فيضانات مونتريال … تأمل وعبرة !!

تاريخ الإضافة 11 مايو, 2017 الزيارات : 135

في يوم الأحد الماضي الموافق 7 مايو 2017  أغرق ماء الفيضانات أحياء بكاملها بمقاطعة كيبك  ، واجتاحت المياه أكثر من ألفي منزل في 12618401990_1293074664104407_3807699936180902578_o (Copy) بلدية منكوبة في المقاطعة، خاصة بلافال ومونتريال حيث ارتفع الماء في النهر في شارع كوزينو وفي الويست آيلاند في بيرفون وجوان ومنطقة البيزار بمونتريال وغرقت الكثير من البيوت وأخرجوا منها سكانها في الصباح الباكر إلى الفنادق .

وقفات إيمانية

إن هذا الحدث الهائل وما خلفه يحتاج منا أن نقف عنده وقفات إيمانية نستلهم العبر والدروس مما حدث ،والتفسير العلمي للظواهر الكونية لا ينفي التفسير الإيماني لها، بل يزيده عمقا وتجليا للعيان ، وما ينبغي لمسلم أن يدع آية من هذه الآيات الكونية تمر عليه دون أن يتدبرها، ويقف على موضع العبرة والموعظة منها، وقد نعى الله على المشركين الذين يعرضون عن هذه الآيات ولا ينتفعون بها، فقال تعالى:” وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

الوقفة الأولى: ضعف الإنسان أمام قدرة الله جل وعلا:

لا إله إلا الله ، يجب أن يدرك الإنسان حقيقة حجمه في هذا الكون؛ لقد اغتر الإنسان في هذا العصر بما عنده من العلم والقدرة، وظن أن لن يقدر عليه أحد، وتوهم أنه سيطر على الأرض وامتلك مقاليدها … غره علمه، وغرته قوته، وغرته سطوته … فأراد الله أن يعلمه الدرس وأن يبصره بحقيقته ؛ فهو لا يقدر على منع الفيضانات والسيول ولا الأعاصير ولا الزلازل والبراكين على الرغم مما بلغه من علم وتقدم .
قال تعالى( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس٢٤

سبحان الله! مياه تتدفق من كل مكان ، لا حواجز توقفها ، ولا جدران تصدها ؛ فما حدث يدل دلالة قاطعة على ضعف الإنسان ، و افتقاره الذاتي إلى ربه ، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وقال تعالىوَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ في ٱلأرْضِ وَلاَ في ٱلسَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ ) العنكبوت22

فهذه الكوارث والمحن  والآيات من سنن الله تعالى في الكون، وهي من آيات الله ، ودليل من أوضح الدلالات على قدرته وقوته وعظيم جبروته ، وضعف أهل الأرض مهما أوتوا من قوة.

 الوقفة الثانية : الماء من جنود الله

نعم الماء من جند الله ، فهو يجري بأمره ويسير بإذنه، فهو مسخَّر مأمور، ليس له غدو ولا رواح، ولا مجيء ولا ذهاب إلا بإذن ربِّه .

والماء قد يكون رحمة ونعمة أو عذاب ونقمة :

عندما يكون الماء نعمة : الماء نعمةٌ من الله جليلة، وهبةٌ من الخالق جميلة؛ ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ [الواقعة: 68، 69].
الماء أغْلى مفقودٍ، وأرْخصُ موجود، إذا عدم أو غار أو عجز الخلْق عن طلَبِه، فقدَتِ الأرْضُ نضارَتَها، وعدمتْ ثِمارَها، وهلكتْ ماشيتُها، وأصبح لونُها شاحبًا: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس: 24]، فإذا عاد إليها اهتزَّت وربتْ وأنبتت من كلِّ زوْجٍ بهيج ويقول الحقُّ تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ [الملك: 30].

 الماء جعله الحيُّ الرزَّاق للأرض حياةً، ولعبادِه بركةً ورحْمة، وللأنْعام رِزْقًا؛ ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ [ق: 9]، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ [السجدة: 27].

