“يا حنظلة ساعة وساعة”
عناصر الخطبة:
أولا/ نشاط وهمة ثم فتور.
ثانيا/ المثالية في العبادة
ثالثا/ يا حنظلة ساعة وساعة
أولا/ نشاط وهمة ثم فتور.
لقد أكرمنا الله عز وجل ببلوغ شهر رمضان، وأعاننا الله تعالى على الصيام والقيام وأتم الله لنا عدة رمضان ثلاثين يوما، وهذه الأيام والليالي المباركة التي مرت بنا هي حالة رقي إيماني يحرص كل مسلم منا على أن يدوم عليها بعد رمضان، لكن دوام الحال من المحال، وطبيعة الإنسان أن ينشط للعمل ثم يفتر، لكن المؤمن إذا أصابه فتور يكون فتورا بعده تواصل وليس فتور بعده انقطاع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)
(شرة) يعني حدة ونشاط. (ولكل شرة فترة) فتور يعني كسل وتراخ، شيء من الراحة.
فالمسلم ينشط في العبادة أولا، ثم تسكن شرته وتفتر عزيمته؛ لذا أمر بهذا: (فمن كان فترته)، أي: فمن كانت فترة خموله وضعفه، (إلى سنتي فقد اهتدى)، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الاقتصاد والتوسط، مع المداومة والإخلاص لله، وعدم الرياء والسمعة، (ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)؛ لأن من سلك غير هديه صلى الله عليه وسلم فهو من الهالكين.
ثانيا/ المثالية في العبادة
وأريد أن أقول لإخواني إن الكثير منا يحلق في المثالية ويريد أن يدرك كل شيء أو لا شيء، يعني ما زال عالقا في أذهاننا أن من علامات قبول رمضان أن أصلي أحد عشر ركعة كل ليلة وأن أصوم الاثنين والخميس وأن اقرأ جزءا من القرآن …هذا كان في موسم من مواسم الطاعة ومن الطبيعي جدا أن تنشط وأن تبذل أقصى ما في وسعك، لكن هنا بعد رمضان تعال إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير العمل أدومه وإن قل)
كنت تستطيع في رمضان أن تصلي أحد عشر ركعة خلف الإمام وتجدها سهلة خفيفة لماذا؟
لأن الطاعة في الجماعة تخف، لكن أنت مع نفسك، داوم على ما تلتزم به، يعني بعد ركعتي سنة العشاء هل تستطيع أن تداوم على ركعتي قيام ليل؟
ذهب الضيوف وبقي أصحاب البيت:
في صوره يتداولها الإخوة الآن لصلاة في أحد المساجد يقف الإمام وخلفه حوالي عشرة مصلين فقط، وكتب الناشر معلقا عليها: (ذهب الضيوف وبقي أصحاب البيت) وهذه صورة في مجملها غير صحيحة فليس من حق أحد أن يدعي أن فلانا من الضيوف وهو من أصحاب البيت كلنا نأتي إلى بيوت الله عز وجل راغبين راهبين، وكلنا ضيوف على الله سبحانه وتعالى نأتي إلى المساجد نرجو رحمته، ونخشى عذابه نلبي أمره سبحانه وتعالى، ونبتغي رضاه.
فالذي يقسم الناس هذا التقسيم هو معجب بنفسه متهم لغيره بما لا يطلع عليه أحد إلا الله، ولعلنا نلتمس للناس الأعذار، فالناس في رمضان كانوا يفرغون أنفسهم للعبادة لا شك في ذلك ويبرمجون يومهم على هذه الصلوات سواء الجماعة أو التراويح أو التهجد، لكن في ايام الأعياد طبيعي أن الناس تسافر، أو تتزاور ، أو عندهم عمل أو غير ذلك، لكن لا ينبغي أبدا أن نظن أننا نحن الفائزون وغيرنا هم الخاسرون وقد كنا تجمعنا صلاة واحدة، ولا ينبغي لأحد أن يدعي أنه من أهل المسجد، وآخرون من ضيوفه فكلنا ضيوف على الله عز وجل.
ثالثا/ يا حنظلة ساعة وساعة
الذي أريد أن أقوله إن رمضان كان حالة ارتقاء إيماني وروحاني عالية، لكن دوام هذه الحالة الايمانية العالية غير مستطاع للإنسان وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة؛ فقد روى مسلم في صحيحه: عن حنظلة الأسيدي، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت : نافق حنظلة قال : سبحان الله ، ما تقول ؟ قال قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة ، حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، فنسينا كثيرا قال أبو بكر : فوالله إنا لنلقى مثل هذا ، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : نافق حنظلة يا رسول الله!!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قلت : يا رسول الله ، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة ، ثلاث مرات ) .
والمعنى أن الذي ينقطع للعبادة بكليته لا يفتر عنها هم الملائكة لأن الملائكة هم الذين يداومون على الطاعة بلا انقطاع الملائكة لا يعرفون النوم ولا يحتاجون إلى طعام ولا شراب وليس عندهم زوجات ولا أبناء ولا حياة خاصة، ولا شيء من هذا القبيل، فلو بقيتم على حالكم، أي عبادة متواصلة بالليل والنهار لصافحتكم الملائكة ، بمعنى أنكم صرتم ملائكة ولكن يا حنظلة – وهذا هو الشاهد- ساعة وساعة ، ساعة وساعة، أي ساعة فيها إقبال على الله ، ونشاط وهمة في العبادة وساعة فيها فتور.
خطوط حمراء في العبادة:
هناك خطوط حمراء في العبادة لا تنازل عنها، يعني ما في مسلم يتنازل عن الفرائض، ليس هناك مسلم يقول: سأصلي أربع صلوات من خمسة، هذا الكلام ليس محل نقاش، الفرائض هي الفرائض بلا نقص، لأن هذا إلزام من الله لعباده، المحرمات هي المحرمات لا فصال فيها، الكلام هنا على العبادات التطوعية النوافل، هذا هو الذي نتكلم عنه.
إذا فأنا عندي خطوط حمراء لا تنازل عنها أبدا، وعندي باب أو ميدان للاجتهاد في العبادة لا ألزم نفسي به، وإنما أجتهد فيه ما استطعت، وهو باب النوافل والمستحبات.
ما هو الورد الذي أحافظ عليه من القرآن؟
في رمضان ختمت القرآن مرة واثنين أو ثلاثة، طيب وبعد رمضان؟ نقبّل المصحف ونضعه في مكانه، لماذا لا تجعل لك وردا؟ ولو كل شهرين أو ثلاثة أشهر أو أربعة شهرا تختم ختمة، ما المانع؟ لماذا نقطع صلتنا بالقرآن الكريم؟
الآن الهواتف الذكية إذا فتحت تطبيق القرآن يفتح لك الصفحة التي توقفت عندها، وأنا دائما اتخذ شعارا وهو: ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن)، عندي ثلاث دقائق انتظر إقامة الصلاة افتح المصحف، انتظر شيئا في مواصلة في عيادة طبية، في أي مكان، افتح المصحف، لو قرأت صفحة أو صفحتين فأنا الفائز، ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن)
فلا يجب علي – كما يظن البعض- حتى أقرأ القرآن أن أجلس واقرأ جزءا كاملا فهذه الصورة قد لا تتيسر للكثير، لكن يتيسر لي في هذه الدقائق أن أقرأ ما تيسر من القرآن، فإذا بي أجد أني في نهاية اليوم قرأت حزبا وأنا لا أشعر، قرأت حزبا- سبحان الله– إذا لم تقرأ فاسمع، اسمع القرآن.
قيام الليل:
قيام الليل يبدأ من المغرب إلى الفجر، وورد في قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون)، قال أنس بن مالك في تفسيرها يصلون بين المغرب والعشاء.
لا أقول لك استيقظ قبل الفجر بساعة الآن مع تأخر وقت العشاء ودخول الفجر مبكرا، فالقيام في فصل الصيف صعبا، إنما أقول لك من الممكن أن تتنفل بين المغرب والعشاء، صلاة قيام الليل نعم، والنبي سهلها علينا قال: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين)، واظب على ركعتين بعد سنة العشاء بعشر آيات، سورتا الفلق والناس أحد عشر أية، الأمر سهل يا إخواني، لكن المهم المواظبة فخير العمل أدومه وان قل.
الأمر ليس مستحيلا لكنه ممكن:
بعضنا يبغي أن يكون في أعلى القمة في العبادة، هذه لن تأتي مرة واحدة، يا أخي ليس هناك من يقفز من الشهادة الابتدائية إلى الدكتوراه، إنما يبدأ يتدرج واحدة واحدة، فإذا اعتادت نفسه العبادة طلبت الزيادة.
في رمضان كان هناك إماما يصلي بنا كانت هناك جماعة تشجع، كان هناك إيمانيات عالية ثم بعد ذلك يجد الواحد نفسه لا يصلي حتى ركعتين بعد العشاء، نقول لك هذا طبيعي.
أنت كنت تتعلم كيف تقيم الليل وأن الأمر سهل يسير، ليس مستحيلا لكنه ممكن، ممكن تقرأ جزءا ليس مستحيلا تصلي قيام ليل ليس مستحيلا، لكن داوم فخير العمل أدومه وإن قل، وكما يحكى عن النبي أنه كان عمله ديمة، يعني دائما، صلوات ربي وسلامه عليه.
إذا يا إخواني لا بد وأن تجعل لنفسك حدا لا تتنازل عنه :
- ورد قرآني .
- قيام ليل.
- محافظة على أذكار الصباح والمساء.
- صدقة أسبوعية أو يومية أو شهرية
- لا تقطع أي عبادة كنت تكون بها في رمضان، فرمضان بداية للهداية وليس نهاية للعبادة.
رابعا/ واجعلنا للمتقين إماما
وبعض الناس جعل العبادة هي شيء واحد فقط البعض يرى أن الصيام هو أعلى العبادات وما دونه ليس من العبادات انظر ما هي العبادة التي فتح الله عليك بها؟
في قول الله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا٧٤﴾ [الفرقان: 74] ليس المقصود بها أن تكون إمام في قبلة الصلاة فقط ؛ هذا نوع من أنواع الإمامة، لكن ممكن أن تكون إماما في:
- كفالة اليتيم، وإطعام المسكين.
- أو إماما في الدعوة إلى الانفاق في سبيل الله عز وجل.
- أو إماما في الصلح بين الناس ؛ فهناك من فتح الله عليه في عبادة الإصلاح بين المتخاصمين، يجلس ساعتين وثلاثة وأربعة، يصلح بين اثنين متخاصمين هذه عبادة من العبادات
- أو إماما في قضاء حاجات الناس.
- أو إماما في صيام التطوع: فهناك من فتح الله عليه في الصيام اللهم تقبل يصوم رمضان والستة من شوال والأيام البيض وعرفة وعاشوراء وشعبان ما شاء الله …. لكن لو عندنا شخص يضعف عن الصيام لأنه مريض فالصيام يضره، وربما صام رمضان بالكاد، أو ربما لم يستطع صيام جميع الأيام فهذا يفطر، ويبحث عن عبادة أخرى.
- أو إماما في الصدقة: هناك من فتح الله عليه في عبادةالصدقة يتصدق يمينا وشمالا ويعطي وينفق أغناه الله ووسع الله عليه فهو لا يقصر في النفقة
- أو إماما في القرآن: فهناك من فتح الله عليه في القرآن يحفظه ويتلوه يتدبره، ويفسره ويعلمه وكان عبد الله بن مسعود يقول: إنه لا يكثر من صيام النافلة وقال: لأنه يشغلني عن تلاوة القرآن.
إذن فانظر ما هي العبادة التي فتح الله عليك بها فإن ُسد باب من أبواب العبادة فقد فتح الله لك أبوابا أخرى.
فإذا فتح لك باب عبادة ورأيت نفسك فيه فاستمر في هذا الباب عسى أن يكون هذا الباب هو الموصل إلى مرضاة الله عز وجل.
خامسا/ قل آمنت بالله ثم استقم:
وجماع هذا الكلام كله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صحيح الامام مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال لرسول الله: قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم.
آمنت بالله واستقم على هذا الايمان والاستقامة معناها أن تسلك الطريق إلى الله بلا عوج ولا زيغ ولا انحراف، والطريق إلى الله وسط لا غلو وتجاوز ولا تقصير وتفريط.
فالمؤمن لله يسعى ولله يمضي وهو مستمر على ذلك ، يرتبط بالله في كل شيء يرتبط بالله في كل أقداره في كل أوامره في كل نواهيه يرجع الأمور كلها لله يعيش حياته لا يخاف من مستقبله ولا يحزن على ماضيه يبشر بالجنة كما قال الله عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ٣٠﴾ [فصلت: 30] ونخلص من هذا أن الاستقامة التزام المؤمن بفعل الطاعات الظاهرة والباطنة وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، وهو ما يسميه البعض الالتزام ويقال: مسلم ملتزم والأصح مستقيم.
) ثم استقم) فرتب الاستقامة على الإيمان ، فالاستقامة ثمرة ضرورية للإيمان الصادق.
وكان الحسن إذا قرأ قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال: (اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة).
ومن معاني الاستقامة وخصائصها الوسطية والاعتدال بأن يتبع المؤمن الطريق الوسط ويلزم طريق أهل السنة في كل أبواب الدين من غير إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء ، وينبغي للمؤمن أن يدرك أنه إذا ورد الأمر من الله كان للشيطان فيه طرفان الزيادة والنقصان فليحذر كلا الطرفين وليسلك الوسط بينهما.
قال بعض السلف: (ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيها ظفر).
سادسا/ جبر النقص بالاستغفار والتوبة
والمسلم معرض للخطأ والتقصير والنفس تضعف والشيطان يتسلط ، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرص على لزوم الاستقامة على حسب القدرة والتوفيق فإن تعذر ذلك فليحرص على المقاربة من حال الاستقامة فقال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) متفق عليه.
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها). رواه الترمذي.
ولما أثنى الله على المتقين ذكر أنه قد يقع منهم وقوع الفاحشة وظلم أنفسهم فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ١٣٥﴾ [آل عمران: 135]
ولكن حال أهل الاستقامة عدم الإصرار على الذنوب والإنابة والتوبة والرجوع إلى الله وفعل الحسنات إذا حصل منهم تقصير وتفريط.
د.خالد الطويل
جزاكم الله خير الجزاء معالي الشيخ الدكتور على هذا الموضوع المفيد
abojannah
الله يعزك ويرفع قدرك