(27) البر ما اطمأنت إليه النفس

عن وابصة بن معبد[1] رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم. فقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)[2]
والحديث له شاهد عن النواس بن سمعان رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) رواه مسلم.[3]
شرح الحديث
قوله: (جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم.) هذه جملة خبرية في ظاهرها ولكنها استفهامية في معناها فمعنى (جئت تسأل عن البر) يعني أجئت تسال عن البر؟
وهذا الحديث فيه حكاية ذكرها الإمام أحمد في مسنده، فيها: أن الرجل ذهب إلى النبي ﷺ والناس مزدحمون حوله، فأراد الإقبال على النبي ﷺ، فنهاه الناس أن يفعل هذا أمام النبي ﷺ، فالرجل علل بأنه يحب النبي ﷺ حباً شديداً يدفعه لذلك، فقال النبي ﷺ لهم: أفسحوا لـ وابصة، فجاء وابصة يريد أن يسأل النبي ﷺ، وقبل أن يسأل قال له النبي ﷺ: (تسأل أم أخبرك؟) قال: بل أخبرني يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: (جئت تسأل عن البر؟ قال: نعم، فقال ﷺ: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).
(استفت قلبك) أي اسأل والاستفتاء طلب الافتاء وهو بمعنى الخبر لأن الافتاء إخبار عن حكم شرعي فأحاله النبي ﷺ على قلبه.
( البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه) أي تستقر فما استقر إليه القلب ورضي به وانشرح به، واطمأنت إليه النفس أيضا لا تحدثك نفسك بالخروج عنه فهذا هو البر، ولكن لمن قلبه سليم ونيته صادقه. أما من ليس كذلك فقلبه لا يطمئن للبر ولا تطمئن إليه نفسه، ولهذا تجده إذا شرع في البر يضيق ذرعا ويسرع هربا حتى كأنه مطرود، لكن المؤمن يطمئن قلبه وتطمئن نفسه إلى البر.
(والإثم ما حاك في النفس) معناها: أثّر فيها وخالجها ودار فيها مع شيء من الشك والاضطراب، كأن الأمر لم يستقر في القلب.
(وتردد في الصدر) بقي القلب غير مطمئن، يتقلب بين الإقدام أو التراجع عن الفعل.
أي أن من علامات الإثم أن يجد الإنسان في داخله قلقًا وانقباضًا تجاه الفعل، فلا تنشرح له نفسه، ولا يطمئن إليه قلبه، بل يبقى مترددًا: هل أفعله أم لا؟ هل هو صحيح أم لا؟ وكأنه شيء يتحرك في صدره ويؤرقه.
وليس المقصود أن كل وسوسة أو خوف داخلي يكون دليلًا على التحريم؛ لأن الموسوس قد يتردد حتى في المباح أو الطاعة؛ إنما المقصود بالحديث القلب السليم الذي يعرض له أمر مشتبه، فيجد منه انقباضًا وحرجًا، خصوصًا إذا كان يكره أن يطّلع الناس عليه.
فالمعنى التام: الإثم هو ما لم يطمئن له قلبك السليم، وبقي في صدرك منه حرج واضطراب، ولو حاول بعض الناس تهوينه لك.
(وإن أفتاك الناس وأفتوك) هذا من باب التوكيد يعني حتى لو أفتاك وأفتاك وأفتاك فلا ترجع إلى فتواهم ما دام قلبك لم يطمئن ولم يستقر فلا تلتفت للفتوى.
وكثير من الناس يخطئ في فهم هذا الحديث، حيث يجعلونه مطية لهم في الحكم بالتحليل أو التحريم على وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم ورغباتهم، فيرتكبون ما يرتكبون من المحرمات ويقولون: (استفت قلبك)!! مع أن الحديث لا يمكن أن يراد به ذلك، وإنما المراد من الحديث أن المؤمن صاحب القلب السليم قد يستفتي أحداً في شيء فيفتيه بأنه حلال، ولكن يقع في نفس المؤمن حرج من فعله، فهنا عليه أن يتركه عملاً بما دله عليه قلبه.
قال ابن القيم رحمه الله :”لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ؛ لقوله ﷺ: (استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك) فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا ، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه ، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك ، كما قال النبي ﷺ: (من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار) [4]والمفتي والقاضي في هذا سواء ، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن ، سواء تردد أو حاك في صدره ، لعلمه بالحال في الباطن ، أو لشكه فيه ، أو لجهله به ، أو لعلمه جهل المفتي ، أو محاباته في فتواه ، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة ، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة ، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه ، وسكون النفس إليها” [5]
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:“أي: حتى وإن أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه، فإن هذا من الخير والبر، إلا إذا علمت في نفسك مرضا من الوسواس والشك والتردد فلا تلتفت لهذا، والنبي ﷺ إنما يخاطب الناس أو يتكلم على الوجه الذي ليس في قلب صاحبه مرض” [6]
فالذي يستفتي قلبه ويعمل بما أفتاه به هو صاحب القلب السليم، لا القلب المريض، فإن صاحب القلب المريض لو استفتى قلبه عن الموبقات والكبائر لأفتاه أنها حلال لا شبهة فيها!
