نعمة الفهم عن الله ورسوله (خطبة مفرغة)

تاريخ الإضافة 1 يوليو, 2017 الزيارات : 624

libraryqee (Copy)نعمة الفهم عن الله ورسوله (خطبة مفرغة)

أحبابي وإخواني الكرام تكلمنا في لقاءين ماضيين بعنوان “إن منكم منفرين” أن هنالك الكثير منا بنية صالحة وبرغبة صادقة في أن يهتدي الناس وأن يتعرفوا على صراط الله المستقيم ربما يكون سببا في تنفير غيره أي تبغيض الحق إليه ، وهذا ناتج عن سوء التصرف أو التسرع أو الحماسة بلا بصيرة ولا علم.

اليوم إن شاء الله تعالى نتكلم عن مسألة هامة هي وصلا بهذا الموضوع أيضا وهي مسألة الفهم ( فهم دين الله عز وجل.)

 الفهم معناه إدراك الشيء على وجه صحيح.

 والله سبحانه وتعالى لما خلقنا جعلنا متفاوتين في الفهم ؛ ليس كلنا على درجة واحدة من الذكاء والوعي والإدراك والعلم أبدا ؛ جعلنا الله متفاوتين في ذلك ؛ وربما يفقه الإنسان  أمرا لا يلتفت إليه آخر والعكس بالعكس .

وهذا كله أراده الله عز وجل أن يجعل فيك نقصا يدفعك للحركة…. النقص هذا إما أن يكون مثلا شعور بالجهل فتتعلم ، أو الحاجة إلى الطعام والشراب فتعمل  ، أو الحاجة إلى التداوي فتذهب للطبيب ، أو حاجة لرد الحق فتذهب للشكاية والقضاء إلى آخره … “…

قال تعالى ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ…”. ولذلك مسألة الفهم لا بد فيها من هذا الوعي أنه لا يلزم أبدا مع صلاح الإنسان ومع حسن نيته أن يكون فاهما فقيها لكل شيء وأي شيء…. أبى الله الكمال إلا لذاته والعصمة إلا لأنبيائه ؛  فلا عصمة لأحد بعد الرسل.

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ :

وقد ضرب لنا القرآن الكريم في هذا الأمر مثالا بنبيين كريمين، نبي الله داوود وابنه سليمان. “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا …”.

نبي الله داوود جاءته قضية عادية. … رجل كان يمضي بغنمه فمرت الغنم بأرض خضراء فيها حرث ( زرع ) فالغنم بهيمة لا تميز أن هذه أرض صاحبها أو أرض غيره… فماذا فعلت ؟  نزلت على الحرث فأهلكته ؛ يعني أكلته كله. …. الرجل لم يمنع غنمه. …. تركها ترعى ، وتأكل حتى أتت على الحرث كله!!!

لما رأى صاحب الحرث أرضه وقد جردت من كل زرع وحرث…. ذهب يشكو إلى نبي الله داوود…. فحسب نبي الله داوود قيمة الزرع وقيمة الغنم فكانت القيمة مماثلة فخرج صاحب الغنم ليس معه إلا الكلب يعني كلب الغنم.

فلما رأى سليمان ذلك قال لو حكمت بينكما لحكمت بغير ذلك…. فبلغت مقالته لأبيه داوود عليه السلام قال فبم كنت تحكم؟

قال أرى أن يأخذ صاحب الزرع الغنم فينتفع من ألبانها وأصوافها وأن يتولى صاحب الغنم الزرع حتى يعود كما كان. “ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما”.

والنبي ذكر لنا كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن امرأتان اختصمتا لنبي الله سليمان. امرأة عدا الذئب على ابن إحداهما فأكله فأخذت ابن الثانية فاختصمتا (واحدة ابنها هلك والثانية ابنها حي) فكل من المرأتين تدعيان أن هذا ولدها…. ليس هناك إثبات لذلك.

فقال نبي الله سليمان علي بالسكين أشقه بينهما فقالت امرأة لا تفعل يا نبي الله ودعه لها.

