الفتوى بين الانضباط والتسيب

تاريخ الإضافة 28 أكتوبر, 2017 الزيارات : 638

الفتوى بين الانضباط والتسيبفتاوي (نسخ)

في بلاد الغرب تكثر أسئلة الناس واستفتاءاتهم ، وتتعدد الإجابات كما تتعدد الثقافات والمشارب والمذاهب بالنسبة للمسلمين المهاجرين والمقيمين في بلاد الغرب فأردت تخصيص هذا اللقاء لوضع ضوابط للفتوى والاستفتاء  ، لما لمسته من تعجل بعض الناس بالفتوى، ومن الناس ، من يقحم نفسه في هذا المضيق، ويجترئ على القول في دين الله، بغير أهلية لهذا الأمر الخطير.

أولا معنى الفتوى :

بيان الحكم الشرعي في قضية من القضايا جوابا على سؤال سائل.

وذلك لأن المسلم يرى أن الإسلام منهج حياة وأن الإسلام كدين ينظم كل كبيرة وصغيرة في حياتنا وشعارنا قول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الأنعام162

فنسأل عن كل شئ يعترض حياتنا هل هو حلال أو حرام أيتوافق مع الدين أم يخالفه إلى آخر ذلك .

 

ثانيا: سؤال أهل الذكر

فلابد أن ُيسأل أهل الذكر، كما أرشدنا الله تعالى في كتابه بقوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أي ارجعوا إلى أهل المعرفة وأهل الخبرة، وهذه قاعدة في الحياة كلها، كما أن الإنسان، إذا مرض هو أو مرض ولده، يرجع إلى أهل الاختصاص في الطب، كذلك في كل أمر من الأمور ومنها أمور الدين.

وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم أصيب أحد الصحابة بجرح، وكان عليه جنابة، ولابد أن يغتسل ويتطهر، فأفتاه بعض من معه بأن ينزل الماء ويغتسل مع هذه الجراحة، فكانت النتيجة أن الرجل مات من آثار ذلك، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر هذه الحادثة قال في شأن هؤلاء الذين أفتوه: قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم.

 

ثالثا /تهيب السلف في الرد على الفتاوى

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يسأل فلا يجيب حتى يسأل جبريل.

وكان كثير من الصحابة لا يجيب عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه.

وكان الخلفاء الراشدون ـ مع ما آتاهم الله من سعة العلم ـ يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم.

وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري.

 

قال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه كفاه!

 

وقال عمر بن الخطاب: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.

وقال ابن مسعود: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.

 

وروي عن ابن عباس: إذا أخطأ العالم “لا أدري” أصيبت مقاتله.

 

وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، قيل له: ألا تستحي من قول “لا أدري” وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: “سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا”.

 

رابعا / إنكارهم على من أفتى بغير علم

كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها، ويعتبرون ذلك منكرا عظيما يجب أن يمنع.

وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا”.

ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو عاص أيضا .

 

مالفرق بين الداعية والمفتي ؟

ينبغي أن نحذر من الخلط بين الفقيه بمعناه الاصطلاحي والفقيه بمعانيه العرفية المتداولة، فالناس يعتبرون كل من يؤم الناس في المسجد فقيها ، وكل من يخطب الجمعة فقيها، بل وصل الأمر أن من التحى صار فقيها ومن واظب على الصلاة صار فقيها ، ووجدت في بعض الحالات من يفتي لأنه يملك أو قرأ تفسير ابن كثير أو فقه السنة …..  ولا حول ولا قوة إلا بالله .

هل أصبح الدين الاسلامي مشاعا لكل من قرأ عن الاسلام شيئا أن يفتي في مسائله؟؟
ألا توجد تخصصات في المهن الاخري بحيث لا يستطيع مهندس ان يمتهن مهنة الطبيب
، بينما في الدين يفتي الجميع ويتكلم الجميع !!!

