رمضان وكورونا.. هل يجوز الاعتكاف في البيوت؟

تاريخ الإضافة 13 مايو, 2020 الزيارات : 310
رمضان وكورونا.. هل يجوز الاعتكاف في البيوت؟
مع اقتراب العشر الأواخر من شهر رمضان وموعد الاعتكاف السنوي في المساجد يكثر السؤال عن حكم الاعتكاف في البيوت في ظل إغلاق المساجد على خلفية تفشي فيروس كورونا؟

هذه ثلاث مقالات في هذا الموضوع 
المقالة الأولى :للدكتور خالد حنفي
المقالة الثانية :للدكتور أكرم كساب
المقالة الثالثة :للدكتور مسعود صبري 

المقالة الأولى : للدكتور خالد حنفي الأمين العام المساعد للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، ورئيس لجنة الفتوى بألمانيا ننقلها من موقع الجزيرة (هنا)

قال “لايجوز الاعتكاف في البيوت سواء في ذلك المرأة أو الرجل، ولا يصح الاعتكاف إلا في المسجد”.

وتابع أنه مع عدم إمكانية الاعتكاف في المساجد بسبب كورونا فإن من كانت له عادة، أو نية الاعتكاف يُحصِّل الأجر عليه كاملاً بنيته، فعن أبي موسى -رضي الله عنهما- قال “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا” رواه البخاري.

والدليل على ترجيح عدم صحة الاعتكاف في البيوت ما يلي:

  1. اتفق جمهور الفقهاء على أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في المسجد.
  2. إذا كان خطاب المكلفين بالجمعة قد سقط بالعذر وهو كورونا، وخاطبوا ببدلها وهو الظهر فلأن يسقط الاعتكاف بسبب كورونا من باب أولى؛ لأنه سنة والجمعة واجبة.
  3. يجب الإبقاء على صفة العبادات وهيئتها التعبدية، وصيانتها من التبديل والتغيير، والقول بصحة الاعتكاف في البيت يضر بسنة الاعتكاف في المساجد قبل زوال الجائحة وبعدها.
  4. القياس على اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لا يصح؛ لأن حكم الأصل محل خلاف بين العلماء، والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن المراة تعتكف في المسجد مثل الرجل كما ثبت عن أمهات المؤمينن، وقد وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ سُئِل عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا (أَيْ نَذَرَتْ) أن تعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَال: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الأْعْمَال إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ.
  5. المكان المخصص في البيت للصلاة ليس بمسجدٍ حقيقةً ولا حكماً، ولا تجري عليه أحكام المساجد، وإن سُمي تجوزاً مسجداً فلا يصح الاعتكاف فيه.

المقالة الثانية :للدكتور أكرم كساب ننقلها من صفحته الشخصية على الفيسبوك (هنا)

هل يصح الاعتكاف في البيوت في زمان كورونا؟
د: أكرم كساب
الاعتكاف شعار يعرف به رمضان، ولأن رمضان هذا به من به من المستجدات، فيتساءل الناس كيف سيكون الاعتكاف في هذا العام، وسأبين ذلك على هذا النحو:

حكم الاعتكاف:

أجمع العلماء على أن الاعتكاف سنة، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضا إلا أن يوجبه المرء على نفسه، فيجب عليه [1].

مكان الاعتكاف:

يذكر البعض أن إجماعا على اشتراط المسجد في الاعتكاف، قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد[2]، وهذا القول غير صحيح إذ من العلماء من قال بجوازه في غير المسجد، ونقل ذلك ابن حجر فقال: واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل….[3].

 الراجح: والذي أراه راجحا هو ما قال به الجمهور، وهو مشروطية المسجد، ويستدل بقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وعند روى البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا[4]»، وكون المسجد شرط لما يتحصل فيه من بُعد عن الناس والأهل، وبما يتحقق من صلاة الجماعة التي هي واجب كفائي كما قال الشافعي وقد رجحت ذلك.

المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف:
لكنهم اختلفوا في طبيعة المسجد، هل هي المساجد الثلاثة فقط (الحرام، النبوي، الأقصى)، أم هو المسجد الجامع، أم كل مسجد تقام في جماعة، قال ابن حجر: وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة…[5].

 الراجح: والراجح أنه يصح في كل مسجد، أنه ستتحقق فيه الجماعة، ومن تجب عليه الجمعة وسيكون في أيام اعتكافه جمعة فليبحث عن مسجد جامع، وإن خرج فقد قطع اعتكافه، وعليه أن يستأنف من جديد، وخروجا من ذلك فاعتكافه ابتداء في المسجد الجامع أولى.

اعتكاف المرأة في زمان (كورونا) كغيره من الأزمنة وهو جائز في بيتها:
وأما المرأة فقد أجاز بعض الفقهاء اعتكافها في مصلى بيتها، (ويقصد به المكان الذي يخصص للصلاة في البيت)، قال النووي: ولو اعتكفت المرأة في مسجد بيتها – وهو المعتزل المهيأ للصلاة – لم يصح على الجديد، ويصح على القديم[6]، وقال ابن عابدين: ولبث (امرأة في مسجد بيتها) وهو المعد لصلاتها الذي يندب لها[7].

 الراجح: والذي أراه راجحا هو جواز اعتكاف المرأة في بيتها، لأن السنة جاءت بتفضيل صلاة المرأة في بيتها عن المسجد، حتى وإن كان المسجد النبوي أو الحرام، روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا[8]»، وإن جازت صلاتها في بيتها جاز اعتكافها كذلك.

 اعتكاف الرجل في زمن (كورونا) وهل من الممكن أن يعتكف في بيته؟
قدمت أن الراجح من أقوال العلماء أنه يشترط المسجد في اعتكاف الرجل، لكن أزمة (كورونا) وقد منع الناس من المساجد، فهل يجوز الاعتكاف في بيوتنا الخاصة إذا استمرت الأزمة؟

 والذي أراه أنه لا مانع من الاعتكاف في البيت، وذلك لما يأتي:

1. تعذر الذهاب إلى المسجد، والله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ويقول سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وفي الصحيح عند مسلم عن أَبي هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ »، وعملا بالقواعد الفقهية: (المشقة تجلب التيسير)، وأن (الأمر إذا ضاق اتسع).
2. إذا جاز للمرأة أن تعتكف في البيت على اعتبار أن صلاتها في البيت أفضل، فلا مانع من اعتكاف الرجل عند الضرورة.
3. ما يراه المالكية، من جواز اعتكاف الرجال كذلك في البيت إذا كان نافلة، قال ابن حجر: وللمالكية -أي الاعتكاف- يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل .
4. إذا جازت صلاة الجمعة في البيوت عند الضرورة (هذا قول مرجوح) وهي فريضة؛ فما المانع من الاعتكاف في البيت وهو سنة.

 هل يعتكف من أول الشهر؟
لا أرى مانعا من ينوي المرء الاعتكاف من أول رمضان، ما دام في بيته، على أن يلتزم بالضوابط والشروط التي سيأتي ذكرها، وله كذلك أن يعتكف بضع ساعات من ليل أو نهار، بل يجوز لكل مدة، وهو قول الجمهور، قال النووي: أقل الاعتكاف ففيه أربعة أوجه (أحدها) وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة[11].

واستدلوا بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عَطَاءً عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ السَّاعَةَ، وَمَا أَمْكُثُ إِلَّا لِأَعْتَكِفَ[12].

وقد انتصر لهذا ابن حزم فقال: والاعتكاف في لغة العرب: الإقامة، قال تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52]، بمعنى مقيمون متعبدون لها. فإذ لا شك في هذا، فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه: اعتكاف، وعكوف؟ فإذ لا شك في هذا، فالاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الأزمان أو كثر، إذ لم يخص القرآن والسنة عددا من عدد، ولا وقتا من وقت، ومدعي ذلك مخطئ؛ لأنه قائل بلا برهان[13].