قال إذن أنت أمه.!! ( لأن الأم تتمنى أن لو يعيش ابنها حتى و لو مع غيرها) قال إذا أنت أمه ولم تتكلم الأخرى لأنها تعلم أنه ليس ابنها. “ففهمناها سليمان …”.

فالأمور ربما نختلف في استيعابها ومن أجل ذلك جعل الله هذا التنوع في الخلق قال تعالى : “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ”.

“لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”.

وحدث أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب قال لأصحابه: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة.”  بنو قريظة كانوا قد خانوا العهد مع رسول الله والمسلمين فأراد رسول الله بعد انقضاء الحصار الذي ضربه الأحزاب على المدينة أن يذهب لهؤلاء لينظر في أمرهم.

“لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”.

كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ على هذا النص وانطلق الصحابة…. في الطريق دخل وقت صلاة العصر فانقسموا إلى فريقين في تفسير معنى قول رسول الله:

أحد الفريقين قالوا أن رسول الله يشرع عن الله يبلغ عن الله عز وجل فلن نصلي العصر إلا في بني قريظة حتى ولو خرج الوقت. سنصلي في بني قريظة كما قال النبي لأنه قال لا يصلين هذا نهي وهذا رسول الله. سبحان الله !!!
الفريق الثاني قالوا إنما أراد رسول الله أن نجد في المسير حتى أننا سندرك وقت العصر في بني قريظة لكننا لن ندرك لبعد المسافة وطول الطريق. فصلوا في طريقهم.

لما جاء النبي على أثر الفريقين أُخبر برأيهما فلم يعنف أحدا…. أقر النبي اجتهاد الصحابة على هذا المعنى، إن منهم من أخذ فيما يعرف في الفقه بعد ذلك بـ (ظاهر النص) ومنهم من أخذ بـ (مقصد النص) ظاهر النص أنه نهي عن الصلاة نهائيا إلا في بني قريظة. أما مقصد النص أو روح النص المقصود به الجدية في المسير لدرجة أنك ستدرك العصر في بني قريظة لكن لا يعني ترك الصلاة حتى يخرج وقتها.

 المدارس الفقهية المتنوعة

ومن هذا الباب نشأ ما يعرف بالمدارس الفقهية المتنوعة والكثيرة التي تعرف فيما بعد بيننا بالمذاهب الأربعة أو الأئمة الأربعة ، ورغم أن المذاهب الفقهية أكثر من أربعة والمدارس الفقهية كثيرة جدا إلا أن هؤلاء الأربعة كأنهم يعني ثبتت شهرتهم وكثر طلاب العلم الذين تتلمذوا على مبادئ كل مذهب … ربما اندرس ما سواها من المدارس فبقي الفقه مشهورا فيه أقوال الأئمة الأربعة وإن كان هنالك أقوال كثيرة لعلماء أجلاء لم يكونوا في حيز المذاهب الأربعة.

نشأ هذا الفهم لما آتاه الله عز وجل هؤلاء العلماء من إدراك ووعي واستيعاب لفهم النصوص الشرعية (الكتاب والسنة).

 

ما سبب كثرة المتصفين بـ(مفكر إسلامي ) في عصرنا ؟

ولذلك بالنسبة للأمور الشرعية أود أن أقول لإخواني لا تستقلوا أبدا في فهمها عن أهل التخصص فيها من العلماء…. فنحن ابتلينا في عصرنا هذا بأن الكثير يتكلم في الدين بدون علم .. .. بدون دراية…. إذا سألته يقول لك :

هم رجال ونحن رجال. نحن نريد إعادة قراءة النص أوفهم النص. نحن نريد تجديد الدين. نحن نقول أن هؤلاء ليسوا معصومين.

وتحت هذه الكلمات الجميلة الرنانة يريدون دينا جديدا لا وجود له إلا في عقولهم… أي علم من العلوم يحترم الدارسون فيه أهل التخصص….. في الطب لا نفهم الأشياء على وفق معلوماتنا المحدودة…. إنما نفهمها من خلال أرباب الطب أهل التخصص.

