصة أن المؤمنين أذلة على إخوانهم المؤمنين، وهذا الذل ذل اختياري من داخل نفوسهم، وليس إملاءً عليها من الخارج، وهو ذل قائم على الخضوع المحبب لإخوانهم، واللين المرغوب لهم، والتواضع الطيب، تحبّباً وتقرّباً لهم. وما أجمل وأطيب وألطف أن يذل المؤمن لإخوانه، ويتواضع لهم، ويدخل بهذا اللطف إلى قلوبهم!


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة العجوز التي كتب اسمها على المسجد

يحكى أن ملِكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره…حيث يريد أن يكون هذا المسجد من ماله فقط دون مساعدة من أحد، وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك . وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي

تاريخ الإضافة : 10 أغسطس, 2017 عدد الزوار : 53 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 1
  • 142
  • 115
  • 980
  • 566
  • 30٬611
  • 131٬797