وهذه مشكلة حقيقية قديمة حديثة ، لكنها في زماننا أشد ؛ لأن المفتين ـ الآن ـ  صاروا من الأطباء ومن المحامين ومن الصحفيين ومن المؤرخين ومن المفكرين؛  فازداد المشكل اتساعا.

إذن فالداعية غير الفقيه ،وكذلك إمام الصلاة وخطيب الجمعة والواعظ  والباحث والمفكر كل هؤلاء لا يلزم أن يكونوا فقهاء ومفتين.

فالفقيه متخصص في الفقه وأصوله وأدلته ، متبحر فيها محيط بمصادرها ومتمكن من الإفتاء بناء عليها؛  لأن الداعية قد تكون له قدرة بلاغية وقدرة تبليغية وقدرة بيانية ، ولكنه ليس له قدرة على إنتاج الأحكام الفقهية ، وتحريرها وتنزيلها.

ومن الممكن  لهؤلاء أن يقدموا بعض الفتاوى في المسائل العبادية البحتة باعتبارهم ناقلين لتلك الفتاوي وليس باعتبارهم مجتهدين منتجين لها ؛ كالذي يسأل عمن جاء مسبوقا في صلاته وعمن نسي فصلى بدون وضوء وعمن مرض بكذا وكذا هل يتيمم أو لا.. هذا يستطيع أي واحد ملم بنبذة من الأحكام الشرعية أن ينقلها له كما قرأها في الكتب وفهمها

فالمفتي هو فقيه متخصص متمكن من الأحكام الشرعية من أدلتها ،ودوره هو إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه الناس من خلال فهمه وتخصصه في الشريعة

 

خامسا / أخلاقيات المفتي :

1. أن يحيل سائله إلى من هو أعلم منه بموضوع الفتوى إذا كان لا يتيقن الجواب الصحيح  ولا يجد في ذلك حرجا في صدره.

سئلت عائشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين، فقالت للسائل: سل عليا، فإنه أعلم مني بهذا، وقد كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم.

 

2. أن يسأل إخوانه من أهل العلم ويشاورهم، ليزداد استيثاقا واطمئنانا إلى الأمر، كما كان يفعل عمر، حيث يجمع علماء الصحابة ويشاورهم، بل كان يطلب رأي صغار السن فيهم مثل عبدالله بن عباس، الذي قال له مرة: تكلم ولا يمنعك حداثة سنك.

 

3. أن يرجع عن الخطأ إذا تبين له، فالرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل، ولا إثم عليه في خطئه، لأنه مأجور عليه، وإنما يأثم إذا عرفه ثم أصر عليه عنادا وكبرا، أو خجلا من الناس والله لا يستحي من الحق.

 

4. أن يفتي بما يعلم أنه الحق، ويصر عليه، ولو أغضب من أغضب من أهل الدنيا، وأصحاب السلطان، وحسبه أن يرضي الله تبارك وتعالى. وكل الذي فوق التراب تراب.

ولقد امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية من أجل فتاويه التي خالف بها المألوف لدى المقلدين الجامدين، فكادوا له لدى أولي السلطة، حتى دخل السجن أكثر من مرة، وظل في محنته الأخيرة إلى أن وافاه الأجل رضي الله عنه.

 

سادسا / واجب المستفتي

1. السؤال عما ينفع : أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع. فهذا من: “أغاليط المسائل” التي جاء الحديث بالنهي عنها (رواه أبو داود).

وقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة لا ثمرة لها، فغضب لذلك غضبا شديدا، كسؤال عبدالله بن حذافة له: من أبي؟ لأن مثل هذا السؤال لا نفع له قط، لأنه إن كان له أب غير الذي ينسب إليه بين الناس، لم يكسب من ذلك إلا أن يفضح أمه، ويزري نفسه.

ولما سئل الإمام مالك عن معنى “الاستواء” في قوله تعالى (استوى على العرش) غضب وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة!