شروط وضوابط للاعتكاف في المسجد:
على أن يراعى في ذلك ما يلي:

1. إذا كان في البيت سعة فليتخذ مكانا خاصا للصلاة، وسأتحدث عن هذه السنة المهجورة.
2. لا مانع من أن يكون ذلك في الغرفة التي يستقبل فيها الضيوف حيث يقل دخولها في الغالب.
3. إن لم يكن في البيت سعة فلا مانع من أن ينوي المرء نية الاعتكاف في أي مكان في البيت، على أن يراعي ما يلي:
أ‌. عدم قطع الاعتكاف إلا لحاجة.
ب‌. الانعزال عن أهل البيت إلا ما دعت إليه الضرورة.
ت‌. الانشغال بالذكر والدعاء وقراءة القرآن والاجتهاد في صلاة الليل.
4. لا يفسد اعتكاف المرأة إعدادها للطعام، أو تجهيز بيتها، فهذا كله يقوم به المعتكف في المسجد.
المسجد.
 من فوائد الاعتكاف في البيوت:
وفي الاعتكاف في البيوت ولو من أول الشهر، ولو لساعات في كل يوم، تشجيع الناس على ذكر الله تعالى تسبيحا وتكبيرا وتهليلا واستغفارا وصلاة وتلاوة.

كما أن فيه حثا للناس على ترك الملهيات، والبعد عن المفسدات، كهواتف وتلفازات، وبرامج هابطة ومسلسلات.

[1] الإجماع لابن المنذر (ص: 50).

[2] تفسير القرطبي (2/ 333).

[3] فتح الباري لابن حجر (4/ 272).

[4] رواه البخاري في الاعتكاف (2029) ومسلم في الحيض (297).

[5] فتح الباري لابن حجر (4/ 272).

[6] روضة الطالبين وعمدة المفتين (2/ 398).

[7] الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (2/ 441).

[8] رواه أبو داود في الصلاة (570) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (345).

[9] رواه مسلم في الفضائل (1337).

[10] فتح الباري لابن حجر (4/ 272).

[11] المجموع شرح المهذب (6/ 489).

[12] رواه عبد الرزاق في مصنفه (4/ 346).

[13] المحلى بالآثار (3/ 412).

المقالة الثالثة :للدكتور مسعود صبري ننقلها من موقع إسلام اون لاين (هنا)

في ظل ما يعيشه العالم اليوم من حجر صحي بسبب فيروس كورونا، ومنع غالب سلطات العالم الصلوات في المساجد، فسيشهد هذا العام خلو المساجد في رمضان من صلاة الجماعة وكذلك من صلاة التراويح، بالإضافة إلى منع الاعتكاف في المساجد.

ومع صلاة الناس في البيوت، ووجود ما يعرف بـ( مسجد البيت)، وهو تخصيص مكان للصلاة في البيوت؛ لأجل صلاة الجماعة، يتبادر إلى أذهان بعض المسلمين الحريصين على إقامة السنن واتباع الهدي التفكير في الاعتكاف في البيوت، ويتساءلون عن مدى شرعية، خاصة مع كونه ينافي قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

تعريف الاعتكاف:

الاعتكاف هو المكث والاحتباس، وهو يعني في اللغة أن يحبس الإنسان نفسه عما كان معتادا أن يفعله.

وهو عند الفقهاء أن يمكث المسلم في المسجد بنية العبادة. قال البجيرمي في حاشيته علىشرح المنهج 2/ 91 : الاعتكاف: اللبث بمسجد من شخص بنية. والأصل فيه قبل الإجماع آيَةُ (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، وقوله تعالى (وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ).

وعرفه ابن قدامة في المغني، ج3/186 أن الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره، وَمِنْهُ قوله تعالى : (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ). وَقَالَ: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ)… وهو في الشرع: الإقامة في المسجد على صفة نذكرها، وهو قربة وطاعة، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) . وَقَالَ : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).

ويعلل ابن قدامة تسمية الاعتكاف بهذا الاسم بما أخرجه ابن ماجة في سننه، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المعتكف:” هو يعكف الذنوب، ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها”. وهو حديث ضعيف.

ونقل الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير 1 / 725 معنى جميلا للاعتكاف، فقال: ” ويقال: عكف يعكف عكفا وعكوفا: أقبل على الشيء مواظبا، واعتكف وانعكف بمعنى واحد، وقيل: اعتكف على الخير وانعكف على الشر“.

الحكمة من الاعتكاف:

وبين الصاوي سبب ذكر العلماء للاعتكاف عقب الصوم بقوله: ” لما أنهى الكلام على ما أراده من فروع الصوم، وكان من حكمة مشروعيته تصفية مرآة العقل والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، أتبعه بالكلام على الاعتكاف التام الشبه بهم في استغراق الأوقات في العبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي“.

فـ”الاعتكاف فيه تسليم المعتكف نفسه بالكلية إلى عبادة الله تعالى طلب الزلفى ، وإبعاد النفس من شغل الدنيا التي هي مانعة عما يطلبه العبد من القربى ، وفيه استغراق المعتكف أوقاته في الصلاة إما حقيقة أو حكما ، لأن المقصد الأصلي من شرعية الاعتكاف انتظار الصلاة في الجماعات ، وتشبيه المعتكف نفسه بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون”.

حكم الاعتكاف:

والاعتكاف في رمضان أو غيره سنة من السنن التي يثاب المسلم على فعلها، إلا أن يوجبه الإنسان على نفسه بنذر ونحوه. جاء في المغني لابن قدامة (3/ 186): ” قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضا، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا، فيجب عليه. ومما يدل على أنه سنة، فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – ومداومته عليه، تقربا إلى الله تعالى، وطلبا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا، ولا أمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – به إلا من أراده.

وقال – عليه السلام -: «من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر» . ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة. وأما إذا نذره، فيلزمه؛ لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . رواه البخاري. وعن عمر، أنه قال: «يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» . رواه البخاري، ومسلم. ا.هـ

شروط وأركان الاعتكاف:

أركان الاعتكاف عند الجمهور أربعة : وهي المعتكف ، والنية ، والمعتكف فيه ، واللبث في المسجد .  وذهب الحنفية إلى أن ركن الاعتكاف هو اللبث في المسجد فقط ، والباقي شروط وأطراف لا أركان ، وزاد المالكية ركنا آخر وهو : الصوم .

و اتفق الفقهاء على أنه يصح الاعتكاف من الرجل والمرأة والصبي المميز ، واشترطوا لصحة الاعتكاف الواجب والمندوب الإسلام والعقل والتمييز والنقاء من الحيض والنفاس، والطهارة من الجنب.

اعتكاف المرأة:

مع اتفاق الفقهاء صحة اعتكاف المرأة إلا أنهم اختلفوا في مكان اعتكافها، فذهب الجمهور إلى أنه يشترط المسجد في اعتكافها، لما ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سئل عن امرأة جعلت عليها ( أي نذرت ) أن تعتكف في مسجد بيتها ، فقال : ” بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع  . فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة . ولأن مسجد البيت ليس بمسجد حقيقة ولا حكما ، فيجوز تبديله ، ونوم الجنب فيه ، وكذلك لو جاز لفعلته أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – ولو مرة تبيينا للجواز .

ومذهب الحنفية- والشافعي في القديم- أنه يجوز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، لأنه الموضع الذي تصلي فيه، وكرهوا اعتكافها في مسجد الجماعة، ورأوا أن البيت أفضل من مسجد حيها، ومسجد الحي أفضل لها من المسجد الأعظم . وليس للمرأة أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها .

مكان اعتكاف الرجل:

وجمهور الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في المسجد، والمسجد الجامع أولى، واستدلوا بقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

جاء في المجموع شرح المهذب للنووي: (6/ 478): {ولا يصح الاعتكاف من الرجل إلا في المسجد لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فدل علي انه لا يجوز إلا في المسجد” .

وقال ابن قدامة في المغني (3/ 189): ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلا. لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] . فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا.ا.هـ

على أن المسألة ليست محل إجماع كما يدعي كثير من الفقهاء القدامى والمعاصرين،  وقد نقل غير واحد من الفقهاء خلاف العلماء فيها، وإن كان جمهور الفقهاء على اشتراط المسجد. فقد نقل القول بالجواز في فتح الباري لابن حجر (4/ 272)، ونيل الأوطار، للشوكاني (4/ 317)، وفي البدر التمام شرح بلوغ المرام، للحسين بن محمد اللاعي المعروف بالمغربي (5/ 148)، تعقيبا على قول عائشة: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع):

 فيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف.

واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي، فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة.

وفيه قول للشافعي قديم.

وفي وجه لأصحابه وللمالكية: يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات. وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد.

الراجح:

لا  شك أن اشتراط المسجد ظاهر بنص القرآن الكريم، وبفعل الرسول صلى الله عليه وسلم و الصحابة، إلا أن هذا يخرج مخرج الأصل والقاعدة، وهو يجري في الأحوال العادية؛ عمارة للمسجد، ولأن في المسجد يتحقق مقصود الاعتكاف من حبس النفس عن الشهوات والشبهات والانقطاع للعبادة، واعتكاف الرجل في بيته يمنعه من تحصل مقصود عبادة الاعتكاف.

شروط القول بالجواز:

إلا أن بقاء الناس في بيوتهم، والتزام الحجر الصحي الذي يعيشه الناس، يرجح رأي بعض المالكية بجواز الاعتكاف في مسجد البيت، وذلك بشروط:

1- أن يكون ذلك في مسجد البيت، وليس كل البيت، بمعنى أنه لابد من وجود مسجد أو مكان خاص بالصلاة، لا يستعمل إلا للصلاة.

2-  أن يلتزم المعتكف مسجد بيته، لا يخرجه إلا لضرورة، كقضاء الحاجة ونحوها، فيمكث فيه طوال فترة الاعتكاف، أما أن يبقى فيه بضع ساعات ثم يعيش حياته الاعتيادية، فليس باعتكاف.

3-  أن ينشغل المسلم بعبادات الاعتكاف في مسجد بيته، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وبذلك يتحقق مقصود الاعتكاف.

4-  أن هذا الاختيار مبني على مراعاة الظروف التي يعيشها الناس، فإن زال العذر؛ عاد الحكم إلى أصله، وهو اشتراط المسجد للاعتكاف، ويبقى الاعتكاف في مسجد البيت للمرأة، على ما ذهب إليه الحنفية والشافعي في القديم.

5-  إن القول بجواز الاعتكاف في بيوت المسلمين له حظ كبير من النظر في ظل هذه الظروف؛ لأن فيه إعمالا وحفظا للشعيرة، والإعمال مع سقوط بعض الشروط أولى من الإسقاط بالكلية.

على أن هذا الحكم يبقى بالاختيار، بناء على أن الاعتكاف – في أصله- سنة، فليس بواجب، فللناس أن تمكث وقتا في مسجد بيتها تتعبد لله تعالى، ولا يسمى هذا اعتكافا، لكنهم يتحصلون على أجر العبادة التي يقومون بها.

والأمر في أصله فيه سعة، فليس كل المسلمين في العالم الإسلامي يعتكفون في المساجد في الأحوال الاعتيادية، وإنما المقصود هو القول بجواز الاعتكاف في مسجد البيت بالشروط المذكورة، لمن شاء، ومن التزم برأي الجمهور في اشتراط المسجد، فله ذلك، وقد قرر الفقهاء في قواعدهم:” لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه”.

ولو نظرنا إلى مآل القول بجواز الاعتكاف في مسجد البيت بالشروط، رأينا أنها أفضل وأعظم من القول بإسقاط الاعتكاف بالكلية، خاصة أن ما حصل للناس من ترك المساجد هو من باب الجبر وليس من باب الاختيار، والاجتهاد في الوقائع المستجدة يجب أن يراعي التفريق بين ما كان جبرا؛ فيخفف فيه، وبين ما كان اختيارا، فيرجع فيه إلى الأصل والعزيمة، يضاف إلى هذا ما فيه من الحث على العبادة والتقرب إلى الله تعالى، في الوقت الذي سينشغل فيه الناس في بيوتهم بالمسلسلات الرمضانية وضياع أوقاتهم في معصية الله، فكان القول بالجواز؛ أولى مراعاة للمآل، وإعمالا لمقصد الاعتكاف، على أنه يبقى حكم خاص في زمن خاص، فهو من باب الرخصة وليس العزيمة.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

احذروا ! ذبح الأضحية بمونتريال قبل العيد بيومين !!!

تنبيه هام للإخوة الأفاضل المقيمين بمونتريال وما حولها : يبدأ وقت ذبح الأضحية في صباح يوم العيد بعد الصلاة ـ أي صلاة العيد ـ فلا تجزئ قبله أبداً ، وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة . أي أن أيام الذبح أربعة : يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده . وقد أخبرني

تاريخ الإضافة : 15 يوليو, 2020 عدد الزوار : 1219 زائر

الإحصائيات

  • 4
  • 1٬405
  • 1٬144
  • 2٬313
  • 1٬870
  • 3٬170٬644
  • 170٬644
  • 160
  • 2