القلق الأسباب والعلاج (3) الحياة الطيبة والمعيشة الضنك

تاريخ الإضافة 20 يونيو, 2018 الزيارات : 1825

يعيش على وجه الأرض ما يزيد على سبعة مليار، ما منهم من أحد إلا وهو يتمنى السلامة والسعادة، وبتعبير قرآني يتمنى الحياة الطيبة، كلنا يتمنى الراحة النفسية ، و المكانة الاجتماعية المرموقة ، والعافية والسلامة من الأمراض ، والغنى وكثرة المال ، وما من أحد إلا وهو مفطور على بغض المعيشة السيئة وما فيها من فقر و أمراض ومنغصات وقلق .

حقيقة الإنسان :

لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثير منا أن الإنسان في حقيقته يتكون من جسد وروح ، والجسد خلقه الله من الطين وغذاه مما يخرج من ذلك الطين إما بالنبات أو بالحيوان الذي يتغذى على النبات ، أما الروح فهي نفخة من الله تعالى ، وغذاؤها في الصلة بالله .
و تكمن المشكلة في الذي يشبع رغبات الجسد في الطعام والشهوات واللهو وينسى احتياج الروح لخالقها فمن هنا يحدث عدم التوازن ومن هنا يأتي الشعور بالقلق والضيق لانعدام التوازن .
والعلاج يكمن في التوازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح وكما أسلفت أن غذاء الروح في عبادة الله فالعبادة غذاء لأرواحنا، و بدونها يظل الإنسان في الأرض حيران قلق مضطرب.

يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته ‍* * * أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها * * * فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

إن الإنسان جسد وروح، ومستحيل أن يعيش الإنسان حياة طيبة سعيدة بالبدن دون الروح.

فالله جل وعلا لم يخلق الإنسان ليتلذذ بالدنيا وينسى الله ، من لا يعرف الحكمة من خلقه يعيش في اكتئاب .

والغرب قد أعطى البدن كل ما يشتهيه من طعام وشراب وشهوات ونساء وملذات ، وبقيت الروح تصرخ تبحث عن دواء وغذاء فوقف الغرب أمام الروح عاجزاً لا يملك شيئاً.
وإن انتشار عيادات الطب النفسي وحالات الانتحار الجماعي والفردي لمن أعظم الأدلة العملية على ما يعانيه الغرب في الجانب الروحي من قلق وشك وضنك واضطراب.

السعادة الحقيقية والحياة الطيبة

 إن السعادة الحقيقية والحياة الطيبة تكون بالقرب من الله، القرب من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، فالأمر أمره، والخلق خلقه، والتدبير تدبيره، ولذلك تجد الإنسان دائماً في قلق وتعب، رغم أنه يتمتع بكل الشهوات، ومع ذلك تجده من أكثر الناس آلاماً نفسية، وأكثرهم قلقاً نفسياً، وأكثرهم ضجراً بالحياة، لماذا؟ لأن الله جعل راحة الأرواح في القرب منه، وجعل أنس الحياة في الإنس به سبحانه وتعالى. والصلاة الواحدة يفعلها الإنسان من فرائض الله، بمجرد ما ينتهي من ركوعه وسجوده وعبوديته لربه فإنه ما يخرج من مسجده إلا ويحس براحة نفسية، والله لو بذل لها أموال الدنيا ما استطاع إليها سبيلاً .

إذن من أراد أن يسعد فالسعادة ليست في تلبية حاجات الجسد ؛وإمتاعه وانغماسه في الشهوات ؛ إنما بالتوازن بين حاجات الروح والجسد ،وهذه هي الحياة الطيبة التي أردها الله سبحانه وتعالي لعباده المؤمنين .

قال احد الصالحين :والله أنا في سعادة لو علمها الملوك  لجالدونا (لقاتلونا)عليها بالسيوف!.

ولست أرى السعادة جمع المال ‍* * * ولكـن التـقي هـو السـعيد
وتقوى الله خير الـزاد ذخـرًا * * * وعنـد الله للأتقى مزيـد

وقد بين الله شرطين لكي نعيش الحياة الطيبة وإذا خالف احد هذين الشرطين فقد اختار المعيشة الضنك .