 

ولقد كان الفقيه التابعي الجليل الإمام عامر الشعبي يستخدم النكتة اللاذعة في الرد على هذا اللون من الأسئلة الغريبة.

 

سأله أحدهم يوما عن زوجة إبليس!! فقال: ذاك عرس لم أشهده!

 

وسأل آخر: كيف يخلل لحيته في الوضوء وهي كثيفة؟ فقال له: انقعها من الليل!

 

2-  وعلى المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا، وإنما لبس على المفتي، وغره بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها، فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته.

ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى عنه، لغير فتواه.

 

فلا يخدعن المستفتي نفسه، ويحلل لها ما يوقن ـ بينه وبين نفسه ـ أنه حرام، لمجرد أنه حصل في يديه فتوى من هذا الشيخ أو ذاك، هي ـ في واقع الأمر ـ في غير موضوعه، أو في غير حالته.

وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة، يجب أن يتوقف عن العمل بها، حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفت، أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى، حتى يزول التردد بالتثبت، وينقطع الشك باليقين، ما وجد إلى ذلك سبيل. فالقلب ـ أو الضمير بتعبير عصرنا ـ هو المفتي الأول في هذه الأحوال، كما في الحديث المعروف.

 

يقول العلامة ابن القيم: “لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: “استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك”.

 

فيسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

3- العمل بالفتوى بكل قيودها

وعلى المستفتي بعد ذلك أن يتفحص فتوى مفتيه تمام التفحص، ويتبين ما فيها من قيود وشروط تمام التبين، ثم يطبق ذلك على نفسه وحاله.

 

فلا يخطف الجواب خطفا، قبل أن يتأمل أوائله وأواخره، وما يحمل في طيه من قيود أو أوصاف قد لا تنطبق على قضيته عند التطبيق، وقد يجيب المفتي بكلام عام، ثم ينبه في أثناء فتواه أو على آخرها على قيد أو شرط، أو يستدرك كلامه الأول، فيقيد مطلقه، أو يخصص عمومه، أو يفصل مجمله.

 

فلابد للمستفتي أن يراعي هذا كله، ولا يأخذ ببعض الجواب دون بعض، إذا أراد أن يتخلص من التبعة، ويلقى الله تعالى سليما من الإثم.

 

سابعا / لماذا الخطأ في الفتوى

 

1– عدم فهم الواقع : الذي يسأل عنه السائل فهما صحيحا، ويترتب على ذلك الخطأ في “التكييف”، أعني في تطبيق النص الشرعي على الواقعة العملية.

ومن المفتين من يجازف بالفتوى في أمور المعاملات الحديثة، مثل التأمين بأنواعه، وأعمال البنوك، والأسهم والسندات، وأصناف الشركات، فيحرم أو يحلل، دون أن يحيط بهذه الأشياء خبرا، ويدرسها جيدا.

 

ومهما يكن علمه بالنصوص، ومعرفته بالأدلة، فإن هذا لا يغني ما لم يؤيد ذلك بمعرفة الواقع المسئول عنه، وفهمه على حقيقته.

 

2– الخضوع للواقع المنحرف :ومن المزالق التي تزل فيها أقدام المفتين في عصرنا: الخضوع لضغط الواقع الماثل بما فيه من انحراف عن الإسلام، وتحد لأحكامه وتعاليمه.

 

ولا ريب أن كثيرا من الناس، ممن يتصدون للحديث عن الإسلام وأحكامه يعانون هزيمة روحية أمام هذا الواقع، ويشعرون بالضعف البالغ أمام ضغطه القوي المتتابع.

فلا عجب أن تأتي أحاديثهم وفتاويهم “تبريرا” لهذا الواقع المنحرف، وتسويغا لأباطيله، بأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من برهان.

 

3- تقليد الفكر الغربي : ومن الأسباب الجوهرية وراء انحراف الكثير من الفتاوى في عصرنا: التقليد أو التبعية للفكر الغربي.