وقد يكون نقمة :
 فالماء جنديٌّ من جُنود الله، وقد أغرقَ الله – جلَّ وعلا – بِهذا المطر أقوامًا فسَقوا وظلَموا، فكان عاقبتهم أن سلَّط الله عليْهِم هذا الجنديَّ، فأغرقَهُم ومزَّقهم كلَّ ممزَّق؛ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 9-16].

إنَّه الماء الذي طغَى ليُهْلِك كلَّ طاغيةٍ، فأغرق فِرعون وأذلَّه، وأخذه وجيْشَه؛ ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ [الذاريات: 40]، ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات: 25]، شتَّت ملكَه وأبْقى أثَرَه؛ ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: 92].

إذن فهطول الأمْطار ونزولَ الماء رحمةٌ من والله، وبركةٌ على خلقه، وربَّما يكون عقابًا وعذابًا لآخَرين، ولعلَّ هذا السرُّ في أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا تغيَّر لونُه، وعُرِفَ ذلك في وجهِه، فقالت له عائشة – رضي الله عنها -: الناسُ إذا رأَوُا الغيم فرِحوا رجاءَ أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عرفت في وجهك الكراهية! فقال: (يا عائشة، ما يؤمنني أن يكونَ فيه عذاب! قد عُذِّب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارض مُمطِرنا) رواه البخاري ومسلم.

وعن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة زوْج النبي – صلى الله عليه وسلم – أنَّها قالت: كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – إذا عصفتِ الريح قال: (اللَّهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسِلت به)، قالت: وإذا تخيلت السماء – يعني تغيَّمت وتهيأت للمطر – تغيَّر لونُه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرِّيَ عنْه، فعرفتُ ذلك في وجْهه، قالتْ عائشة: فسألتُه فقال: (لعله – يا عائشة – كما قال قومُ عاد: فلمَّا رأوْهُ عارضًا مستقْبِل أوديتِهم قالوا هذا عارضٌ مُمْطِرنا) رواه مسلم.

هكذا كان سيدُ الخلق وأعرفُ الخلق بالله، فما بالُنا نحن نغفل عن هذا؟!

 

الوقفة الثالثة / قدرة الله لا غضب الطبيعة
عندما يعلق كثير من الصحافيين والإعلاميين يقولون غضب الطبيعة  !!!

ونحن نقول لهؤلاء كون الفيضانات تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله سبحانه على العباد ، فهو مسبب الأسباب وخالق السبب والمسبب (ٱللَّهُ خَـاٰلِقُ كُـلّ شيء وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شيء وَكِيلٌ) الزمر62 ، وكل شيء مسخر بأمره ….. فإذا قال لها أمطري أمطرت ، و إذا أمر الماء اجتمع و سال فالتقى الماء على أمر قد قدر ، والضر والنفع بيده سبحانه .

فنحن المسلمين نعتقد اعتقاداً جازماً أنه ما من ذرة في هذا الكون ، من عرشه إلى فرشه ، إلا وهي في قبضة الله ، لا يقع شيء في الكون إلا بعلمه وبأمره ، وتحت سمعه وبصره ؛ لا تسقط ورقة من شجرة في بقعة من بقاع الأرض كلها إلا بعلم الله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }[الأنعام/59]  .

ولنتدبر قول الله{وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} الرعد/11 ، اللهم اصرف عنا السوء .

