وقفات مع الآية الجامعة لقواعد الشريعة والأخلاق

تاريخ الإضافة 5 يوليو, 2018 الزيارات : 578

قال تعالى:[خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ]     (الأعراف:199)

في هذه الآية أمر الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بثلاثة أوامر، هي:

أن يأخذ العفو ، وأن يأمر بالمعروف، وأن يعرض عن الجاهلين ، ثلاثة أوامر جمعت أمهات الفضائل والأخلاق

وقال عبد الله بن الزبير : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس . رواه البخاري

وقال جعفر الصادق : أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية .

وقال صلى الله عليه وسلم : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “

ما معنى الأمر بأخذ العفو في الآية؟

أي ما سمحَت به أخلاق الناس وأحوالهم وطبائعهم خذ العفو ولا تنتظر المثالية في الأخلاق من كل من تلقاه وكل من تتعامل معه بل الناس فيهم في هذا الباب تفاوت عظيم فإذا هيئت نفسك هذه التهيئة أن تأخذ بالعفو وما سمحت به أخلاق الناس وتَيسر لهم القيام به سعدت في هذه الحياة أما إذا كنت تنتظر من كل من تلقاه أن يكون مثالياً في أخلاقه وفي تعاملاته لن تجد ذلك لأن الناس طبائع وأجناس منهم سريع الغضب منهم سريع الانفعال منهم الهادي منهم الرزين منهم العنيف منهم الغليظ منهم … إلى آخره فهيئ نفسك لملاقاة هذه الأنواع والأصناف المتباينة من الأخلاق وخذ ما سمحت به نفوس الناس منها .

وقد امتدح الله أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الآخرين وعدم الإغلاظ عليهم، وجعل ذلك سببا للالتفاف حوله، والإذعان لرأيه.

قال تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..” (آل عمران: 159)

وروي أن أعرابياً جاء النبي صلى الله عليه وسلم يطلب شيئاً، فأعطاه ثم قال: أأحسنت إليك يا أعرابي، قال: لا ولا أجملت.

فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم صلى الله عليه وسلم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله فأرسل إليه وزاده شيئاً، ثم قال له: أأحسنت إليك، قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.

فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك.

قال: نعم.

فلما كان الغد جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك يا أعرابي؟.

قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.

فقال صلى الله عليه وسلم: ” مثلي ومثل هذا كمثل رجل له ناقة شردت عنه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم بها، فتوجه لها بين يديها، فأخذ من قُمام الأرض(من حشائش الأرض) فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها، وقال عليه الصلاة والسلام: إني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه دخل النار “

إن الرسول الحليم صلى الله عليه وسلم، لم تأخذه الدهشة لجحود الأعرابي أول الأمر، وعرف من طبيعة صنف من الناس، مردوا على الجفوة، في التعبير، والإسراع بالشر، وأمثال هؤلاء، لو عولجوا بالعقوبة، لقضت عليهم.

قد يقول قائل: لم سمح الله لهذا الأعرابي أن يقول هذا الكلام؟

لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو لم يواجه مثل هؤلاء الأشخاص أين يظهر حلمه ؟ وكيف يكون قدوةٌ لنا ؟ هذه الأحداث أرادها الله عزَّ وجل من أجل أن يظهر كمال النبي، ومن أجل أن يكون النبي قدوةٌ لمن بعده من الأمراء، ومن العلماء، مهما كان الموقف فيه فظاظة، فيه غلظة، قلبه الرحيم أوسع من فظاظة الأعرابي، ، فمعاملة الناس بالحلم تبرز جانب الرحمة والحكمة ، هذه هي النظرة الصحيحة، وليست قضية دم بارد، فيوجد أشخاص أحياناً يفرِّغون الحلم من مضمونه فيقولون: هذا دمه إنكليزي بارد… سبحان الله ! الحلم صار دما إنجليزيا!!!

مثال بسيط: لو كان طبيباً جلدياً، وجاءه مريضاً مرضاً جلدياً شديدا .. فما هو موقف الطبيب ؟ أيغلظ عليه ويتأفف منه ؟ أم يشفق عليه ؟ يشفق عليه.

كذلك حال الإنسان مع أخيه الإنسان الشارد التائه.. فالمريض مرضا جلديا، أو مبتلى بمرض عضال، فأنت كطبيب تشفق عليه، ولا تغلظ عليه.. فعندما يغلط الإنسان أو يسئ الأدب ، أو يتكلَّم بكلام بذيء، فأنت بدل أن تحقد عليه، ينبغي أن تشفق عليه، وأن تحتويه، لا أن تعين الشيطان عليه، أنت أمام أحد أمرين.. إما أن تعينه على الشيطان، وإما أن تعين الشيطان عليه.