 

إن نفرا من قومنا يعانون ما يسمونه “عقدة النقص” تجاه الغرب والغرب له حضارته ، ونحن لنا حضارتنا وقيمنا النابعة من عقيدتنا، ولسنا ملزمين بأن نسير وراء الغرب في كل شئ ، وأي شئ .

نعم إن الله سبحانه وتعالى قد سوّى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ولكن أعطى لكل من الجنسين خصائص ومميزات في التكاليف تناسب خلقه وطبيعته وهو سبحانه الخالق العليم الحكيم في خلقه فلا نستطيع أن نعطي – كما فعل الغرب – الرجل تكاليف المرأة والمرأة تكاليف الرجل فتتفكك الأسر والمجتمعات.

إن عبيد الفكر الغربي بيننا قوم لا يقنعهم شيء، ولا يهمهم أن يقنعهم شيء.

 

 

إنهم يقولون: لا تأخذ بأقوال الأئمة ولا الفقهاء ولا الشراح والمفسرين، فإنها آراء بشر، ولا نأخذ إلا من الوحي المعصوم.

 

فإن وافقتهم على ذلك ـ افتراضا ـ قالوا: إنا نأخذ ببعض الوحي دون بعضه، نأخذ بالقرآن ولا نأخذ بالسنة! فإن فيها الضعيف والموضوع والمردود: أو نأخذ بالسنة المتواترة، ولا نأخذ بسنن الآحاد، أو نأخذ بالسنة العملية، ولا نأخذ بالسنة القولية!!

 

فإن سلم لهم ذلك قالوا: القرآن نفسه إنما كان يعالج أوضاع البيئة العربية المحدودة، وشؤون المجتمع البدوي الصغير، فلابد أن نأخذ منه ما يليق بتطورنا، وندع منه ما ليس كذلك!!

 

فإذا قال القرآن (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) وإذا سمى لحم الخنزير “رجسا” قالوا: إنما قال القرآن ذلك في خنازير كانت سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فليست كذلك ـ إنها خنازير عصرية، وليست خنازير متخلفة كخنازير العصور الماضية!!

 

وإذا قال القرآن في الميراث (للذكر مثل حظ الأنثيين) قالوا: إنما كان قبل أن تخرج المرأة للعمل، وتثبت وجودها في ميادين الحياة المختلفة.

 

أما اليوم فقد أصبح لها شخصيتها، واستقلالها الاقتصادي، فلزم أن ترث كما يرث الرجل، ولم يعد مجال للتفرقة بين الجنسين؟!

 

وإذا قال القرآن (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) قالوا: إنما حرم القرآن ذلك في بيئة حارة، ولو نزل القرآن في بيئة باردة، لكان له موقف آخر!!

 

ومعنى هذا أنهم ينسبون إلى الله تعالى، الجهل بأحوال خلقه، وأنه لا يعلم منها إلا ما هو واقع، وأما ما يخبئه القدر، وما يضمره المستقبل، فلا يعلمه، ولا يحسب حسابه.

 

4– الميل إلى العصبية والتقليد

فعلى المفتي أن يتحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى من المتقدمين أو المتأخرين، فالمفتي لا يلتزم رأيا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيا معينا، لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان، مع أن الله تعالى يقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ولا يسمى العلم علما إذا كان ناشئا من غير دليل.

ولقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: “لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله”.

 

6– الأخذ بالورع وترك التيسير :

فالمفتي عليه تغليب روح التيسيرعلى التعسير، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.

 

وذلك لأمرين:

 

الأول: أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن، وصرحت به السنة في مناسبات عديدة.

ففي ختام آية الطهارة من سورة المائدة يقول تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).

وفي ختام آية الصيام من سورة البقرة، وما ذكر فيها من الترخيص للمريض والمسافر بالإفطار، يقول سبحانه: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر).