قال تعالي : ” من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون “سورة النحل :97

وقال تعالى : { فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه : الآيتين 123، 124

في آية سورة النحل ذكر الله سبحانه وتعالي الشرطان اللذان يحققان للعبد الحياة الطيبة الشرطان هما :

1- العمل الصالح

2- الإيمان

ولا يتحقق فائدة الشرط الأول إلا بالإيمان ( وهو مؤمن ) هذان الشرطان يحققان الحياة الطيبة للعبد الفقير إلي الله الحياة التي أردها الله سبحانه وتعالي للعبد الذي يسير إلي الله ، فصاحب الحياة الطيبة راض بقضاء الله طائع لربه، متبع لرسوله، صلى الله عليه وسلم، يحمل القناعة في نفسه، والرضا في قلبه، يسلم لله فيما كتب من الأقدار، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإن أذنب استغفر، وأجمل وصف له هو قوله، صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن»

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:(إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق ) ذكره ابن القيم في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، (ص 106).

وأوصت امرأة صالحة أولادها فقالت (تعودوا حب الله وطاعته فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيره فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون )

ما هو الجزاء ؟

الجزاء : الحياة الطيبة في الدنيا والجنة في الآخرة (فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) سورة النحل :97

والحياة الطيبة هنا كما قال المفسرون هي السعادة ، وقيل توفيق الله العبد إلى الطاعات ، وقيل الرزق الحلال، وقيل القناعة ،وقيل هي انشراح الصدر وطمأنينة القلب، حتى ولو كان الإنسان في أشد بؤس، فإنه مطمئن القلب منشرح الصدر

وما أجمل تلك الحياة التي يختارها رب العزة لنا ، هذا بالنسبة للحياة الدنيا ، وهناك جزاء آخر في الآخرة فسوف يعطينا الله أفضل ما كنا نتمناه فهو الكريم جل جلاله وتقدست أسماؤه إذن هناك أجران أجر في الدنيا وأجر في الآخرة نسأل الله سبحانه وتعالي أن يمنحنا هذه الحياة في الدنيا والآخرة .

المعيشة الضنك :

أما سورة طه ؛ في الآية الأولى بين الله جل وعلا أن من اتبع القرآن وعمل به فإن الله سبحانه وتعالى تكفل له بأن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وفي الآية الثانية أن من أعرض عن القرآن ولم يعمل به فإن الله جل وعلا يعاقبه بعقوبتين :

الأولى : أنه يكون في معيشة ضنكًا ، والضَّنَّكُ : الضِّيِّقُ من كلِّ شيءٍ

فمعنى معيشة ضنكا ، عيشة سيئة مليئة بالمخاطر ، وليست المعيشة الضنك أن تسكن كوخا أو لا تجد مالا أو أن تفقد عضوا من أعضائك أو أن تصاب بمصيبة ؛ بل المعيشة الضنك هي معيشة الشقاء ، معيشة القلق ، معيشة الضياع ، معيشة الإحباط ، معيشة اليأس ، والمكاره و الاكتئاب ،وتواصل الهم والغم والحزن ، والتسخط من القضاء والتبرم بأقدار الله ، والقلق ، والاضطراب ، وتمني الموت ، والإشراف على الانتحار، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة ؛ جزاء له على إعراضه عن كتاب الله جل وعلا، لأنه ترك الهدى فوقع في الضلال ووقع في الحرج .

والعقوبة الثانية : أن الله جل وعلا يحشره يوم القيامة أعمى، لأنه عمي عن كتاب الله في الدنيا فعاقبه الله بالعمى في الآخرة، قال : { رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَي وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } ، فإذا عمي عن كتاب الله في الدنيا بأن لم يلتفت إليه ولم ينظر فيه ولم يعمل به، فإنه يحشر يوم القيامة على هذه الصورة البشعة والعياذ بالله .

