شرح الأربعون النووية 9- ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

تاريخ الإضافة 12 ديسمبر, 2025 الزيارات : 1149

شرح الأربعون النووية

 

(9) ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) رواه البخاري ومسلم[1]

سبب ورود الحديث

 أن الرسول ﷺ وقف يخطب يوما في أصحابه فقال: (يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقام رجل وقال: أكلّ عام يا رسول الله؟[2] ، فسكت النبي ﷺ فكرر أكل عام أكل عام؟ فأعاد السؤال ثلاثا.

فقال النبي: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبِيَائِهِمْ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)[3]

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) ما هنا يسمونها أداة شرط بمعنى إذا نهيتكم عن شيء الجواب (فاجتنبوه)، والمقصود هنا كل ما نهى النبي ﷺ عنه سواء مبلغا عن الله في القرآن الكريم، أو مبلغا من خلال السنة، لأن القرآن الذي بلغنا إياه من؟ 

هو رسول الله ﷺ، وهذا الأمر حجة على هؤلاء الذين قالوا نأخذ بالقرآن ولا نأخذ بالسنة!!

من الذي أتاك بالقرآن؟ ومن الذي بلغك القرآن؟

الرسول ﷺ، إذن فكيف تقبل القرآن من رسول الله، ثم لا تقبل منه السنة وهي الوحي الثاني الذي قال الأول هو الذي قال الثاني، والذي صدق في الأول اقصد القرآن يجب أن يصدق في الثاني اقصد السنة، لعموم قوله تعالى: ﴿َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7]

وهذا الذي قاله ابن مسعود للمرأة التي جاءته وقالت إني تصفحت كتاب الله ما بين دفتيه من أوله إلى آخره فلم أر فيها قولك لعن الله النامصة والمتنمصة قال لو تصفحتيه لوجدتيه في قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7][4]

إذن فكل ما ورد في القرآن الكريم (ويل للمطففين)، (ولا تقربوا الزنا) أو في السنة على لسان رسول الله ﷺ وصح سنده: حرم عليكم كذا، إن الله ينهى عن كذا… هذا كله فيه إفادة وجوب الترك، ويجب أن ننتهي عما نهانا عنه رسول الله ﷺ وعلماء الأصول يقولون: الفعل المحرم يقابله الواجب، والمكروه يقابله المندوب أو المستحب.

 كنهي الرسول ﷺ عن الشرب قائما فهذا نهي لا يفيد التحريم، والفقهاء يفهمون ذلك الحكم من دلالة النص وسياقه والقرائن أو الأدلة المحتفة به (تحقيق مناط الدليل)

عندما نجد حديث الرسول ﷺ أنه نهى عن الشرب قائما؛ ونعلم أنه شرب من زمزم قائما فهذا دلالة على أن أفضل الحالات وأولاها ألا تشرب قائما وفعله ﷺ دليل على أن الأمر خلاف الأولى، وليس دلالة على التحريم القطعي، وهذه مسألة كبيرة جدا مردها إلى علم الأصول حتى لا نتفرع في فروع ربما لا تصلح إلا للمتخصصين من دارسي العلم الشرعي.

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) بعض الذين يثيرون الشبهات بين الحين والآخر يقولون: إن الدلالة في تحريم الخمر ليست دلالة قطعية ويستدلون بالآية:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90] رغم أن كلمة فاجتنبوه أقوى في الدلالة لمن يفهم اللغة العربية من قوله فلا تشربوا الخمر لأن معنى فاجتنبوه أن يكون الشيء في جانب وأنت في جانب أنت بعيد عنه؛ فالإنسان عنده شهوات، ومن وقع في الشبهات، وتركها لله سبحانه وتعالى ثم رجع فاقترب منها يوشك أن يقع فيها ولذلك قال ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]

فيأتي من يأتي من جهلة العصر الذين لا يعرفون شيئا عن اللغة العربية يقول (فاجتنبوه) أي جعل الشيء جانبه وشربه، وهذا تخريف وانحراف عما أجمعت عليه الأمة سلفا وخلفا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) وما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة وهذه القاعدة التي قعد لها العلماء: (الضرورات تبيح المحظورات) فقد يفعل المحرم لذاته للضرورة إذا أشرف الإنسان على الهلاك مثل أكل الميتة للمضطر، يأكل ما يسد به رمقه من الميتة.

