العفة من محاسن الأخلاق

تاريخ الإضافة 2 سبتمبر, 2017 الزيارات : 107

معنى العفة

العفة تعني البعد عما حرم الله من الأقوال والأفعال، وكذلك البعد عن فعل ما يخرم المروءة، وعما ينبغي أن يتنزه عن فعله أمام الناس مما لم يرد نصاً بتحريمه، وكذلك الزهد عما في أيدي الناس من حطام الدنيا، وعدم التطلع إلى ذلك.

الترغيب في العفة

أولًا: في القرآن الكريم

1- قال سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: 33].

أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: يوسع عليهم من رزقه


2-وقال سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم [البقرة: 273].

أي: من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك يقال: عفَّ عن الشيء إذا كف عنه، وتعفف إذا تكلف في الإمساك.

تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ : السمة: العلامة التي يعرف بها الشيء، هي التخشع والتواضع، أو أثر الجهد من الحاجة والفقر.

3- وقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء:6].

أي: من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئًا.

ثانيا: في السنة النبوية

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) رواه الترمذي .أي العفة من الزنا بالزواج .

2-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم. حتى إذا نفد ما عنده. قال: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم . ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله. ومن يصبر يصبره الله. وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر) رواه البخاري ومسلم.

3-وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم

أقسام العفة

أولا / العفة عن المحارم، مثل كف اللسان عن الأعراض ، وحفظ الفرج عن الحرام :
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فالمسلم يعف جوارحه كلها فيعف لسانه
عن الفحش والكذب والغيبة والنميمة والجدال ،ولغو الكلام ، ويعف يده عن أذى الناس أو أن تمتد بالسرقة ، ويعف رجله فلا يسعى بها إلى محرم أو أماكن الشبهات ،  وعينه بغض البصر وأذنه بكف السمع عن الإصغاء لكل ما هو حرام وفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته .

  قال ابن القيم رحمه الله: ولا يكون الإنسان تام العفة حتى يكون عفيف اللسان والسمع والبصر -الجوارح- فعفة اللسان تشمل عدم السخرية: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11]، وعفة اللسان تشمل: عدم التجسس، وعدم الغيبة، والنميمة، والهمز، والتنابز بالألقاب. وعفة البصر تشمل: عدم مد البصر إلى المحارم، وزينة الحياة الدنيا. وعفة السمع تشمل: عدم سماع كل ما هو قبيح ومحرم من المسموعات.

عفة يوسف عليه السلام

أخبر الله سبحانه عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله، فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي هاهنا في غاية القوة.

وذلك من وجوه:

أحدها: ما ركَّبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة.

الثاني: أنَّ يوسف عليه السلام كان شابًّا، عزبا ، وشهوة الشباب الأعزب أقوى.

الثالث:أنَّه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.

الرابع: أنَّه كان في بلاد غربة، يتأتَّى للغريب فيها ما لا يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه.

الخامس: أنَّ المرأة كانت ذات منصب وجمال ، وهي التي طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب، وذلَّ الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.

ومع هذه الدواعي كلها آثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنى: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأنَّ ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن؛ صبا إليهنَّ بطبعه (البشري)، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.

قصة إبراهيم المسكي

قيل لأبي بكر المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام، فما سببه؟

فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت عليّ حتى أدخلتني دارها، وأغلقت دوني الأبواب، وراودتني عن نفسي، فتحيرت في أمري، فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة، فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة(الحمام)، ففعلت.

فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة، وألقيتها على جسمي، ثم رجعت إليها، وأنا على تلك الحالة، فلما رأتني دهشت، ثم أمرت بإخراجي فمضيت واغتسلت.

فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلا يقول لي: “فعلت ما لم يفعله أحد غيرك، لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة” فأصبحت والمسك يفوح مني، واستمر ذلك إلى الآن.