أتريد أن ترى صاحب العيشة الضنك؟

سوف تجده في إنسان عاص فاجر تارك للصلاة ظالم لعباد الله عاق لوالديه قاطع لرحمه معترض على قضاء الله يلهث وراء المادة حينها تجده يعيش مهزوما مفتونا حائرا قلقا لأن الذي يملك السعادة هو الله وحده، فإذا أغلق الإنسان الباب الذي بينه وبين الله وقطع الحبل الواصل الذي يصله بالله فمن أين تأتيه السعادة؟

وسوف تشاهد في حياتك أهل العيشة الضنك الذين أعرضوا عن الهداية وألغوا المسجد من حياتهم والسجود لله، وهجروا القرآن وارتكبوا ما يسخط الله، وقد يجمع أحدهم مالا كثيرا ويملك ثروة هائلة ويجمع دورا وقصورا، لكنه في غم دائم وحزن مستمر.

ولا يفهم من هذا أن الأغنياء والأثرياء دائما أشقياء، بل كم من غني ومؤمن صادق وعابد منيب يسكن قصرا مشيدا، وكم من فقير ممزق الثوب مفلس من المال وهو عدو لله، فالميزان ليس كثرة المال أو قلته أو فخامة المسكن أو بؤسه أو علو المنصب أو دنوه، إنما الشأن في قلب هذا الإنسان، في ضميره، في إرادته، فالسعادة تأتي من النفس المطمئنة المؤمنة، والشقاء والمعيشة الضنك تنطلق من قلب مارد جاحد، ومن ضمير خاو، ومن إرادة فاشلة.

 

اقرأ قصصا عالمية لأثرياء وأغنياء جمعوا المليارات والبنوك، ومنهم من انتهى إلى الانتحار أو المرض النفسي أو الهستريا والهذيان وفقد العقل؛ لأنهم فقدوا البوصلة التي تدلهم على السعادة والحياة الطيبة المتمثلة بالإيمان الصادق والقناعة واستقامة الضمير والقيام بالحقوق والواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه، لا تبحث عن السعادة في جمع الدولار والدينار واليورو والريال والدرهم، فإن كبار أغنياء العالم يملك الواحد منهم من الثروة ما لا تملكه دولة من الدول، لكنه جمعها من الربا والغش والنصب وغسيل الأموال، وهو مع ذلك محارب لله مكذب لرسله، معرض عن طاعته، فأين السعادة إذن؟ ولا تظن السعادة أن تسكن قصرا أو برجا عاجيا أو حديقة غناء، فقد سكنها قوم وملكها أناس، لكنهم لما أخطأوا طريق السعادة، حرموا الحياة الطيبة وعاشوا أشقياء بكدر وانزعاج حتى أتتهم القاضية، وفي المقابل وجد السعادة أناس يسكنون الخيام وينامون على الحصير ويأكلون خبز الشعير، لكنهم ما بين سجدة وتلاوة ودعاء وقناعة وصبر وشكر، فعاشوا سعداء وماتوا راضين عن الله، والله راض عنهم.

الخلاصة

الحياة السعيدة سببها الاتصال بالله عز وجل

والمعيشة الضنك سببها الإعراض عن الله جل جلاله .

قصة إسلام طبيب إنجليزي يبحث عن متعة الروح :

قال الشيخ :ذهبت للعلاج في بريطانيا..

فدخلت إلى مستشفى من أكبر المستشفيات هناك.. لا يكاد يدخله إلا كبير أو وزير.. فلما دخل عليّ الطبيب ورأى مظهري قال: أنت مسلم؟

قلت : نعم..

فقال : هناك مشكلة تحيرني منذ عرفت نفسي.. هل يمكن أن تسمعها مني؟

قلت : نعم..

فقال: أنا عندي أموال كثيرة.. ووظيفة مرموقة.. وشهادة عالية.. وقد جربت جميع المتع.. شربت الخمور المتنوعة.. وواقعت الزنا.. وسافرت إلى بلاد كثيرة.. ومع ذلك.. لا أزال أشعر بضيق دائم.. وملل من هذه المتع..

عرضت نفسي على عدة أطباء نفسيين..

وفكرت في الانتحار عدة مرات لعلي أجد حياة أخرى.. ليس فيها ملل..

ألا تشعر أنت بمثل هذا الملل والضيق؟!

فقلت له : لا.. بل أنا في سعادة دائمة.. وسوف أدلك على حل المشكلة.. ولكن أجبني.. أنت إذا أردت أن تمتع عينيك فماذا تفعل ؟ قال : أنظر إلى امرأة حسناء أو منظر جميل..