نفس الكلام في كل علم من العلوم…. لا يعقل أنه واحد خرج من بطن أمه مهندسا ،  وآخر خرج شيخا ، وثالث خرج طبيبا. هذا غير معقول.

فالعلم يكون بالتعلم ، والتعلم يكون من أهل التخصص والواحد فينا أيا كان تخصصه دائما ما يفخر بأساتذته ويفخر بجامعته فيقول أنا تربيت على يدي الأستاذ فلان… الدكتور فلان… البروفسير….فلان. …أنا خريج جامعة كذا….

هذا فخر للناس الآن لأنه يعلم أنه بمجرد أن يذكر إسم جامعة كذا فمعنى ذلك أنه يعني عنده شهادة بدون أي كلام عن جودة التعليم وجودة المعلمين وجودة المنهج إلى غير ذلك. …. طيب هؤلاء اللقطاء الذين يخرجون علينا بين الحين والآخر ليسمي نفسه مفكر إسلامي ، أو يسمي نفسه مجتهد ، أو يسمي نفسه أيا ما كان….  ويريد أن يغير الدين إلى دين جديد على حسب فهمه ووعيه الثقيل.

من أنت، خريج أي جامعة؟ على أي شيخ درست؟  ….الخ 

هؤلاء (مجددينات) ؟!!

يقول لك أنا مفكر….. يا أخي فكر في حدود التفكير…. لكن لا تفكر في أن تستبدل الدين بغيره…. لا تفكر في أن تشاغب على الناس في دينهم وتنكر الثوابت…. يعني قريبا سمعنا أحدهم يقول إن القرآن لم يحرم الخمر. لماذا؟

قال إن الله قال (فاجتنبوه) لم يقل فلا تشربوه….. وهذا فهم سقيم للغة العربية…. هذا قلة وعي للغة العربية…. وكأنه سيفهم اللغة العربية على مزاجه هو…. سبحان الله!!!

كهذا السفيه الذي كان يفسر “وترى الملائكة حافين من حول العرش” فقال حافين يعني حافيين (ماشيين بلا أحذية إجلالا لله عز وجل).

حافين يعني تحف أجنحتهم ليس لها علاقة بالحفاء الذي هو خلع الحذاء…. لكن كل واحد يفهم على مزاجه.

مثل واحد أيضا خرج يشجع على الإستمناء والعادة السرية فقال الآية “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ”. عادون يعني يعملون شيئا عاديا. ما هو الشيء العادي؟

ليس فيه عيب يعني…. هذا إفراغ للكبت…..( فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) من الإعتداء .

هؤلاء كما قال الله عزوجل: ” وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ …”

وفي الحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم دعاة على أبواب جهنم. من أجابهم قذفوه فيها ولما قال له حذيفة صفهم لنا يا رسول الله قال هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

ولذلك يا إخواني أنا أريد في هذا اللقاء أن أقعد شيئا وهو أنه لا ينبغي لكل واحد خرج علينا يقول قال الله قال رسوله بأنه يعني صار فقيها. هنالك شيء اسمه الفهم الزائد على النص. يعني أنت جئت بالنص كلام الله أو ما صح من كلام رسول الله. ماذا نفهم من هذا الكلام؟

ماذا نستنبط من هذا الكلام؟

هل كما ذكر هذا السفيه أن ( فأولئك هم العادون ) يعني يفعلون شيئا عاديا؟

والآخر الذي قال لك (وجاءت سيارة) القرآن أخبر عن السيارات!!!

والثالث الذي قال أن القرآن تكلم عن التلفزة وشاشات العرض… “يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم”. وهذا الهراء كثير.