 ومثل ذلك أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف أن يلبس الحرير والحرير محرم على الرجال فأذن له النبي أن يلبسه لما أصابته الحكة وهو مرض الجرب المعروف، وهذا مرض يصيب الجلد، فرخص له أن يلبس الحرير لأنه أرفق به.

(وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) الأمر سواء ما قاله الله تعالى في القرآن أو ما قاله رسول الله في السنة.

 فإذا كان الأمر أو الطلب الشرعي لهذا على سبيل الجزم فهو واجب.

 وكلمة واجب وفرض المشهور عند علماء الأصول أن الاثنين بمعنى واحد خلافا للحنفية.

وإذا كان بغير إلزام صار مستحبا أو بعض الفقهاء يقول عنه مندوبا، ومصطلح المندوب والمستحب بمعنى واحد خلافا للمالكية.

(وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) قالوا إن الأمر من الله عز وجل بفعل الشيء دلالة على وجوب القيام به، فإذا أصاب الإنسان عجز عن الفعل فإن الله يخفف عنه والأصل في ذلك قول الحق جل وعلا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286] فالله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: 183]

الدلالة هنا دلالة لفظ كتب فإنه دال على الفرضية، فمن فقد شرط الاستطاعة والقدرة على الصيام بسبب المرض أو السفر يجوز له الإفطار قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] 

بالنسبة للصلاة عندنا الوضوء فمن فقد الماء أو عجز عن استعمال الماء لمرض ونحو ذلك يتيمم.

 ومن صلى يصلي قائما فإن عجز عن القيام صلى قاعدا فإن عجزا كما في حديث عمران بن الحصين النبي قال: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [5]

وهنا قعد العلماء قاعدة (المشقة تجلب التيسير) بمعنى أن المشقة في التكليف الشرعي التي تخرجك من دائرة الاستطاعة يأتي التيسير أو الرخصة من الله سبحانه وتعالى.

قد توجد مشقة بالفعل لكنها مقدور عليها مثل الصيام في رمضان لا شك أن فيه مشقة لكن هل مشقة تحتمل أم لا؟ تحتمل للمسلم القادر الصحيح.

وصلاة الفجر فيها مشقة، ولكنها مشقة تحتمل، وهذا هو الذي سماه العلماء الصبر على الطاعة.

 لكن إذا كانت المشقة لا تحتمل مثل مشقة المريض، ومشقة المسافر في الصيام ومشقة من أصابه مرض، فلم يستطع الصلاة قائما إلى غير ذلك من التفصيلات في أبواب الفقه المختلفة هنا نقول جاء التيسير من الله سبحانه وتعالى

لماذا قال النبي ﷺ في المنهيات فاجتنبوه وفي المأمورات قال فأتوا منه ما استطعتم؟

قال العلماء: لأن النهي عن فعل الشيء هو كف عن فعل الشيء هذا ليس أمرا بالتقسيط فمجرد الامتناع أنا لا أشرب الخمر نهائيا.

نهى عن السرقة فسرقة مليون مثل سرقة ألف؟ السرقة كلها حرام لكن لا شك أن هناك من يسرق ويكون في سرقته أصاب ذنبا عظيما.

والكبائر نفسها تتفاوت في عظمها وفي ضخامتها وعقوباتها في ذنب يدخل السجن شهرا وقد يرتكب شخص جريمة تدخله السجن سنين، وقد تصل العقوبة للإعدام أو السجن مدى الحياة، فكلهم فعل جريمة لكن العقوبة تختلف.

 فالنهي هو طلب الكف بالترك لكل ما حرم الله ورسوله.

أما بالنسبة للفعل فإنه إيجاد الشيء وهذا يرجع إلى الاستطاعة فتختلف ما بين المسلم المكلف الصحيح والمعتل المريض وبين المقيم والمسافر وما بين الأمن والخائف إلى غير ذلك من هذه الأمور.