وفي هذا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:“(الإثم ما حاك في نفسك) أي : تردد وصرت منه في قلق (وكرهت أن يطلع عليه الناس) لأنه محل ذم وعيب ، فتجدك متردداً فيه وتكره أن يطلع عليك الناس، وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً ، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثماً ، ويكره أن يطلع عليه الناس .
أما المُتَمَرِّدون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون ، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم ، فالكلام هنا ليس عاماً لكل أحد ، بل هو خاص لمن كان قلبه سليماً طاهراً نقياً ، فإنه إذا هَمَّ بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قبل الشرع تجده متردداً يكره أن يطلع الناس عليه ، فهذا علامة على الإثم في قلب المؤمن” [7]
إذن فلا يقال لكل إنسان: استفت قلبك، وإنما يقال ذلك لمن كان في مثل الصحابي وابصة في قوة الفهم، وصفاء النفس، وسَعة العلم، والحرص على تحري الخير، فمثله لا يرجع لفتوى رضي الله عنه، أما عامة الناس فلا يقال لأحدهم: استفت قلبك، وإنما يقال له: استفت العلماء الذين يميل قلبك إلى أمانتهم في العلم، فاسأل واعمل بفتواهم، وإن خالفت فتواهم ما في قلبك؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
الحديث الثاني: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)
(البر) أي الذي ذكره الله تعالى في القرآن فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: الآية2] والبر كلمة تدل على كثرة الخير.
(حسن الخلق) يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال: “الحج عرفة”
(والإثم ما حاك في نفسك) الإثم ضد البر؛ أي ما تردد وصرت منه في قلق.
(وكرهت أن يطلع عليه الناس) لأنه محل ذم وعيب، فتجدك مترددا فيه وتكره أن يطلع الناس عليك.
من فوائد الحديث:
- في الحديث معجزة واضحة للنبي ﷺ؛ حيث أخبر الصحابيَّ وابصةَ بما في نفسه قبل أن يتكلم به.
- أن البر هو ما اطمأن إليه القلب السليم، وانشرحت له النفس، ولم يجد صاحبه حرجًا في فعله.
- البر لا يُستحى من فعله في خلوات الإنسان وفي المجتمعات العامة بخلاف الإثم فإن فعله في الخلوة يسبب الحرج والضيق وفعله في العلانية يستحى منه.
- أن الإثم من علاماته أن يحدث في النفس قلقًا واضطرابًا، ويتردد صاحبه في صدره بين الإقدام والتراجع.
- أن قوله ﷺ: (استفت قلبك) لا يُقصد به اتباع الهوى، بل يُقصد به قلب المؤمن السليم الصادق الذي يتحرى الحق.
- أن الفتوى لا تُبيح للإنسان ما يعلم في باطنه أنه حرام أو فيه ظلم، ولو أفتاه الناس بجوازه.
- أن الإنسان إذا وجد في صدره حرجًا من فعلٍ مشتبه، مع سلامة قلبه من الوسوسة والهوى، فالأَوْلى له تركه.
- أن حكم المفتي أو القاضي مبني على الظاهر، ولا يغيّر حقيقة الأمر عند الله إذا كان الإنسان يعلم الباطن.
- أن من أخذ حق غيره بحكم أو فتوى وهو يعلم أنه ليس له، فقد أخذ حرامًا، كما في قوله ﷺ: (فإنما أقطع له قطعة من نار).
- أن الحديث لا يُطبَّق على الموسوس؛ لأن الموسوس قد يقلق ويتردد حتى في المباحات والطاعات.
- أن الحديث لا يُطبَّق على صاحب القلب المريض أو المتبع لهواه؛ لأن قلبه قد يطمئن إلى المعصية ولا ينكرها.
- أن من لم يكن عنده علم أو قدرة على التمييز لا يعتمد على شعوره وحده، بل يسأل أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
- أن المؤمن الصادق لا يطلب الرخص والحيل ليبرر ما في نفسه، بل يطلب ما يطمئن به قلبه أمام الله.
- أن الورع مطلوب عند الاشتباه، فمن ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه فقد حفظ دينه وقلبه.
[1] وابصة بن معبد بن عتبة الأسدي، رضي الله عنه ويقال في كنيته: أبو سالم، وهو صحابي جليل من بني أسد بن خزيمة، قدم على النبي ﷺ في وفدٍ من قومه سنة تسع من الهجرة، فأسلم ورجع إلى قومه، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرقة، وقدم دمشق، وكانت له بها دار، وكان رضي الله عنه معروفًا بالعبادة والخشوع وكثرة البكاء؛ فقد نُقل أن المصحف كان كثيرًا ما يكون بين يديه، وكان يبكي حتى تبتل الورق من دموعه. وتوفي سنة 89 هـ، بالرقة، وقبره عند منارة مسجدها الجامع.
[2] أخرجه أحمد في المسند (حديث رقم 18028)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف، وحسنه الألباني لغيره، ومن أقوى شواهده حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما في صحيح مسلم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس).
[3] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم، حديث رقم 2553.
[4] متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين، حديث رقم 2680)، ومسلم في صحيحه (كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، حديث رقم 1713)
[5] إعلام الموقعين” (4/254).
[6] “شرح رياض الصالحين” (2/284)
[7] “شرح الأربعين النووية” (صـ 294، 295)