الوقفة الرابعة / وَمَا نُرْسِل بِالْآياتِ إِلا تَخْوِيفاً
يقول الله تعالى: ( وَمَا نُرْسِل بِالْآياتِ إِلا تَخْوِيفاً ) الإسراء : 59
والمعنى :إن الله تعالى يخوف الناس بما يشاء من الآيات لعلهم يعتبرون.
نعم هذه الفيضانات والزلازل والبراكين آيات يخوف الله بها عباده، والأصل في المؤمن أن يكون مرهف الحس لمثل هذه الأحوال ، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا هبت الريح الشديدة عرف ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم ، فيُقبل ويدبر ويدخل البيت ويخرج ، فتقول عائشة مالك يا رسول الله . فيقول : ما يؤمنني أن يكون عذاباً إن قوماً رأوا ذلك فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا . فقال الله : ( بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم )حتى إذا نزل المطر سُرِّي عنه صلى الله عليه وسلم .
بمثل هذه النفوس العارفة بالله نتعامل مع الأحداث تعاملاً يثمر حياة القلوب ورقتها .

 وعن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ( زلزلت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس ما هذا ؟! ما أسرع ما أحدثتم – يعني من العصيان والمخالفة – لئن عادت لا تجدونني فيها ). رواه أحمد
ووقعت رجفة في عهد عمر بن عبد العزيز فكتب إلى أهل البلدان:” إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به عباده، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى).

الوقفة الخامسة / التوبة والرجوع إلى الله :

قال تعالي ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) الأنعام/43 أي هلا تضرعوا ؛ وهذا عتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب .
 قال ابن القيم رحمه الله : ” فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه , ولا يحب التجلد عليه , وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه , وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره , فاحذر كل الحذر من إظهار التجلد عليه , وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف , فرحمته اقرب إلى هذا القلب من اليد للفم ” . من كتاب الروح 1/259

 

إن التفكر والاعتبار والانتفاع بالمواعظ من صفات المؤمنين قال الله تعالى: {سيذكر من يخشى}.

لما حدثت الفيضانات في يوم الأحد الماضي هنا في مونتريال ورأينا التحذيرات من خطرها أصابنا جميعا القلق والأرق ، وتحركت مع تحرُّك الفيضانات القلوب، تحركت القلوب؛ شفقة وخوفًا وتهيُّبًا من هذا الحدث وفزعًا، وكان لسان حالنا (اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ) وبعد زوال الخطر وانتهائه ينبغي ألا ننسى سريعا بل ينبغي أن يكون هذا الموقف أمرا يدفع المؤمن إلى توبة نصوح، وإقبال صادق على الله – جلّ وعلا .

 فلنتضرع إلى الله العلي الأعلى أن يصرف الله عنا السوء وأن يعافينا من كل بلاء  ، وأن يجعل عاقبة أمرنا رشدا .

منازل غمرتها مياه الفيضاناتمنازل غمرتها مياه الفيضانات
منزل غمرته المياه فى كندامنزل غمرته المياه فى كندا
منزل وسط مياه الفيضاناتمنزل وسط مياه الفيضانات
جنود كنديون يضعون أكياس الرمال أمام منزل غمرته المياهجنود كنديون يضعون أكياس الرمال أمام منزل غمرته المياه
رجل يمشى وسط مياه الفيضاناترجل يمشى وسط مياه الفيضانات
رئيس وزراء كندا يساعد المواطنين فى تعبئة الرمالرئيس وزراء كندا يساعد المواطنين فى تعبئة الرمال
عمال يتحققون من منازل تم إجلاؤهاعمال يتحققون من منازل تم إجلاؤها
فيضانات تجتاح كيبيكفيضانات تجتاح كيبيك


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة إسلام عم فرانك الكندي 76 سنة

قصة إسلام عم فرانك الكندي 76 سنة عم فرانك صديقي(عم فرانك ) هكذا نناديه  …. إنه رجل تجاوز الثمانين من عمره وهو والله آية من آيات الله علي الأرض و كأنه رجل ليس من أهل هذا الزمان ، اسلم و هو في السادسة والسبعين من عمره و هو الان في الحادية والثمانين ، ثري جداً له

تاريخ الإضافة : 10 يوليو, 2017 عدد الزوار : 906 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 0
  • 415
  • 260
  • 995
  • 461
  • 26٬120
  • 121٬848