النية والإخلاص والتحذير من الرياء

تاريخ الإضافة 3 ديسمبر, 2018 الزيارات : 2998

معنى الإخلاص 

الإخلاص: عمل من أعمال القلوب، بل هو في مقدمة الأعمال القلبية، لأن قبول الأعمال لا يتم إلا به.

والمقصود بالإخلاص: إرادة وجه الله تعالى بالعمل، وتصفيته من كل شوب ذاتي أو دنيوي.

 فلا ينبعث للعمل إلا لله تعالى والدار الآخرة، ولا يمازج عمله ما يشوبه من الرغبات العاجلة للنفس، الظاهرة أو الخفية، من إرادة مغنم، أو شهوة، أو منصب، أو مال، أو شهرة، أو منزلة في قلوب الخلق، أو طلب مدحهم، أو الهرب من ذمهم، أو إرضاء لعامة، أو مجاملة لخاصة، أو شفاء لحقد كامن، أو استجابة لحسد خفي، أو لكبر مستكن، أو لغير ذلك من العلل والأهواء والشوائب.

النية والإخلاص

لا يتحقق الإخلاص في العمل إلا بعنصرين أساسيين:

الأول: استحضار النية فيه، فإنما الأعمال بالنيات، ومن أدى العمل أداء آليا، بغير نية لم يدخل في زمرة المخلصين.

والثاني: تجريدها من الشوائب الذاتية والدنيوية، حتى تخلص لله سبحانه.

الإخلاص من ثمرات التوحيد الخالص

والإخلاص: ثمرة من ثمرات “التوحيد” الكامل لله تبارك وتعالى، الذي هو إفراد الله عز وجل بالعبادة والاستعانة، والذي يعبر عنه قوله سبحانه في فاتحة الكتاب وأم القرآن: (إياك نعبد وإياك نستعين).

والذي يناجي به المسلم ربه في صلواته كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة.

وبهذا الإخلاص المتجرد: يتخلص من كل رق، ويتحرر من كل عبودية لغير الله: عبودية الدينار، والدرهم، والمرأة والكأس، والزينة والمظهر، والجاه والمنصب، وسلطان الغريزة والعادة، وكل ألوان العبودية للدنيا التي استسلم لها الناس، ويكون كما أمر الله رسوله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).

حديث القرآن عن النية :

والقرآن يعبر عن هذه النية المشروطة بعبارات مختلفة مثل: إرادة الآخرة، أو إرادة وجه الله، أو ابتغاء وجهه، أو ابتغاء مرضاته.

يقول تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).

(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها).

(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون).

فهؤلاء هم عبيد الدنيا، الذين جعلوا لها كل إرادتهم وسعيهم.

(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).

قسمت الآيتان الناس إلى قسمين: مريد العاجلة، وهي الدنيا، بمعنى أنه ليس له هدف سواها، ومصيره ما ذكرت الآية: جهنم، ومريد الآخرة، الذي جعلها هدفه، وسعى لها سعيها، فمصيره ما ذكرت الآية.

الجزاء إذن مرتب على “الإرادة” و”المراد”، فخبرني: ما مرادك وقصدك؟ أخبرك: ما مصيرك وجزاؤك!

وهذا المعنى تكرر في القرآن: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب).

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).

(وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون).

(وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى).

(وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).

(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله).. الآية.

(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).

وأود أن أنبه هنا: أنه لا تعارض بين إرادة الله تعالى وإرادة الآخرة، بل لا ثنائية، فلا معنى لتعليق من علق على قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) بقوله: فأين من يريد الله؟ لأن الذين يريدون الآخرة ما أرادوا إلا الله، فإرادة الآخرة تعني: إرادة مثوبته ورضوانه، ورجاء ما عنده سبحانه.

ولا يعاب المخلص بأنه يرجو الجنة ويخاف النار، فقد وصف القرآن الأنبياء والصالحين بالرجاء والخوف، والرغب والرهب، وليس بعد القرآن بيان.