يعني لا أريد أن أخوض فيه طويلا …. لكن هذا للأسف يسمع له وأمثال هؤلاء (المجددينات ) يفسح لهم في الإعلام. وكلمة (مجددينات) لها قصة لما سئل الشيخ نجيب المطيعي وكان من أحد علماء الأزهر الأجلاء قديما عن هؤلاء الذين يقومون بتجديد الدين قال هؤلاء (مجددينات) قالوا يا شيخ يعني ماذا؟ قال هذا جمع مجدد. قالوا جمع مجدد جمع مذكر سالم (مجددون) وجمع مؤنث سالم (مجددات) فمجددينات هو جمع ماذا؟ قال هذا (جمع مخنث سالم.)  !!!
فهؤلاء لا هم صاروا مسلمين بكلامهم ولا هم غربيين بأفكارهم فجمعناهم (جمع مخنث سالم.)  يعني إشارة إلى هذا الخليط العجيب. فليس كل من قال قال الله نقول له صدقت. نعم صدق الله العظيم لكن ماذا نفهم من قول الله عز وجل.

أمثلة للفهم السقيم  :

لو أخذنا النصوص بظواهرها دون ربط بينها سنهلك … يعني أضرب مثالا لذلك أو عدة أمثلة حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

الصحابة رضوان الله عليهم خرجوا في سفر. هذا الحديث يرويه جابر بن عبد الله. فسقط حجر من جبل على رأس رجل فشجه (الشجة يعني هو الجرح الغائر الذي يحتاج إلى خياطة الآن) وسبحان الله !!! الرجل تداوى وربطوا الجرح… في هذه الليلة احتلم.

طبعا احتلم يجب عليه الغسل فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة؟

هل من الممكن أن أصلي دون أن أغتسل؟

قالوا لا ليس لك رخصة. فاغتسل الرجل فمات.

كأن الجرح تسمم أو الماء دخل إلى المخ. اغتسل الرجل فمات.

فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله. ماذا قال؟

قال قتلوه قتلهم الله. هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال.

العي يعني عدم الفهم الصحيح. يعني الرجل في أزمة في المسألة. الرجل عنده جرح شديد في رأسه. الغسل تعميم البدن بالماء. هل إذا احتلم يجب عليه أن يغتسل أم هنالك رخصة فقالوا له لا نجد لك رخصة فمات الرجل. سبحان الله !

مثال للفهم الصحيح  :

اجتهاد الصحابي عمرو بن العاص لما كان في إحدى السرايا اسمها (ذات السلاسل)  فاحتلم وكان هو أمير السرية وكانت ليلة شاتية باردة فخاف على نفسه فتيمم وصلى بالناس إماما …. بعد الصلاة أخبر الناس أنه حدث له كذا وكذا …. فاختلفوا عليه (يعني أنت صليت فاسكت لكن هو يخبرهم)

 قال أبو بكر من ولّاه علينا؟

قالوا رسول الله. قال نسأل رسول الله إذا رجعنا.

فلما رجعوا إلى رسول الله وأخبروه. قال ما حملك على ذلك يا عمرو؟

قال يا رسول الله كنا قريبين من العدو فخشيت أن أوقد نارا فيعلمون قلة عددنا (يوقد نار يعني لتدفئة الماء) وخشيت أن أغتسل بالماء البارد وتذكرت قول الله تعالى ” ولا تقتلوا أنفسكم…” فتيممت. فأقره رسول الله على اجتهاده.

من هذا الأمر أيضا ربط النصوص والمقاصد لشرعية ببعضها:

الرسول أرسل سرية (سرية يعني فرقة من الجيش للإستطلاع وهوعمل المخابرات الآن) فأمير السرية غضب منهم، فعلوا شيئا أغضبه (شيء من هذا القبيل) فقال اجمعوا لي حطبا. فجمعوا حطب… نسمع لأميرنا فهو نائب عن رسول الله .

جمعوا الحطب…. قال فأشعلوا فيه النار…. أشعلوا النار…. قال القوا بأنفسكم فيها. …نعم!

إلقوا بأنفسكم فيها، ألست أميركم؟

بلى. ألم يأمركم رسول الله بطاعتي؟

قالوا بلى. قال فألقوا بأنفسكم فيها.

