شرح دعاء سيد الاستغفار

تاريخ الإضافة 20 سبتمبر, 2020 الزيارات : 175

شرح دعاء سيد الاستغفار

في الحديث عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال :

(سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ،من قالها في النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى دخل الجنة، ومن قالها من الليل فمات في ليلته قبل أن يصبح دخل الجنة) أخرجه البخاري

ما معنى سيد الاستغفار؟

سيد الاستغفار : يعني أشرف الاستغفاروسمي بذلك لأن هذا الدعاء جاء جامعا لمعاني التوبة كلها واستعير له اسم السيد ، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور. ‏

 وهذا يدل على أن أفضل صيغة للاستغفار هي هذه الصيغة، وذلك لأنها قد تضمنت  أمورا عظيمة، فتضمنت:

  • الاعتراف بالربوبية وبالألوهية وأنه لا معبود بحق إلا الله.
  • وتضمنت أيضا أن العبد مقيم على عهد الله عز وجل حسب استطاعته.
  • وتضمنت أيضا الالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام به من الذنوب.
  • وتضمنت أيضا الشكر الله سبحانه وتعالى بالاعتراف بنعمه.
  • وتضمنت أيضا اعتراف العبد بالذنب والمعصية وسؤال الله المغفرة.
  • فهذه الصيغة تضمن هذه المعاني كلها، ولذلك كانت هي أفضل صيغ الاستغفار، وكانت سيد الاستغفار.

قوله: (الاستغفار) الاستغفار: مصدر  استغفر يستغفر استغفارا، من مادة غفر، وهذه المادة تدل على التغطية وعلى الستر، ومنه الـمِغفر: الذي يوضع على الرأس من حديد اتقاء للسهام، ففيه معنى الستر وفيه معنى الوقاية، فيكون معنى الاستغفار، ومعنى المغفرة: ستر الذنب، والتجاوز عنه، فحين تقول: أستغفر الله فكأنك تقول: يا رب استر علي ذنوبي وتجاوز عني ولا تؤاخذني بها.

وما الفرق بين المغفرة والعفو؟

كلاهما فيه تجاوز للذنب، لكن المغفرة هي ستر الذنب والعفو محو الذنب، ولذلك أيهما أفضل: العفو أو المغفرة؟ العفو أفضل، العفو أعظم من المغفرة، وإن كان كلاهما مؤداهما واحد، فكلاهما فيه عدم المؤاخذة بالذنب، لكن العفو فيه محو الذنب، والمغفرة تغطية وستر للذنب، وكلاهما فيه عدم المؤاخذة على الذنب، فلا يؤاخذ العبد على الذنب.

شرح الدعاء

المتأمل في هذا الدعاء يجد أنه قد اشتمل على التوبة والتذلل والإنابة لله سبحانه وتعالى .

 اللهم أنت ربي : إقرار لله عزوجل بتوحيد الربوبية .

لا إله إلا أنتإقرار بتوحيد الألوهية .

  خلقتني أوجدتني من العدم

وأنا عبدك :إقرار من العبد بالعبودية والتذلل والخضوع لله عزوجل .

وأشرف شيء للإنسان أن يكون عبداً لله؛ فلا انفكاك للعبد من رتبة العبودية؛ فإما أن يكون عبدا لله، أو للشيطان، قال تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 60، 61]

وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي مِثْلِ هَذَا:

وَمِمَّا زَادَنِي فخرا وَتِيهًا. . . وَكِدْت بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِك يَا عِبَادِي. . . وَأَنْ صَيَّرْت أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا 

هل يصح للمرأة أن تقول ..(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا أمتك أم وأنا عبدك؟