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) عندنا مسألة أصولية وهي: هل ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي؟ أم ارتكاب المناهي أعظم عند الله من ترك الأوامر؟

 هذه مسألة في فقه الموازنات أيهم يقدم هل دفع المضار أولى من جلب المنافع أم جلب المنافع الأولى من دفع المضار؟

هل فعل الأمر الإلهي وتقديمه مثل: (وأقيموا الصلاة) يقدم على المنع عنه وشرب الخمر هذه مسألة فقه الدعوة وفقه الأصول والأولويات… والأمر فيها يطول والعلماء تكلموا في هذه المسألة لكني أحببت إضافتها من باب العلم.

والذي ترجح لدي بعد البحث أن فعل المأمور مقدم على ترك ما نهي عنه، فإذا أتى أحد للدخول في الإسلام فأول شيء ليدخل في الإسلام هو النطق بالشهادتين، ثم فعل المأمور، بعض الناس يضع حواجز لا لا بد من ترك شرب الخمر لازم تلبسي الحجاب، كلا كلا ابدأ بالمأمورات الكبرى أول شيء إزالة الشرك أو الكفر بأن يتشهد ثم يقيم الصلاة فهي عماد الدين وهكذا.

وهذا ما قاله النبي لمعاذ: حين بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)[6]

(فإنما أهلك الذين من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) لما يقول النبي ﷺ الذين من قبلكم يراد به على العموم الأمم سابقة، لكن أغلب مراد النبي في عدد من الأحاديث هو: أهل الكتاب اليهود والنصارى فقول النبي ﷺ أهلك الذين من قبلكم يقصد به أهل الكتاب من بني إسرائيل، مثل قصة البقرة في سورة البقرة حينما قتل قتيل من بني إسرائيل فسألوا نبي الله موسى فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: 67] وكانوا بوسعهم أن يأتوا بأي بقرة فيذبحونها منفذين أمر الله عز وجل لكن وقعوا في الجدال العقيم الذي لا يثمر العمل والذي يكشف ما جهلوه في الأمر الإلهي وأنهم  يشقون به على أنفسهم، وتلمح في القصة نوع من التمرد الخفي على أمر الله عز وجل ، فلو عمدوا لأي بقرة وجاؤوا بها وذبحت تنفيذا لأمر الله فقد نفذوا أمر الله،﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [البقرة: 68] ، لكن يا موسى أخبرنا ما لونها؟﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة: 69] زدنا تفصيلا لأن البقرة تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون فشقوا على أنفسهم ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا  قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ  فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 70-71] ، فلو فرضنا أن في بني إسرائيل مائة ألف بقرة  لو جاءوا بواحدة منها لانتهى الموضوع فلما قال: ( لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) وسط لا كبيرة في السن ولا صغيرة صار من المئة ألف بقرة نفترض ألف بقرة فقط، فلما قال: إنها ( بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)، صار من الألف مئة بقرة مثلا، فلما قال: إنها بقرة لا ذلول لا تنقاد لأحد ولا تكون في الحرث مسلمة خالية من العيوب لا شية لا عيب فيها صار من المئة بقرة بقرة واحدة فقط يبحثون عنها بعينها فكان الأمر أصعب !!!لكن هم الذين شقوا على أنفسهم.

فكما قال النبي : (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا) لو أن المسلم حج مرة واحدة فقد أمر الله سبحانه وتعالى، ولو أراد الله الحج أكثر من مرة لقال فرض عليكم الحج مرتين فرض الحج ثلاثا خمسا مثلما بين في الصلاة ومثلما بين في الزكاة ومثل ما بين في صيام رمضان فهنا الأمر المطلق يبقى على إطلاقه دون تشقيق، فالعناد والمكابرة والجدال من أجل الجدال هذا الذي نهينا عنه.

هل يحرم كثرة السؤال؟ يحرم في عدة أحوال:

1- السؤال إذا كان من غير ضرورة ولا حاجة

فلا داعي له لأن هذا يشعر بالتعنت وعدم الاستجابة، وفي الحديث (النبي ﷺ نهى عن كثرة السؤال وقيل وقال وإضاعة المال.)[7]

وكان الإمام مالك رحمة الله عليه يقول: (المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل)[8]

وقال ابن وهب: (المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن)[9] أي العداوة والبغضاء بين الناس.