قلت : فإذا أردت أن تمتع أذنيك فماذا تفعل ؟ قال : أستمع إلى موسيقى هادئة..

قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك فماذا تفعل ؟ قال : أشم عطراً.. أو أذهب إلى حديقة..

قلت له : حسناً.. إذا أردت أن أن تمتع عينك لماذا لا تستمع إلى الموسيقى؟

فعجب مني وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالأذن..

قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك لماذا لا تنظر إلى منظر جميل ؟

فعجب أكثر مني وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالعين.. ولا يمكن أن يتمتع بها الأنف.. قلت له : حسناً.. وصلت إلى ما أريده منك..

أنت تحس بهذا الضيق والملل في عينك؟

قال : لا !! قلت : تحس به في أذنك ؟!.. في أنفك؟!.. فمك؟!.. فرجك؟!.

قال : لا.. بل أحسّ به في قلبي.. في صدري..

قلت:أنت تحس بهذا الضيق في قلبك.. والقلب له متعة خاصة به.. لا يمكن أن يتمتع بغيرها.. ولا بد أن تعرف الشيء الذي يمتع القلب.. لأنك بسماعك للموسيقى.. وشربك للخمر.. ونظرك وزناك.. لست تمتع قلبك وإنما تمتع هذه الأعضاء!!..

فعجب الرجل , وقال : صحيح.. فكيف أمتع قلبي ؟!!

قلت : بأن تشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمداً رسول الله.. وتسجد بين يدي خالقك .. وتشكو بثك وهمك إلى الله.. فإنك بذلك تعيش في راحة واطمئنان وسعادة.. فهز الرجل رأسه وقال : أعطني كتباً عن الإسلام.. وادع لي.. وسوف أسلم.. ثم أكملت علاجي وسافرت.. ولعل الرجل يكون أسلم بعد ذلك..

وصدق الله إذ يقول : ﴿  يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين *   قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .. ﴾  فعجباً لأقوام يلتسمون الأنس والانشراح.. ويبحثون عن السعادة في غير طريقها..

القصة ذكرها الدكتور محمد العريفي في رسالة له بعنوان (هل تبحث عن وظيفة )

عوائق القرب من الله : (من محاضرة للشيخ الشنقيطي بعنوان الحياة الطيبة باختصار)

هناك ثلاثة عوائق تمنع من القرب من الله:

أولها: الشهوة التي تحول بينك وبين القرب من الله.

ثانيها: سوء الظن بالله.

ثالثها: الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد أن يبعدك من الله عز وجل.

فأما الشهوة: فهي لذة ساعة وألم دهر:

شهوة اللهو واللعب الذي وصف الله عز وجل به هذه الحياة الدنيا أنها لهو ولعب، ولكن كم من أجساد لهت ولعبت وهي الآن تتقلب في عذاب القبور! وكم من أجساد لهت ولعبت ترى الآن الضنك في ضيق القبور! وكم من أناس الآن تضيق عليهم اللحود، هؤلاء يتمنون لحظة واحدة من ذكر الله وطاعته.

لن تعرف قيمة هذه الحياة ولا حقيقة هذه الشهوة التي دعت إلى معصية الله، إلا إذا جاء وقت فراق هذه الحياة، ولن تجد ندماً أصدق من ندم الإنسان إذا ودع هذه الحياة، وسيعرف الإنسان حقيقة الشهوة التي هي أول العوائق إذا فارق الحياة، وبمجرد أن تأتي لحظة الفراق تبكي بكاء الندم، ويقول الإنسان -ولو كان صالحاً-: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، يتمنى -ولو كان صالحاً- أن يرجع؛ لكي يزيد من صحيفة العمل، ولا يغتر الإنسان ويقول: إن هذه الساعة بعيدة؛ لأنه شباب، فكم من حوادث أخذت أناساً في عز الشباب وزهرته، وشدة النشوة واكتمال العمر، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعرف حقيقة هذه الشهوة، والله عز وجل لم يحرمنا من الشهوة، ولا منعنا من اللذة، بل جعل للشهوة موضعاً ومكاناً معيناً، أميناً سليماً نقياً، ولا يأذن لك أن تضع الشهوة في غير هذا المكان.