فنظر بعضهم إلى بعض يعني ماذا ؟

فهدى الله أحدهم فقال والله ما اتبعنا رسول الله إلا لنخرج منها (يعني نحن اتبعنا الرسول لكي نفر من النار)  لا أظن أن الأمر النبوي الذي جاء لهداية الناس ونجاتهم من النار يأتي بالعكس (ادخلوا النار).

فهدأ الرجل وهدأ غضبه.

فلما رجعوا وذكروا ذلك لرسول الله قال : (إنما الطاعة في المعروف والله لو دخلوها ما خرجوا منها)  إشارة إلى أنهم سيكونوا قد قتلوا أنفسهم ماتوا منتحرين.

فالرسول قعد قاعدة: الطاعة للأمير أو المسؤول أو كذا لكن في المعروف وليست طاعة مطلقة. هذا ليس إلهنا الذي يأمرنا. هذا بشر.

ففي غضبة يريد الناس أن تلقي نفسها في النار …. فصحح الرسول هذا الفهم قال: ” إنما الطاعة في المعروف”

تعال للناس التي تقتل وتسفك الدماء وتظلم وكذا وفي النهاية يقول لك أنا عبد مأمور  أنا أنفذ الأوامر. (خليه ينفعك يوم يقف العباد بين يدي الله.                     “وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا”).

إذا يا إخواني، فالفهم في دين الله يحتاج ألا يكون فهما مستقلا عن علمائنا من أهل التخصص وألا يكون فهما مصادما للنصوص.

أن آتي بآية وأصادمها بحديث أو آية وأصادمها بآية أخرى أو قول أحد العلماء أو ما شابه ذلك ثم تقول هذا هو الدين. لا يا أخي خرج الدين كله من مشكاة واحدة من مصدر واحد لا تصادم ولا تضاد.

المشكلة في عقلي أنا في قصور فهمي أنا…. لكن إذا كنت تريد أن تحمل الناس على شيء فهذا خطؤك أنت.

عبد الله بن عباس مع الخوارج :

أختم بقصة أخرى لسيدنا عبد الله بن عباس مع الخوارج. الخوارج في سطر واحد يعني أيام الفتنة نتج على أثرها الخوارج خرجوا على سيدنا علي وقالوا أنه ليس أمير المؤمنين هو أمير الكافرين إلى غير ذلك…. وكانوا ستة آلاف رجل.

عرض ابن عباس وهو حبر الأمة وابن عم رسول الله أن يذهب إليهم ليحاججهم (يعني يحاورهم في سبيل أن يهتدوا)

فذهب إليهم رضوان الله عليه وقال ما نقمتم على ابن عم رسول الله وصهره؟

قالوا ثلاثة أشياء. ما هي ؟

قالوا نزع نفسه من إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين.

الثانية أنه حكم الرجال ولا حكم إلا لله.

الثالثة أنه قاتل فلم يأسر ولم يسبي (السبايا :الأسرى من النّساء أو الرّجال الذين يَقعون في الأسر بعد انتهاء المعركة )

(طبعا الثلاثة مستندين فيها إلى أدلة شرعية قال الله قال رسوله)

قال أرأيتم إن حاججتكم أترجعون عما أنتم فيه؟ قالوا بلى.

قال أما الأولى نزع نفسه من إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين فإن رسول الله قد فعلها من قبله لما كان في صلح الحديبية وكان الكاتب عليا قال له رسول الله أكتب (بسم الله الرحمن الرحيم ) وثيقة الصلح  فقال سهيل -وكان سفير قريش وقتها – قال لا ندري (ما الرحمن ولا الرحيم ) بل اكتب ما نعرف: (باسمك اللهم) قال امحها يا علي. محاها وكتب باسمك اللهم. ….. هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.

قال سهيل: ما نعترف أنك رسول الله. لو أنك رسول الله لاتبعناك. قال امحها يا علي. امسح كلمة رسول الله.

قال والله لا أمحها فإني لأعلم أنك رسول الله.

