قوانين السعادة
(18) التوكل على الله

تعريف التوكّل
التوكّل هو: صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وهو الثقة فيما عند الله واليأس مما في أيدي الناس، فلا أحد يعطي، أو يمنع، ولا أحد ينفع أو يضر؛ سوى الله جلَّ وعلا.
ومن أسماء الله الحسنى: الوكيل جل جلاله : وهو القائم بأمر الخلائق أجمعين والمتكفِّل برزقهم وإيصاله لهم، والرعاية لمصالحهم، وما ينفعهم في دنياهم وأخراهم .
كيف نحقّق التوكّل؟
1-الأخذ بالأسباب
لا يكون التوكّل بترك العمل، بل بفعل الأسباب، فمن جمع بين الأخذ بالأسباب واعتماد القلب على الله، نال سعادة القلب وراحة البال، أما إن قعد عن الأسباب ولم يسع في اتخاذها، فليس هذا من التوكل في شيء، وإنما هو تواكل. [1]
عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول الله؛ أدعها وأتوكل؟ أو أرسلها وأتوكل؟ فقال “ﷺ: (اعقلها وتوكل).
وهذا نص حاسم صريح في مراعاة الأسباب، وأنها لا تنافي التوكل.
ويقول “ﷺ: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا) ، وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطانا، إلا بعد أن غدت خماصا، والغدو حركة وانتشار.
وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون.
قال: بل أنتم المتأكلون. إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله عز وجل.
ورأى رضي الله عنه جماعة يقعدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فأنكر عليهم، وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة! إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض. أما قرأتم قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
قصة عن شقيق البلخي :
وقد حكوا عن شقيق البلخي -وهو من أهل العبادة والزهد- أنه ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة عزم عليها، ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقص عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلا.
ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائرا أعمى كسيحا لا يقدر على حركة، فرق لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.
وهنا قال له ابن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي ﷺ قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ؟.
فقام إليه شقيق وقبل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!
2- تفويض القلب لله والرضا بقضائه
التفويض هو روح التوكل ولبه وحقيقته؛ وهو إلقاء أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلبا واختيارا ، لا كرها واضطرارا؛ كما في قو العبد الصالح: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) [غافر: 44]، وإذا وضع المؤمن قدمه في درجة التفويض انتقل منها إلى درجة الرضا .
والرضا :هو ثمرة التوكل وأعظم فوائده؛ التوكل المقصود منه التفويض والرضا ؛ نحن نفهم التوكل خطأ ، التوكل ليس معناه أن تفوض الله في الأمر فقط؛ التوكل معناه أن تفوض الأمر لله وترضى بما أراده الله؛ فليس معنى التوكل أن يعطيك الله ما تريد إنما الرضا بما يريد وبما يقدر، فمع صدق التوكل تنكشف عين البصيرة فترى حسن اختيار الله لك .
فالله سبحانه يفعل ما يراه خيرا لك لا ما تظنه أنت خير لك ، وذلك لأنه الحكيم وهذا معنى قولنا (حسبنا الله ونعم الوكيل) فالخير فيما يريد سبحانه؛ لا فيما تريد أنت .
وكما قال ابن القيم: فالمقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده؛ فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل؛ فقد قام بالعبودية.
كيف يجلب التوكّل السعادة؟
1– التوكل على الله ثمرته سكينة النفس، وطمأنينة القلب:
السكينة التي يشعر بها المتوكل على ربه، فيشعر بالأمن إذا خاف الناس، وبالسكون إذا اضطرب الناس، وباليقين إذا شك الناس، وبالثبات إذا قلق الناس، وبالأمل إذا يئس الناس، وبالرضا إذا سخط الناس.
إنها السكينة التي وجدها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار، فلم يشتغل بسؤال مخلوق من إنس أو ملك! ولم يشتغل إلا بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]
إنها السكينة التي وجدتها هاجر حين وضعها إبراهيم مع ابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، في مكة عند مكان البيت المحرم، ولا أنيس ولا جليس، ثم ودعها قافلاً، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا!
إنها السكينة التي وجدها موسى عليه السلام، حين قال له أصحابه: “إنَّا لمدركون” (قال كلا، إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 62)
إنها السكينة التي وجدها النبي ﷺ في الغار حين أشفق عليه أبو بكر، فقال له: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).
2- ومن ثمرات التوكل على الله الشعور بالقوة :
وهى قوة نفسية روحية تصغر أمامها القوة المادية، قوة السلاح، وقوة المال، وقوة الرجال .
وفي حديث سنده ضعيف لكن معناه صحيح: “من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده”
نجد ذلك واضحاً في موقف شيخ الأنبياء نوح، وقد كذبه قومه، واتهموه بالجنون، وأصروا واستكبروا استكباراً، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، فواجههم بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71]
ونلمس هذه القوة في موقف نبي الله هود أمام قومه عاد الذين أنكر عليهم شركهم وفسادهم وتجبرهم، ودعاهم إلى التوحيد والاستقامة وتقوى الله فـقالوا له: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: 53-57]
ولم يبال هود بهذا الهراء ووقف يعلن توكله على الله فيقول في يقين القوي، وقوة الموقن ، معتمداً على ربه ورب كل شيء، وهو القوة التي لا تقهر، وهو سبحانه الآخذ بناصية كل دابة، الحكيم في صنعه وتدبيره، فلا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يدع شيئاً اعتباطاً.
وندرك هذه القوة في موقف صحابة رسول الله يوم الأحزاب، وقد تجمعت جيوشهم وحاصرت المدينة، فلم يفت ذلك في عضد المسلمين، بل كانوا كما وصفهم الله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 22-23]
3- ومن ثمار التوكل: العزة:
العزة هي الرفعة والبعد عن مواطن الذل والمهانة، هي شعور الإنسان بأنه قوي بالله ، وغني بالله، وعزيز بالله، يتوكل على الله في كل أموره ويثق بربه الكريم.
والعزة لا تطلب عند أبواب السلاطين، بل هي لا تطلب إلا من باب واحد ذكره القرآن فقال: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) (فاطر: 10).
وبيَّن أن طلب العزة من عند غيره إنما هو شأن المنافقين المدخولين في إيمانهم: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً) (النساء: 138، 139).
قال أحد الخلفاء لأحد علماء السلف الصالح يوماً: ارفع إلينا حوائج دنياك نقضها لك! قال: إني لم أطلبها من الخالق فكيف أطلبها من المخلوق؟!
يريد أن الدنيا أهون عنده من أن يسألها من الله تعالى، فهو إذا سأل ربه يسأله ما هو اعظم وأعلى من الدنيا وهو الآخرة والجنة ورضوان الله تبارك وتعالى .
ولذا كان بعض الصالحين يقول عن أمراء زمانه: اللهم أغننا عنهم، ولا تغننا بهم!
4- التحرر من القلق والهموم:
قال بعض السلف: جعل الله تعالى لكلِّ عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاءَ التوكل عليه كفايتَه لعبده، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]، ولم يقل: نُؤْتِه كذا وكذا من الأجر، بل جعل نفسه سبحانه كافِيَ عبده المتوكِّل عليه وحسبَه وواقيه”.
ألم ترَ قول النبي ﷺ لصاحبِه وهما في الغار: (ما ظنُّك يا أبا بكر باثنينِ اللهُ ثالثُهما) متفق عليه.
ألم ترَ قول الله تعالى عن مؤمنِ آل فرعون حين قال لقومه: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [غافر: 44].
ألم ترَ قولَ أصحاب النبي ﷺ حين اجتمعَتْ عليهم قريش؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173، 174].
ويَحكِي أحدُ الدعاة أن رجلًا فُصِل من وظيفته، وتنكدت عليه معيشته، وصار في حزن وهمٍّ، قال الشيخ: وشاء الله أن يقابلني، فسألني عن فلان الذي يتوسط له في إرجاعه إلى وظيفته، قلت: لا أعرف الذي تريد، ولكن أعرف مَن يحل لك مشكلتك ويكفيك همك، فقال الرجل في لهفة وشوق: أيؤثِّر على فلان رئيس الإدارة؟ قلت: نعم يؤثِّر عليه، قال: تعرفه؟ قلت: نعم أعرفه، قال: تستطيع أن تكلمه؟ قلت: نعم أُكلمه، وتستطيع أن تكلمه أنت كذلك، قال: مَن هو؟ قال: الله عز وجل، قُمْ في السَّحَر واشكُ له ما عندك.
قال: فتأثَّرت وقمت من الليل، وصليت، ودعوت الله، ولُذتُ به وكأني أراه، ثم أصبحت وذهبت تلقائيًّا إلى رئيس الإدارة، وإذا به يقوم من مقعده ويرحِّب بي، ويسأل عن أحوالي، ولم تكن بيني وبينه عَلاقة، فقلت له: والله موضوعي كذا وكذا، ففعل لي ما طلبت وكانت مشكلتي لم تُحل منذ ثلاثة أشهر، فقمت وأنا لا أصدق نفسي، وقلت: مَن تعلق بالمخلوق جفاه، ومَن توكل على الخالق كفاه.
وصدق مَن قال: من اعتمد على مالِه قلَّ، ومَن اعتمد على عقله ضلَّ، ومَن اعتمد على جاهِه ذلَّ، ومَن اعتمد على الله لا قلَّ ولا ضلَّ ولا ذلَّ.
الإنسان إذا علّق قلبه بالوظيفة، أو بالمال، أو بالناس، سيعيش في قلق دائم:
5- الرضا بالقضاء والقدر :
التوكّل يجعل العبد راضيًا بأي نتيجة؛ لأنه يعلم أن الله اختار له الخير. والرضا أساس السعادة. . ومن ثمرات التوكل على الله “الرضا “الذي ينشرح به الصدر، وينفسح له القلب.
قال بعضهم: “متى رضيت بالله وكيلاً، وجدت إلى كل خير سبيلاً”.
وبعضهم جعل “الرضا” جزءاً من ماهية التوكل، أو درجة من درجاته .
وقال بعضهم: “التوكل هو الرضا بالمقدور”.
وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: “إذا رضي بالله وكيلاً”.
والراجح ما ذهب إليه ابن القيم: أن الرضا ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل به فإنما فسره بأجل ثمراته، وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله .
ومن لوازم الرضا وتوابعه: الفرح والروح، وهو ما روى في حديث ابن مسعود مرفوعاً: “إن الله عز وجل بقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك”.
إن المتوكل موقن أن تدبير الله خير له من تدبير نفسه وأنه أبداً في كفاية الله تعالى وكفالته ووكالته، وكفى بالله وكيلاً، وكفى بالله كفيلاً.
ولهذا ألقى حموله وهمومه عند باب ربه فاستراح من الهم والعناء وأنشد مع الشاعر :
سهرت أعين ونامت عيون … في أمور تكون أو لا تكون
إن رباً كفاك بالأمس ما كا … ن سيكفيك في غدٍ ما يكون
إن المتوكل على الله يعلم أن الملك كله بيد خالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير .
إن شاء أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوى الضعيف، وأضعف القوي، ونصر المظلوم، وأخذ الظالم، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل، وأذل العزيز، قد يفعل ذلك بأسباب معتادة معروفة، وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه.
قد يستدرج الظالم ويملي له سنين، حتى يتوهم أن الله قد نسيه! وقد يأخذه في لمح البصر أو هو أقرب.
وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، من حيث لا يحتسب هو ولا يحتسب الناس من حوله .
ما بين طرفة عين وانتباهتها … يغير الله من حال إلى حال
[1] التوكل على الله عمل القلب والأخذ بالأسباب عبادة الجوارح :فالقلب يتوكل والجوارح تعمل ، ومع هذا ينبغي عدم التعلق بالأسباب مع فعلها لأن الله – عز وجل – أمر بالأخذ بالأسباب الشرعية والنظر فيها إلى مسببها وخالقها وهو الله سبحانه الذي إن شاء نفع بها، وإن شاء أبطلها، فعاد الأمر والتأثير والتدبير إلى الله وحده الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو الحي الذي لا يموت.