واقع المسلمين اليوم وقول الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ؟

تاريخ الإضافة 5 سبتمبر, 2017 الزيارات : 158

قال الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ، على ضوء هذه الآية الكريمة كيف نفسر ظهور عكسها في أيامنا هذه ؟

الجواب :
الآية الكريمة ظن بعض الناس أنها تتعارض مع واقع المسلمين اليوم ، بل وعبر التاريخ ، حيث تسلط الكفار في كثير من العقود على المسلمين ، ونالوا منهم قتلا واحتلالا وغصبا .
وهذا خطأ ظاهر في فهم الآية ، فقد قال المفسرون في توجيه الآية الكثير من الأقوال ، نذكر أهمها فيما يلي :
القول الأول :
أن شرط الإيمان المذكور في قوله تعالى ( على المؤمنين ) لم يتحقق في فترات تسلط الكفار ، فبحسب النقص من الإيمان كان العدوان ، والله عز وجل لا يخلف وعده ، إلا أن يكون عباده هم الذين نكثوا وقصروا .
وهذا قول أكثر المفسرين .
يقول القرطبي رحمه الله – في معرض ذكر الأقوال في الآية : أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ، إلا أن يتواصوا بالباطل ، ولا يتناهوا عن المنكر ، ويتقاعدوا عن التوبة ، فيكون تسليط العدو من قبلهم ، كما قال تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) . قال ابن العربي : وهذا نفيس جدا .
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى :” الآية على عمومها وظاهرها ، وإنما المؤمنون : يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ، ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة ، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم ، كما تسببوا إليه يوم أُحُد بمعصية الرسول ومخالفته ، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا ، حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به ، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا ، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ” انتهى من ” إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ” (1/ 101) .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :” فإن قلت : إذا كان وعدا لم يجز تخلفه . ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بينا ، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك ، فكيف تأويل هذا الوعد .
قلت : إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصة : فالإشكال زائل ؛ لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، فلم يلبثوا أن ثُقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا ، ودخلت بقيتهم في الإسلام ، فأصبحوا أنصارا للدين .
وإن أريد العموم : فالمقصود من المؤمنين : المؤمنون الخُلَّص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه ، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا ، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا ” انتهى من ” التحرير والتنوير ” (5/ 238) 
القول الثاني :
أن الآية لا ترد في حوادث الدنيا أصلا ، بل المقصود بها في الآخرة ، أي أن الله تعالى لن يجعل للمنافقين على المؤمنين حجة يوم القيامة ، بل ستكون الحجة للمؤمنين ، أما تسلط الكافر على المؤمن بالعدوان فلا تنفيه هذه الآية ، فتلك سنة الله في الأرض .
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن بعضهم اعترض على الآية بوقوع القتل من الكافر للمؤمن ، فأجاب بما سبق .
روى ابن أبي حاتم في ” التفسير ” (4/ 1095) بسنده عن يسيع قال : ” جاء رجل إلى علي فقال : أرأيت قول الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال : الكافر يقتل المؤمن ، والمؤمن يقتل الكافر ؟
قال علي : ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا ” .

يوضح ذلك الإمام الطبري رحمه الله فيقول :
” ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) يعني : حجة يوم القيامة ، وذلك وعدٌ من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلَهم من الجنة ، ولا المؤمنين مدخَل المنافقين ، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم ، إن أُدخلوا مُدْخلهم : ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءَنا ، وكان المنافقون أولياءنا ، وقد اجتمعتم في النار ، فجمع بينكم وبين أوليائنا ! فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا ؟ فذلك هو” السبيل ” الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين ” انتهى من ” جامع البيان ” (9/ 324)
بل نقل الطبري اتفاق السلف من المفسرين على هذا التوجيه ، وأسنده إلى علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأبي مالك والسدي . ينظر (9/ 327) .

قال العلامة الأمين الشنقيطي :” يشهد له قوله في أول الآية : ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين ) الآية [4 141] ، وهو ظاهر ” انتهى من ” أضواء البيان ” (1/319)

القول الثالث :
أن المنفي هو أن يتسلط الكفار على المؤمنين بالإفناء واستئصال الشأفة كاملة ، أما أن يصيبوا منهم بعض الأذى فلا مانع من وقوعه .
فعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا – أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا – حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا ، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) رواه مسلم 

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :” يحتمل أن يكون المراد : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أي : في الدنيا ، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية ، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس ، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [غافر: 51، 52] .
وعلى هذا : فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه ، من زوال دولة المؤمنين ، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين ، خوفا على أنفسهم منهم ، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم ، كما قال تعالى : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) [المائدة: 52]” انتهى من ” تفسير القرآن العظيم ” (2/437) .
والله أعلم .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى  دخل الشيخ محمد الغزالي إحدى الجامعات بالشرق الجزائري محاضراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته ….. ثم قال بصوت متقطع : … أنا… أنا… مثلي يتحدث عن محمد!!! وأجهش باكياً… وطال بكاؤه… ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف

تاريخ الإضافة : 20 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 554 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 506
  • 327
  • 1٬332
  • 738
  • 38٬194
  • 209٬336