الأمر في هذا واسع ، فلها أن تدعو بما يناسبها (صيغة التأنيث) ، فتقولوأنا أمتك , ولها أن تدعو بلفظ الدعاء الوارد ، لأنه وصف للشخص المتكلم ، والشخص يطلق على الذكر والأنثى.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عَنْ امْرَأَةٍ سَمِعَتْ فِي الْحَدِيثِ : (اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك نَاصِيَتِي بِيَدِك) إلَى آخِرِهِ فَدَاوَمَتْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فَقِيلَ لَهَا : قُولِي : اللَّهُمَّ إنِّي أَمَتُك بِنْتُ أَمَتِك إلَى آخِرِهِ . فَأَبَتْ إلَّا الْمُدَاوَمَةَ عَلَى اللَّفْظِ فَهَلْ هِيَ مُصِيبَةٌ أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ : “بَلْ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَمَتُك ، بِنْتُ عَبْدِك ، ابْنِ أَمَتِك ، فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْسَنُ . وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا : عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَلَفْظِ الزَّوْجِ [يعني : أن لفظ الزوج يطلق على الذكر والأنثى] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ” انتهى. من “مجموع فتاوى ابن تيمية” (2/177) .

 وأنا على عهدك :  فيه معنيان:

1- وأَنَا عَلَى مَا عَاهدْتُكَ عَلَيْهِ وَوَاعَدْتُكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ وَإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ لَكَ مَا اسْتَطَعْتُ مِنْ ذَلِكَ.

2-  يُرِيدُ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بربكم فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.

(ووعدك) أراد بِالْوَعْدِ: مَا قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَأَدَّى مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. 

والمعنى أنا مؤمن بالثواب والجزاء، ومصدق لما وعدت به من الثواب والجزاء على ذلك.

(ما استطعت) أي بقدر طاقتي،واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصورعن القدر الواجب من حقه تعالى، وهذا إِعْلَامٌ لِأُمَّتِهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلَّهِ وَلَا الْوَفَاءِ بِكَمَالِ الطَّاعَاتِ وَالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ فَرَفَقَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وُسْعَهُمْ.

أيا عبد كم يراك الله عاصيا = حريصا على الدنيا وللموت ناسيا

أنسيت لقاء الله واللحد والثرى = ويوما عبوسا تشيب منه النواصيا

لو أن المرء لم يلبس ثيابا من = التقى تجرد عُريانا ولو كان كاسيا

ولو أن الدنيا تدوم لأهلها = لكان رسول الله حيا وباقيا

ولكنها تفنى ويفنى نعيمها = وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي

 أعوذ بك من شر ما صنعت : أي من الذنوب، لأن الذنوب كلها شر وموجبة للعقوبة. ومعنى أعوذ: أي أعتصم بك من الذنوب.

 أبوء لك بنعمتك عليأبوء: يعني أعترف، وأُقرُّ بنعمتك عليَّ، أي أعترف وأقر بنعمك التي أنعمت بها عليَّ، والاعتراف بالنعمة من شكر الله، فالشكر يكون بثلاثةٍ: بالاعتراف بها باطناً، والتحدُّث بها ظاهراً، وتسخيرها في مرضاته سبحانه. 

 وأبوء بذنبي :اعتراف وإقرار العبد بالذنب سواءً كان هذا الذنب ذنباً معيناً أو الذنوب بصفة عامة .

 وقد أثنى الله تعالى على من اعترف بذنبه،  واستغفر وتاب إلى ربه، ولم يصر على معصيته، فقال: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). فتأمل قوله: (ولم يصروا  على ما فعلوا)، فالإصرار على المعصية ينافي التوبة، فالاعتراف بالذنب والاستغفار وطلب التوبة هذا من صفات المتقين، وقد جاء في حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يذنب ذنبا ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين يم يستغفر الله إلا غفر الله له) وهذا حديث صحيح أخرجه الترمذي .

وصدق الشاعر حينما قال:
 
أنا خاطئ أنا مذنب أنا عاص   ***          هو راحم هو غافر هو كافي
 
قابلتهن ثلاثة بثلاثة              ****       ولتغلبن أوصافه أوصافي
 
فأنا عبد خاطئ مذنب عاص أما هو الله جل جلاله فهو راحم غافر كافي؛ فهذه الأوصاف الثلاثة من العبد يقابلها تلكم الثلاثة صفات لله ، ولا شك أن صفاته أعظم وأكمل وأتم ، فبرحمته سبحانه يغفر ويستر ويرحم، ولتغلبن أوصافه أوصافي.

