لماذا نصوم؟ هل نجد جوابا لا يعقد الأمر؟ د.خالد حنفي

تاريخ الإضافة 26 مايو, 2019 الزيارات : 132

د.خالد حنفي

د.خالد حنفي

لماذا نصوم؟ .. هل نجد جوابا لا يعقد الأمر؟

سؤال يتكرر كثيرا خلال شهر رمضان على الساحة الأوربية، من الأجيال الجديدة لأولاد المسلمين في الغرب، الذين نشأوا في بيئة الأسئلة المفتوحة، والتي تمنطق كل شيء ولا تُسلِّم أو تستسلم قبل معرفة الحكمة أو السر وراء الأمر أو النهي، كما يُطرح السؤال من غير المسلمين خلال شهر رمضان حيث تطول ساعات الصيام صيفا فتتراوح بين 17 و21 ساعة فيسألون: كيف تتحملون هذه الساعات دون طعام أو شراب وتواصلون حياتكم الطبيعية، ولئن قبلنا الامتناع عن الطعام فكيف تمتنعون عن شرب الماء، وكيف يأمر الإله الرحيم بما يشبه التعذيب، ويضر ببدن الإنسان؟

إن السؤال “لماذا نصوم؟” سؤال مشروع، والقرآن الكريم حافل بالتعليل والتقصيد وبيان الحكمة من فرائض الأحكام فقد بين أن القصد الأكبر من الصيام تحقيق التقوى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، وأن الذكر والاتصال بالله من أعظم مقاصد الصلاة فقال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} العنكبوت: 45، وأن تطهير النفس من الشح مقصد الزكاة بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103 ، وأن ذكر الله وشهود المنافع أهم مقاصد الحج فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الحج: 28.

المسلمون لم يكونوا بحاجة في عصر من العصور إلى فلسفة الأحكام وتعليلها وتقصيدها مثلما هم بحاجة إليها اليوم، حيث التشكيك في المسلّمات، ورواج الأفكار التي لا يتخيل أن يكون لها أنصار

وليس في الإسلام شيء غير معقول المعني، فالمعنى والحكمة موجودة لكنها قد تظهر لعالمِ وتخفى على غيره، وخفاؤها لا يعني عدم وجودها، وقد أدركتُ أن القصد من عدم التنصيص على الحكمة والقصد من التشريعات بصورة قاطعة حاسمة هو أن يستمر البحث وإعمال الفكر والنظر مع تتابع العصور والأزمنة، لتبقى الحكم والمقاصد حية منفتحة متجددة بتجدد الأزمنة، ومتعددة بتعدد الأنظار. أدركت هذا المعني عندما كنت أجعل الخطبة الأولى من شهر رمضان كل عام للحديث حول فلسفة الصوم ومقاصده، فكان يظهر لي في كل عام سر جديد للصيام أصل إليه بنفسي، أو أطالعه لأحد العلماء والمفكرين السابقين أو اللاحقين، حتى اجتمع لي 16 حكمة ومقصدا للصيام.

وقد طغى على فقهنا الموروث التركيز على صورة عبادة الصيام وتصحيحها شكلا، على حساب بيان سرها ومعناها، حتى وصلت المفطرات عند بعض الفقهاء الى 57 مفطرا، وقد وصف الدكتور محمد عمارة هذا الواقع الفقهي بقوله: (نحن أمام متصوفة بلا عقول، وأمام فقهاء بلا قلوب). ينكر خلو الفقه من المعاني والمقاصد وجفافه بالتركيز على الصور والأحكام. وقد أحسنت المجامع الفقهية المعاصرة إذ نحت عكس هذا المنحى فضيقت من دائرة المفطرات العصرية. ولعل السابقين من فقهائنا ضيقوا في بيان أسرار العبادات خوفا عليها من الإضافة أو التغيير ورغبة في صيانتها من التحريف والتبديل، فإذا قلنا إن الصيام يهدف لرعاية الجسم صحيا لا يأتي من يقول سأحقق ذلك بالرياضة وتنظيم الغذاء ولا حاجة لي بالصيام! وهكذا. لكن في زماننا وعالمنا المفتوح صار التعليل وبيان الحكمة هو الحامي للامتثال والأدعي للانقياد، والأكمل في عرض الإسلام للعالمين، وهو المعنى الذي عناه ابن القيم حين قال عن تقصيد الأحكام: هو الفقه الحي الذي يدخل القلوب بلا استئذان.

  

لقد أصبح الجواب عن السؤال (لماذا) بالتعبدية وعدم المعقولية اليوم يعقد الأمر ولا يحله، ولا يصون التدين والأحكام كما كان في زمن السابقين، بل يفتح الباب للتشكيك والتردد في قبول الأحكام. وعلينا أن ننبه إلى أنه لا يصح عقلا ولا يجوز شرعا أن نؤخر الامتثال حتى تظهر لنا الحكمة، ولكن علينا أن نمتثل لأمر الله فنصوم ونتابع البحث والجواب على السؤال لماذا نصوم. فيكون الجواب ممهدا ومهيئا لغير المسلم بقبول أحكام الإسلام ومنطقيتها، ويزيد المسلم انقيادا وامتثالا واذعانا لأمر الله.