والصحابة رضوان الله عليهم أكثر بعضهم على الرسول ﷺ في المسألة لدرجة أن أحدهم وكان إذا حصل مشادة بينه وبين بعض الناس، وأرادوا أن يضايقونه ينسبونه لغير أبيه؛ فقال يا رسول الله من أبي؟

 فغضب النبي وعرف الغضب في وجهه فقال أبوك حذافة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرّ وجهه، فقام عمر فجثا على ركبتيه وقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، حتى سكن غضبه.) [10]

فنهوا بعد ذلك عن المسألة فكان بعد ذلك لا يسأل النبي ﷺ أحد إلا الإعراب والنهي هنا كان للتعليم حتى لا يحدث هناك تكلف في المسألة والسؤال عما لا يفيد؛ فكان ذلك تأديبا للصحابة رضوان الله عليهم، وأيضا لعلهم في هذه الفترة كانت مرحلة لم يكونوا بحاجة للسؤال باعتبار أن الوحي ينزل، والرسول معهم، وهو يعلمهم، لكن قد يأتي الرجل من الأعراب فيسأل النبي ﷺ فكان النبي يجيبهم تأليفا لقلوبهم وليزودهم بالعلم النافع.

2- السؤال عن الغيبيات التي لم يرد فيها تفصيل:

قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85] ما حقيقة الروح، وما طبيعة الروح هذه الأمور التي تخطر بالبال وهذا أمر لا تتسع لإدراكه عقول البشر، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

وحديث: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له) [11]

هذا الحديث يبين فضل العبادة في هذا الوقت وهو وقت التنزل الإلهي، وهو نزول يليق بجلاله بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل؛ فنؤمن بالحديث كما قاله رسول الله ﷺ. 

وقال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك، فسئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يُخرج. [12]

الاستواء معلوم: أي: معلوم المعنى في لغة العرب، وليس مجهولًا.
فالاستواء في اللغة يأتي بمعنى: علا، وارتفع، وصعد، واستقرّ، وكلها معانٍ تدل على العلو.

والكيف مجهول: أي: كيفية صفة الله غير معقولة للبشر ولا يمكن تصورها.
فنحن نعلم معنى الاستواء، لكن لا نعلم كيف استوى؛ لأن الله لا يشبه شيئًا، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين.

والإيمان به واجب: أي: إثبات الصفة كما جاءت في القرآن واجب شرعًا، دون تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل؛ فالاستواء ثابت بنص القرآن، إذن يجب الإيمان به كما هو.

 والسؤال عنه بدعة: السؤال عن الكيفية وليس السؤال عن المعنى؛ فالسؤال بـ (كيف استوى؟) بدعة؛ لأنه لم يُعرف عن الصحابة ولا السلف، ولأن الكيف مجهول أصلًا، فالنبي نزلت عليه هذه الآيات وآمن بها والصحابة سمعوها ووسعهم ذلك وآمنوا بها وكذلك نحن يسعنا ما وسع رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

 ثم قال: وما أراك إلا مبتدعا: هذا يدل على شدة الإمام مالك رحمه الله على من يسأل أسئلة تُفضي إلى الابتداع في العقيدة، خاصة في صفات الله تعالى.

فالرجل كان يسأل بـ (كيف استوى؟) والسؤال عن الكيف هو الذي حرمه السلف لأنه لا يعلمه إلا الله.

3 – يحرم السؤال للاستهزاء:

بعض القنوات وبعض أصحاب المواقع المشبوهة من أعداء الإسلام والمنافقين لا يسألون للعلم ولرفع الجهل إنما يسألون للاستهزاء والتشكيك في الدين أو إحراج العلماء أو إثارة الشبهات بين الناس؛ فيطرحون الأسئلة بأسلوب ساخر، أو يعيدون شبهات قديمة أُجيب عنها مرارًا، أو يقتطعون إجابات ويحرّفونها ليظهر الدين بصورة متناقضة أو مضحكة.

والفرق بين السؤالين:

  • أن من يسأل للعلم: يقبل الحق إذا ظهر له.

  • ومن يسأل للاستهزاء: لا يرضيه جواب، ولو جاءه ألف دليل.