أما الأمر الثاني من العوائق فهو: سوء الظن بالله:

وبعض الناس إذا قلت له: أقبل على الله! يقول لك: يا أخي! لماذا تضيق عليّ؟! دعني أتمتع بالحياة! دعني أسهر وأتمتع بسهري، وأذهب وآتي وأتمتع بذهابي دون قيود أو حدود! يحس أن الحياة الضنكة والأليمة إذا اقترب من الله!!

فوالله ثم والله! أنه لا أطيب من القرب من الله! ومن أراد أن يجدد لذة القرب من الله فليزدد من طاعة الله عز وجل، وليزدد من الصالحات، وليزدد من الأعمال التي تحبب إلى الله عز وجل، وتدعوه إلى مرضاته؛ حتى يحس ساعتها بلذة العبودية لله تبارك وتعالى.

أما الأمر الثالث الذي يعيق الإنسان عن طاعة الله ومحبته فهو: الشيطان الرجيم:

وهذا الشيطان على نوعين: شيطان إنس، وشيطان جن، فمن أراد القرب من الله عز وجل فعليه أن يفر من شياطين الإنس وشياطين الجن، أما شياطين الإنس فهم الذين يزهدون في طاعة الله، وييئسون الإنسان ويقنطونه من رحمة الله، فينبغي للإنسان ألا يصغي إليهم، وليعلم أن الصديق الصادق في محبته ومودته وخلته، هو الذي يهدي إليه عيوبه، ويدعوه إلى محبة ربه وذل العبودية لخالقه.

وأما شيطان الجن فهي الوساوس التي يقذفها في قلب الإنسان، ويقول له: انتظر فلا زال في العمر بقية، ولا تعجل، وتمتع بهذه الحياة، تمتع بالشهوات فيها، واسهر ما شئت من الليالي، وافعل ما شئت من لذات هذه الحياة، فإن الحياة طويلة، ولا يزال يمنيه ويسليه حتى يسلمه إلى عاقبة الردى، نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا وإياكم من ذلك.

كيفية اجتناب عوائق القرب من الله

إخواني في الله! الحياة الطيبة متمثلة في ظل مخالفة هذه الثلاثة الأمور، أما داعي الشيطان فيستبدله الإنسان بداعي الرحمن، وأما شياطين الإنس فيستبدلهم بدعاة الخير من الصالحين وعباد الله المتقين، وأما سوء الظن بالله فيبدله بحسن الظن بالله عز وجل.

أما إبدال داعي الشطان بداعي الرحمن؛ فاعرض نفسك على كتاب الله عز وجل، واجعل لك كل يوم جلسة مع القرآن، لا يحس الشاب أن هذا القرآن نزل لغيره، والله إنك مخاطب بالقرآن شئت أم أبيت، اقتربت أو بعدت، وكل إنسان يوم القيامة سيأتي هذا القرآن حجة له أو حجة عليه، لا يقول الإنسان: إن هذا القرآن لغيره، القرآن لك وأنت المخاطب به ولو كنت من أبعد الناس عن طاعة الله، فأنت مخاطب بهذا القرآن، وسيكون هذا القرآن حجة لك أو حجة عليك، واستبدال هذا الداعي وهو كتاب الله عز وجل ففيه طمأنينة القلوب، وانشراح الصدور، والله تعالى يقول في كتابه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] فاعرض نفسك على كتاب الله لتعيش في رحمة الله إذ يخاطبك عز وجل، واعرض نفسك على داعي الله عز وجل بتحقيق ما أمر الله به في القرآن، وترك ما نهى الله عز وجل عنه في كتابه.

وأما إبدال دعاة السوء بدعاة الخير فالجلوس مع الصالحين، وغشيان حلق الذكر التي لا يشقى بهم جليس، فزيارة الصالحين، والأنس بهم ومحبتهم خير للإنسان في الدنيا والآخرة، والله هم القوم ونعم القوم، ما جلس إنسان مع رجل صالح إلا وجد منه الخير: لا يدعوه إلا لصلاح دينه ودنياه وآخرته، وأما قرين السوء فعلى العكس من ذلك، فهو الذي يدعو إلى محارم الله، ولو سأل الإنسان نفسه عن أي معصية فعلها لوجد وراءها داعي سوء، ووجد وراءها شيطان الإنس الذي حبب وسهل في الوصول إليها.

