عندما يثبت اختفاء طفل أن للإنسان قيمة في كندا بقلم الشيخ حسن غية

تاريخ الإضافة 21 مارس, 2018 الزيارات : 542

منذ أسبوع خرج الطفل اريال جيفيري كواكو البالغ من العمر عشر نوا من بيته في مونتريال -كندا ليزور صديقا له يسكن في نفس الحي ولَم يعد.

ما  أحد يعرف حتى الآن، بعد مرور أسبوع على اختفاء هذا الطفل، إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا أو ما هو سبب اختفائه و ما هو مصيره: هل هو قرر الفرار من أهله أم أنه تعرض لجريمة اختطاف أو قتل أو إنه غرق في النهر القريب من الحي، فكما هو معروف الحي الذي اختفى فيه هذا الطفل يقع بمحاذاة نهر يغطيه الجليد في هذه الأيام.

مما لا شك فيه أن اختفاء هذا الطفل تجربة مريرة لا يمكن تصور وقعها على أمه و ابيه و أقربائه و أصدقائه كما انه لا يمكن تصور وقع تجربة مريرة كهذه على اَي أم و اَي أب على وجه الارض. نسأل الله تعالى ان يعيد هذا الطفل لاهله سالما معافى في أسرع وقت ان الله على كل شيئ قدير و هو الرحمن الرحيم

 :إن في مأساة اختفاء هذا الطفل و ما رافقها من احداث عبر لا بد من استيعابها لفهم قيم المجتمع الذي نعيش بين ظهرانيه

١- ما حصل لهذه العائلة المنكوبة، نسأل الله تعالى ان يعجل فرجها، قد يحصل لأي عائلة اخرى.

يجب الا يسمح الأهل لأي طفل تحت سن معينة من الخروج وحده من المنزل و لو لمسافة قصيرة او لمدة قصيرة. يجب ان يبقى الأطفال دائما برفقة شخص بالغ و مسؤول و تحت حمايته. الحياة مليئة بالمفاجآت و الخطر قد يداهم الانسان من مصادر لا يعرفها الا الله.

٢- لقد استنفرت الشرطة قواها للبحث عن الطفل المفقود. وتكاتف المواطنون في المجتمع المدني و بدؤوا دوريات البحث في المنطقة و على ضفة النهر المحاذي للحي الذي اختفى به هذا الطفل.

حملة التضامن مع هذه العائلة المنكوبة لم تقتصر على الشرطة و أبناء الحي ولكن عمت المجتمع ككل. لقد هب الناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي لتوزيع صورة الطفل المفقود و طلب المساعدة من اَي إنسان عنده اَي معلومات قد تفيد من قريب او بعيد للعثور عليه

وسائل الاعلام، المرئي و الاذاعي و المكتوب، بذلت جهدها ايضا للمساعدة في البحث

٣- الوزيرة في الحكومة الكندية السيدة ميلاني جولي، التي هي في نفس الوقت النائبة في البرلمان الكندي عن المنطقة آلتي تعيش فيها العائلة المنكوبة، و السيدة فالاري بلانت رئيسة بلدية مونتريال زارتا العائلة للإعراب عن تضامن المجتمع الكندي و المونتريالي مع هذه العائلة.

٤- أعلنت العائلة عن عرض مبلغ عشرة آلاف دولار مكافأة لمن يقدم معلومات تساعد في الحصول على الطفل. وزار العائلة الملاكم الكندي ذو الأصول الهايتية السيد ادونيس ستيفنسون لإعلان تضامنه. وقدم السيد ستيفنسون للعائلة مبلغ خمسة عشر الف دولار ليضاف الى العشرة آلاف التي قدمتها العائلة و هكذا أصبحت مكافأة من يقدم معلومات تساعد على العثور على الطفل المفقود مبلغ خمسة و عشرين الف دولار.

٥- اتخذ بعض العلمانيين من مسألة اختفاء هذا الطفل ذريعة لمهاجمة الذات الإلاهية و التهكم عليها اذ نشرت احدى صحف مونتريال مقالا لإحدى الصحفيات المعروفات مقالا تتوجه فيه الى الله قائلة له بتحد و تهكم:” ان كنت موجودا اثبت وجودك بإعادة هذا الطفل لاهله”. هذا ما دفع احد المعلقين للاستنتاج، استغفر الله على مقولة هذا المعلق، بان الله على ما يبدو “ليبرالي” يريد ان يحتفظ لنفسه بكل الحقوق و لا يريد ان يتحمل اَي مسؤولية. طبعا كلنا يريد ان يعود هذا الطفل الى أهله، اما ان تتحول ماساة اختفاء هذا الطفل الى معركة تحد للذات الإلهية و الاستهزاء بها فهذا شيئ آخر خاصة ان أهل هذا الطفل المفقود على ما يبدو من المتدينين و هذا ما يدل على الاستخفاف بشعور الناس في الوقت الذي هم فيه باشد الحاجة لمن يتفهمهم و يواسيهم.

٦- ان حملة التضامن مع العائلة و الجهود المبذولة لنشر المعلومات و البحث عن الطفل المفقود، ان دلت على شيئ فانما تدل على ان للإنسان قيمة في المجتمع الكندي. كل هذه الطاقات التي استنفرت على الصعيد الرسمي و الإعلامي و الشعبي انما استنفرت للبحث عن طفل واحد بينما نرى وللاسف في بلاد العرب و المسلمين آلاف و ملايين الأطفال الذين يفقدون و يشردون و يقتلون و كانهم ذباب لا يأبه احد بمصيرهم و لا حول ولا قوة الا بالله. اما آن الاوان لتستيقظ الضمائر في بلاد العرب و المسلمين و يعود الناس الى رشدهم و يعرفوا ان للدم حرمة تفوق حرمة الكعبة؟

في كل يوم تطالعنا شاشات التلفاز و وكالات الاعلام بأخبار مئات و آلاف الضحايا من الأطفال و الشيوخ و النساء الذين يشردون او الذين يلاقون حتفهم في سوريا و العراق و اليمن و فلسطين و اليمن و غيرها من بلاد العرب و المسلمين و المسؤولون العرب و المسلمون منشغلون في الصراع مع بعضهم البعض و في استنجاد القوى الأجنبية لمساعدتهم على غيرهم من الحكام العرب و المسلمين و التنكيل بما بقي من شعوبهم. و هنا في كندا تقوم الدنيا و لا تقعد لان طفلا خرج من بيته و لم يعد.

أين القادة العرب و المسلمون من الآية الكريمة:
{ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ } [المائدة : 32]

٧- القيمة التي يتمتع بها الانسان في هذا البلد يجب ان تكون حافزا لجميع الوافدين اليه ليقدروا الحظ الذي يتمتعون به في عيشهم في بلد الانسان فيه محترم و لحياة الانسان فيه قيمة. طبعا هنالك أمور كثيرة تضعف من شعور الانتماء الى المجتمع الكندي: منها شدة البرد و كثافة الثلوج في الشتاء و صعوبة تعلم لغة جديدة للتأقلم مع المجتمع الجديد و الحنين الى الوطن الام و الاشتياق الى الأهل و الاخوان الذين تركهم الوافد الى كندا في وطنه الذي غادره. كل هذه الصعوبات تجعل الوافد الجديد يميل للعيش في الماضي الذي حاول الهروب منه بدلا من العيش في الحاضر الذي طالما حلم به قبل ان ينجح في المجيئ الى كندا. لقد عشعشت ثقافة الوقوف على الاطلال في الفكر العربي من عصر الجاهلية الذي لا يزال شعره يدرس في مدارس العالم العربي حتى يومنا هذا. ولكن الوقوف على الاطلال لا يجدي نفعا. ليسأل كل منا نفسه ما الذي دفعه للغربة و ترك الأهل و الخلان و البعد عن الاوطان ؟

٨- الطفل المفقود اسود البشرة و أهله طبعا سود البشرة من الوافدين الى كندا التي غالبية سكانها من البيض. ولكن لون بشرة الطفل المفقود و عائلته لم تمنع المسؤولين و الشرطة و عامة الناس من مشاطرة هذه العائلة حزنها و التضامن معها و المشاركة في جهود البحث عن الطفل المفقود. امام المصائب يصبح الناس عائلة واحدة و تتضاءل و ربما تزول الفروقات بينهم. في المِحنة يتصرف الناس تصرف الإخوة كما قال عنهم الرسول عليه الصلاة و السلام ” كلكم من آدم و آدم من تراب” سواء سمعوا أم لم يسمعوا بهذا الحديث الشريف.