ثم يأتي بعد ذلك الأمر الثاني: “وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ”

عندما تأخذ بما سمحت به أخلاق الناس أيضاً كن داعياً رفيقاً ناصحاً موجهاً بالرفق واللين واللطف إلى كل فضيلة وإلى كل خير ، خذ العفو وفي الوقت نفسه مُرّ بالعرف أي بالمعروف من كل قول طيب فاضل وفعل كريم ندي ويكون التوجيه رفيقاً من قلب ناصح حريص على دلالة الناس وهدايتهم إلى الخير فيلقى الناس بالصبر على أخلاقهم وفي الوقت نفسه يحسن التوجيه للناس ، يلقى الناس بالصبر على أخلاقهم لأن من لا يصبر على أخلاق الناس ليس مؤهلاً لدعوتهم ، فالدعوة تحتاج إلى صبر على أخلاق الناس المتفاوتة المتباينة ولهذا قال : (خذ العفو وأمر بالعرف ) فيتلقى أخلاق الناس باللين واللطف والمسامحة وغض الطرف وحُسن التعامل ، وأمر بالعرف : في الوقت نفسه تكون موجهاً .

يقول السعدي: [وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ] أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية(تفسير السعدي 1/ 313)

ولأن التحلي بالفضائل والكمالات يحتاج إلى صيانة النفس عن الجاهلين اتقاء لجهلهم قال تعالى: [وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ]

والجهل هنا في الآية ليس هو الجهل ضد العلم ؛ إنما هو من الجهل ضد الحلم ؛ فالجاهل في نظر القرآن الكريم هو من عصى الله وغلب اتباع الهوى على الحق ، حينما راودت النسوة يوسف عن نفسه قال : ( وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) يوسف 33

وموسى حينما أخبر قومه بأمر الله أن يذبحوا بقرة (قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) البقرة 67

أي ممن يهزأون في موضع الجد أو يتكلمون بالسخرية في موضع الحق فهذا شأن الجاهلين ، وعلى هذا فالجاهل هو العاصي لأنه جهل عظمة ربه ، وهو السفيه قليل العقل سيء الخلق .

[وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ]فهذا أيضا مطلب عظيم في باب الأخلاق وجوامع الآداب ( أن تعرض عن الجاهل ) بمعنى أن لا تقف عند عباراته الجاهلة وألفاظه النابية وكلماته السيئة ومعاملاته الفظة الغليظة ، فأهل الإيمان إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يردوا عليهم بمثله، بل يصفحون ولا يقولون إلا خيرًا كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا ؛ فهم لا يردون السيئة بالسيئة، وإن كان هذا من حقهم ، إنما يقولون قولا سديدا يليق بحالهم وسمتهم .

وإذا مضيت في ملاقاة الناس وفي تعاملهم ستجد من يسيء لك التعامل ، ومن يرفع عليك الصوت ، ومن يغلظ، فإذا كنت تريد أن تقف مع كل متعامل من هؤلاء وتصغي إلى ما يقوله وترهق نفسك بمتابعة أقواله قال كذا وقال كذا وقال كذا وتنبري للمجابهة فهذا يرهقك ويؤلم قلبك وربما يجلب لك في نفسك الهم والغم ؛ بينما إذا أعرضت عن الجاهل وقلت في نفسك هذا مبتلى بالجهل مبتلى بهذا وأنا عافاني الله من ذلك تحمد الله الذي عافاك من مثل هذه المعاملات وتمضي في حياتك بمثل ذلك تسعد وفي الوقت نفسه تساعد الجاهل على مراجعة نفسه ، إذا أعرضت عن ألفاظه وسوء تصرفاته تساعده على مراجعة نفسه ولهذا كم من الجاهلين بمثل هذه المعاملة تراجع ، ولو أن من عاملهم جابههم لتفاقم الأمر ولعَظُم الخطب

وقد كان من هدي نبينا – عليه الصلاة والسلام – إذا خرج من بيته يقول :” اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل أو أَزل أو أُزل أو أَظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يجهل علي “وهذه الدعوات العظيمة المباركة التي كان يدعو بها – عليه الصلاة والسلام – مناسبة لحال كل من خرج من بيته ويحتاج إليها كل من خرج من بيته لماذا ؟

لأنه سيواجه أجناس من المتعاملين وأصناف من الأخلاق وأنواع من التعاملات ، فيحتاج إلى حسن التجاء إلى الله سبحانه وتعالى بأن يعيذه من أن يَضل أو يُضل أو يَزل أو يُزل أو يَظلم أو يُظلم أو يجهل أو يُجهل عليه فيستعيذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك كله ويمضي هو في تعاملاته مع الناس في مثل هذه التوجيهات المباركة العظيمة في هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات والأحاديث التي تدعو إلى كوامل الآداب وجوامع الأخلاق .

وللنبي -صلى الله عليه وسلم- مشاهد كثيرة في حلمه على الناس وفي دفع السيئة منهم بالحلم منه -صلى الله عليه وسلم- فيقابل السيئة بالحسنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رجلًا أتى النبيصلى الله عليه وسلم- يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم– )دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً).

كذلك في الحديث المتفق عليه عن أنس -رضي الله عنه- قال: )كنت أمشي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء).

وعن جابر بن سليم أبو جري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى . قال أبو جري : فوالذي نفسي بيده ، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا . أخرجه أبو بكر البزار وصححه الألباني

قصة إسلام زيد بن سعنة :

عبد الله بن سلام ، قال : لما أراد الله تعالى هدى زيد بن سعنة ، قال زيد بن سعنة : ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد – صلى الله عليه وسلم – حين نظرت إليه ، إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، فكنت ألطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله .

قال زيد بن سعنة : فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي ، فقال : يا رسول الله ، إن بصرى قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق ، وأصابتهم سنة وشدة وقحوط من الغيث ، فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا ، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت ، فنظر إلى رجل إلى جانبه أراه عليا ، فقال : يا رسول الله ، ما بقي منه شيء !!!

قال زيد بن سعنة : فدنوت إليه ، فقلت : يا محمد ، هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا ، فقال : ” لا يا يهودي ، ولكني أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ، ولا يسمي حائط بني فلان ” قلت : نعم ، فبايعني فأطلقت همياني (حزام الوسط )فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا ، فأعطاها الرجل ، فقال : ” أعجل عليهم وأعنهم بها ”

قال زيد بن سعنة : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ، ونظرت إليه بوجه غليظ ، فقلت له : ألا تقضيني يا محمد حقي ، فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب لمطل ، ولقد كان لي بمخالطتكم علم ، ونظرت إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ، ثم رماني ببصره ، وقال : يا عدو الله تقول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما أسمع ، وتصنع به ما أرى ، فوالذي بعثه بالحق ، لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك !!!!

ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم ، ثم قال : ” يا عمر ، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا ، أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التباعة(الطلب) ، اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما روعته ” .

قال زيد : فذهب بي عمر – رضي الله عنه – فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر .

فقلت : ما هذه الزيادة يا عمر ؟

فقال : أمرني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن أزيدك مكان ما روعتك

قلت : وتعرفني يا عمر ؟

قال : لا

من أنت ؟

قلت : أنا زيد بن سعنة

قال : الحبر ؟

قلت : الحبر

قال : فما دعاك أن فعلت برسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما فعلت وقلت له ما قلت ؟

قلت : يا عمر ، لم يكن من علامات النبوة شيء إلا قد عرفت في وجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين نظرت إليه ، إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، فقد اختبرتهما ، فأخبرك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – نبيا ، وأشهدك أن شطر مالي – فإني أكثرها مالا – صدقة على أمة محمد – صلى الله عليه وسلم –

فقال عمر : أو على بعضهم ، فإنك لا تسعهم

قلت : وعلى بعضهم

فرجع عمر وزيد إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وآمن به وصدقه وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة ، ثم توفي زيد – رضي الله عنه – في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر ، رضي الله عنه .رواه الطبراني

وعن ابن عباس، عن عيينة بن حصن، أنه قال لعمر بن الخطاب: يا ابن الخطاب، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )[سورة الأعراف 199] وإن هذا من الجاهلين فقال ابن عباس: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله عز وجل. رواه البخاري

فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها، إذ يرفعها عن الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع

ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم فقالوا له شراً فقال لهم خيراً فقيل له‏:‏ إنهم يقولون شراً وأنت تقول خيراً فقال‏:‏ كل ينفق مما عنده‏.‏

ويروي عن الحسن أن رجلاً قال : إن فلاناً قد اغتابك ، فبعث إليه طبقاً من الرطب ، وقال : بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك ، فأردت أن أكافئك عليها ، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام.

وقال رجل لحكيم ياقبيح الوجه فقال :ما كان خلق وجهي إلى فأحسنه!!!

وقال علي بن يزيد‏:‏ أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناً طويلاً ثم قال‏:‏ أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً

وسب رجل أبا بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ ما ستر الله عنك أكثر

وسب رجل الشعبي فقال‏:‏ إن كنت صادقاً فغفر الله لي وإن كنت كاذباً فغفر الله لك‏.‏

وكان الشيخ الشعراوي يتعرض للسب والغمز من بعض الكتاب والصحافيين فلما كلموه في الرد عليهم قال لن أعطيهم شرف الرد عليهم.