إن المسلمين لم يكونوا بحاجة في عصر من العصور إلى فلسفة الأحكام وتعليلها وتقصيدها مثلما هم بحاجة إليها اليوم، حيث التشكيك في المسلّمات، ورواج الأفكار التي لا يتخيل أن يكون لها أنصار، فما كان صالحا مقبولا في أزمنة مضت لم يعد صالحا اليوم. لقد كان المسلمون الجدد الذين لهم اشتغال بالفلسفة أو التأمل أكثر وعيا من المسلمين (بالوراثة) في حديثهم وتأملاتهم حول الإسلام، وعبادة الصيام تحديدا، وسأذكر طرفا من حديث بعضهم إن شاء الله تعالى.

    

  

إن الجواب على السؤال “لماذا نصوم؟” مهم لما يلي:

للمسلم الصائم الطائع: ليزداد إيمانا، {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260. للمسلم المتشكك رغم صيامه، أو الممتنع عن الصيام لعدم منطقيته: هاتفني شاب ازداد في ألمانيا يستشيرني في أمر صديقه المسلم الذي قرر الامتناع عن الصيام هذا العام قائلا: صمت أكثر من 20 رمضانا وأنا غير مقتنع بمعقولية هذه العبادة أو فائدتها، وإنما صمت إرضاء لوالديَ، وتحت ضغط المحيط الاجتماعي للأسرة.    

لغير المسلم سواء الملحد: أو المؤمن بدين آخر ويريد أن يفهم فلسفة الصيام وأبعاده غير التعبدية.

للفقيه والمجتهد: ليستبطن تلك المقاصد والحِكَم في اختياره واجتهاده وترجيحه الفقهي وتنزيله على الواقع المعيش.

ولا يعني ذلك أن الأجوبة التي سأقدمها على السؤال لماذا نصوم هي أجوبة نهائية وقاطعة وحاسمة ولكنها اجتهاد: منه ما هو تأملي، ومنه وهو الأغلب ورد في ثنايا حديث الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وليس القصد احصاء الحكم والمقاصد وحصرها وإنما فتح الباب للإضافة والضبط والإكمال كما قال ابن خلدون: “فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضوع العلم، وتنويع فصوله، وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئاً فشيئاً إلى أن يكمل”.

لماذا نصوم؟ (2).. هل حرّرنا الصيام من عاداتنا ورغباتنا؟

في مقالنا السابق أكدنا على أهمية وضرورة تقديم الإسلام وأحكامه في عصرنا تقديما فلسفيا مقاصديا، يبرز الحكمة والقصد من تلك التشريعات، وقد نتج عن غياب هذه الحكمة عدم وجود أثر العبادة في واقع المسلمين كما وصف ذلك الدكتور مراد هوفمان السفير والمفكر الألماني بقوله: إن صوم رمضان أصبح يمارس في أقسام من عالم المسلمين على نحو يجرده من مغزاه الديني، ويجعله جزءا متحررا من المدنية، وهذا يفسر أيضا السلوك الغريب من جانب بعض المسلمين إذ يمتنعون عن تناول الخمور في رمضان، باعتباره شهر إسلام مقابل أحد عشر شهرا للراحة من الإسلام. ومن حِكم ومقاصد الصيام ما يلي:

أولاً: المقصد الإنساني

يجوع الصائم لبعض الأوقات ليشعر بمن يجوع كل الأوقات، وإذا كان الصائم يعاني ويجاهد نهارا بترك الأكل والشرب، فإنه ساعة الإفطار يجد صنوف الطعام والحلوى والمشروبات، لكن غيره من الفقراء والمعوزين لا يجدون طعاما إن في نهاية اليوم أو في اليوم التالي، فعندما يجوع الصائم يتذكر غيره من الجائعين فيسعى للتخفيف عنهم ومساعدتهم وإطعامهم، لأن المسلم لا يحيا لنفسه فقط.

 وهذا المعنى أطلق عليه الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله “الاشتراكية الإنسانية الأخلاقية” فمشاركة الآخرين الهموم والعمل على التخفيف عنهم، وغرس قيمة ومعنى المساواة قائم في كل العبادات، ففي الصلاة “اشتراكية” الرؤوس لا يعلو رأس كبير على رأس مغمور، وفى الصوم “اشتراكية” البطون، لا يمتاز فيها بطن على بطن، وفى الزكاة “اشتراكية” في الأموال لا تمتلئ في جيب وتفقر منها في جيب، وفى الحج “اشتراكية” في الأجساد لا يتميز جسد عن جسد بلباس ولا غطاء.

إنسانية الإسلام ظاهرة واضحة في تشريعاته وأحكامه، بل إن القرآن الكريم كتاب إنساني، لكن المسلمين اليوم لم ينجحوا في تجسيد هذه القيمة

لكن ممارسات المسلمين اليوم في شهر رمضان، لا تعكس وقوفهم على هذا المعنى؛ فقد أصبح شهر رمضان أكثر الشهور التي ينفق فيها على الطعام والشراب، وقد صارت بطون الصائمين تتألم من كثرة الطعام بعد الإفطار، أكثر من تألمها من الجوع بالصيام! وهو ما لاحظه الدكتور مراد هوفمان حين قال: (يرتفع كثيرا استهلاك الأغذية في رمضان بدلا من أن ينخفض، أما ما ينخفض بالتأكيد فهو إنتاجية العمل، ويؤثر رمضان على الإنتاج القومي في هذه البلدان كما لو كان مدة إجازة ثانية).

لقد أدرك نائب في البرلمان الكندي هو مارك هولاند هذا المعنى من الصيام بعد أن صام مع المسلمين لعامين متتاليين وهو غير مسلم، وهو صائم أيضا هذا العام وقد عرض تجربته أمام البرلمان الكندي قائلا: أخوض تجربة الصيام لأمرين اثنين: الأول: هو الشعور بمعاناة الجوعى، والثاني توفير مال الوجبات التي لا آكلها أثناء الصيام والتبرع بها لإحدى المؤسسات الخيرية، التي تعنى بالجوعى والمحتاجين في كندا والعالم. وأضاف: إن المحتاجين كُثر في عالمنا اليوم، وهم ليسوا بحاجة للطعام ليوم واحد بل دوما. إن العالم يموت به يوميا 21 ألف شخص جوعا (بحسب تقرير منظمة الأغذية العالمية “فاو”)، وليس فقط خلال شهر رمضان، وهناك الملايين الذين يعانون التخمة والحيرة في الاختيار بين ألوان وأنواع الأطعمة خاصة في شهر رمضان!

إن إنسانية الإسلام ظاهرة واضحة في تشريعاته وأحكامه، بل إن القرآن الكريم كتاب إنساني، لكن المسلمين اليوم لم ينجحوا في تجسيد هذه القيمة، والإسلام في إنسانيته ورعايته للمحتاجين لا يفرِّق بين الناس على أساس الدين، وقد جوّز عمر بن الخطاب إعطاء غير المسلم من الزكاة المفروضة لا فرق في ذلك بين الفقير المسلم وغير المسلم، وهو ما رجحه عدد من الفقهاء المعاصرين، وهو ترجيح مقاصدي إنساني يسنده الدليل والبرهان.

إن توافد آلاف اللاجئين على ألمانيا وأوروبا أظهر البعد الإنساني في الشخصية الأوروبية، بينما تأخر المسلمون نسبيا في القيام بواجبهم الإنساني، وسبقت الكنائسُ المساجد بفتح أبوابها للاجئين، ولم تقع التفرقة بين الناس على أساس الدين في الدعم والإغاثة على أساس الدين. تحدث وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله في احتفالات بلاده بذكرى تأسيس الكنيسة البروتستانية الألمانية في ثاني أيام رمضان 28/5/2017م قائلا: إن الدين الإسلامي يتضمن الكثير من القيم الإنسانية القوية التي يمكن للمسيحيين والملحدين في ألمانيا التعلم منها مثل إكرام الضيف، والتسامح.

فهل يفعلها المسلمون في ألمانيا وأوروبا خلال شهر رمضان فيقومون بتجسيد هذه القيم الإنسانية، ماذا لو رفع المسلمون في ألمانيا وأوروبا شعار: (في رمضان أشعر بالجائعين) وقاموا بجمع الأموال الفائضة من الاقتصاد النسبي في الإنفاق على الطعام خلال شهر رمضان، وإيصالها من خلال المؤسسات الخيرية للجائعين والفقراء وحفر آبار المياه لهم حول العالم، والإعلان في نهاية الشهر عن النتائج لتشجيع غيرهم ويستمر هذا المشروع كل رمضان، ويصبح من تقاليد شهر رمضان المعروفة في المجتمع، تُرى كيف سينظر المجتمع إلى أثر تلك العبادة التي رأوها غير منطقية في بادئ الأمر، وكم عدد المتفاعلين معها من غير المسلمين، وكم عدد الذين سيخوضون تجربة الصيام فضولا للشعور بالناس؟! وكيف سيرى المجتمع دور المسلمين الإيجابي الانساني في العالم، وكيف ستقدم التجربة في الإعلام؟ إن المبالغ التي يمكن جمعها للجائعين من ملايين الصائمين ستكون هائلة، وستخرج بنفس سمحة مستظلة بروح الصيام والقيام.

الصائم إذا نجح بالصيام في تحرير نفسه من أهوائها، صار قادرا على تحرير وطنه وأمته من الظلم والاستبداد وعيشها بحرية وكرامة

ثانياً: الحرية والتحرير

الصيام يحرر الإنسان من شهوات نفسه ورغباتها، ويمكنه من قيادة نفسه وضبط زمامها، وسيادتها وقيادتها، فمن تحكم في نفسه وكبح جماحها بالصوم، قادر على أن يمنعها عن الشر وأن يوجهها للخير، وتلك هي الحرية الحقة، فليست الحرية أن ينطلق الانسان وراء شهواته وملذاته يأكل ما يشاء، ويشرب ما يشاء، ويخالل من يشاء وقتما شاء، كلا فتلك عبودية ترتدي ثوب الحرية، فقد أصبح الإنسان بهذا عبدا لتلك الشهوة وهذه العادة من قهوة، أو سيجارة، أو ماركة، أو منصب، أو مال، أو كذا، أو كذا.