والاعتراف بالذنب سبب لتكفيره:

فقد اعترف آدم وزوجه عليهما السلام بالذنب، {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]. فقبل الله توبتهما.

واعترف بذنبه الكليم موسى عليه السلام فغفر الله له { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16].

وقال عن يونس عليه السلام: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87].

ويروى أن بكر بن عبدالله المزني – رحمه الله – لقي حَمَّالًا ( رجل يحمل للناس متاعهم بأجر ) وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى وَضَعَ مَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: مَا تُحْسِنُ غَيْرَ ذَا؟ قَالَ: بَلَى، أُحْسِنُ خَيْرًا كَثِيرًا: أَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ نِعْمَةٍ وَذَنْبٍ؛ فَأَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نَعْمَائِهِ السَّابِغَةِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ لِذُنُوبِي، فَقال بكر: الْحَمَّالُ أَفْقَهُ مِنْ بَكْرٍ “.

 

أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا *** وَصَدَّتْهُ الْأَمَانِي أَنْ يَتُوبَا

أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي أَضْحَى حَزِينًا *** عَلَى زَلَّاتِهِ قَلِقًا كَئِيبَا

أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمُرِي *** فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا

أَنَا الْعَبْدُ السَّقِيمُ مِنْ الْخَطَايَا *** وَقَدْ أَقْبَلْتُ أَلْتَمِسُ الطَّبِيبَا

أَنَا الْغَدَّارُ كَمْ عَاهَدْتُ عَهْدًا *** وَكُنْتُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ كَذُوبَا

أَنَا الْمُضْطَرُّ أَرْجُو مِنْكَ عَفْوًا *** وَمَنْ يَرْجُو رِضَاكَ فَلَنْ يَخِيبَا

وذكرَ ابنُ الجوزي -رحمَه اللهُ- قصَّةً لأبي نواسٍ بعدَ موتِه وهو المعروفُ بشاعرِ الخمرِ .. يَقولُ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ: كَانَ أَبُو نُوَاسُ لِي صَدِيقًا فَمَاتَ فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟، قَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا، هِيَ تَحْتَ الْوِسَادَةِ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَإِذَا رُقْعَةٌ فِيهَا شِعْرٌ مَكْتُوبٌ وَهُوَ:

يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً *** فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ

إِنْ كَانَ لا يَرْجُوكَ إِلا مُحْسِنٌ *** فَمَنِ الَّذِي يَدْعُو وَيَرْجُو الْمُجْرِمُ؟

أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا *** فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ؟

مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلا الرَّجَا *** وَجَمِيلُ عَفْوِكَ، ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمُ

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ -رضي الله عنه-، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَدَائِنُ قُبْرُص، وَقَعَ النَّاسُ يَقْتَسِمُونَ السَّبْيَ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ وَيَبْكِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَتَنَحَّى أَبُو الدَّرْدَاءِ، ثُمَّ احْتَبَى بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَأَتَاهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ؟ أَتَبْكِي فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟ وَأَذَلَّ فِيهِ الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، فَضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا جُبَيْرُ بْنَ نُفَيْرٍ، مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى النَّاسِ، لَهُمُ الْمُلْكُ حَتَّى تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى، وَإِنَّهُ إِذَا سُلِّطَ السِّبَاءُ عَلَى قَوْمٍ فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، لَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حَاجَةٌ.  رواه سعيد بن منصور في سننه وإسناده صحيح

وجاء إلى الإمام أحمد شخص قال له يا إمام ما رأيك في الشعر؟ قال الإمام وأي شعر هذا، قال الرجل : 

إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني ..؟

وتُـخفي الذنبَ عن خَلقي وبِالعِصيانِ تأتيني

فكيف أجيبُ يا ويحي ومن ذا سوف يحميني؟

فأخذ الإمام يردد الأبيات ويبكي حتى علا صوته رحمه الله .

 

فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت :طلب المغفرة من الله عز وجل والتذلل بين يديه .

هذه الجملة مشتملة على شيئين من أسباب مغفرة الذنوب:

الأول: الدعاء بالمغفرة. قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].

