صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 35- لا تحاسدوا، ولاتناجشوا، ولا تباغضوا

تاريخ الإضافة 31 مايو, 2026 الزيارات : 715

 35- لا تحاسدوا، ولاتناجشوا، ولا تباغضوا

 

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تحاسدوا، ولاتناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم[1]

شرح الحديث

أهمية الحديث ومنزلته

  • هذا الحديث أصل في بيان الحقوق الواجبة للمسلمين، وتنظيم العلاقات بين المسلمين في البيع والشراء، وسائر أمور الحياة.
  • وهو أصل في الحثّ على تعاطي الألفة، ونبذ أسباب الفرقة بين المسلمين.
  • وهو أصل في دفع المضارّ عن المسلمين، وجلب المصالح لهم.
  • وهو أصل في حرمة مال المسلم ودمه وعرضه إلا بحق.

قوله“لا تحاسدوا”: أصلها: لا تتحاسدوا (بتاءين) حُذِفَتْ إحداهما للتخفيف.

أنواع الحسد

والحسد منه ما هو المذموم وهذا هو الشائع المشهور لهذا اللفظ، ومنه ما هو مباح ومنه ما هو مستحب.

أولا/ الحسد المباح:

وهو أن يرى غيره في حال حسنة، فيتمنى لنفسه مثل تلك الحال الحسنة، من غير أن يتمنى زوالها عنه، وإذا سأل الله مثلها فهذا أفضل، والله تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 32] يعني الأولى بدل من أن تتمنى ما عند غيرك تمنى على الله عز وجل ما هو خير وأعظم.

مثلا: أرى صديقي اشترى ملابس أو ساعة أو هاتف إلى آخره فأتمناها، لكن لا أحسده ولا أتمنى زوالها، وهذا مباح.

ثانيا/ الحسد المحمود(الغبطة):

وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين وذكر الرجل الذي آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار والرجل الذي آتاه الله المال فهو ينفق منه في الليل والنهار)[2]، فإذا كان حسدا مستحبا فأولى أن يكون لقارئ القرآن في الليل والنهار، والذي ينفق ماله صدقة وإحسانا وبرا في الليل والنهار، إشارة إلى أن التنافس في الخيرات أفضل من التنافس على الدنيا.

ثالثا/ الحسد المذموم:

وهو تمني زوال نعمة المحسود إلى الحاسد.

أسباب الحسد

للحسد أسباب عديدة منها:

السبب الأولالعداوة والبغضاء:

وهذا أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب أبغضه قلبه، وغضب عليه، ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن عجز عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان.

السبب الثانيالمنافسة في أمور الدنيا:

وهي تجر غالبًا إلى الوقوع في الحسد والأخلاق الذميمة، وفي الحديث قال الرسول ﷺ: (فو الله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسطتْ على من كان قبلكم، فتَنافَسوها كما تَنافسوها، فتُهلِكَكم كما أهلَكتْهم) متفق عليه.[3]

السبب الثالثالكبر:

أن يكون الإنسان في نفسه كبر، هذا الكبر يؤدي إلى الحسد، ومن هذا النوع: حسد الكفار نبينا محمداً ﷺ على نعمة الرسالة التي أعطاه الله إياها، فلما أرسل الرسول ﷺ قام كفار مكة وقالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31] قالوا: لماذا نزل القرآن على محمد؟ لماذا لم ينزل على فلان؟ فهذا الكبر الذي في أنفسهم أدى إلى أن حسدوا الأنبياء على الرسالة.

السبب الرابعالحسد بين الأقران:

الحسد ينتشر غالباً بين الأقران والأمثال، فينتشر مثلاً على مستوى الأقارب؛ بين الإخوة وأبناء العم؛ لأنهم في طبقة واحدة، الإخوة يشتركون مع بعضهم في شأن واحد؛ وهو أنهم كانوا من نسْل أب واحد، فيقع بينهم الحسد، الطلبة في الفصل؛ لأنهم في مرحلة دارسة واحدة، فيقع بينهم من الحسد ما لا يقع في غيرهم، يعني لا تجد طالب ابتدائي يحسد طالب جامعة، ولا تجد طالب جامعة يحسد طالب متوسط، لكن تجد غالبًا الحسد ينتشر بين الأقران المتماثلين، وتجد مثلاً العلماء الذين يستخدمون علمهم في الشر، والذين أوتوا ذكاًء ولم يؤتوا ذكاًء، يعني تزكية النفس، قد تجد في طبقة التجار يحسد التجار بعضهم بعضًا، ، ولذلك ما تجد مثلاً تاجر قماش يحسد صانع الأحذية، ولا تجد العالم يحسد التاجر، لكن تجد الحسد منتشر في طبقة العلماء، في طبقة التجار، أي الذين يشتركون أو يتماثلون في مهنة معينة أو حرفة معينة أو صنعة معينة.