٩- هذه التجربة المريرة و ما نتج عنها من تضامن مجتمعي تثبت مرة اخرى ان المجتمع الكندي ليس عنصريا كما يحلو للبعض ان يصوروه. و لكن كما ان لكل قاعدة استثناء يثبت صدق القاعدة فان في المجتمع الكندي عنصريون يساعد وجودهم و استنكار المجتمع عنصريتهم ما يثبت ان المجتمع غير عنصري. حملة التضامن مع العائلة المنكوبة و ما رافقها من إعلام مكثف شجعت البعض ممن في نفوسهم مرض على بث سموم كراهيتهم و عنصريتهم على صفحات التواصل الاجتماعي حقدا و تهكما. فلقد نشرت احدى العنصريات على صفحتها في الفايس بوك متهكمة انها تريد ان يرجع هذا الطفل المفقود لتستعمله عبدا رقيقا . هذا المنشور اثار حفيظة الغالبية العظمى من الناس و ولد عاصفة من الشجب و التنديد و الاستنكار مما دفع المؤسسة التي تعمل فيها هذه العنصرية لطردها من وظيفتها و نشر بيان تدين به هذه المؤسسة ما نشر على صفحة الموظفة المطرودة.

١٠- للأسف لم تكن هذه السيدة الوحيدة التي استغلت حالة اختفاء الطفل اريال الأسود البشرة لبث سموم الكراهية و الدعاية العنصرية. ان هذه الحالة تثبت مرة اخرى ما كنّا نردد و ما كان يردده الكثيرون من الشرفاء من أبناء هذا المجتمع من ان العنصرية موجودة و لا يجوز دفن الرؤوس في الرمال امام خطرها. المجتمع ليس عنصريا كما اثبتت موجة التعاطف و التضامن و المساعدة في حملة البحث عن اريال. ولكن في المجتمع بعض العناصر العنصرية كما اثبتت بعض المنشورات على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. ان هؤلاء العنصريين أقلية ضئيلة لا يمكن الاعتقاد بأنها تمثل كل أبناء المجتمع. و لكن هذه الأقلية رغم ضآلة عددها و هامشيتها تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع ككل و ليس فقط على الاقليات من أبناء المجتمع. لذا لا بد للمجتمع من حماية نفسه من هذا الخطر. لا بد من وضع الاصبع على الجرح و التصرف بمسؤولية كما تصرفت المؤسسة التي كانت تعمل فيها السيدة التي نشرت منشورها العنصري على صفحتها في الفايس بوك. يجب ان يعرف العنصريون انهم مراقبون و انهم معزولون و ان المجتمع لن يتساهل في التعامل مع العنصرية و خطاب الكراهية التي يروّجون لها. المجتمع لكل ابنائه كائنة ما كانت اصولهم العرقية او انتماؤهم الديني. لكل مواطن ما لغيره من حقوق و عليه ما على غيره من واجبات و حياة الطفل الأسود لا تقل قيمة عن حياة الطفل الأبيض و حياة المواطن المسلم لا تقل قيمة عن حياة المواطن غير المسلم.

على كل إنسان ان يفكر ماذا سيكون موقفه لو كان هذا الطفل المفقود ابنه او بنته ؟. في موقف كهذا لا يسعنا الا ان نقول الحمد لله على نعمة الاسلام الذي قال نبيه :
“لا يُؤْمِن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه”

وأخيرا نسأل الله سبحانه و تعالى ان يفرج عن أهل اريال جيفيري كواكو و ان يعيد اليهم طفلهم سليما معافى انه على كل شيئ قدير. و خير ما نختم به كلامنا هو كلام الله عز وجل:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات : 13]


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات.. الفضل يعود لشابة مسلمة طُردت من محكمة بـ«كيبك» فلم تصمت نقلا عن موقع عربي بوست  قضت محكمة الاستئناف في مقاطعة كيبيك الكندية، الأربعاء 3 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بأنه لا يحق لقاضٍ أن يرفض الاستماع إلى إفادة امرأة بسبب ارتدائها الحجاب. وخلصت أعلى هيئة قضائية في كيبيك، في حكم صدر بإجماع

تاريخ الإضافة : 4 أكتوبر, 2018 عدد الزوار : 177 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬526
  • 0
  • 1٬642
  • 0