ويرى الدكتور مصطفى السباعي: أن تمام الحرية قد يكون بالمنع أحياناً، فالمريض حين يمنع من الطعام الذي يضره إنما تحد حريته في الطعام مؤقتا، لتسلم له بعد ذلك حريته في تناول ما يشاء من الأغذية. ويقول الدكتور مراد هوفمان: وبالنسبة لي لعل أهم أثر جانبي لصوم رمضان أن اختبر ما إذا كنت ما أزال سيد نفسي أم أننى صرت عبدا لعادات تافهة، وما إذا كنت ما أزال قادراً على التحكم في نفسي أم لا؟ وأتمنى أن يكون فرحا وليس غرورا ذلك الذي أشعر به بعد انتهاء آخر أيام رمضان أي عند صلاة المغرب، من أننى استطعت بعون الله أن أصومه.

عندما أرقب إدمان الصائمين للهواتف وانشغالهم بها عن اغتنام الشهر الكريم أقول: هل حرّر الصيام حقا هؤلاء من عاداتهم ورغباتهم، فقدموا ترفيها يمكن استرجاعه، على عبادة وفضل إذا فات لا يعود؟! إن الصائم إذا نجح بالصيام في تحرير نفسه من أهوائها، صار قادرا على تحرير وطنه وأمته من الظلم والاستبداد وعيشها بحرية وكرامة، فهل تدرك أمتنا الصائمة هذا المعنى فتنطلق لتحرير أوطانها بأخلاق الصائمين ومسالمتهم وحكمتهم؟

ثالثاً: تحقيق الوحدة والترابط الاجتماعي

يبدأ المسلمون صومهم في يوم واحد، ويُعيّدون في يوم واحد، كما يُمسكون عن الطعام والشراب في لحظة واحدة، ويعودون إليه في لحظة واحدة في المدينة الواحدة، وتنظم المساجد والمؤسسات الإسلامية في أوروبا وفي العالم العربي والإسلامي موائد الإفطار الجماعي التي تعكس روح الترابط الاجتماعي والثقافي بين المسلمين خلال شهر رمضان، وتجتمع الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة خلال شهر رمضان كما لا تجتمع في غيره من الشهور والأوقات، وتلتقي العائلات والأصدقاء في الإفطار في جو إيماني واجتماعي فريد.

كل هذا ناطق بواحد من مقاصد الصيام المهمة، وهو أن الصيام يجمع المسلمين في رمزية للأخوة والتواصل والاجتماع وإن تباعدت البلدان، واختلفت الألسن والألوان، لهذا فليس هناك مبرر فقهي لاستمرار الاختلاف حول إعلان بداية ونهاية رمضان كل عام حتى يصل إلى ثلاثة أيام في بعض الأحيان، وقد كان الدافع وراء القول باختلاف المطالع بمعنى: أن ترى كل بلد الهلال فإن رأوه صاموا، وإن لم يروه أكملوا العدة دون نظر إلى رؤية غيرهم في البلدان الأخرى، كان الدافع وراء هذا القول طبيعة زمن الفقهاء قديما حيث لم يتصوروا إمكانية وصول خبر الرؤية إلى البلد الآخر، لهذا كان هذا الرأي متوافقا مع واقعهم وبيئتهم، أما في زماننا فيُنقل الخبر صوتا وصورة في نفس اللحظة، لهذا ليس هناك مسوغ أو مبرر للقول باختلاف المطالع اليوم، لأنه يؤدي إلى اختلاف المسلمين داخل البلد الواحد، فقد يُري الهلال في شماله ولا يرى في جنوبه!

شرعت زكاة الفطر، لتحقيق الوحدة والترابط الاجتماعي في يوم العيد، فلا تقتصر الفرحة بالعيد على الأغنياء والقادرين فقط، وإنما يشترك الجميع الغني بماله، والفقير بما وصله من صدقة العيد

وقد انتهى أضخم مؤتمر فقهي فلكي عقد في إستانبول مايو 2016م إلى ترجيح التقويم الأحادي، وأصدر تقويما هجريا موحدا يقوم على أسس شرعية وفلكية قوية، وأُقر بأغلبية ثلثي الحضور الذين مثّلوا 76 دولة، وهو يؤسِّس لوحدة عالمية للمسلمين في الصوم والفطر، ويحقق بامتياز مقصد الترابط والاتحاد ويقضي على الاختلاف الحاصل في الصوم والفطر، ويربط المسلمين بتقويمهم الهجري حيث يمكنهم تنظيم حياتهم عليه.

يتحدث الدكتور مراد هوفمان مندهشا حول اختلاف المسلمين في تحديد بداية رمضان ويوم العيد فيقول: (من المخزي أن يظل مسلمو الأرض مختلفين في أيام بدء وانتهاء صومهم تبعا لكونهم أتراكاً، أو مغاربة، أو سعوديين، وهذا أمر من شأنه أن يضر بالصوم بوصفه حدثا جماعياً، وأن يُعرض المسلمين لسخرية الآخرين.

ويرجع الاختلاف لسببين: أولهما أن الأمة مجزّأة إلى دول قومية، ولا يكفي التركي أو المغربي أن يعرف أن رؤية الهلال ثبتت في مكة، إذ لابد بالنسبة لكل منهما أن تثبت رؤيته في قونية، أو فاس. والسبب الثاني: أنه جرت العادة في عصور الإسلام الأولى أن تثبت رؤية الهلال بالعين المجردة وليس بالحسابات الفلكية أو بالتنبؤات، ويتمسك المتشددون بتلك الإجراءات لتحديد الشهر القمري، رغم أن تحديد الهلال أمر هين بالحسابات الفلكية الدقيقة اليوم. أليس من الممكن حقا أن تُوحد مواعيد شهر الصوم في أنحاء العالم الإسلامي كافة بناء على الحسابات الفلكية؟!)، وإنما شرعت زكاة الفطر، لتحقيق هذه الوحدة والترابط الاجتماعي في يوم العيد، فلا تقتصر الفرحة بالعيد على الأغنياء والقادرين فقط، وإنما يشترك الجميع الغني بماله، والفقير بما وصله من صدقة العيد.

ولتحقيق معنى الجماعية في الصوم والفطر اتفق الفقهاء على أن من صام في بلد وعيَّد في بلد آخر، وجب عليه الفطر في البلد الذي عيَّد فيه، فإن ترتب على ذلك أن صام 28 يوما أفطر مع الجماعة وعيَّد معهم، ثم قضى اليوم وحده بعد رمضان، وإن ترتب على ذلك أن يصوم 31 يوما أفطر سراً، وذلك ليتناغم مع الجماعة ولئلا يخدش جماعية الصوم، ودليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس). ومع الاختلاف الذي يقع في أوروبا في الصوم والفطر، أكدنا لمسلمي أوروبا أن وحدة الأسرة أولاً، فوحدة المسلمين في المسجد الواحد، ففي المدينة الواحدة، فالوحدة الأوروبية، وذلك رعاية وتحقيقا لمقصد الترابط والوحدة الجماعية للمسلمين.

لقد كان فضيلة الشيخ عبدالمعز عبدالستار رحمه الله يقول: إن المساجد هي مصانع التوحيد، أي أنها توحد بين الناس وتذيب الفوارق بينهم، وأكثر ما رأيت هذا المعنى جليا واضحا في رمضان أوروبا حيث تجتمع أكثر من 50 جنسية على مائدة إفطار واحدة يدور بينهم الحديث والتعارف والتواصل المفقود في العالم المادي الذي يعيشونه، حتى رأيت شخصيات مرموقة من المسلمين الجدد يفَضِّلون الإفطار في المسجد رغم تواضع الطعام، على الفطر في المطاعم أو بيوتهم طلبا لهذا الدفء الاجتماعي المفقود على مدار العام، وقد لفت المفكر والفيلسوف الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري النظر إلى خطر الوجبات السريعة “التيك أواى” التي تُفقد الناس متعة إعداد الطعام والجلوس والحوار معه فقال: (إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته، أو أصدقاءه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره. ولعل العبارة العامية المصرية ” أكلوا عيش وملح سوا” أي سويا تشير إلى مجموعة القيم هذه).

 

ويبقى أن نقول: إن هذه الإفطارات الجماعية المهمة، لم تنجح بعد في إبراز هذا المقصد الاجتماعي بالصورة المرجوة الكافية خاصة في الغرب، الذي يعاني فراغا اجتماعيا يمكن للحضور الإسلامي في الغرب أن يساهم في ملئه في إطار التواصل الحضاري المأمول.

الصيام تفكير بالمقلوب ومخالفة للمألوف، حيث يخالف الصائم عادته في الطعام والشراب وسائر المباحات، فيمتنع عن الطعام في الوقت الذي يأكل فيه الناس عادة

إن ما نشهده في شهر رمضان المبارك من استمرار الحصار والمقاطعة لبلد عربي شقيق، يُبطل هذا المقصد، ويشوش على الوحدة التي نتغياها من الصيام، ويقدِّم صورة سلبية للمسلمين في العالم، ويجعلهم مثارا للسخرية في الصحافة العالمية، كما عبرت صحيفة ألمانية في رسم ساخر مضمونه: السعودية تطالب قطر بعدم التوجه الى المسجد الحرام في الصلاة! في إشارة إلى التناقض الصارخ، فإذا كنتم تتجهون في الصلاة لقبلة واحدة، وتصومون وتفطرون في لحظة واحدة ففيم المقاطعة والحصار؟!

إن تأييد بعض العلماء والدعاة لهذا الحصار أمر مخجل ومحزن، فالأصل أن يأخذ العلماء بيد السلاطين والحكام إن تخاصموا أو تدابروا أو حرَّش الشيطان بينهم في غير رمضان، فكيف برمضان؟! ولئن قُبِل ذلك فرضا من الأنظمة والحكومات فلا يقبل بحال من العلماء، ويجب ألا تسقط الشعوب في سجالات ومواقف، تشوش على وحدتها وأخوتها وتماسكها، وحين تقع في هذا في شهر الصوم، فحظها من صيامها الجوع والعطش.

رابعاً: تنمية ملكة الإبداع والتجديد

يتحدث خبراء التنمية البشرية عن أن من أهم طرائق الإبداع والتجديد (التفكير بالمقلوب)، فإذا كانت الصورة التقليدية أن يذهب التلميذ للمدرسة، فالتفكير بالمقلوب أن تأتي المدرسة للتلميذ في البيت، وقد طُبق في صور التعليم عن بُعد، وإذا كانت الصورة التقليدية في حدائق الحيوانات أن توضع الحيوانات في أقفاص ويشاهدها الناس بالتنقل بين هذه الأقفاص، فالتفكير بالمقلوب، أن يوضع الزّوار في الأقفاص والحيوانات تكون طليقة في الحدائق، وقد طُبق هذا في بعض حدائق الحيوانات في أوروبا وكان الإقبال على هذه الحدائق أكبر؛ لأن متعة الناس كانت أكبر، حيث تابعوا الحيوانات على طبيعتها، كما مارست الحيوانات حياتها بصورة شبه طبيعية مما أطال في عمرها نسبيا مقارنة بغيرها.

والصيام تفكير بالمقلوب ومخالفة للمألوف، حيث يخالف الصائم عادته في الطعام والشراب وسائر المباحات، فيمتنع عن الطعام في الوقت الذي يأكل فيه الناس عادة، ويأكل في وقت لا يأكل فيه الناس عادة وهو وقت السحور، ليحفز هذا السلوك الصائم على التفكير الإبداعي، ولو وقفنا على هذا المقصد ففكرنا في حلول إبداعية لأزمات الأمة التي كادت تتأبَّى على الحل في هذا الجو الإيماني الخاص، لكان شهر رمضان بمثابة ورشة عمل فكرية إبداعية متجددة من عام لعام.

خامساً: تنمية ملكة المراقبة لله عز وجل

تحقيق التقوى هو المقصد المنصوص عليه في آيات الصيام كما في قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) والتقوى هي: استشعار أن الله يراك في أي زمان، وأي مكان، على أي حال، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت..) أي استشعر أن الله معك حيثما كنت مع الناس، أو وحدك، في حضور القانون والعقوبة، أو في غيبتهما.

والعلاقة بين الصيام والتقوى، في أنه عبادة سرية عكس سائر العبادات التي الأصل فيها الإعلان والإظهار، فالسنة في الصلاة أن تؤدى جماعة في المساجد، والزكاة قال الله عز وجل فيها: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖوَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) وقال: (فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)، والحج تلبية علنية، ويسن توديع الحاج وطلب الدعاء منه، أما الصوم فربما امتنع المسلم عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لكن دون نية الصيام، فهو ليس بصائم وهذا معنى قول الله عز وجل في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به) وقوله: (ويدع شهوته لأجلي).

فالصيام هو العبادة السرية التي تقوم بالدور الأعظم في تنمية ملكة المراقبة لله عز وجل، وقد فرَّق عدد من الفقهاء بين صيام الفريضة والنافلة إذا تعرض الصائم فيهما لسباب أو شتم، أن يقول في الفريضة جهرا: إني صائم، ويقولها في النافلة سرا، والفرق أن الناس في الفريضة صائمون فلا غرابة في الجهر والتذكير بأنه صائم. أما الإعلان عن الصيام في النافلة فخادش للسرية المطلوبة في الصيام، كون أغلب الناس غير صائم في النافلة. والتقوى هي الترجمة المعاصرة لحساسية الضمير ويقظته، الذي يردع الإنسان عن فعل القبيح والمنكر، وإن كان في مأمن من العقوبة القانونية، أو انتقاد وذم الناس، أو نزول قدره عندهم.

صور الفساد التي تملأ عالمنا اليوم ستنتهي أو تنحسر يوم أن تستيقظ الضمائر ويتحلى الناس بمراقبة الله عز وجل في السر والعلن

والمسلمون اليوم أحوج أمم الأرض إلى يقظة الضمير ومراقبة الله عز وجل في حياتهم و أعمالهم، ولو صام المسلمون صياما محققا لمقاصده فتحققوا بالتقوى واستيقظت ضمائرهم، لما وجدت حاكما يقتل شعبه، أو يدمر وطنه ليبقى حاكما، ولما رأيت قاضيا يحكم على الناس ظلما بالسجن أو القتل وهو يعلم براءتهم، ولما رأينا عالماً يبيع دينه بدنيا غيره، ويفتي بسفك الدماء المعصومة، ولما رأيت طبيبا يخون أمانته ويتاجر بالمرضى، وما رأيت الكثير من الصور المفزعة والمهددة لمجتمعاتنا المسلمة الصائمة، التي ما أن يأمن الناس فيها من العقوبات القانونية الدنيوية، فيعيثون في الأرض فساداً، كأن الله لا يراهم، وكأن كل نفس لن تجزى بما كسبت!

وقد وردت آيات الصيام في سورة البقرة التي سماها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: سورة التقوى، أو الأتقياء لكثرة ورود التقوى فيها، بل هي محور السورة ومرتكزها، وانحراف بني اسرائيل عن التقوى والمراقبة لله واستبدالهم بغيرهم لينظر كيف يعملون مما فصلت فيه تلك السورة. ويلاحظ أن أغلب الأحكام التشريعية التكليفية في سورة البقرة ختمت بالتقوى كالرضاع، والطلاق، والربا، والجهاد، والاستدانة، وأن آيات الصيام توسطت تقريبا تلك الأحكام، وهذا يعني أن الصيام هو العبادة الجامعة للتقوى والمراقبة والخادمة لتلك التكاليف التي حوتها تلك السورة وإيقاعها على النحو المراد للشارع الحكيم.

إن سورة الطلاق على قِصَرها ركزت على التقوى كحل للخلافات الزوجية، وسبيل يقي الأُسر من الطلاق، والهدم للبيوت فتكرر الأمر بالتقوى وترتيب الجزاء عليه وانفراج الكرب بسببه في السورة 5 مرات، فإذا راقب الزوجان ربهما وتعلما التقوى من الصيام، لصبر كل واحد على الآخر ولأنصفه من نفسه، ولغفر له زلاته في بحر حسناته، وحين تستحيل الحياة ويكون الطلاق حلا ودواء ناجعا للأسرة تكون المفارقة بالمعروف، ولما رأينا تلك الصور المرذولة من الاتهامات الكاذبة، وكفران العشير بين الأزواج، وسعى كل طرف لتشويه الآخر، واستغلال ماله وثروته، دون تقدير لمصلحة الأولاد ومراقبة الله عز وجل فيهم.

التقيت ذات مرة ألمانية مسلمة، ولاحظت نشاطا وحماسا لها في المركز الإسلامي لا تتقاضى عليه أجرا، فسألتها عن سبب إسلامها؟ فقالت: اتخذت صديقا عربيا، وعشت معه حياة الأصدقاء الأوروبيين حتى انقطع عنى، فذهبت اسأل عنه، وكان ذلك في رمضان فوجدته مع أصدقائه يعدون الطعام وهم جياع ينتظرون في حب ولهف أذان المغرب لتناول الطعام. فسألتهم عن هذا السلوك العجيب فحدثوني عن الصيام. فتوقفت طويلا عند سرية هذه العبادة وما تحمله من تربية عظيمة للصائم حيث لا يرى عبادته وامتناعه عما يحب سوى الله، وكيف أن صديقي المسلم امتنع عن مواصلة العلاقة المحرمة في رمضان، لأن الصيام لا معنى له حينئذ، فالذي أمر بالصيام حرَّم الزنا وتوعَّد عليه، فكيف أصوم له ممتنعا عن المباحات، ثم أقع في المحرمات! فانطلقت الأخت تدرس الإسلام وتقرأ عنه، حتى أسلمت وتزوجت من العربي المسلم وكانت سببا في استقامته وهدايته. 

الإنسان بطبيعته يميل ويحب ما يُمنع منه، فإذا نجح الصائم في السيطرة على هاتين الغريزيتن فيما هو مباح في دورة تدريبية لثلاثين يوما، فهو قادر على قيادة نفسه أمام عاداتها وشهواتها الأخرى

وكانت صدقة السر سببا في إسلام فيلسوف أوروبي شهير له عدد من الكتابات، وترجمة مهمة للقرآن الكريم، حيث كان في زيارة لمصر، ولما أُرهق من التجول في شوارعها جلس يستريح بين النوم واليقظة على هيئة السائل الذي يمد يده. فجاءت امرأة متحجبة مسنة تعطيه صدقة في يده، وظلت تتحسس المارة فكلما اقتربت منه ظهر شخص فأخفت يدها، حتى اطمأنت أنه لا يراها أحد، فأعطته الصدقة وولت مسرعة. وظل الرجل يبحث عن تفسير لتصرفها، حتى قابل إمامًا لمسجد في بلده الأوروبي حيث يعيش فسأله: فقال له: إنها تريد إخفاء صدقتها؛ لأن صدقة السر أجرها عند الله أكبر من الصدقة العلنية، حيث تقاوم غريزيتين في نفسها: حب الثناء على هذا الفعل، وشُح النفس، فأعجب الفيلسوف بهذا التفسير وبدأ رحلة القراءة والبحث عن الإسلام، حتى شرح الله صدره بعد بضع سنين. 

إن صور الفساد التي تملأ عالمنا اليوم ستنتهي أو تنحسر يوم أن تستيقظ الضمائر ويتحلى الناس بمراقبة الله عز وجل في السر والعلن، وقد أطال العارفون وأهل التصوف الحديث عن ذنوب الخلوات وأنها أصل الانتكاسات، لأنها تعني عدم تعظيم الله عز وجل في قلب العبد، وتقديم الخوف من الخلق وخشيتهم، على الخوف من الله تبارك وتعالى. وصاحب الخلوة الخبيثة لا تكتمل عبوديته لله عز وجل كما قال مطرِّف بن الشخير: “إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله عز وجل: هذا عبدي حقا” واعتبر العارفون سيئة السر مُضيِّعة لحسنة العلن فقالوا: سيئاتك في الخلا تذهب بحسناتك في الملا.

سادساً: تقوية الإرادة وترويض الغرائز

الصائم يمتنع في صومه عن تلبية نداء غريزيتين من أقوى وأعتى الغرائز وهما البطن والفرج. والإنسان بطبيعته يميل ويحب ما يُمنع منه، فإذا نجح الصائم في السيطرة على هاتين الغريزيتن فيما هو مباح في دورة تدريبية لثلاثين يوما، فهو قادر على قيادة نفسه أمام عاداتها وشهواتها الأخرى، ولهذا فإن شهر رمضان فرصة للتغيير، وإصلاح النفس وتهذيبها، والتخلص من عادة مضرة، أو شهوة، أو معصية عجز المسلم عن الخلاص منها على مدار العام.

فمن صام عن الطعام والشراب في رمضان، يستطيع أن يصوم عن التدخين بعد رمضان، ومن صام يستطيع أن يتخلص من التعلق المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي، وأن يمنحها وقتا محددا من يومه وليلته فيما يفيد، وأن يتجنب مخاطرها وأضرارها التي وصلت حد الإدمان لدى قطاع كبير من الشباب، وصارت من أهم أسباب تصدع الأسر وانهيارها، وشيوع الخيانات الزوجية بمستوياتها المختلفة.

سابعاً: معرفة قيمة الوقت
الصيام يحقق هدف احترام الوقت ولو وعاه المسلمون لكانوا أكثر الأمم تقديرا للوقت وحفاظا عليه والتزاما به، ومن أراد الخروج بفائدة عملية للحفاظ على وقته في شهر الصوم

يترقب الصائم أذان المغرب والفجر، الأول ليفطر، والثاني ليمسك، وينظر في ساعته ويتأكد من ضبطها، ويسأل المفتين، ويتحرى لعبادته إن أخطأ في دقيقة فأكل مبكرا أو متأخرا؛ لأنه يخشى أن يفسد صومه أو لا تصح عبادته، وذلك بسبب دقيقة. وهذه الدورة التدريبية المستمرة لثلاثين يوميا تعلم الصائم أن الدقيقة لها ثمن، وفيها عمل يجب أن ينجز وسيحاسب المرء عليها يوم القيامة كما جاء في الحديث: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: … وعن عمره فيما أفناه”.

عندما يزور العرب أوروبا ينبهرون بمواعيد القطارات والحافلات ويلاحظون أن موعد القطار يكون قبل رأس الساعة بدقيقة أو دقيقتين (فيكون مثلا: 10:59) ويحلل ذلك في إعجاب بأنه التربية المقصودة على احترام الوقت، وكيف أن القطارات في بلادنا تتأخر بالساعة ولا يعتذر للناس أحد، بل من طريف ما حكى في بلد عربي: أن يخرج القطار قبل موعده!

إن الصيام يحقق هذه الهدف ولو وعاه المسلمون لكانوا أكثر الأمم تقديرا للوقت وحفاظا عليه والتزاما به، ومن أراد الخروج بفائدة عملية للحفاظ على وقته في شهر الصوم، فليضبط ساعة محددة لمواقع التواصل في اليوم ينجز فيها ما يريد انجازه والتواصل معه، وليقاوم رغبات نفسه كما قاومها في الطعام والشهوة، فبحسب دراسة متوسط ما ينفقه الشباب في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي 3 ساعات يوميا، وهذا يعني أن يفقد الإنسان من مجموع عمره قرابة 7 سنوات فيما لا يفيد وهو يعلم أن الوقت هو الحياة، وأن رأس مالنا الأكبر هو الزمن، وأن الدقيقة التي تفوت يقترب المرء بها من القبر، ويتحسر عليها حين يعجز ويمرض.

  نقلا عن صفحة الدكتور خالد حنفي على مدونات الجزيرة 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

قانون منع الرموز الدينية بكيبيك

في الوقت الذي تتطلع فيه شعوب العالم لنيل الحريات والحقوق ، نصدم هنا وبالتحديد في مقاطعة كيبيك بقوانين و مشاريع قوانين تحارب الحد الأدنى لحقوق الإنسان تحت مسميات و حجج واهية. ولا يخفى علينا ما يجري طوال الأيام الماضية مايعتزمه حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) بعد أن فاز في الانتخابات المحلية الأخيرة بمقاطعة كيبيك

تاريخ الإضافة : 12 أبريل, 2019 عدد الزوار : 961 زائر

الإحصائيات

  • 5
  • 279
  • 0
  • 2٬202
  • 0