والثاني: الاعتراف بأنه لا يغفر الذنب أحد سوى الله.

فليس سوى الله من يمنح صكوك الغفران! قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي الله عنه-: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-،: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي، قَالَ: ( قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) رواه البخاري

ففي هذا اعْتِرَافٌ بِذَنْبِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَلَبُ غُفْرَانِهِ ثَانِيًا. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْخِطَابِ وَأَلْطَفِ الِاسْتِعْطَافِ. 

قال ابن القيم -رحمه الله- في  مدارج السالكين (1/ 429): فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ هُوَ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، وَمِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا إِذَا فَرَّ عَبْدٌ إِلَيْهِ، وَهَرَبَ مِنْ عَدُوِّهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ طَرِيحًا بِبَابِهِ، يُمَرِّغُ خَدَّهُ فِي ثَرَى أَعْتَابِهِ بَاكِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، ارْحَمْ مَنْ لَا رَاحِمَ لَهُ سِوَاكَ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ سِوَاكَ، وَلَا مُؤْوِيَ لَهُ سِوَاكَ، وَلَا مُغِيثَ لَهُ سِوَاكَ. مِسْكِينُكَ وَفَقِيرُكَ، وَسَائِلُكَ وَمُؤَمِّلُكَ وَمُرَجِّيكَ، لَا مَلْجَأَ لَهُ وَلَا مَنْجَى لَهُ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، أَنْتَ مَعَاذُهُ وَبِكَ مَلَاذُهُ.

يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ. . . وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أَحَاذِرُهُ

لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ. . . وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ

يقول أحد علماء الشام :
كنت معتكفاً في بيت المقدس في رمضان ، والمسجد يموج بالمعتكفين ،
فنام الناس غفوة من وسط الليل ،
فقام إبراهيم بن أدهم يتضرع إلى الله ،
فيقول :
إلهي عبدك العاصي أتـاك مقر بالذنوب وقد دعـاك
فإن تغفر فأنت لذاك أهـل وإن تأخذ فمن نرجو سواك
فلم يبق أحد في المسجد إلا ردد معه هذه الأبيات من شدة تأثيرها وتعلقها بالله – سبحانه وتعالى – وحده.


وأخرج ابن أبي الدنيا في كتابه الدعاء المستجاب (منع بنو إسرائيل القطر من السماء فجاءوا إلى موسى عليه السلام يقولون له: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن ينزل الغيث، فدعا موسى ربه وهم يؤمنون خلفه -يقولون: آمين- ولكن الغيث لم ينزل، فأوحى الله إلى موسى: يا موسى فيهم عبد عصاني أربعين سنة مرة فأمره أن يخرج من بين صفوفهم.

ونادى موسى على العبد العاصي: أيها العبد! اخرج من بين صفوف الناس، فلقد حرمنا الماء بسبب معاصيك، ووصل النداء إلى العبد بإذن الله، فعلم أنه هو المقصود، فطأطأ الرأس، وقال: يا رب! عبد عصاك الآن يستغفرك ويتوب إليك، رب استرني ولا تفضحني، فاطلع ربنا على صدق توبته وحسن استغفاره، فأوحى إلى موسى: أن ادع الله، وأمن الناس فنزل الماء مدراراً، فقال موسى لربه: العبد لم يخرج يا رب! قال: يا موسى! بسببه سقيتكم الماء، فقال موسى لربه: دعني أنظر إليه، فقال: يا موسى! لم أفضحه وهو عاص، فكيف أفضحه وهو تائب؟).

 

قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا بِهَا) أَيْ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ مُصَدِّقًا بِثَوَابِهَا ، وهذا دليل على أنه يُشرع أن يُؤتى بهذه الصيغة من الاستغفار في أذكار الصباح والمساء:

، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قالها في النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى دخل الجنة، ومن قالها من الليل فمات في ليلته قبل أن يصبح دخل الجنة) وهذا يدل على أنها من أذكار الصباح والمساء.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 3
  • 3٬034
  • 2٬465
  • 3٬853
  • 3٬050
  • 3٬337٬791
  • 300٬279
  • 177
  • 2