(22) أرأيت إذا صليت المكتوبات

عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري[1] رضي الله عنهما: “أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا؛ أأدخل الجنة؟ قال: نعم”. رواه مسلم.[2]
شرح الحديث
السؤال عن الأمور الشرعية يدل على حرص الصحابة على تعلم الخير وفهم الدين.
(أرأيت) الاستفهام هنا بمعنى الاستخبار، ورأيت بمعنى علمت؛ أي: أخبرني بما تعلمه وتتيقنه من أمري.
(إذا صليت المكتوبات) أي: المفروضات، وهي الصلوات الخمس.
(وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام) معنى أحللت الحلال: فعلته معتقدا حله، ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته.
وقد ضل في هذا الباب ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: الكفار الذين يحرمون ويحللون من تلقاء أنفسهم ليوافق أهوائهم ودينهم المحرف، كما قال الله في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله) [التوبة: 37]، والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عاما فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاما فيحرمونه بذلك، أيضا حرموا على أنفسهم بعض الذبائح.
الصنف الثاني : المتصوفة الذين غلب عليهم زهدهم في الدنيا مع قلة الفقه في الدين وقلة الإتباع للسنة ؛ فحرموا على أنفسهم بعض المباحات تقشفا وقد قال الله فيهم: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا)[المائدة:87] ، ويدخل في هذه الآية كل من حرم شيئا من الطيبات، والوسائل العصرية تورعا، أو اشتباها، وألزم الناس بذلك، وأثّمهم على تعاطيها أما من ترك شيئا، وكرهه ليس تحريما، وإنما من باب الورع ، والاحتياط للشبهة ، أو ما يترتب عليه من المفسدة ، أو الصد عن ذكر الله، أو ترك شيئا من المباح لينكسر قلبه، ويتفرغ للعبادة؛ فهذا فعل حسن لا حرج فيه، وهو مسلك أهل الورع والزهد، والأفضل إن كان يقتدى به أن يباشره، ولو مرة ليبين الجواز، ورفع التهمة عن نفسه، والحرج عن العامة.
الصنف الثالث: السفهاء والجهال الذين يحرمون أشياء على أنفسهم لأجل الخصومة أو سبق الحلف والطلاق على ألسنتهم في كل مناسبة، أو الإضرار بأحد، ويغلب عليهم هذا السلوك المشين، ثم يذهبون لمن يجد لهم رخصة، ومخرجا مما هم فيه، وهذا تصرف فيه حرج وتنطع وتشبه بالمستخفين بشرع الله.
قوله: (ولم أزد على ذلك شيئا؛ أأدخل الجنة؟ قال: نعم) وهذا دليل على أن من التزم أداء الفرائض وترك المحرمات دخل الجنة.
وقد جاء صريحا في حديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: (يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة فقال الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله علي من الصيام فقال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام فقال والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله ﷺ أفلح إن صدق) متفق عليه.[3]
ولا يشترط في دخول الجنة الإتيان بالسنة فمن حافظ على الصلوات الخمس والزكاة ورمضان والحج واقتصر على ذلك ولم يتطوع بالنوافل دخل الجنة وكان في رتبة المقتصد من أهل الإيمان ويدخل في منزلة أهل اليمين في الجنة.
أما من أتى بالسنن وأكثر من النوافل فهو أفضل منه وأعلى منزلة في الجنة لأنه في رتبة السابق بالخيرات ويدخل في منزلة السابقين بالجنة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]
قال ابن عباس: (السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ). فينبغي للمؤمن أن يأت بالفرائض والسنن ولا يفرط في فضلها لتكفر خطاياه وتسد خلله في الفريضة وترفع درجاته في الجنة.
اجتناب الكبائر:
أسباب الطاعات تكون مدخلة للعبد الجنة من أول وهلة إذا لم يتلبس العبد بشيء من الكبائر التي تحرمه وتمنعه من دخول الجنة كما جاء ذلك مفسرا في بعض الأحاديث: كما في حديث عمرو بن مرة الجهني قال:(جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال رسول الله ﷺ: (من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب أصبعيه ما لم يعق والديه)[4]
وكذلك كل ما ورد من الأحاديث التي توجب عدم دخول الجنة بالكبائر كالعقوق والكبر والنميمة فإذا تغشى المسلم الكبائر وأصر على السيئات ولو مع فعل الطاعات استحق الوعيد وتعرض للحساب والعقوبة، ودخل النار ليمحص، وتكفر سيئاته إلا أن يتغمده الله برحمة من عنده، ويعفو عنه.
والحاصل أن نصوص الوعد والثواب لا تنفذ إلا بالخلو من نصوص الوعيد والعقاب فلا بد من تقييد النصوص المطلقة، والعمل بنصوص الوعد، ونصوص الوعيد كليهما على حد سواء، والنظر إليهما باتزان واعتدال، وعدم إهمال شيء منهما.
لماذا لم يذكر الزكاة والحج؟
لعدم فرضهما إذ ذاك، فربما ورد الحديث قبل أن تفرض الزكاة أو الحج؛ فإن الحج قد فرض في السنة التاسعة من الهجرة، والزكاة وإن كانت قد فرضت في مكة فإنها كانت عامة من غير تحديد النصاب، ولم يأت بيان النصاب إلا في المدينة، وكذلك أيضا يمكن أن يكون السائل فقيرا ليس عنده مال، ولهذا لم يسأل عن الزكاة.
النبي المعلم:
نتعلم هنا مراعاة النبي ﷺ لتنوع القدرات، إذ من المعلوم أن الناس ليسوا على شاكلة واحدة في ذلك، بل يتفاوتون تفاوتا كبيرا، فلئن كان في الصحابة من أمثال الصديق و الفاروق وغيرهم، فإن منهم – في المقابل – الأعرابي في البادية، والمرأة الضعيفة، وكبير السن ، وغيرهم ممن هم أدنى همة، وأقل طموحا من أولئك الصفوة .
قال أبو هريرة رضي الله عنه قال النبي ﷺ لأصحابه: “من أصبح منكم اليوم صائمًا؟”، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: “فمن تبع منكم اليوم جنازة؟”، قال أبو بكر رضي الله عنه أنا، قال: “فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟”، قال أبو بكر: أنا، قال: “فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟”، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله ﷺ: “ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة”[5]
وقال ﷺ في شأن عبد الله بن عمر: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. متفق عليه. [6]
وقال: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه[7].
وهذا درس للدعاة فإنه يجب على الدعاة إلى الله أن يفهموا طبيعة هذا الدين؛ حتى يتمكنوا من تربية الناس على مبادئه، ومراعاة الفروق بين الناس على حسب قوة إيمانهم أو ضعفه.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا الخير والصواب، والحمد لله رب العالمين.
الفوائد من الحديث:
- حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن أمور الدين دليل على صدق طلبهم للعلم وحرصهم على النجاة.
- الاكتفاء بالفرائض مع اجتناب المحرمات سبب لدخول الجنة.
- المقصود بإحلال الحلال وتحريم الحرام هو العمل بذلك مع اعتقاد حِلّ الحلال وحرمة الحرام.
- لا يجوز للإنسان أن يشرّع لنفسه بتحليل أو تحريم من عنده، فهذا من الضلال.
- الغلو في الزهد وتحريم المباحات بغير دليل مخالف للشرع ومن الاعتداء.
- الإكثار من النوافل يرفع الدرجات ويجعل العبد من السابقين بالخيرات.
- اجتناب الكبائر شرط مهم لنيل هذا الوعد بدخول الجنة ابتداءً.
- من وقع في الكبائر قد يُعاقب قبل دخول الجنة إلا أن يعفو الله عنه.
- مراعاة اختلاف الناس في القدرات والهمم من منهج النبي ﷺ في التعليم والدعوة.
[1] جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنهما صحابي جليل من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل المدينة من الأنصار، وأبوه هو الصحابي الشهيد عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه الذي استشهد يوم أحد. أسلم جابر رضي الله عنه وهو صغير، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم عددًا كبيرًا من المشاهد، وقيل: إنه لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغر سنه وبسبب إبقاء أبيه له عند أخواته، ثم شهد ما بعد ذلك من الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رضي الله عنه من المكثرين من رواية الحديث، حتى عُدَّ في مشاهير الحفاظ من الصحابة، وروى عنه جماعة كبيرة من التابعين، وانتفع الناس بعلمه وفقهه، وكان من فقهاء الصحابة وأهل الفتوى. وقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمنًا طويلًا، فكان من آخر من بقي بالمدينة من الصحابة، وكان الناس يرحلون إليه للأخذ عنه، رضي الله عنه وأرضاه وتوفي سنة 78 ه.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (باب بيان أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، حديث رقم 15)
[3] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان (باب الزكاة من الإسلام، حديث رقم 46)، وفي كتاب الصوم (باب وجوب صوم رمضان، حديث رقم 1891)، ومسلم في كتاب الإيمان (باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، حديث رقم 11)
[4] أخرجه أحمد في المسند من حديث عمرو بن مُرَّة الجهني رضي الله عنه، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2212)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رجال أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وحكم عليه أهل العلم بالصحة.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة (باب فضل من جمع هذه الخصال، حديث رقم 1028)
[6] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد (باب فضل قيام الليل، حديث رقم 1122)، ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة (باب من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حديث رقم 2479)
[7] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد (باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث رقم 1152)، ومسلم في صحيحه في كتاب الصيام (باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا أو لم يفطر العيدين والتشريق، حديث رقم 1159)

