ما حكم التسعير في الإسلام ؟

تاريخ الإضافة 16 مارس, 2019 الزيارات : 31

ما هو التسعير ؟

التسعير في اللغة: هو تقدير السعر، والمراد به هنا: تقدير ولي الأمر سعراً، وإجبار الناس على التبايع به.

والتسعير بهذا المعنى محل خلاف بين العلماء في جوازه لولي الأمر ليلزم الناس به.

تحرير محل النزاع:

أ- التسعير في الأحوال العادية حرام كما إذا كان التجار يبيعون على الوجه المعروف وليس هناك تدخل في حرية السوق، والعرض والطلب يعملان بصورة طبيعية، فالتسعير في هذه الحالة ظلم لا يجوز باتفاق الفقهاء.

قال شيخ الإسلام: إن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز …… وقال: فإذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر: إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة عينها إكراه بغير حق، وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل ا.هـ.

ب- أما إذا تدخلت في السوق عوامل غير طبيعية كاحتكار السلع، وعدم بيعها إلا بزيادة على القيمة المعروفة ونحو ذلك من التدخل غير المشروع في عملية العرض والطلب، وما ينتج عن ذلك من غلاء مفتعل، فهل يجوز التسعير أولا؟ محل خلاف بين العلماء .

أقوال العلماء في المسألة:

القول الأول: تحريم التسعير مطلقاً. وهو قول للمالكية في رواية ، وهو الصحيح من مذهب الشافعية ، ومذهب الحنابلة في المشهور .

أدلتهم:

 أولاً: من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾

ووجه الدلالة منها: أنها تفيد إطلاق الحرية للبائع، والتسعير حجر عليه، وإلزام له بصفة معينة في البيع؛ إذ قد لا يكون راضياً به، فيكون كالأكل بالباطل الذي نهت عنه الآية الكريمة

ونوقش بـ : أ- أنه لا مخالفة لمدلول الآية بالتسعير: لأنه إلزام بعوض المثل، فلا باطل فيه، بل هو مصلحة للطرفين، وإنما الباطل لو استغل أحدهما صاحبه بغير وجه حق.

ب- أن في قبول المشتري – من غير تسعير – شراء ما هو مضطر إليه، أو محتاج إليه ظلماً له، وليس هذا مقتضى التراضي المذكور في الآية.

ج- أن إجبار البائع في هذه الحالة إكراه بحق، وهو جائز بإجماع العلماء.

ثانياً: من السنة: ما ورد من الأحاديث في النهي عن التسعير، ومنها حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: غلا السعر على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله سعّر لنا، فقال: “إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله – عز وجل – وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال” أخرجه أبو داود.

ووجه الدلالة منه: امتناعه عن التسعير مع الغلاء الحاصل، فدل على عدم جوازه، كما أنه علل امتناعه عنه بأنه ظلم، والظلم محرم، فدل على تحريمه.

ونوقش بـ: أ- أن الصورة في الحديث خارجة عن محل النزاع، كما سبق ذكره في تحرير محل النزاع؛ لأن الغلاء هنا من الله وليس بسبب التجار، وما كان كذلك فلا تسعير فيه باتفاق، قال ابن تيمية: ومن منع التسعير مطلقاً محتجاً بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله هو المسعر…” الحديث فقد غلط، فإن هذه قضية معينة وليست لفظاً عاماً، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه، أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل ا.هـ. 

ب- ثم إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يحرم التسعير، وإنما امتنع من التسعير، وهذا لا يلزم منه التحريم.

القول الثاني: جواز التسعير إذا وجد له سبب معتبر. وهذا مذهب الحنفية  وذكر رواية عن مالك وبه قال بعض أصحابه ، وهو قول ثانٍ عند الشافعية ، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم .

أدلة القول الثاني:

1- حديث سمرة بن جندب وفيه: أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فقال: أنت مضار فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للأنصاري: “اذهب فاقلع نخله” أخرجه أبو داود والبيهقي.

ووجه الاستدلال: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أوجب عليه البيع إذا لم يتبرع ببيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري، فمن باب أولى حاجة عموم المسلمين

ونوقش: بأن الحديث ضعيف لانقطاعه؛ كما قرره ابن حزم والشوكاني وغيرهم.

2- وأيضا القياس على المنع من الاحتكار، وعلة النهي فيه ظلم الناس بمنعهم من الوصول إلى ما يحتاجونه من القوت، فيقاس عليه التسعير؛ لأنه يمنع الناس – وخاصة الفقراء – من الوصول إلى شراء أقواتهم بسبب الغلاء، فيجبر على البيع بثمن المثل، كما أجبر المحتكر على ذلك.

3- وكذلك القياس على الإكراه بحق فيما لو أجبر الغريم على بيع ماله لوفاء دينه. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، فإجبار المدين إنما هو لحق الدائن بخلاف التسعير فلا حق موجود فيه.

وأجيب عن هذه المناقشة: بوجود الحق، وهو حق عامة المسلمين في شراء ما في يده بثمن المثل بلا استغلال ولا إجحاف بعوض المثل

 4- أن في التسعير عند تجاوز التجار ثمن المثل في البيع تقديماً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولا خلاف بين الفقهاء في تقديم المصلحة العامة في هذه الحالة على الخاصة.

5- الاحتجاج بقاعدة سد الذرائع. ووجه ذلك: أن ترك حرية الناس في البيع والشراء بأي ثمن دون تسعير هو أمر مباح في الأصل، ولكنه قد يؤدي إلى الاستغلال والجشع والتحكم في ضروريات الناس، فيقضي هذا الأصل الشرعي بسد هذا الباب بتقييد الناس بأسعار محددة عند الحاجة.

ونوقش: بأن تقييد حرية التجار في البيع فيه ضرر، والضرر لا يزال بالضرر.

وأجيب عن هذه المناقشة: بأن الضرر الحاصل من منع التسعير أعظم وأشد من الضرر الناتج من منع التسعير، ولا شك أن المفسدة الكبرى تدفع بالمفسدة الصغرى

الترجيح:

والراجح – والله أعلم – هو القول بجواز التسعير عند وجود ما يقتضيه:

1- لقوة أدلته ووجاهتها.

2- وموافقة ذلك لما تقتضيه حاجة الأمة ودفعاً للضرر عنها.

3- وأدلة المانعين قد أجيب عنها بما يقتضي عدم وجاهة استدلالهم.

4- أنه يترتب على ترك التجار في مثل هذه الأحوال ظلم الناس، والظلم لا يجوز إقراره.

5- ثم حاجة الناس إلى التسعير حاجة عامة ملحة في السلع والحرف.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

أيها المغتربون .. استمتعوا حيث أنتم د. فيصل القاسم

أيها المغتربون .. استمتعوا حيث أنتم د. فيصل القاسم مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس

تاريخ الإضافة : 15 فبراير, 2019 عدد الزوار : 2111 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 36
  • 0
  • 1٬501
  • 0