والجنة ليست دار النعيم الحسي فحسب، بل هي دار الرضوان الأكبر، والتنعم بالنظر إلى وجه الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) فأما الكفار فإنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، وهذا الحجاب هو أقسى العذاب.

النية في السنة

أما السنة فقد ورد فيها الكثير في فضل النية والإخلاص، أذكر منها بعض الأحاديث :

1-  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا  : “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” (رواه البخاري ومسلم.

2-  وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر” رواه البخاري، وأبو داود، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم” قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: “حبسهم المرض”.

3-  وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم” رواه مسلم.

4-  وعن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه ” قال: “ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر”

“وأحدثكم حديثا فاحفظوه” قال: “إنما الدنيا لأربعة نفر:

عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل،

وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعلمت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء،

وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل،

 وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء” (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

5-  وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله عز وجل: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها اكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، إلى سبعمائة” (رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم).

6-  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: “قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأتى (أي في المنام) فقيل له: أما صدقتك على سارق: فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية، فلعلها أنت تستعف من زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر، فينفق مما أعطاه الله” (رواه البخاري ـ واللفظ له ـ ومسلم والنسائي)، وقالا فيه: “أما صدقتك فقد تقبلت”

النية والإخلاص في كلام السلف

وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد على من نيتي، لأنها تنقلب علي.

وقال زبيد اليامي: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام والشراب.

وقال عبدالله بن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.

سئل أحد الربانيين، وهو سهل بن عبدالله التستري: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب.

وقال غيره: تخليص النيات أشد على العاملين من جميع الأعمال.

وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا والإخلاص، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فكأنه ينبت فيه على لون آخر.

بل بالغ بعضهم فقال: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى!!

وكان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.

وكان من دعاء مطرف بن عبدالله: اللهم إني استغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه. واستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أفِ لك به. واستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت!

وقال سهل بن عبدالله: لا يعرف الرياء إلا مخلص.

و كتب سالم بن عبدالله إلى عمر بن عبد العزيز ناصحا له، فقال: اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله له، ومن نقصت نيته نقص قدره.

حقيقة النية

دلت الآيات و الأحاديث السابقة وغيرها على قيمة النية وأهميتها في الدين، ولكن ما هي النية ؟

النية هي قصد الشيء مقترنا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم.

فالنية تتمثل في الإرادة المتوجهة نحو الفعل، خيرا كان أم شرا، واجبا أو مستحبا، أو محظورا، أو مكروها، أو مباحا، ولهذا تكون أحيانا نية صالحة محمودة، وأحيانا نية سيئة مذمومة، حسب المنوى: أي شيء هو؟ وحسب المحرك الباعث: أهو الدنيا أم الآخرة؟ أهو وجه الله أم وجوده الناس؟

وليست النية إذن مجرد خاطرة تطرأ على القلب لحظة ثم لا تلبث أن تزول، فلا ثبات لها، يقول صلى الله عليه وسلم: “إن الله عفا عن أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل به، أو تتكلم به”

وعلى هذا الأساس رأينا في الحديث: الفقير الذي لا مال له، يحصل ـ ببصيرته وصدق نيته ـ أجر الغنى الذي أنفق وتصدق في سبيل الله، قال: “فهما في الأجر سواء”.

ورأينا في مقابله: الفقير الذي عاش حياته في الفقر والبؤس، يحصل ـ بغبائه وسوء نيته ـ وزر الغني الذي أنفق ماله في الشهوات ومعصية الله.

النية محلها القلب

وهذه النية عمل قلبي خالص، وليست من أعمال اللسان، ولذا لم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن تابعيهم بإحسان من سلف الأمة: التلفظ بالنية في العبادات، مثل الصلاة والصيام والغسل والوضوء، ونحوها، وهو ما نرى بعض الناس يجهدون أنفسهم في الإتيان به، مثل قولهم: نويت رفع الحدث الأصغر أو الأكبر، أو نويت صلاة الظهر أو العصر أربع ركعات على لله العظيم، أو نويت الصيام غدا في شهر رمضان.. الخ، وكل هذا لم يأت به قرآن ولا سنة.