 

والأمر الثاني: طبيعة عصرنا ، وكيف طغت فيه المادية على الروحية، والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرت فيه المغويات بالشر، والعوائق عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر

يقول سفيان الثوري: “إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!”.

وهكذا كان علماء السلف: إذا شددوا فعلى أنفسهم، أما على الناس فييسرون ويخففون.

وليس معنى هذا أن نلوي أعناق النصوص رغما عنها، لنستخرج منها ـ كرها ـ معاني وأحكاما تيسر على الناس.

كلا، فالتيسير الذي أعنيه، هو الذي لا يصادم نصا ثابتا محكما، ولا قاعدة شرعية قاطعة، بل يسير على ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام.

 

ولهذا لا نتساهل قط في تحريم الفوائد الربوية من البنوك وغيرها، لأن النصوص في ذلك صريحة محكمة، تتحدى أي متهاون في شأنها.

 

ولا نتساهل في أمر التدخين ـ رغم عموم البلوى به ـ لأن قواعد الشرع تمنعه وتأباه.

 

وعلى العموم: إذا كان هناك رأيان متكافئان: أحدهما أحوط، والثاني أيسر، فإني أؤثر الإفتاء بالأيسر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.

 

أما الأحوط فيمكن أن يأخذ به المفتي في خاصة نفسه، أو يفتي به أهل العزائم والحريصين على الاحتياط، ما لم يخش عليهم الجنوح إلى الغلو.

 

مالعمل عند اختلاف الفتوى ؟

إذا اختلف أهل الفتوى في قضية معينة فالواجب على المسلم أن يأخذ بما يطمئن إليه قلبه، كما إذا اختلف أهل الطب على المريض فمثلاً شخص ابنه مريض وعرضه على عدة أطباء هذا يقول مرضه كذا، والآخر يقول لا مرضه كذا، وهذا يقول يحتاج لعملية والآخر يقول لا يحتاج لعملية!!!

فماذا يفعل الإنسان في هذه الحالة لابد أن يرجِّح، إما يأخذ برأي الأكثرية، ، أو يأخذ برأي الأعلم فهذا متخصص وطبيب معروف ومشهور، فهناك مرجحات تجعل الإنسان يطمئن إلى هذا الرأي، فالشخص الذي يطمئن إلى سعة علمه ومتانة دينه ووسطيته واعتداله هو هذا الذي يأخذ به .

حكم تتبع الرخص

الرخص الشرعية الثابتة بالكتاب أو السنة لا باس بتتبعها والأخذ بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب أن توتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه” رواه ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنه.

وهذه الرخص مثل القصر والفطر للمسافر، والمسح على الخفين والجبائر.
ومن الرخص الشرعية ما يجب الأخذ به كالأكل من لحم الميتة عند الضرورة وخوف الهلاك.
أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها دون سبب من الأسباب المعتبرة فإنه يعد هروباً من التكاليف وهدماً لبنيان الدين، ونقضا لمقاصد الشرع المرعية في الأوامر والنواهي الشرعية.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. نحمدك اللهم على كل حال، ونعوذ بك من حال أهل النار.

هذه الخطبة اقتبست الأفكار الريئسية منها  من كتاب( الفتوى بين الانضباط والتسيب) للدكتور القرضاوي حفظه الله

 

 

 

 

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى

محاضرة الشيخ الغزالي عن الرسول التي بكى فيها وأبكى  دخل الشيخ محمد الغزالي إحدى الجامعات بالشرق الجزائري محاضراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما إن دخل القاعة التي غصت بالطلبة حتى جلس يغالب دمعته ….. ثم قال بصوت متقطع : … أنا… أنا… مثلي يتحدث عن محمد!!! وأجهش باكياً… وطال بكاؤه… ثم قام خارجاً من القاعة ودموعه لا تتوقف

تاريخ الإضافة : 20 نوفمبر, 2017 عدد الزوار : 327 زائر