ورحم الله من قال :

يخاطبني السفيه بكل قبحٍ          و آبى أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهةً و أزيد حلماً       كعودٍ زاده الإحراق طيباً

وآخر يقول:

إذا نطق السفيه فلا تجبه        فخير من إجابته السكوتُ
إذا جاوبته فرجت عنه         و إذا خليته كمداً يموتُ

وفي بيت شعرلأبي الطيب المتنبي يشير إلى أنه من دلائل كمال الرجال رميَ الناقص له بسباب، حين يقول:

وإذا أتتْك مذمتي من ناقصٍ *** فهي الشهادةُ لي بأنّيَ كاملُ

فمن أراد أن يكون مؤمنا صحيح الإيمان فليدع هذه المعارك التي يفتعلها الشيطان ليزرع بها العداوة والبغضاء بين المسلمين .

فهل يمتثل المسلمون ذلك الوصف؟ فكم رأينا من مسلم غضوب، وكم رأينا من ينتقم لنفسه، وينتصر لها، بل وقد يقع بعضهم في عرض آخر، وقد يغتابه، محتجًا بأنه ينتقده ، وقد يستبيح بعضهم سباب آخرين لمجرد مخالفته في أسلوب عمل..

نسأل الله أن يرزقنا الحلم والعلم والتواضع وسعة الصدر

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت

سؤال يطرح نفسه أمامنا، لماذا يعفو أناس وينتقم آخرون ؟

الجواب الإنسان إذا اتصل بالله العفو الكريم اشتق منه بعضاً من هذا الخلق العظيم، وإذا استقرت الرحمة في قلب الإنسان فإنها تفيض على خصومه بالعفو والغفران، فيصبح العفو أحبَ إليه من الانتقام، وإذا علم الإنسان أن خصمه بشكل أو بآخر أخٌ له في الإنسانية فإذا انتقم منه خسره وإذا عفا عنه ربحه، ولأن يربح الإنسان أخاه خير له من الدنيا وما فيه عندئذ يرى في العفو غُنْماً وفي الانتقام غُرْماً.

إذا أيقن الإنسان أن العفو سلم يرقى به إلى عز الدنيا والآخرة، وأن الانتقام دركات يهوي بها إلى ذلٌ ومقت يلاحقانه حتى الممات آثر العفو على الانتقام، وإذا علم أبناء المجتمع الواحد أنه بالعفو تتسع دائرة الصداقات والمودات فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص، وبالانتقام تفشو العداوات والأحقاد حتى تصل بالمجتمع إلى أحط الدركات صار العفو ديدنهم.

فهذا الذي يؤثر الانتقام على العفو، يجعل الجو المحيط به ضاغطاً وعلاقاته مع الآخرين متوترة، ويكون انتقامه تربة خصبة لانتقام مضاد فيتوقع المنتقم الشر، وتوقُّع الشر شرٌّ من وقوعه، وهكذا يفقد الأمن يفقد أثمن ما في الحياة النفسية .

أما إذا آثر الرجل العفو على الانتقام، فقد جعل الجو المحيط به ودياً وجعل علاقاته بالآخرين مريحة، وجعل من أعدائه الألداء أصدقاء حميمين، قال تعالى:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾[سورة فصلت 34]

هل الأمر بالعفو والإعراض عن الجاهلين مطلقا بدون قيود ؟

كلا لا يعني ذلك أن يكون العفو مرتعاً للمجرمين ؛ولا أن يكون العفو حصناً لهم يحميهم من حكم العدالة فيهم.

وقد كان أبو عزة الجمحي الشاعر، من أسرى بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد مبلغ أربعة آلاف درهم فداءً لكل أسير، فكلم أبو عزَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني ذو حاجة، وذو عيال، فامنن عليَّ، فمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وأخذ عليه العهد ألا يظاهر عليه أحداً لكنه نقض العهد، وعاد إلى ما كان عليه من سب النبي صلى الله عليه وسلم، وهجاء أصحابه، وحضِّ الناس على قتاله.

وفي يوم أحد ظفر به الني صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لا تقتلني وامنن عليَّ ودعني لبناتي، وأعاهدك ألا أعود، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

” لا والله لا أدعك تمسح عارضيك بأستار الكعبة وتقول للناس: خدعت محمداً مرتين، إن المؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين”.

ولم يعف عنه.

يقول أبو الطيب المتنبي:

إذا أنت أكرمْتَ الكريمَ ملكْتَهُ *** وإنْ أنت أكرمْتَ اللئيمَ تمرّدا

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة إسلام الجاسوس البريطاني بعد تآمره على الحجر الأسود

 قصة إسلام الجاسوس البريطاني بعد تآمره على الحجر الأسود  حينما علم المستشرقون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحجر الأسود نزل من السماء وأنه من أحجار الجنة ،كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ( نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن

تاريخ الإضافة : 17 يوليو, 2018 عدد الزوار : 1921 زائر

الإحصائيات

  • 0
  • 1٬452
  • 976
  • 1٬806
  • 1٬220