خاطرة عن قوله تعالى : (والذين آمنوا أشد حبا لله ..)

تاريخ الإضافة 29 أغسطس, 2018 الزيارات : 176

نعيش مع قوله تعالى : ( -( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب )- [البقرة/165]
معنى هذه الآية الكريمة : أن بعض الناس، يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا، يقصدونهم بالعبادة من دون الله  (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يحبون أندادهم حبًا يجعلهم يعبدونهم مع الله (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) يعني: أشد حبًا لله من هؤلاء لأندادهم؛ لأن حبهم لله خالص، وحب هؤلاء مشترك ، فالمؤمن أشد حبًا لله من هؤلاء المشركين في حبهم لأندادهم، وأشد حبًا منهم لله أيضًا؛ لأن محبة المشركين لله مشتركة مبعضة، ومحبة المسلمين لله وحده كاملة ليس فيها نقص، ولا شركة ، فالحاصل أن المشركين وإن أحبوا الله لكن محبتهم ناقصة، لأنهم أشركوا فيها حب الأنداد التي عبدوها من دون الله.

محبة المؤمنين لله :

محبة الله نعمة منه -سبحانه وتعالى-  فبها تهون عليك أي مشقة تجدها في طاعة من الطاعات ؛ فمثلا الصيام في هذا الحر الشديد ، وكذلك المشقة في الازدحام لصلاة التراويح مع كثرة الأنفاس والحر والعرق فيأتي أحدنا للمسجد مشتاقا مستبشرا ، اللهم أسعدنا بطاعتك .
وإذا كان أعظم نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم ، فإن أعظم ما في الدنيا أن تفوز برضا الله ومحبته ، يقول ابن تيمية : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل له وما أطيب ما فيها ، قال ، معرفة الله عز وجل ومحبته”.

محبة الله وحلاوة الإيمان :
وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار).
قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وجد ) : ليس مبالغة بل سيجد المؤمن بالفعل حلاوة الإيمان في قلبه كحلاوة العسل حينما يتذوقه اللسان ، وأثر هذه الحلاوة أن يشعر بانشراح الصدر للعبادة ، والضيق بالمعصية .

ومن أكبردلالات المحبة التلهف لفعل ما يرضي الله ، أن يكون عندك شوق للطاعة ، فتشعر بالفرحة عند الطاعة وتسعد ، تسمع باقتراب رمضان فتفرح لما فيه من عبادات كثيرة من صيام وقيام ودعاء وخشوع ، تسمع الأذان فتقوم لتسعد بصف القدمين بين يدي الله في الصلاة  ، تسمع القرآن فتنجذب الأذن وتنصت لكلام الله ،تقوم في الليل فتفرح لأنك ستتوضأ وتصلي ركعتين بين يدي الله ، وتخلو بربك وتأنس بالقيام بين يديه ، اللهم ارزقنا شرف القيام بين يديك في جوف الليل ، ولسان حالك كما قال موسى ( وعجلت إليك رب لترضى )- [طه/84]

وفي السبعة الذين يظلهم الله بظله (ورجل قلبه معلق بالمساجد)معلق يعني راحته لا تكون إلا ببيت الله ، فلا يصلي صلاة إلا في المسجد، ولا يخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليعود فيصليها فيه، فهو ملازم للمسجد بقلبه .

ثلاث أدوات رئيسية لتحقيق محبة الله:
1ـ القلب:
وقد جعل الله سبحانه القلب محلاً لعبوديته ولذا نجد الكثير من أعمال القلوب من خوف ورجاء ومحبة وتوبة وصبر وأنس ورضا وطمأنينة كلها من أقرب وسائل الاتصال بالله تعالى .
والقلب المريض هو القلب الذي يتعذر عليه أداء الوظيفة التي خلق من أجلها فالقلب خلق لمعرفة الله ومحبته .
يقول ابن القيم : نقلا عن شيخه ابن تيمية في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها.

2ـ اللسان:
فمن أحب شيئا أكثر من ذكره ، وفي الحديث القدسي ( يقولُ الله – عز وجل – : أنا مع ظنِّ عبدي بي ، وأنا معه حيث ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرتُهُ في نفسي ، وإنْ ذكرني في ملأ ، ذكرته في ملأ خيرٍ منه …)
وقال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر ، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه.
وقال أيضا : ما طابتِ الدنيا إلا بذكره ، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه ، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته.
وذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله في الفوائد :
أن العبد يستطيع أن يتلمس أثر حب الله في قلبه في مواطن عديدة منها:
“الموطن الأول : عند أخذ المضجع حيث لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به.
الموطن الثاني : عند انتباهه من النوم ، فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه.
الموطن الثالث : عند دخوله في الصلاة ، فإنها محكُ الأحوال وميزان الإيمان … فلا شيء أهم عند المؤمن من الصلاة ، كأنه في سجن وغمّ حتى تحضر الصلاة ، فتجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال : “أرحنا بها يا بلال“.
الموطن الرابع : عند الشدائد والأهوال ، فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده” .
وتزداد الحاجة إلى الثبات في هذا الموطن الأخير لكون المؤمن أشد عرضة للبلاء من غيره من البشر
قال ثور بن يزيد : قرأتُ في بعضِ الكُتب : أنَّ عيسى – عليه السلام – قال : يا معشر الحواريِّين ، كلِّموا الله كثيراً ، وكلِّموا الناسَ قليلاً ، قالوا : كيف نكلِّمُ الله كثيراً ؟ قال : اخلُوا بمناجاته ، اخلوا بدُعائه.

3ـ الجوارح:
والجوارح أمامها خيارات كثيرة جدًا للاتصال بالله من صلاة وصيام وصدقة وحج وإماطة الأذى عن الطريق ومساعدة الآخرين وزيارة المريض وغير ذلك وهكذا تظل بقلبك ولسانك وجوارحك في تقرب إلى الله واتصال بالله إلى أن تفوز بما جاء في الحديث القدسي:(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،  وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ،ولئن استعاذني لأعيذنه )
فهذا الرجل الذي يحبه الله على اتصال دائم بالله وعينه على اتصال دائم بالله وأذنه ورجله ويده إنه دائمًا مع الله.
أوصت امرأة صالحة أولادها فقالت (تعودوا حب الله وطاعته فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيره فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون )


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الوصية بين الفقه الإسلامي والقوانين في الغرب

في يوم الجمعة الماضياستضاف مسجدنا أحد الإخوة المحامين لعمل ندوة (عن الوصية في القانون الكندي) ونظرا لأهمية ماجاء فيها وتغيب الكثير من الإخوة عن الحضور ؛ فإني أخصص خطبة هذا الأسبوع للحديث عن هذا الموضوع أولا /الوصية في الفقه الإسلامي  : الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع . حكمتها : الوصية قربة

تاريخ الإضافة : 29 نوفمبر, 2018 عدد الزوار : 1587 زائر

الإحصائيات

  • 1
  • 299
  • 0
  • 1٬647
  • 0