 ولا معنى له، إذ لا يقول الإنسان إذا أراد الذهاب إلى السوق: نويت الذهاب إلى السوق، أو إذا نوى السفر: نويت السفر!

تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته

ومن تأثير النية في الأعمال: أن العمل الواحد يتنوع حكمه الشرعي، تبعا لنية صاحبه ؛ فيصير بها تارة حراما، وتارة حلالا، وصورته واحدة، كالذبح مثلا، فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لأجل الله، ويحرمه إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة.

ومن ذلك: عصر العنب بنية أن يكون خمرا معصية، ملعون فاعله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصره بنية أن يكون خلا أو عصير جائز وصورة الفعل واحدة.

وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق فيكون ما نواه، وينوي به غيره فلا تطلق.

وكذلك قوله “أنت عندي مثل أمي” ينوي به الظهار فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه.

أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره، فإن القربات كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو دخل الحمام للتنظيف، أو سبح للتبرد، لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، وإنما لكل امرئ ما نوى.

ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة.

وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب،

فلو أكل طعاما حراما يظنه حلالا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلال يظنه حراما وقد أقدم عليه أثم بنيته.

فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.

فبين في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية.

ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والإيمان والنذور وسائر العقود والأفعال.

أثر النية في المباحات والعادات

ومن أهم ما تؤثر فيه النية: المباحات والعادات، فإنها تتحول بالنية إلى عبادات وقربات، فالعمل لكسب الرزق في زراعة أو صناعة أو تجارة أو حرفة أو وظيفة، يغدو عبادة وجهادا في سبيل الله، إذا كان عمله ليعف نفسه عن الحرام، ويغنيها بالحلال.

والأكل والشرب واللبس والتجمل كذلك، إذا كان يستعين بذلك على طاعة الله، وأداء واجبه نحو ربه وأهله وأمته، وإظهارا لنعمة الله عليه، ففي الحديث: “إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”.

وفي حديث سعد بن أبي وقاص: أن المؤمن يؤجر في كل عمل يبتغي به وجه الله، حتى في اللقمة يرفعها إلى فم امرأته.

وأعجب من ذلك: أن شهوة الجنس إذا قضاها المؤمن في الحلال، كان له فيها أجر ومثوبة عند الله، وفي هذا جاء الحديث الصحيح: “وفي بضع أحدكم صدقة” قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر”.

النية لا تؤثر في الحرام

وإذا كان هذا هو تأثير النية في كل تلك المجالات، فمن المتفق عليه أنها لا تؤثر في الحرام، فحسن النية، وشرف القصد، لا يحيل الحرام حلالا، ولا ينزع منه صفة الخبث التي هي أساس تحريمه.

فمن أكل الربا، أو اغتصب مالا، أو اكتسبه بأي طريق محظور، بنية أن يبني به مسجدا أو ينشئ دارا لكفالة اليتامى، أو يؤسس مدرسة لتحفيظ القرآن، أو ليتصدق بهذا المال الحرام على الفقراء وأهل الحاجة، أو غير ذلك من وجوه الخير، فإن هذه النية الطيبة لا أثر لها، ولن تخفف عنه وزر الحرام، فقد أكدت الأحاديث الصحيحة: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا”.

وفي حديث ابن مسعود: “إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث”.

والحرام لا تطهره الصدقة ببعضه، بل لابد من الخروج عنه كله، ثم إن المال الحرام ليس مملوكا لحائزه حتى يجوز له التصدق منه، بل هو مملوك لصاحبه الأصلي، فلا يقبل منه إلا أن يرده إليه أو إلى ورثته.

وبهذا يتبين لنا أن الإسلام يرفض مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، ولا يقبل إلا الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة، فلابد من شرف الغاية وطهارة الوسيلة معا.

إخلاص النية أساس القبول

ولابد من استحضار النية من تجريدها من كل الشوائب والرغبات الذاتية والدنيوية، وإخلاصها لله تعالى في كل عمل من أعمال الآخرة، حتى يجوز القبول عند الله.

ذلك أن لكل عمل صالح ركنين لا يقبل عند الله إلا بهما:

أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.

وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.

وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”، فهذا هو ميزان الباطن.

وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد” أي مردود على صاحبه، وهذا ميزان الظاهر.

وقد جمع الله الركنين في أكثر من آية في كتابه، فقال تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن).

وإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له.. والإحسان فيه: أداؤه على الصورة المرضية شرعا، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. ومفهوم هذا: أن كل قتال آخر ليس في سبيل الله.

وقال الفضيل بن عياض: “إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة .. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد).

ومما روى عن ابن مسعود: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا مما وافق السنة.

نعلم مما تقدم أن إخلاص النية لا يكفي وحده لقبول العمل، ما لم يكن موافقا لما جاء به الشرع وصحت به السنة، كما أن ورود الشرع بالعمل لا يرقى به إلى درجة القبول ما لم يتحقق فيه الإخلاص، وتجريد النية لله عز وجل، وأي عمل من أعمال الآخرة فقد الإخلاص، فلا قيمة له في ميزان الحق.

بدون الإخلاص إذن لا يقبل عمل مهما يكن ظاهره الخير والصلاح.

التحذير من الرياء

 الرياء من معاصي القلوب الشديدة الخطر على النفس وعلى العمل، وهو من الكبائر الموبقة، ولهذا اشتد الوعيد عليه في القرآن والحديث.

يقول تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء مما كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين).

وقال في سورة أخرى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا).

وأما المنافقون فقد قال تعالى في شأنهم: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا).

وقال تعالى: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون) فتوعدهم الله تعالى بالويل، وهو الهلاك والعذاب.

وأما الأحاديث فكثيرة منها :

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتى به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: قاتلت فيك حتى استشهدت.

قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار،

 ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن.

قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار،

ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها؟

قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار” رواه مسلم.

ولما بلغ معاوية هذا الحديث، بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله. قال الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار).

وقد يسأل بعض الناس: لماذا هذا العذاب والوعيد الذي يتطاير شرره، وقد فعل الخير؟

والجواب: أن الإسلام يهتم بالباعث على العمل أكثر من العمل نفسه، وقد علم بالفطرة أن التزوير من الإنسان على إنسان مثله من شر الرذائل، وأبشع الجرائم، فإذا كان التزوير من المخلوق على خالقه، فالجريمة أبشع وأشنع، وهذا هو عمل المرائي، يعمل لوجه الناس، وهو يريهم أنه يريد الله، كذبا وزورا، فلا غرو أن يفضحه الله يوم تبلى السرائر، وأن يسحب على وجهه إلى النار!

وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب” رواه أحمد

وعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من سمع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به” رواه البخاري ومسلم.

“سمع” ـ بتشديد الميم ـ ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأشهاد.

وعن محمود بن لبيد قال: خرج النبي عليه الصلاة والسلام فقال: “يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر” قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: “يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر” رواه ابن خزيمة في صحيحه.

وعن أبي هريرة أن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: “قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك” رواه ابن ماجة .

وللموضوع بقية أن شاء الله.

ملحوظة : هذا الموضوع مقتبس من كتاب النية والإخلاص

للشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله – مع تصرف واختصار –


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الوصية بين الفقه الإسلامي والقوانين في الغرب

في يوم الجمعة الماضياستضاف مسجدنا أحد الإخوة المحامين لعمل ندوة (عن الوصية في القانون الكندي) ونظرا لأهمية ماجاء فيها وتغيب الكثير من الإخوة عن الحضور ؛ فإني أخصص خطبة هذا الأسبوع للحديث عن هذا الموضوع أولا /الوصية في الفقه الإسلامي  : الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع . حكمتها : الوصية قربة

تاريخ الإضافة : 29 نوفمبر, 2018 عدد الزوار : 1591 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 373
  • 0
  • 1٬889
  • 0