فيستبدل الإنسان الأشرار بالأخيار، ويقول للأخيار: أريد الجلوس معكم، أريد الأنس بكم، فيزورهم ويجلس معهم، ولذلك قد يأتي الرجل إلى مجلس من مجالس الذكر فيجلس مع الصالحين جلسة واحدة، وقد تكون هذه الجلسة سبب في نجاته من النار، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله إذا أنزل أهل الجنة في الجنة، وتمتعوا بما هم فيه من النعيم، قالوا: يا ربنا! كيف نتنعم في الجنة وإخواننا يعذبون؟) إخوانهم من؟ أناس كانوا معهم ولكن كانت عندهم سيئات، مثلاً: رجل كان مع الصالحين ولكن عنده سيئات كأن يشرب الخمر، أو يزني، أو يفعل أي شيء من المحرمات -نسأل الله السلامة والعافية- فشاء الله أنه لم يتب من هذه الأشياء، لما جاء في يوم القيامة وأدخل النار، فإذا دخل ذلك الرجل الصالح -الذي جلس معه- الجنة يقول: يا رب! كيف أتنعم بنعيم الجنة وأخي يعذب؟ فيأذن الله عز وجل بالشفاعة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا يزال الرجل يشفع حتى يشفع للرجل الذي جلس معه لحظة واحدة في ذكر الله عز وجل)، لحظة واحدة في ذكر الله عز وجل توجب للإنسان الشفاعة، فهذه من ثمار الجلوس مع الصالحين.

ومن ثمار الجلوس مع الصالحين: أن القلوب والصدور تنشرح وتطمئن بذكر الله عز وجل، ولذلك تجد الإنسان إذا جلس مع الصالحين يقوم ونفسه معلقة بالسماء، معلقة بطاعة الله، يريد أن يفعل أي خير يقربه إلى الله، والله ما جلس الإنسان مع صالح موفق إلا دله على الله، وهذا والله هو الصديق، الذي تقوم من عنده وحالك أصلح من حالك قبل الجلوس معه، بعض الناس مبارك إذا جلست معه تقوم من عنده وقلبك معلق بالله، وفؤادك وروحك تريد رضوان الله، لا تريد إلا شيئاً يدلك على الله، ولا تريد إلا خصلة من خصال الخير تقربك إلى الله، ومجلس واحد من ذكر الله عز وجل قد يجعل الإنسان يغير حياته كلها، إذا صدق في عبوديته لله، وتأثر بما يقال له من أوامر الله ونواهيه.

المقصود أن الجلوس مع الصالحين يعتبر من أهم الأسباب التي تدل الإنسان على ربه، والجليس الصالح هو الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك، والكلمة الطيبة من الرجل الطيب تستطيب بها القلوب، والنصيحة الصالحة من الرجل الصالح يصلح الله بها الأحوال، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم مجالس الصالحين.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن مجالس الصالحين تغشاها الملائكة، وهي حلق الذكر التي تحفها الملائكة إلى السماء، ويطيب بها وقت الإنسان وتطيب بها حياته.

وأما استبدال سوء الظن بحسن الظن فهذا أمر مهم جداً لكل إنسان، فالله تعالى فوق ما تظن من الرحمة، إن تقربت منه شبراً تقرب منك ذراعاً، وإن تقربت منه ذراعاً تقرب منك باعاً، وإن أتيته تمشي أتاك هرولة، كل واحد ينبغي عليه أن يكون عنده شعور وعلم أنه لا أرحم به من الله عز وجل. والله لو أن الإنسان حمل ذنوب هذه الحياة كلها وجاء في لحظة واحدة تائباً إلى الله، منكسراً بين يدي الله، يرجو رحمة الله، والله! لا يخيبه الله من رحمته، ولا يقنطه من روحه سبحانه وتعالى، فهو أكرم من سئل، وأعظم من رجي وأُمل، وفي قصص التائبين عبر، فإن الإنسان قد يتوب من ذنوب الحياة ويجعل الله عز وجل توبته في لحظة واحدة موجبة لغفران حياته كلها، ولذلك أصدق شاهد أن بعض الحجاج يقدم على الله عز وجل في هذه البلاد الطيبة، وعمره سبعون سنة وهو لا يعرف الله عز وجل، يعيش في معاصٍ وذنوب وسيئات، فيأتي إلى الله عز وجل في آخر عمره تائباً منيباً، لا تتمالك عينه الدمعة.

 

….. كذاب من يقول: إن القرب من الله فيه ضيق! لا والله، فالله لا يريد منك إلا كلاماً طيباً وفعلاً طيباً، وعقيدة ترضيه، ثلاثة أشياء فقط:

        قلب صالح نقي من الشوائب،

        ولسان طيب تقول به الكلام الطيب.

        وجوارح تسخرها في الشيء الطيب.

ما عندنا في الطاعة والشيء الطيب إلا هذه الثلاثة الأشياء:

صلاح العقيدة، وصلاح القول، وصلاح العمل، ومن فعل هذه الثلاثة الأشياء عصمه الله عز وجل إلى أن يلقاه، وأوجب له حبه ورضوانه: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ” [النحل:97].

(3) تعليقات


  • الحائرة البائسة

    السلام عليكم أنا فتاة اتمنى ان اجد من يساعدني و يرد علي:
    أنا حقا اعيش الحياة الضنكة قلق الم اكتئاب حزن هم رسوب دراسي ما وراءه رسوب لا اجد اي تطور في نفسي و حياتي هذا كله بسبب انني ابتعد عن الله تعالى و ارجع اليه انا اتعذب عذابا نفسيا رهيبا انا حقا لا اريد سوى ارضاء ربي ,,,لقد انعم الله تعالى علي بكل النعم من اكل و شرب و ملبس و مأمن و مال و سيارة و اسرة ما شاء الله لكن ,,لكنني للأسف لا أصلي ,أصلي و اتوقف اصلي و اتوقف لا استطيع الثبات على الصلاة كل محاولاتي باءت بالفشل دعوت الله تعلى كثيرا لكنه لم يستجب مع انه استجاب لي الكثير من الدعوات غير الصلاة لا ادري ماذا افعل هل الصلاة هي السبب الرئيسي في تعاستي النفسية ؟؟هل ترك الصلاة تجعل حياة المؤمن ضنكا ؟؟ مع العلم انني ابر والديا و اذكر الله تعالى لا أؤذي مخلوقا و خلقي حسن مع الناس لست قاطعة لرحمي توقفت عن سماع الاغاني منذ 3شهور و الحمد لله لست على اية علاقة مع اي شاب..و لدي امر آخر انا اشاهد الافلام المحرمة للاسف الشديد و امارس العادة السرية و لا استطيع الفكاك منهما بالرغم من محاولاتي لم اتخيل يوما ان يصل الامر بي الى هذا الحد ..تبت كثيرا من هذا العمل لكنني ما ألبث ان اعود اليه لا ادري ما العمل الان ؟؟ انا في حيرة و ضيق شديدين ارجو ان تفيدوني بشيء و ان تشيرو الي بالحل كيف اثبت على صلاتي هل بسبب تركي لصلاتي اعيش هذه الحياة البائسة؟؟ ارجو الاجابة بأقصى سرعة لأنني انهار و والله انني اتعذب كل يوم لانني تاركة لصلاتي .
    جزااااكم الله عني كل خير .. اختكم في الله هناء.

  • سعيد سليمان

    جزاكم الله خير الجزاء, والله لا راحة للانسان الا في طاعة ربه


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات

قرار قضائي كندي لصالح المحجبات.. الفضل يعود لشابة مسلمة طُردت من محكمة بـ«كيبك» فلم تصمت نقلا عن موقع عربي بوست  قضت محكمة الاستئناف في مقاطعة كيبيك الكندية، الأربعاء 3 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بأنه لا يحق لقاضٍ أن يرفض الاستماع إلى إفادة امرأة بسبب ارتدائها الحجاب. وخلصت أعلى هيئة قضائية في كيبيك، في حكم صدر بإجماع

تاريخ الإضافة : 4 أكتوبر, 2018 عدد الزوار : 177 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬480
  • 0
  • 1٬642
  • 0