سئل الحسن البصري، قيل له: يا أبا سعيد، أيحسُد المؤمن؟ قال: أنسيتَ إخوة يوسف؟ قال: نعم يَحسُد، المؤمنون بعضهم بعضًا.

السبب الخامسحب الرئاسة وطلب الجاه والشهرة:

فإذا كان الرجل عديم النظر في مجال من المجالات، وصار الناس يثنون عليه ويمدحونه، وأنه فريد عصره ووحيد دهره، فإذا سمع هذا الإنسان بنظير له في محل من أنحاء العالم حسده مباشرة؛ لأن النفس بطبيعتها إذا كانت على مستوى معين، تكره أن يكون لها مماثل، لو واحد عنده سيارة ليس مثلها في العالم، صمّم تصميماً خاصًا وصار مشتهر بين العالم كله أن هذا عنده السيارة الفلانية التي مواصفاتها كذا وكذا، هذا إذا سمع بأن إنسانا آخر في العالم حتى ولو في أقصى الدنيا عنده مثل هذه السيارة يحسده حتى ولو لم يره لا هو ولا سيارته؛ لأن النفس تحب التفرُّد بالنعمة أو بالميزة، وتكره أن توجد هذه النعمة وهذه الميزة لأي إنسان آخر، ولذلك فإن النفس تكره من يشاركها في العلم أو الشجاعة أو العبادة أو الصناعة أو الثروة، أو غير ذلك.

قوله: (ولاتناجشوا) النجش في اللغة الإغراء والإثارة بالمكر والحيلة.

والنجش في البيع: أن يزيد في السلعة مَنْ لا يريد شراءها، إما لنفع البائع بزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه.

قوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضا، والبغض النفرة من الشيء لمعنى فيه مستقبح، ويرادفه الكراهة.

وإذا كان البغض والحب أمرين قهريين لا يُنْهَى عنهما كما لا يُؤْمَرُ بهما، فالمعنى على ذلك:

  • لا تتعاطوا أسباب الغضب كالشتم والضرب ومنع النفع ونحو ذلك.
  • وقيل: لا تُوقعوا العداوة والبغضاء بالنميمة ونحوها.

والنهي عن التباغض مُقيَّد بالتباغض من أجل الدنيا، فيخرج بذلك البغض في الله، فليس منهيّا عنه؛ بل هو مشروع بل ومستحب في بعض الأحيان.

قوله: (ولا تدابروا) التدابر المخاصمة والهجران مأخوذ من أن يُولَّي الرجل صاحبه دبره ويُعْرِض عنه بوجهه، وهو التقاطع.

والهجر ينقسم إلى قسمين:

الأول: هجر لأمر الدين وهذا له أحكامه المختصة وضابطها: أنه يجوز هجر المسلم لأجل الدين إذا كان فيه مصلحة لذلك الهجر، وهذا كما هجر النبي ﷺ المخلفين الثلاثة في غزوة تبوك، وأمثال ذلك.

والقسم الثاني: الهجر لغرض دنيوي؛ أن يهجر المسلم أخاه للدنيا لإيذاء آذاه، أو لشيء وقع في قلبه عليه، فالهجر إذا كان للدنيا فللمسلم أن يهجر أخاه للدنيا إلى ثلاثة أيام، وما بعدها فحرام عليه أن يهجره، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يهجر مسلم أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)[4]

قوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) كأن يقول لمن أراد أن يشتري سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو لمن أراد أن يبيع سلعة بعشرة: أنا أخذها منك بإحدى عشر وأشباه ذلك، يعني أنه يغريه بألا يشتري من أخيه أو أن يبيع عليه ففي هاتين الصورتين حصل بيع على بيع المسلم.

حكم بيع المزاد أو المزايدة:

البيع بما يسمى المزاد العلني جائز بشرطين هما:

الأول: ألا يكون فيه قصد الإضرار بأحد.

والثاني: أن يكون الزائد مريدا للشراء، وإلا كان نجشا وهو محرم.

والفرق بينه وبين الشراء على شراء أخيه أو السوم على سوم أخيه هو:

 أن الشراء على شراء أخيه يكون بعد عقد البيع وقبل التفرق من مجلس العقد أو في زمن خيار الشرط، والسوم على سوم أخيه يكون بعد الاتفاق على الثمن وقبل عقد البيع.

 وأما المزايدة فهي الزيادة في ثمن المبيع قبل أن يوافق البائع على ثمن معين مع شخص آخر.

وهذا بيع جائز بإجماع المسلمين، ودليل جوازه: 

 ما رواه عن أنس بن مالك رضي الله عنه “أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس نلبس بعضه، ونبسط بعضه ‌وقعب نشرب فيه من الماء قال: ائتني بهما قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: من يشتري هذين قال: رجل أنا آخذهما بدرهم قال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال: رجل أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله ﷺ عودا بيده، ثم قال له اذهب فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب، ويبيع، فجاء، وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع.” [5]

قوله: (وكونوا عباد الله إخوانا) هذا كالتعليل لما قبله وكأنه قال: اتركوا إتيان التحاسد وما بعده لتكونوا إخوانا، وفيه الأمر باكتساب ما يصير به المسلمون إخوانا؛ أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والمرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.

و”عباد الله “: منادى حذف منه حرف النداء؛ أي كونوا يا عباد الله إخوانا.

وهذه الإضافة لتشريف المضاف، والفائدة منها استعطافهم؛ حثا لهم على الامتثال والقبول.

قوله: (المسلم أخو المسلم) لأنه يجمعهما دين واحد، والأخ من شأنه أن يُوصل النفع لأخيه، ويكفّ عنه الضرر، فلا يتصور حصول الضرر منه.

قوله: (لا يظلمه) لا ينقصه حقه ويمنعه إياه؛ لأن الظلم حرام مُذهب للبركة.

قوله: (ولا يخذله) الخذلان: ترك النصرة مع الاحتياج إليها؛ لأن من الحقوق التناصر.

وفي الحديث: ” ما من امرئ مسلم يخذل أمرءاً مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يُحِبُّ فيه نصرته [6](

قوله: (ولا يكذبه) يجوز في الياء الضم والفتح، وسكون الكاف، أي لا يخبره بخلاف الواقع؛ لأنه غشّ وخيانة.

أو لا يقول له: أنت كاذب، وكلما أخبره بخبر قال: هذا كاذب، وأنت كاذب؛ لأن الأصل في المسلم أنه لا يكذب.

حكم المعاريض

المعاريض من التعريض بالقول، وهو التورية بالشيء عن الشيء بكلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه، أو هو كلام له ظاهر وباطن فقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر.

والمقصود بالمعاريض: أن ينجو المرء من الكذب كما جاء في الحديث:عن عمران بن حصين رضى الله عنه قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.)[7]

يعني أن في التعريض بالقول من الاتساع ما يغني الرجل عن تعمد الكذب.

وتصح المعاريض من القائل بشروط:

  1. إذا دعت الحاجة أو المصلحة الشرعية لها.
  2. لا يكثر منها بحيث تكون ديدناً له.
  3. ولا أن يستعملها لأخذ باطل أو دفع حق.
  4. إن دعَت إلى ذلك مصلحة شرعيَّة راجحة على خداع المخاطب، أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب: فلا بأس بالتعريض.
  5. ‏ فإن لم تدع إليه مصلحة ولا حاجة: فهو مكروه وليس بحرام.
  6. فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق فيصير حينئذ حراماً.
  7. وكذلك إذا واجه المرء المسلم ظروفاً صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه، أو ينقذ معصوماً، أو يخرج من حرج عظيم، أو يتخلص من موقف عصيب.

أمثلة للمعاريض:

  1. ما حدث في قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة ،فعن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :لم يكذب إبراهيم النبي ، عليه السلام ، قط إلا ثلاث كذبات ، ثنتين في ذات الله قوله : إني سقيم ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس ، فقال لها : إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي ، يغلبني عليك ، فإن سألك فأخبريه أنك أختي ، فإنك أختي في الإسلام ، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك ، فلقا دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، أتاه فقال له : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك ، فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ، ففعلت ، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ، ففعلت ، فعاد، فقبض أشد من القبضتين الأوليين ، فقال : ادعي الله أن يطلق يدي ، فلك الله أن لا أضرك ، ففعلت ، وأطلقت يده ، ودعا الذي جاء بها فقال له : إنك إنما أتيتني بشيطان ، ولم تأتني بإنسان ، فأخرجها من أرضي ، وأعطها هاجر، قال : فأقبلت تمشي ، فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف ، فقال لها: مهيم ؛ قالت : خيرا، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادما. قال أبو هريرة : فتلك أمكم يابني ماء السماء. ) [8]
  2. وقصة طلحة الأنصاري مع زوجه أم سليم ،فعن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أنه سمع أنس بن مالك يقول: اشتكى ابن لأبي طلحة ، قال : فمات وأبو طلحة خارج ، فلما رأت امرأته أنه قد مات ، هيأت شيئا ونحته فى جانب البيت ، فلما جاء أبو طلحة قال : كيف الغلام ؟ قالت : قد هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح ، وظن أبو طلحة أنها صادقة ، قال: فبات ، فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج ، أعلمته أنه قد مات ، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما. قال سفيان : فقال رجل من الأنصار : فرأيت لهما تسعة أولاد ، كلهم قد قرأ القرآن. )[9]
  3. وما حدث في طريق الهجرة حينما كان الصديق أبو بكر رضي الله عنه في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير.[10]
  4. وكذا في غزوة بدر قام صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخا من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جيش قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه صلى الله عليه وسلم من أخبارهم: قال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟

 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أخبرتنا أخبرناك»

 فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم»

 فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش المسلمين، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلا، ثم قال الشيخ: لقد أخبرتكما عما أردتما، فأخبراني ممن أنتما؟

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء»، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ [11]

5- وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له إنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله.

6- وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد: ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه.

7- وكان النَّخَعيُّ إذا طلبه رجُلٌ قال للجاريةِ: قولي له: اطلُبْه في المسجِدِ.

8- وكان الشَّعبيُّ يخُطُّ دائرةً ويقولُ للجاريةِ: ضعي أصبَعَك فيها، وقولي: ليس هو هاهنا.

9- ولو سألك شخص هل رأيت فلاناً وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته، وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته، وهذا صحيح في اللغة العربية، أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زماناً أو مكاناً معيناً لم تره فيه.

10- وكذلك لو استحلفك ألا تكلم فلاناً: فقلت: والله لن أكلمه، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح.

11-وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي. يعني اللاعب.

هذا مع التنبيه هنا ألا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ وذلك لأمور منها:

  1. أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب.
  2. فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضاً لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا؟
  3. أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموّري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذاباً وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعاً.
  4. أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.

قوله: (ولا يحقره) أي: لا يستصغر شأنه، ويضع من قدره بالترفع والنظر إليه بعين القلة، ذلك أن الله تعالى رفع من قدره وكرمه والذي يحتقر المسلم إنما يحمله على ذلك الكبر.

قوله: (التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ) التقوى: اجتناب غضب الله وعقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهو الميزان الذي يتفاضل به الناس عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]

وقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: 32] يعني تقوى الله عز وجل في القلب وليست في اللسان ولا في الجوارح، وإنما اللسان والجوارح تابعان للقلب.

وقال ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)[12]

 “ويشير إلى صدره ثلاث مرات” يعني قال: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، تأكيدا لكون القلب هو المدبر للأعضاء.

قوله: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي يكفي المرء من خصال الشر في أخلاقه احتقار المسلم.

قوله: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فلا يجوز إيذاؤه والاعتداء عليه ولا على شيء مما يملك، فكل أذى للمسلم في دمه وماله وعرضه محرم.. فالمسلم محفوظ، ومعصوم الدم والمال والعرض. 

وقد أكد النبي ﷺ على حرمة دم المسلم وماله وعرضه في حجة الوداع في خطبته المشهورة يوم النحر.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت. قال ابن عباس رضي الله عنه: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته) [13]

وسؤاله ﷺ عن الثلاثة، وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار الذهن، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم به، ولذلك قال بعدها: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء.

حرمة الدم:

من أعظم الكبائر قتل مسلم بغير حق، قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (النساء:93)، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما) [14]

(في فسحة) الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول.

حرمة المال:

المال هو كل ما له قيمة للإنسان، وهو عصب الحياة، ولا يجوز لمسلم أن يأكل من مال أخيه المسلم إلا إذا كان ذلك عن رضا منه وطيب نفس، وقد جعل النبي ﷺ لمال المسلم حرمة، فلا يجوز أبدا الاعتداء عليه بالإتلاف أو السلب والنهب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من اخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) [15]

فلا يحل شيء من مال المسلم إلا بطيب نفسه ولو كان عودا من سواك.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد اوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك (عودا من سواك) [16]

حرمة العرض:

كما جعل النبي ﷺ للمسلم حرمة في دمه وماله، جعل له أيضا حرمة في عرضه، فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول.

ولما عرج بالنبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج: (مر على قوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)

من فوائد هذا الحديث:

  1. الحديث أصل جامع في تنظيم علاقة المسلم بأخيه المسلم، وفي حفظ الأخوة الإيمانية من كل ما يفسدها من حسد وبغضاء وتدابر وظلم واحتقار.
  2. الأخوة الإسلامية ليست مجرد شعار، بل تقتضي كفّ الأذى، وبذل النصح، وحفظ الدم والمال والعرض، ونصرة المسلم عند حاجته.
  3. الحسد المذموم هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو من أمراض القلوب الخطيرة، أما الغبطة فهي تمني مثل النعمة من غير زوالها، وتكون محمودة إذا كانت في الطاعة والعلم والإنفاق.
  4. من أعظم أسباب الحسد: العداوة والبغضاء، والمنافسة على الدنيا، والكبر، والتنافس بين الأقران، وحب الرئاسة والجاه والشهرة.
  5. التنافس المذموم في الدنيا يفتح باب الحسد والخصومة، بخلاف التنافس المحمود في القرآن والصدقة وسائر أبواب الخير.
  6. النهي عن النجش يدل على أن الإسلام لا يكتفي بصحة ظاهر البيع، بل يمنع وسائل الخداع والإضرار بالمشتري أو البائع.
  7. بيع المزايدة جائز إذا خلا من قصد الإضرار، وكان من يزيد في الثمن يريد الشراء حقيقة، أما الزيادة الصورية فهي من النجش المحرم.
  8. النهي عن التباغض والتدابر يدل على أن الشريعة لا تريد للمسلم أن يتعاطى أسباب العداوة، كالشتم والنميمة والظلم وقطع المعروف.
  9. الهجر لأجل الدنيا لا يجوز أن يتجاوز ثلاث ليال، وخير المتخاصمين من يبدأ بالسلام، أما الهجر لأجل الدين فله ضوابطه، ولا يكون مشروعًا إلا إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية.
  10. من حقوق المسلم على أخيه ألا يخذله، وخاصة إذا انتُهك عرضه أو احتاج إلى نصرة مشروعة، فالخذلان مناقض للأخوة الإيمانية.
  11. الكذب على المسلم غش وخيانة، والأصل في المسلم أن يكون صادقًا، وأن يحفظ ثقة إخوانه بكلامه.
  12. المعاريض والتورية ليست بابًا مفتوحًا للتحايل، بل لا تستعمل إلا عند الحاجة أو المصلحة الشرعية، ولا يجوز استعمالها لأخذ باطل أو دفع حق.
  13. احتقار المسلم من كبائر أخلاق القلوب؛ لأن الله كرّم المسلم، وجعل التفاضل الحقيقي بالتقوى لا بالصورة ولا المال ولا الجاه.
  14. التقوى محلها القلب، لكن أثرها يظهر على الجوارح، فلا يصح أن يدعي الإنسان التقوى مع ظلم الناس واحتقارهم وأكل حقوقهم.
  15. حرمة المسلم عظيمة جامعة: دمه وماله وعرضه، فلا يجوز الاعتداء عليه بقتل أو إيذاء، ولا بأكل مال، ولا بغيبة أو سب أو انتقاص.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، حديث رقم 2564)

[2] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التوحيد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، حديث رقم 7529)، ومسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، حديث رقم 815)

[3] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، حديث رقم 6425)، ومسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث رقم 2961)

[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب الهجرة، حديث رقم 6077)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي، حديث رقم 2560)

[5] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة، حديث رقم 1641)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

[6] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الأدب، باب من رد عن مسلم غيبة، حديث رقم 4884) وذكره الألباني في صحيح الجامع برقم 5690

[7] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/297) وقال الألباني (ضعيف)

[8] أخرجه البخاري في صحيحه مختصرًا ومطولًا في مواضع، منها كتاب الأنبياء (باب قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا، حديث رقم 3358 تقريبًا بحسب ترقيم فتح الباري)، وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 2371)، وقول أبي هريرة رضي الله عنه في آخره: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء) يقصد هاجر أم إسماعيل عليه السلام، والعرب من ولده.

[9] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب من لم يُظهر حزنه عند المصيبة، حديث رقم 1301)، وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه مطولًا (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، حديث رقم 2144

[10] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، حديث رقم 3911)

[11] انظر: زاد المعاد (3/172) (5) وسيرة ابن هشام (2/228).

[12] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، حديث رقم 2564)

[13] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، حديث رقم 1739)

[14] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم، حديث رقم 6862)

[15] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها، حديث رقم 2387)

[16] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، حديث رقم 137)

Visited 264 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 511
  • Today's page views: : 592
  • Total visitors : 65,697
  • Total page views: 72,356