قال أرينيها (النبي كان أميا صلى الله عليه وسلم) فأراها علي للنبي فمحاها بيده. قال وهو هو رسول الله. يعني الأمر لم يتغير. خرجتم من هذه؟ قالوا خرجنا.

قال أما الثانية ( حكم الرجال ولا حكم إلا لله ) فإن الله عزوجل أمر من قتل أرنبا بربع دينار (هذا في الحج والعمرة حرام على المحرم أن يصطاد أي شيء بري. فمن ضمن الأشياء التي كانوا يصطادوها الغزلان، الأرانب البرية، إلى آخره) فرب العزة قال: “…وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ…” يرى ما يساويها من الأنعام كالبقر والغنم إلى آخره. “…يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ …” قال أيحكم الله الرجال في أرنب بربع دينار ولا يحكم الرجال في حقن الدماء؟…..

 وقال تعالى في شأن الزوجين: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ …”. فهل يحكم في نزاع بين الزوجين الرجال ولا يحكموا في حقن الدماء؟

فنظر بعضهم إلى بعض. قال خرجتم منها؟ قالوا خرجنا.

قال: أما الثالثة (فإنه قاتل ولم يأسر ولم يسبي) يعني لم يأخذ أسرى . قال ما تقولون في عائشة؟ قالوا زوج نبينا أم المؤمنين. قال أيسركم أن تعامل عائشة بمثل ما يعامل غيرها؟ لو قلتم ذلك لكفرتم ولو ادعيتم أنها ليست أمكم لكذبتم بالقرآن. قال تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ …”. خرجتم من هذه؟

قالوا خرجنا.

قال سبحان الله فالتفت بعضهم إلى بعض فخرج منهم ألفان وبقي أربعة آلاف.

إذا المسألة التي أريد أن أسوقها بين يدي الحديث: لا تنخدع بكل من قال لك قال الله قال رسول الله. نعم قال الله صدق الله العظيم، صدق رسول الله. لكن ما هو فهم العلماء لهذا النص ولهذه الآية؟ ما هي دلالة الحديث؟ هل هذا الأمر أمر وجوب أم أمر استحباب؟ هل هذا نهي بالتحريم أم بالكراهة أم بمخالفة الأولى أم بالإباحة؟…

إخواني لقاؤنا في نقاط:

النقطة الأولى: الله تعالى خلقنا متفاوتين في الإدراك، في الوعي، في الفهم، في العقل.

هذه سنة الله في الخلق ليتكامل بعضه مع بعض. “…وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ …” سخريا هنا من السخرة وهي الخدمة حتى تدور عجلة الحياة.

الأمر الثاني يا إخواني أنه لا ينبغي أبدا اجتزاء نص يخالف ما عليه علماؤنا قرونا طويلة أو أنك تصادم نصوص شرعية ببعضها أو أنك تفهم فهما جديدا خاصا غاب عن آلاف العلماء أجيال طويلة متقادمة وجئت به أنت. طبعا أقصد من يتكلم و يتصدى لتحريف الدين أو إعادة فهم النص.

ثالثا يا إخواني: الحق لا يعرف بالرجال إنما إعرف الحق تعرف أهله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا نور البصر والبصيرة وأن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن يتفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

سبحان الله خلق الله الأنثى وخلق معها الرحمة

حدث  في سلطنة عمان : إمرأة حامل بتوأم ذكر وأنثى وكان الذكر يعاني من مشاكل تم إخبار والديه باحتمال وفاته قبل أو بعد الولادة إلا أن آلام المخاض تأخرت ولم يكن لدى الطبيب حل سواء تحويل الأم للعملية القيصرية لتأخر الولادة وعند إجراء العملية وإخراج التوأم تبين للطاقم الطبي سبب تأخر الولادة ولكن في مشهد أبهر الاطباء وحيرهم

تاريخ الإضافة : 2 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 419 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 186
  • 115
  • 1٬164
  • 787
  • 42٬746
  • 190٬167