عفة اللسان

قال سفيان بن حسين الواسطي: ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: السند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال: فلم أعد بعدها (يعني لم يذكر أحدا بعد ذلك بعيب).

وقال أحد السلف لما أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له: ما يسؤك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك، فقيل له: فلم طلقتها؟ قال: مالي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني؟!

ومنها عفة عمر – رضي الله عنه: لمّا فتح المسلمون القادسيّة أخذوا الغنائم ودفعوها إلى عمر. فقال: «إنّ قوما أدّوا هذا لأمناء، فقالوا له: عففت فعفّوا ولو رتعت يا أمير المؤمنين لرتعت أمّتك»(  الورع لابن أبي الدنيا )

ثانيا / العفة عما في أيدي الناس:

وهي أن يعفَّ عما في أيدي الناس، ويترك مسألتهم، قال تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم : {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (131) سورة طـه.

وجاء في الحديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لما سأله سائل عن عمل إذا فعله أحبه الناس، قال له: (وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).

وثبت من حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى. واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة).

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة ؟ فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا  .

عفة حكيم بن حزام رضي الله عنه:-

عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل، ولا يشبع ، اليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا.

فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وقوله : ” يَرْزَأُ ” :  – مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا .

وقال الحسن: “لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تتطلع إلى ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك”.

 وقال أيوب السختياني: “لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم”.

 قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم.

 عفة سالم بن عبد الله بن عمر:

قال ابن عيينة: (دخل هشام الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال: سلني حاجة. قال: إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره. فلما خرجا، قال: الآن فسلني حاجة. فقال له سالم: من حوائج الدنيا، أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟).

فعلى المسلم أن يكون عزيز النفس، غنياً بالله، وبما عند الله، وأن يزهد عما في أيدي الناس، وأن لا يتطلع إلى ذلك، فما جاءه من غير استشراف ولا تطلع، ولا سؤال فلا بأس عليه أن يأخذه،  فقد جاء عن عمر -رضي الله عنه-: أنه أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عطاءه، فقال: يا رسول الله! أعطه من هو أحوج إليه مني. -أي: أنا في غنىً عن هذا والمحتاجون كثير-، فقال: (يا عمر! ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ إليه فخذه، فإن شئت تمولته، وإن شئت تصدقت به) رواه النسائي، وصححه الألباني.

أي: فأنت تملكه وليس عليك في ذلك شيء؛ لأنه جاءك من غير مسألة.

ثالثا / العفة عما فيه شبهة أو شك :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كخ كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)

وعنه أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأنقلب إلى أهلي؛ فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)

وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما جاءه غلامه بطعام أكل منه، فقال له الغلام: هل تعلم من أين هذا الطعام؟ هذا طعام تكهنت لواحد في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، فخدعته -كهانة وخدعة-، وأعطاني مالاً، فاشتريت به طعاماً، فهذا هو، فوضع  أبو بكر أصبعه في فيه، فقاء كل ما في بطنه رضي الله عنه، رضي الله عنه قاء كل ما في بطنه.

وقال الحسن رحمه الله: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.

وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال، حاجزاً من الحلال بينه وبين الحرام.

 
اللهم ارزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

هل تصح قصة عبد الله يرث وعبد الله لا يرث

هل تصح قصة عبد الله يرث وعبد الله لا يرث ؟هذا سياق القصة وسؤالي هل يجوز شرعا روايتها أم لا ؟ يحكى أنه كانت هناك قبيلة تعرف باسم قبيلة بني عرافة وسميت بذلك نسبة إلى إن أفراد هذه القبيلة يتميزون بالمعرفة والعلم والذكاء الحاد وبرز من هذه القبيلة رجل كبير حكيم يشع من وجهه العلم والنوروكان لدى هذا الشيخ ثلاثة

تاريخ الإضافة : 10 أكتوبر, 2017 عدد الزوار : 68 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 820
  • 609
  • 2٬052
  • 641
  • 41٬128
  • 167٬352