4 – السؤال عما لا ينبني عليه عمل والتكلف في هذه الأمور:

ويعجبني في هذا من المفسرين شيخنا الجليل إسماعيل بن كثير رحمة الله عليه لما يقول: وهذا مما لا ينبني عليه كثير عمل، وهذا مما ورد فيه إسرائيليات لا فائدة من ذكرها، فما ورد مجملا أراده الله كذلك أن يكون مجملا وما ورد مفصلا أراد الله أن يكون مفصلا.

فلا ينبغي السؤال عما لا ينبني عليه عمل؛ مثل: البحث في الشجرة التي نهي عنها آدم، والغفلة عن أن هذه الشجرة بغض النظر عن اسمها هي رمز لما حرمه الله على بني آدم، ومثل السؤال عن اسم ونوعية كلب أهل الكهف، ونوعية العصا التي كان يحملها موسى عليه السلام، فالعلماء قالوا: علم لا ينفع كجهل لا يضر.

وكثرة السؤال فيما لا يفيد يدل على فراغ قاتل، ومثل هذه الاسئلة قابلتها كثيرا بعض الناس كان يقول لو في خيط انقطع من لباس الإحرام هل فيها مشكلة سبحان الله!! وأحدهم كان يسأل عن حكم شرب المحرم للشاي بالنعناع والقهوة بالهيل لأن لهما رائحة عطرية!!!

وهذا يذكرنا بالرجل الذي دخل على الامام الشافعي وتروى عن ابي حنيفة ايضا فكان الامام الشافعي مع طلبته جالسا لفترة طويلة ورجله تألمه من طول الجلوس فقام ببسط رجله وهو وسط الطلبة … فدخل رجل معمم له عمامة كبيرة وهيئة موقرة فالإمام الشافعي حياء قبض رجله وكان يتكلم عن غروب الشمس في يوم غيم في رمضان فقال له الرجل: فإذا ظهرت الشمس من بين السحاب بعد منتصف الليل؟  فقال الشافعي آن للشافعي أن يمد رجليه.

 أي شمس هذه التي تطلع بعد منتصف الليل؟

وبعض الناس طبيعتهم الجدال يسأل من أجل الجدال وليس من أجل التعلم، مثل بني إسرائيل في قصة البقرة.

 ذكرني بالقصة الطريفة أن رجلا أراد أن يذهب للصلاة فقال لابنه إذا جاء أي أحد يسأل عني فقل له: إن أبي ذهب إلى المسجد وكان الولد مجادلا فقال لأبيه: وإذا لم يأت أحد ماذا أفعل؟!!! لا حول ولا قوة الا بالله.

أما السؤال عما يحتاجه الإنسان من أمور دينه ودنياه طبعا فلا شك في جواز ذلك ولا شك أنه يقع تحت قول النبي ﷺ (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [13]

وليس المقصود بالعلم هنا كل علوم الدنيا، ولا كل تفاصيل الشريعة، بل قدرٌ محددٌ يلزم كل مسلم معرفته ليصح إيمانه وعبادته.

ما هو العلم الذي يجب على كل مسلم معرفته؟

  • العلم بالله والتوحيد: معنى لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتجنب الشرك، والرياء، والبدع.
  • العلم بما يلزم من العبادات التي يؤديها المسلم: فكل عبادة يفعلها المسلم تجب عليه معرفة أحكامها قبل أن يفعلها، مثال:
    – أحكام الطهارة والصلاة (لأنهما لا يسقطان عن أحد).
    – أحكام الصوم لمن سيدخل رمضان.
    – أحكام الزكاة لمن عنده مال يزكّى.
    – أحكام الحج لمن أراد الحج.
  • العلم بما يحل ويحرم في حياته اليومية، مثل:
    – الحلال والحرام في الكسب والمعاملات.
    – أحكام الزواج والطلاق لمن يتعامل معها.
    – أحكام الأطعمة، وآداب المسلم، والصدق، والأمانة.

الخلاصة: ما لا يسع المسلم جهلُه ممّا يصحّ به دينُه وعبادته ومعاملته.

نرجع للحديث:

قوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)

 كيف نضبط الفاء في كلمة (واختلافهم)؟

لو قلنا بالرفع واختلافُهم على أنبيائهم فالمعنى: أهلكهم اختلافهم يبقى أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم فتعرب فاعل وأهلكهم اختلافهم فالاختلاف فاعل مرفوع بالضمة.

الوجه الثاني من الإعراب: واختلافِهم بالكسر باعتبار حذف مضاف فإنما أهلكم الذين كانوا قبلكم كثرة سؤالهم وكثرة اختلافهم فهي مضاف إليه يجر بالكسرة فصح أن تقول: (واختلافهم) بضم الفاء، أو بالكسر.

والمقصود هنا أن ذلك يؤدي إلى الاختلاف وتفرق القلوب واشتعال العداوة بين المسلمين لأن هذا فيه حظ النفس وحظ الدنيا.

فوائد الحديث:

  1. تعظيم شأن الامتثال لأوامر الله ورسوله وأن المسلم حينما يسمع أمر الله تعالى أو نهيه طبعا أمر الله أو أمر رسوله أو نهي الله ونهي رسوله فإنه يجب عليه الامتثال.
  2. أن يزرع المؤمن في قلبه الهيبة من الحرام فلا يحوم حول حمى الحرام ولا يقترب منه.
  3. عدم التساهل في الرخص الشرعية، والأخذ بها يكون بعد استشارة العلماء.
  4. السؤال ليس مذموما على الإطلاق، بل يجب على المسلم أن يسأل عما يجب عليه في دينه، ويستحب له أن يسأل عما يستحب في دينه، ويباح له أن يسأل فيما سوى ذلك طالما أنه يقصد العلم، أو الفهم، لكن ينهى عن السؤال للجدال أو للتشكيك، أو السؤال فيما لا ينفع، أو السؤال طلبا للشهرة فكل هذا نبتعد عنه.
  5. التحذير من الفرقة والاختلاف، وأن الفرقة والاختلاف سبب للهلاك ووقوع مقت الله وغضبه على من اختلفوا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا

وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا

وأن يزيدنا علما اللهم أمين.


[1] متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. برقم (7288) ومسلم في كتاب الحج) باب فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ (رقم (1337)

[2] في بعض الروايات أنه الأقرع بن حابس

[3]  التخريج السابق في صحيح مسلم.

[4] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب اللباس، باب المتنمصات، حديث رقم (5931)، ومسلم في الصحيح (كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة، حديث رقم (2125)

[5] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الجمعة، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، حديث رقم 1117)

[6] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء فترد في الفقراء، حديث رقم 1395)، و(كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله، حديث رقم 7372)، وأخرجه مسلم في الصحيح (كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم 19)

[7] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، حديث رقم 1477)، ومسلم في الصحيح (كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل، حديث رقم 593)

[8] أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (كتاب في آداب العالم، باب ذم المراء والجدال، أثر رقم 1251) من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: قال مالك بن أنس: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم، وقد قال يذهب ولم يقل يذهبان؛ رغم أن المبتدأ مثنى (المراء والجدال) باعتبار أنهما يُعَدّان شيئًا واحدًا من حيث المعنى؛ أي: خُلُقٌ واحد مذموم يؤدّي إلى نفس النتيجة، فاستُعمل الفعل مفردا باعتبارهما بمنزلة نوع واحد من الفعل هو المراء المذموم.

[9] أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (كتاب ذم المراء والجدال، أثر رقم 1255)

[10] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم، حديث رقم 92) ومسلم في الصحيح (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 2359)

[11] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث رقم 1145) ومسلم في الصحيح (كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، حديث رقم 758)

[12] أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (باب الاستواء، أثر رقم 516)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (حديث رقم 664)، والذهبي في العلو (ص 103) وصححه الألباني في مختصر العلو (رقم 137).

[13] أخرجه ابن ماجه في السنن (كتاب السنة، باب فضل العلماء، حديث رقم 224)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (كتاب العلم، حديث رقم 1763)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (حديث رقم 184). وهذا هو النص الصحيح كلمة (ومسلمة) لم ترد في الحديث وكلمة مسلم تشمل الرجال والنساء على وجه العموم.

 

Visited 175 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع