شرح الأربعون النووية 9- ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

تاريخ الإضافة 19 فبراير, 2023 الزيارات : 586

شرح الأربعون النووية

9- ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فإنما أهلك الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أنبِيَائِهِمْ) رواه البخاري ومسلم

سبب ورود الحديث:

 أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقف يخطب يوما في أصحابه فقال: ( يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقام رجل وقال : أكلّ عام يا رسول الله؟ (في بعض الروايات أنه الأقرع بن حابس )، فسكت النبي- صلى الله عليه وسلم- فكرر أكل عام أكل عام؟ فأعاد السؤال ثلاثا.

فقال النبي: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبِيَائِهِمْ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)

 وهذا الحديث يقعّد لقواعد عظيمة جدا وكما قلت من قبل وأكرر إن الامام النووي في انتقائه لأحاديث الأربعين النووية كل حديث منها له معان عظيمة وفوائد جمة لا ينبغي أن يغيب عن المسلم فهم هذه الأحاديث فضلا عن درايته بأحكامها.

 (ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ما هنا يسمونها أداة شرط بمعنى إذا نهيتكم عن شيء الجواب فاجتنبوه، والمقصود هنا كل ما نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عنه سواء مبلغا عن الله في القرآن الكريم أو مبلغا من خلال السنة لأن القرآن الذي بلغنا إياه من؟ هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهذا الأمر واضح جدا وحجة على هؤلاء الذين قالوا نأخذ بالقرآن ولا نأخذ بالسنة – سبحان الله- من الذي أتاك بالقرآن؟ ومن الذي بلغك القرآن؟

الرسول- صلى الله عليه وسلم- فكيف تقبل القرآن من رسول الله ثم لا تقبل السنة وهي الوحي الثاني الذي قال الأول هو الذي قال الثاني والذي صدق في الأول في القرآن يجب أن يصدق الثاني، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ [الحشر: 7]

وهذا الذي قاله ابن مسعود للمرأة التي جاءته وقالت إني تصفحت كتاب الله ما بين دفتيه من أوله إلى آخره فلم أر فيها قولك لعن الله النامصة والمتنمصة قال لو تصفحتيه لوجدتيه في قول الله تعالى في سورة الحشر ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ [الحشر: 7]

إذن فكل ما ورد في القرآن الكريم (ويل للمطففين)، (ولا تقربوا الزنا) أو في السنة على لسان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصح سنده : حرم عليكم كذا، إن الله ينهى عن كذا… هذا كله فيه إفادة وجوب الترك، ويجب أن ننتهي عما نهانا عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلماء الأصول يقولون: الفعل المحرم يقابله الواجب، والمكروه يقابله المندوب أو المستحب.

 كنهي الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الشرب قائما فهذا نهي لا يفيد التحريم ، والفقهاء يفهمون ذلك الحكم من دلالة النص وسياقه والقرائن أو الأدلة المحتفة به ( تحقيق مناط الدليل) لما نجد حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن الشرب قائما ونعلم أنه شرب من زمزم قائما فهذا دلالة على أن أفضل الحالات وأولاها ألا تشرب قائما وفعله- صلى الله عليه وسلم- دليل على أن الأمر خلاف الأولى وليس دلالة على التحريم القطعي، وهذه مسألة كبيرة جدا مردها إلى علم الأصول حتى لا نتفرع في فروع ربما  لا تصلح إلا للمتخصصين من دارسي العلم الشرعي.

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) طبعا بعض الذين يثيرون الشبهات بين الحين والآخر يقولون: إن الدلالة في تحريم الخمر ليست دلالة قطعية ويستدلون بالآية ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ [المائدة: 90] رغم أن كلمة فاجتنبوه أقوى في الدلالة لمن يفهم اللغة العربية من قوله فلا تشربوا الخمر لأن معنى فاجتنبوه أن يكون الشيء في جانب وأنت في جانب أنت بعيد عنه فالإنسان عنده شهوات ومن وقع في الشبهات وتركها لله- سبحانه وتعالى- ثم رجع فاقترب منها يوشك أن يقع فيها ولذلك قال (تلك حدود الله فلا تقربوها)

فيأتي من يأتي من جهلة العصر الذين لا يعرفون شيئا عن اللغة العربية يقول (فاجتنبوه) جعل الشيء جانبه وشربه، وهذا تخريف وانحراف عما أجمعت عليه الأمة سلفا وخلفا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) وما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة وهذه القاعدة التي قعد لها العلماء (الضرورات تبيح المحظورات) فقد يفعل المحرم لذاته للضرورة إذا أشرف الإنسان على الهلاك مثل أكل الميتة للمضطر، يأكل ما يسد به رمقه من الميتة.

 ومثل ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رخص لعبد الرحمن بن عوف أن يلبس الحرير والحرير محرم على الرجال فأذن له النبي أن يلبسه لما أصابته الحكة وهو مرض الجرب المعروف وهذا مرض يصيب الجلد فرخص له أن يلبس الحرير لأنه أرفق به.

(وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) الأمر سواء ما قاله الله تعالى في القرآن أو ما قاله رسول الله في السنة.

 فإذا كان الأمر أو الطلب الشرعي لهذا على سبيل الجزم فهو واجب.

 وكلمة واجب وفرض المشهور عند علماء الأصول أن الاثنين بمعنى واحد خلافا للحنفية.

وإذا كان بغير إلزام صار مستحبا أو بعض الفقهاء يقول عنه مندوبا.

وكلمة المندوب والمستحب بمعنى واحد خلافا للمالكية.

(وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) قالوا إن الأمر من الله- عز وجل- بفعل الشيء دلالة على وجوب القيام به فإذا أصاب الإنسان عجز عن الفعل فإن الله يخفف عنه والأصل في ذلك قول الحق جل وعلا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فالله تعالى قال: (كتب عليكم الصيام) الدلالة هنا دلالة لفظ كتب فإنه دال على الفرضية، فمن فقد شرط الاستطاعة والقدرة على الصيام بسبب المرض أو السفر يجوز له الإفطار قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)

نفس الكلام في الصلاة بالنسبة للصلاة عندنا الوضوء فمن فقد الماء أو عجز عن استعمال الماء لمرض ونحو ذلك يتيمم.

 ومن صلى يصلي قائما فإن عجز عن القيام صلى قاعدا فإن عجزا كما في حديث عمران بن الحصين النبي قال : (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فمستلقيا فإن لم تستطع فعلى جنب لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )

وهنا قعد العلماء قاعدة (المشقة تجلب التيسير) بمعنى أن المشقة في التكليف الشرعي التي تخرجك من دائرة الاستطاعة يأتي التيسير أو الرخصة من الله- سبحانه وتعالى- طبعا في مشقة بالفعل لكنها مقدور عليها مثل الصيام في رمضان لا شك أن في مشقة لكن هل مشقة تحتمل أم لا؟ تحتمل طبعا.

 صلاة الفجر فيها مشقة ولكنها مشقة تحتمل، وهذا هو الذي قال عنه العلماء الصبر على الطاعة.

 لكن إذا كانت المشقة لا تحتمل مثل مشقة المريض ومشقة المسافر في الصيام ومشقة من أصابه مرض فلم يستطع الصلاة قائما إلى غير ذلك من التفصيلات في أبواب الفقه المختلفة هنا نقول جاء التيسير من الله- سبحانه وتعالى-

لماذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنهيات فاجتنبوه وفي المأمورات قال فأتوا منه ما استطعتم؟

 العلماء قالوا لأن النهي عن فعل الشيء هو كف عن فعل الشيء هذا ليس أمرا بالتقسيط فمجرد الامتناع أنا لا أشرب الخمر نهائيا.

نهى عن السرقة واحد يقول سرقة مليون مثل سرقة ألف؟السرقة كلها حرام لكن لا شك أن هناك من يسرق ويكون في سرقته أصاب ذنبا عظيما.

والكبائر نفسها تتفاوت في عظمها وفي ضخامتها وعقوباتها في ذنب يدخل السجن شهرا وفي واحد عنده جريمة تدخله السجن سنين وفي واحد جريمته يستحق بها الإعدام أو يستحق السجن مدى الحياة، فكلهم فعل جريمة لكن العقوبة تختلف.

 فالنهي هو طلب الكف بالترك لكل ما حرم الله ورسوله.

 أما بالنسبة للفعل فإنه إيجاد الشيء وهذا يرجع إلى الاستطاعة فتختلف ما بين المسلم المكلف الصحيح والمعتل المريض وبين المقيم والمسافر وما بين الأمن والخائف إلى غير ذلك من هذه الأمور.

( ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) في مسألة أصولية العلماء يتكلمون فيها : هل ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي؟ أم  ارتكاب المناهي أعظم عند الله من ترك الأوامر هذه مسألة في فقه الموازنات  أيهم يقدم هل دفع المضار أولى من جلب المنافع أم جلب المنافع الأولى من دفع المضار؟ هل فعل الأمر الإلهي وتقديمه مثل (وأقيموا الصلاة) يقدم على المنع عنه وشرب الخمر هذه مسألة فقه الدعوة وفقه الأصول والأولويات… والأمر فيها يطول والعلماء تكلموا في هذه المسألة لكني أنا أحببت إضافتها من باب العلم .

والذي ترجح لدي بعد البحث أن فعل المأمور مقدم على ترك ما نهي عنه ، فإذا أتى أحد للدخول في الإسلام فأول شيء ليدخل في الإسلام هو النطق بالشهادتين، ثم فعل المأمور ، بعض الناس يضع حواجز لا لا بد من ترك شرب الخمر لازم تلبسي الحجاب ، كلا كلا ابدأ بالمأمورات الكبرى أول شيء إزالة الشرك أو الكفر بأن يشهد ثم يقيم الصلاة فهي عماد الدين ثم …..

وهذا ما قاله النبي لمعاذ : إنك تأتي قوم أهل كتاب فليكن أولا ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا ….إذن يتدرج.

(فإنما أهلك الذين من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) لما يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- الذين من قبلكم يراد به على العموم الأمم سابقة، لكن أغلب مراد النبي في عدد من الأحاديث هو: أهل الكتاب اليهود والنصارى فقول النبي- صلى الله عليه وسلم- أهلك الذين من قبلكم يقصد به أهل الكتاب من بني إسرائيل وذلك أنهم كانوا يسألون بعض الأمور كقول بني إسرائيل لنبي الله موسى : (أرنا الله جهرة) فأخذتهم صاعقة فأحرقتهم ،ومثل هذا قصة البقرة في سورة البقرة حينما قتل قتيل من بني إسرائيل فسألوا نبي الله موسى فقال: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وكانوا بوسعهم أن يأتوا بأي بقرة فيذبحونها منفذين أمر الله- عز وجل- لكن هنا الجدال والجدال الذي لا يثمر العمل والذي يكشف ما جهلوه في الأمر الإلهي وأنهم  يشققون به على أنفسهم وكان فيه نوع من التمرد الخفي على أمر الله- عز وجل- (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) لو عمدوا لأي بقرة وجاؤوا بها وذبحت تنفيذا لأمر الله فقد نفذوا أمر الله.

لكن أخبرنا ما هي ، ما لونها؟ زدنا تفصيلا لأن البقرة تشابه علينا وإنا -إن شاء الله- لمهتدون فشقوا على أنفسهم، فلو فرضنا أن في بني إسرائيل مائة ألف بقرة (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) لو جاءوا بواحدة منها انتهى الموضوع بعد ما قال: ( لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) وسط لا كبيرة في السن ولا صغيرة صار من المئة ألف بقرة نفترض ألفا لما قال إن لونها صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، صار من الألف مئة مثلا، لما قال إنها بقرة لا ذلول لا تنقاد لأحد ولا تكون في الحرث مسلمة خالية من العيوب لا شية لا عيب فيها صار من المئة بقرة بقرة واحدة فقط يبحثون عنها بعينها فكان الأمر أصعب !!!لكن هم الذين شقوا على أنفسهم.

فكما قال النبي : (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا) وخلاص لو أنت حججت مرة وفيت أمر الله- سبحانه وتعالى-

لو أراد الله عددا لقال فرض عليكم الحج مرتين فرض الحج ثلاثا خمسا مثلما بين في الصلاة ومثلما بين في الزكاة ومثل ما بين في صيام رمضان فهنا الأمر المطلق يبقى على إطلاقه دون تشقيق ، فالعناد والمكابرة والجدال من أجل الجدال هذا الذي نهينا عنه.

هل يحرم كثرة السؤال؟

 1- السؤال إذا كان من غير ضرورة ولا حاجة :

لا داعي له لأن هذا يشعر بالتعنت وعدم الاستجابة، وفي حديث البخاري النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن كثرة السؤال وقيل وقال وإضاعة المال.

و كان الإمام مالك رحمة الله عليه يقول: ( المراء والجدال في العلم يذهبان بنور العلم من قلب الرجل )

وقال ابن وهب: ( المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن) أي العداوة والبغضاء بين الناس.

والصحابة رضوان الله عليهم في مرة اشتدوا على الرسول- صلى الله عليه وسلم- في المسألة لدرجة أن أحدهم وكان إذا حصل مشادة بينه وبين بعض الناس وأرادوا أن يضايقونه ينسبونه لغير أبيه فقال يا رسول الله من أبي؟

فغضب النبي وعرف الغضب في وجهه فقال أبوك حذافة … أبوك حذافة.

فجثي عمر على ركبتيه وقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ بالله من الفتن .

فنهوا بعد ذلك عن المسألة فكان بعد ذلك لا يسأل النبي- صلى الله عليه وسلم- أحد إلا الإعراب والنهي هنا كان للتعليم حتى لا يحدث هناك تكلف في المسألة والسؤال عما لا يفيد فكان ذلك تأديبا للصحابة رضوان الله عليهم وأيضا لعلهم في هذه الفترة كانت مرحلة لم يكونوا بحاجة للسؤال باعتبار أن الوحي ينزل والرسول معهم وهو يعلمهم لكن كان يأتي الرجل من الأعراب فيسأل النبي- صلى الله عليه وسلم- فكان النبي يجيبهم من باب أنهم يأتون من مسافة بعيدة عن المدينة وتأليفا لقلوبهم وليزودهم بالعلم  النافع، إذن فالسؤال عما لا حاجة فيه فهذا مما نهينا عنه.

2- السؤال عن الغيبيات التي لم يرد فيها تفصيل:

قال تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) حقيقة الروح طبيعة الروح هذه الأمور التي تخطر بالبال هذا أمر انقطع علم وإدراك البشرية عنده .

فنبقي الأمر على اشتماله الذي ورد في كتاب الله (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) ومهما بلغتم من العلم فإنكم (ما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

حديث  : ( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر) هذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام ينزل بلا كيف أنا وأنت لن ندرك فنؤمن بها كما قالها الله أو كما قالها رسول الله،  ولذلك الإمام مالك لما سئل عن الاستواء ( الرحمن على العرش استوى) قال : الاستواء معلوم أي معلوم بالنص الشرعي بالقرآن ، الاستواء معلوم والكيف مجهول لا يسأل عنه بكيف لأني أنا وأنت لن ندرك ذات الله وجلال الله- سبحانه وتعالى- والكيف مجهول، والإيمان به واجب ،  والسؤال عنه بدعة أي هذا مما استحدث، فالنبي نزلت عليه هذه الآيات وآمن بها والصحابة سمعوها ووسعهم ذلك وآمنوا بها وكذلك نحن يسعنا ما وسع رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

 ثم قال : وإنك لرجل سوء اخرجوا هذا الرجل من المسجد .

3- يحرم السؤال للاستهزاء :

بعض القنوات وبعض أصحاب المواقع المشبوهة من أعداء الإسلام والمنافقين لا يسألون للعلم ولانكشاف الجهل إنما يسألون للاستهزاء التشكيك في الدين فهذا أيضا مما نهينا عنه .

4- السؤال عما لا ينبني عليه عمل والتكلف في هذه الأمور:

ويعجبني في هذا من المفسرين شيخنا الجليل ابن كثير رحمة الله عليه لما يقول : وهذا مما لا ينبني عليه كثيرعمل، وهذا مما ورد فيه إسرائيليات لا فائدة من ذكرها، فما ورد مجملا أراد الله ذلك أن يكون مجملا وما ورد مفصلا أراد الله أن يكون مفصلا.

فلا ينبغي السؤال عما لا ينبني عليه عمل مثل البحث في الشجرة التي نهي عنها آدم والغفلة عن أن هذه الشجرة بغض النظر عن اسمها هي رمز لما حرمه الله على بني آدم ، ومثل السؤال عن  كلب أهل الكهف، ونوعية العصا التي كان يحملها موسى عليه السلام ، فالعلماء قالوا علم لا ينفع كجهل لا يضر.

أما السؤال عما يحتاجه الإنسان من أمور دينه ودنياه طبعا فلا شك في جواز ذلك ولا شك أنه يقع تحت قول النبي- صلى الله عليه وسلم- طلب العلم فريضة على كل مسلم هذا هو النص الصحيح كلمة (ومسلمة) لم ترد في الحديث وكلمة مسلم تشمل الرجال والنساء على وجه العموم فطلب العلم فريضة على كل مسلم، هذا المقصود به علم الأوامر الشرعية ، ما أمر الله تعالى من الفرائض وما نهى الله عنه، هذا هو العلم الواجب كالصلاة يلزمني أن أتعلم كيف أتوضأ؟ وكيف أتطهر من النجاسة ؟ وكيف أصلي؟ الله أمر بالصيام يلزمني أن أعرف ما هي حقيقة الصيام؟ ، الله أمر بالحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا فإذا ذهبت إلى الحج أو العمرة يجب على أن أتعلم مناسك الحج والعمرة على سبيل الفريضة.

أنا غير مطالب بتقسيم الفقهاء والتفصيل في الفرائض والسنن والمستحبات والمكروهات أنا مطالب أن أؤدي العبادة على وجه صحيح هذا ما لا يسع المسلم جهله.

مثلا مسلم عنده قطعة أرض يزرعها فيلزمه أن يتعلم زكاة الزرع والثمار. 

المرأة المسلمة يلزمها أن تتعلم ما يلزمها في احكام الحيض والنفاس والطهارة والصلاة الى اخره .

والرجل يلزمه معرفة أنه يحرم على المسلم أن يجامع أهله في الحيض ( فاعتزلوا النساء في المحيض)

المهم أقصد أن عندنا أمور لا يسع المسلم جهلها فيجب عليه أن يسأل ويتعلم ماذا افترض الله عليه، وماذا نهى الله عنه، والأصل في ذلك عموم قول الله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أما كثرة السؤال  فيما لا يفيد فهذا يدل على فراغ قاتل.

جاء رجل يسأل ابن عمر عن دم البعوض للمحرم واحد قتل ناموسة فهل الدم يفسد الإحرام؟

قال منأين الرجل ؟ قال : من العراق ، قال تسفكون دم الحسين ثم تأتي فتسأل عن دم البعوض!!!

ومثل هذه الاسئلة قابلتها كثيرا  بعض الناس كان يقول لو في خيط  انقطع من لباس الإحرام هل فيها مشكلة- سبحان الله-  

وكان الناس والله كنا في أثناء الحج والعمرة نسمع اسئلة  فيها معنى التنطع اي نعم في ناس عندها حرص جدا وأنه يطبق الأمر بحذافيره، لكن يا اخي في حاجة اسمها  العموميات اما تفصيل التفصيل هذا كله مما لم يضيق الله تعالى علينا فيه، كما قال النبي : (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان منه فلا تبحثون عنها )

بعض الناس طبيعتهم الجدال يسأل من أجل الجدال وليس من أجل التعلم، مثل ما قلنا في بني اسرائيل إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ما هي ما لونها ؟؟؟  جدال جدال جدال… ماذا لو ماذا لو …

 ذكرني بالقصة الطريفة لما واحد أراد أن يذهب للصلاة فقال لابنه إذا جاء أي احد يسأل عني فقل له : إن ابي ذهب إلى المسجد فالولد مجادل فقال لأبيه : وإذا لم يأت أحد ؟!!! لا حول ولا قوة الا بالله.

قل لابنك المجادل  ناولني قلم فيقول لك قلم  ما نوعه ؟ رصاص ولا حبر؟ هات يا ابني حبر . أحمر ولا أزرق؟ يا ابني هات قلم وخلاص !!!

 نفس القصة في أوامر الله وجل بعض الناس عنده حب الظهور يتصل ليسأل أو الشيخ في حلقة من الحلقات مثلا في المسجد فلحب الظهور يسأل أسئلة عجيبة وهذا يذكرنا بالرجل الذي دخل على الامام الشافعي وتروى عن ابي حنيفة ايضا فكان الامام الشافعي طبعا هوجالس مع طلبته فترة طويلة ورجله تألمه من طول الجلوس فقام ببسط رجله وهو وسط الطلبة … فدخل رجل معمم له عمامة كبيرة وهيئة موقرة فالإمام الشافعي حياء قبض رجله  وكان يتكلم عن غروب الشمس في يوم غيم في رمضان فقال له الرجل: فإذا ظهرت الشمس من بين السحاب بعد منتصف الليل ؟  فقال الشافعي آن للشافعي أن يمد رجليه.

 أي شمس هذه التي تطلع بعد منتصف الليل ؟

 ومن الطرائف عند المصريين أنهم يقولون: سعد زغلول قالها ما فيش فايدة ، ويذكرون أن سعاد زغلول  جمع الناس في بيت الأمة لمناقشة موضوع الاحتلال الإنجليزي على مصر فالمهم الإنجليز طبعا كانوا  يشددون على من  يمشي مع سعد أو من يحضر المؤتمرات ويقبضون عليه وكذا فانفض ناس كثيرون عن سعد زغلول لكن بقي واحد في المكان جالس على الطاولة وسعد زغلول كان يعقد المؤتمر وبدأ يعرض أفكاره على الرجل ثم قال له ما رأيك في الكلام الذي قلته؟ فقال له من ساعة أن دخلت هذه الغرفة وأنا أسأل كيف لهذه الطاولة الكبيرة أن تدخل من هذا الباب الصغير فقال سعد زغلول بملء فمه ما فيش فايدة.

فالمسلم يسأل عما يجهل لكن يترك السؤال فيما لا ينبني عليه عمل أو سببه الجدال وحب الظهور .

أما السؤال عما تحتاج إليه في دينك أو عما لا يسع المسلم جهله فالعلماء قالوا: إن العلم خزائن مفتاح هذه الخزائن السؤال فاسألوا فإنه يؤجر في السؤال ثلاثة: السائل والعالم والمستمع،  نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم.

(فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) كيف نضبط كلمة (واختلافهم)؟

لو قلنا بالرفع واختلافُهم على أنبيائهم فالمعنى: أهلكهم اختلافهم يبقى أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم فتعرب فاعل وأهلكهم  اختلافهم فالاختلاف فاعل مرفوع بالضمة.

الوجه الثاني من الإعراب : واختلافِهم بالكسر باعتبار حذف مضاف فإنما أهلكم الذين كانوا قبلكم كثرة سؤالهم وكثرة اختلافهم فهي مضاف إليه يجربالكسرة فصح أن تقول:  (واختلافهم على أنبيائهم) بالضم ، أو (واختلافهم على أنبيائهم) بالكسر.

والمقصود هنا أن ذلك يؤدي إلى الاختلاف وتفرق القلوب واشتعال العداوة بين المسلمين لأن هذا فيه حظ النفس وحظ الدنيا.

إذن الرسول- صلى الله عليه وسلم- علمنا (ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه فإنما أهلك الذين كانوا من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)

فوائد الحديث:

1- تعظيم شأن الامتثال لأوامر الله ورسوله وأن المسلم حينما يسمع أمر الله تعالى أو نهيه طبعا أمر الله أو أمر رسوله أو نهي الله ونهي رسوله فإنه يجب عليه الامتثال ،قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور51:52]

2-  أن يزرع المؤمن في قلبه الهيبة من الحرام لا تحم حول حمى الحرام لا تقترب من الحرام اجتنب ابتعد فهنا المسلم لا تمتد يده إلى حرام لا تسعى قدمه إلى حرام لا ينطق لسانه بحرام لا يرد ولو خاطرا على باله أن ينطق بحرام قال تعالى (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ) الحج [30] ، وحرمات الله  ما حرم الله تعالى فعله.

3- عدم التساهل في الرخص بعض الناس قاعد يفتي نفسه رأيت أن الأمر ضرورة من أفتاك أن هذا ضرورة؟ لا تكن خصما وحكما في نفس الوقت، ربما تحابي نفسك، ربما  تجامل نفسك ، إنما اسأل أهل الذكر ، عندما تتناول دواء خطيرا تسأل الطبيب لأنه سيحدد لك الكمية كم ومتى قبل الأكل بعد الأكل صباحا مساء في أدوية مع الضغط مع السكر، وأدوية لا تؤخذ مع الحمل والرضاعة فنفس الكلام في الرخص الشرعية حتى العلماء لما قالوا: الضرورات تبيح المحظورات فالضرورة تقدر بقدرها قال تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد )  فالاضطرار بلا بغي  ولا اعتداء على ما حرم الله أقصد هذا المضطر لا يصح أن يأكل ويملأ بطنه ، إنما يأكل بما يسد الرمق يعني ما يستطيع أن يعيش به.

4-  السؤال ليس مذموما على الإطلاق بل يجب على المسلم أن يسأل عما يجب عليه في دينه ، ويستحب له أن يسأل عما يستحب في دينه، ويباح له أن يسأل فيما سوى ذلك طالما أنه يقصد العلم ، أو الفهم، لكن ينهى عن السؤال للجدال السؤال للتشكيك ، السؤال فيما لا ينفع، السؤال للتعجيز ، السؤال طلبا للشهرة ، السؤال فيما لم يقع بعد، السؤال لترويج الشبهات ، فكل هذا نبتعد عنه .

5- التحذير من الفرقة والاختلاف وأن الفرقة والاختلاف سبب للهلاك ووقوع مقت الله وغضبه على من اختلفوا، قال تعالى:  (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) [آل عمران 103]

نسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يفقهنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما اللهم أمين


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر مشرف الموقع

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 344 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم