شرح الأربعين النووية 18- اتق الله حيثما كنت

تاريخ الإضافة 18 يناير, 2024 الزيارات : 91

شرح الأربعين النووية

18- اتق الله حيثما كنت

عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

 

شرح الحديث:

روى هذا الحديث اثنان من الصحابة أبو ذر ومعاذ – رضي الله عنهما- فهل خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لكل واحد منهما واتفقت عبارات الوصية يعني الرسول أوصى أبا ذر ثم أوصى معاذ؟ هذا ممكن، ومن الممكن أن الرسول أوصى أحدهما والآخر يسمع فكلاهما روى الحديث، وربما كان النبي ينصح رجلا ثالثا وسمعه الاثنان.

وهذا الحديث أصل عظيم جامع في باب الوصايا والإرشاد وقد أوصى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وصايا:

 

 الوصية الأولىقال: «اتَّقِ اللهَ حيثما كُنتَ»

وتقوى الله هي فعل ما أمر الله ، واجتناب ما حرم الله.

والتقوى وصية الله للأولين والآخرين من خلقه ، قال تعالى: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله }[ النساء : 131] ، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجميع أمته 

والتقوى ليست كلمة تقال ، أو شعاراً يرفع ، وليست مظهرا يراه الناس، وليست عباءة جميلة ولا مسبحة طويلة ولا لحية كبيرة ولا عمامة عظيمة؛ إنما التقوى أمر قلبي لا يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل،  ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم : التقوى ها هنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات.

وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين من يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين غضب الله وسخطه وقاية من الأقوال والأفعال تقيه من ذلك.

 ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وفعل المندوبات وترك المكروهات وذلك أعلى درجات التقوى.

قال طلق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله).

وقال عمر بن عبد العزيز: (ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير).

ومن تمام التقوى ، أن يترك العبد ما لا بأس به ، خشية أن يقع في الحرام ، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن اتقى الشبهات ، فقد استبرأ لدينه وعرضهرواه مسلم .

وفي هذا المعنى يقول أبو الدرداء رضي الله عنه : ” تمام التقوى ، أن يتقي الله العبد ، حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال ، خشية أن يكون حراما ، فيكون حجابا بينه وبين الحرام ، فإن الله قد بيّن للعباد الذي يصيرهم إليه فقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره( الزلزلة : 7 – 8 ) ” 

فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله ، ولا شيئا من الشر أن تتقيه .

وقد جسد أبي بن كعب رضي الله عنه هذا المعنى لما سئل عن التقوى ؟ فقال : ” هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم ، قال : فكيف صنعت؟ قال : إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه ، قال : ذاك التقوى ” وقد أخذ ابن المعتز رحمه الله هذا المعنى ، وصاغه بأبيات بديعة من الشعر فقال :

خل الذنوب صغيـــرهــا وكبيــرهــا ذاك الـتـقــــى
واصنع كمـــاشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقـــرن صغيـــــــرة إن الجبـال من الحصــــى

 

 ( اتق الله حيثما كنت )

وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( اتق الله حيثما كنتتنبيه للمؤمن على ملازمة التقوى في كل أحواله ، انطلاقاً من استشعاره لمراقبة الله له في كل حركاته وسكناته ، وسره وجهره، فمن خشي الله أمام الناس فحسب فليس بتقي ، وقد قال تعالى في وصف عباده المؤمنين : { من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ، ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } [ ق:33 – 34

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة). رواه النسائي.

وقال بعض السلف لأصحابه: (زهدنا الله وإياكم في الحرام بزهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته).

وقال الشافعي: (أعز الأشياء ثلاثة الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف).

وكان الإمام أحمد ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل —   خلوت، ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة —     ولا أن ما يخفى عليه يغيب

وتقوى الله في السر علامة على كمال الإيمان وله تأثير عظيم في انشراح الصدر ونور الوجه وراحة البال وإلقاء الله لصاحبه الثناء والمحبة في قلوب المؤمنين.

 قال ابن مسعود: (ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله ردائها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر).

وقال سليمان التيمي: (إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته).

فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله فإن من فعل ذلك أصلح الله ما بينه وبين الناس وألقى محبته وثناءه على لسان الخلق وجعل له القبول في الأرض.

والشقي من أفسد ما بينه وبين الله ومن فعل ذلك أفسد الله ما بينه وبين الناس وألقى بغضه وذمه على لسان الخلق وجعل له الجفاء في الأرض.

المتقون يعصون الله فيتوبون:

 أخبر الله أن المتقين قد تقع منهم أحيانا الكبائر وهي الفواحش والصغائر وهي ظلم النفس لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب معصيتهم ويستغفرونه ويتوبون إليه وتوبتهم هي ترك الإصرار وقد قال الله عز وجل في معرض الثناء عليهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يعني ذكروا عظمته وشدة بطشه وعذابه فاستغفروا من ذنوبهم ولم يستمروا على فعل المعصية.

 وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أذنب عبد ذنبا فقال ربي إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر ..إلى أن قال في الرابعة فليعمل ما شاء).

الوصية الثانية: «وأتْبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمْحُها»

أي: إذا عملتَ سيِّئةً فأتبعها بحَسَنةٍ، فإنَّ الحسنات يُذهِبْنَ السيِّئات، ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوبَ إلى الله من السيئات فإنَّ التوبة من أفضل الحسنات، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: من الآية 222]، وقال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: من الآية 31].

فالمتقي قد تعتريه الغفلة ، فتقع منه المعصية ، أو يحصل منه التفريط في الطاعة ، وهذه هي طبيعة البشر المجبولة على الضعف ، لكن المتقي يختلف عن غيره بأنه إذا تعثّرت به قدمه ، بادر بالتوبة إلى ربه ، والاستغفار من ذنبه ، ولم يكتف بذلك ، بل يتبع التوبة بالإكثار من الأعمال الصالحة ، كما أمره ربه في قوله : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين( هود : 114 )

وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل هذه له خاصة قال بل للناس عامة).

وكذلك الأعمالُ الصَّالحةُ تكفِّر السيئات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمُعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان، مُكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجْتَنبَ الكبائر». وقال: «العُمْرةُ إلى العُمْرةِ كفَّارةٌ لما بينهما»، فالحسنات يُذْهِبْنَ السيِّئات.

ما المراد بالحسنة في قوله: (أتبع الحسنة السيئة تمحها)؟

الحسنة في الحديث تشمل كل عمل صالح يكفر الخطايا والتوبة داخلة في ذلك.

الأعمال الصالحة المكفرة:

 للخطايا مكفرات دلت النصوص الشرعية على كثرتها وتنوعها ومن ذلك:


(1)
الوضوء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره). رواه مسلم.

(2) الصلاة:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهم الخطايا). متفق عليه.

(3) (4)المشي إلى الصلاة وانتظارها:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط).

(5) الصوم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه. وقد ثبت أن صوم يوم عاشوراء وعرفة يكفران الذنوب في الماضي والحاضر.

(6) القيام

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). متفق عليه.

(7) العمرة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). رواه مسلم.

(8) الحج

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدنه أمه). متفق عليه.

(9) الصدقة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). رواه الترمذي.

(10) الذكر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). متفق عليه.

(11) الصبر على المصائب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). رواه البخاري.

هل الأعمال الصالحة تكفر الكبائر؟

 هذه مسألة مهمة والبحث فيها واسع، وقد اتفق الفقهاء على أن صغائر الذنوب تكفر بالصلوات الخمس والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر، وهذا كله قبل الموت، فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فإن عذبه فبجرمه، وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة، وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته وندم واعتقد أن لا يعود واستغفر  كان كمن لم يذنب.

ثم اختلف أهل العلم هل الأعمال الصالحة تكفر كبائر الذنوب التي لم يتب صاحبها منها؟

وذلك على ثلاثة أقوال كالآتي:

القول الأول: الأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب، وأما الكبائر فلا تُكَفَّر بمجرد فعل الأعمال الصالحة، بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَّر، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.

واستدلوا بالآتي:

1 – في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر »، فهذا الحديث واضح الدلالة على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض بل لابد من توبة نصوح.

2 – عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله ».

قال قتادة: “إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا الكبائر وسددوا وأبشروا ».

وقال القاضي عياض: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله والله أعلم.

وقال ابن العربي: “الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” ما اجتنبت الكبائر” 

3 – إن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالماً، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع، فثبت أن الكبائر لا بد لها من التوبة. جامع العلوم والحكم ص214 – 215.

4 – يخشى أن يغتر بهذا القول جاهل فينهمك في الموبقات اتكالاً على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة.

القول الثاني: الأعمال الصالحة تكفر الذنوب مطلقاً الصغائر والكبائر، وهو قول ابن المنذر وابن حزم، وجماعة من أهل العلم المتقدمين، ومن المتأخرين قال به الشيخ الألباني .

واستدلوا بالآتي:

1 – قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ قال الشوكاني: “إن الحسنات يذهبن السيئات، أي إن الحسنات على العموم ومن جملتها بل عمادها الصلاة يذهبن السيئات على العموم، وقيل المراد بالسيئات الصغائر، ومعنى يذهبن السيئات يكفرنها حتى كأنها لم تكن”. تفسير فتح القدير 2/ 532.

وحمل الجمهور هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح: « إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر »، فقال طائفة: إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لما عدا الكبائر من الذنوب وإن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئاً. فتح الباري 8/ 453.

2 – عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا».

قال الشيخ الألباني: ” هذا الحصر ينافي الاستفهام التقريري في الحديث الذي قبله «هل يبقى من درنه شيء؟ » كما هو ظاهر، فإنه لا يمكن تفسيره على أن المراد به الدرن الصغير فلا يبقى منه شيء وأما الدرن الكبير فيبقى كله كما هو! فإن تفسير الحديث بهذا ضرب له في الصدر كما لا يخفى. فالذي يبدو لي والله أعلم أن الله تعالى زاد في تفضله على عباده فوعد المصلين منهم بأن يغفر لهم الذنوب جميعاً وفيها الكبائر بعد أن كانت المغفرة خاصة بالصغائر ولعله مما يؤيد هذا قوله تعالى:﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾[سورة النساء الآية 31.] 

فإذا كانت الصغائر تكفر بمجرد اجتناب الكبائر فالفضل الإلهي يقتضي أن تكون للصلاة وغيرها من العبادات فضيلة أخرى تتميز بها على فضيلة اجتناب الكبائر ولا يبدو أن ذلك يكون إلا بأن تكفر الكبائر والله تعالى أعلم؛ ولكن ينبغي على المصلين أن لا يغتروا فإن الفضيلة المذكورة لا شك أنه لا يستحقها إلا من أقام الصلاة وأتمها وأحسن أدائها “صحيح الترغيب والترهيب ص140 – 141.

القول الثالث: الحسنات الكبيرة التي قوي فيها الإخلاص قد تكفر الكبائر، ولكن ليس ذلك بالأمر اللازم المطرد، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، والحافظ ابن حجر العسقلاني

واستدلوا بالآتي:

1 – قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾.[سورة المائدة الآية رقم (27).] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إنه لا يجوز أن يراد بالآية إن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة. بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير لم يخلص من الذنب بل هو متق في حال تخلصه منه، وأيضاً فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات وهو حين أتى بها كان فاسقاً، وأيضاً فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلداً وقد كان الناس مسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم ويتوبون إلى الله سبحانه من التبعات، ولا نعرف أحداً من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة “.راجع: كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية ص23، مجموع فتاوى ابن تيمية (7/ 489 – 491).

2 – عن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثني أبي عن جدي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف » صححه الألباني في صحيح أبي داود

3 – عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أتاني آت من ربي، فأخبرني أو قال: بشرني أنه: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ” قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق ». متفق عليه.

فجاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر.

4 – عن أبي أمامة، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً، فأقمه علي، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً، فأقمه علي، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، واتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً، فأقمه علي، قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟» قال: بلى، يا رسول الله قال: «ثم شهدت الصلاة معنا » فقال: نعم، يا رسول الله قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فإن الله قد غفر لك حدك أو قال: ذنبك ».أخرجه مسلم في كتاب التوبة 

فالله عز وجل أطلع نبيه على أن هذا الرجل قد غفر الله له كبيرته بسبب صلاته، وذلك لا يعني أن كل الكبائر من أي مرتكب لها تكفرها صلاتهم مع جماعة المسلمين، وإنما يمكن أن يقع ذلك لبعض العاصين غير هذا الرجل الوارد في الحديث.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ” يحتمل أن يختص ذلك بالمذكور، لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد كفر عنه حده بصلاته، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي، فلا يستمر الحكم في غيره إلا في من علم أنه مثله في ذلك، وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ” انتهى من ” فتح الباري ” 12/ 134.

وفي كلام ابن القيم رحمه الله ما يشير إلى أن الرجل إنما غفر الله له بسبب توبته الصادقة، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاته مع جماعة المسلمين كانت سبب مغفرة ذنبه لأنه صدق التوبة مع الله، وليس بسبب الصلاة المجردة.

قال ابن القيم رحمه الله: ” قالت طائفة: بل غفر الله له بتوبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى كما تسقط عن المحارب، وهذا هو الصواب ” إعلام الموقعين 4/ 281 – 282.

5 – عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها »، وفي رواية: « إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها، فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به » متفق عليه.

قال ابن تيمية: ” فلا يقال في كل بغى سقت كلباً غفر لها، لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغى وزاد عليه ما أوجب المغفرة، والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته وهذا يفتح باب العمل ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء “مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، ص261.

ثم يقول ” كذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق فعله إذ ذاك بإيمان خالص وإخلاص قائم بقلبه فغفر له بذلك، فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كل من نحى غصن شوك عن الطريق يغفر له، قال الله تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [سورة الحج الآية رقم (37).]، فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب وما في القلوب يتفاضل لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله عرف الإنسان أن ما قاله الرسول كله حق ولم يضرب بعضه ببعض “منهاج السنة النبوية لا بن تيمية 6/ 135.

 

الوصية الثالثة: «خالقِ النَّاسَ بخُلقٍ حَسَن»

الوصيَّتان الأُوْلى والثانية في ُمعاملةِ الخالق، والثَّالثةُ في مُعامَلةِ الخَلْق، أنْ تُعاملهم بخُلقٍ حسنٍ تُحْمدُ عليه ولا تُذَمُّ فيه، وذلك بِطلاقةِ الوجهِ، وصِدقِ القول، وحُسْنِ المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحَسنَة.

وقد جاءتِ النُّصوصُ الكثيرة في فضل الخُلق الحسن، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا»، وأخبر أن أولى الناس به صلي الله عليه وسلم وأقربهم منه منزلةً يوم القيامة أحسنهم أخلاقًا.

فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكًا حسنًا في المجتمع ويكونُ صاحبُها محبوبًا إلى الناسِ فيها أجرٌ عظيمٌ ينالهُ الإنسانُ يوم القيامة.

 وقد تكاثرت النصوص على فضل حسن الخلق والأمر به كما قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً). وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس).

وجماع حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق). رواه مسلم.

وقال ابن المبارك: (هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى).

وقال الشعبي: (حسن الخلق البذل والعطية والبشر الحسن).

ولحسن الخلق أنواع كثيرة تعود إلى معناه منها: التواضع والجود والحلم والأناة والرفق والوفاء والصدق والنصيحة وأداء الأمانة والستر والإصلاح والرحمة وبر الوالدين والصلة والشجاعة والإيثار والعفو، والبشر، وطيب الكلام والعدل.

ولحسن الخلق فوائد جمة ومزايا عظيمة: دخول الجنة وتثقيل ميزان العبد وكمال الإيمان وقرب المجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وبلوغ منزلة رفيعة في الدين وزيادة العمر وبسط الرزق وكشف الكرب واندفاع النقم وكسب محبة الخلق في الدنيا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ما ترك خيرا إلا تمثل به وما ترك سوءا إلا هجره وكان قدوة حسنة في جميع أبواب الخير وخصال الإيمان كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

 وقال أنس (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا) متفق عليه.

وقد أثنى عليه الله سبحانه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ).

وكان يتمثل أخلاق القرآن الفاضلة كما قالت عائشة واصفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان خلقه القرآن).

وكان كلامه وألفاظه من أطيب الكلام كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا) متفق عليه.

وكان رفيقا بأهله وولده كما قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). رواه الترمذي.

 بائع الخل وبائع العسل:

 ومن طريف ما يروى أن اثنين من التجار كانا يبيعان في السوق، وكان أحدهما يبيع العسل لكن زبائنه قليلون جدا، وكان الآخر يبيع الخل وزبائنه كثيرون….  فاغتاظ لذلك بائع العسل فذهب إلى صاحبه بائع الخل وقال أنا أبيع العسل ولا يأتيني من الناس إلا قليل وأنت تبيع الخل والناس يكثرون عليك هل تستطيع تفسير هذا لي؟

قال له أنا أبيع الخل بلسان من عسل فكثر زبائني، أما أنت فتبيع العسل بلسان من خل فنفر الناس عنك!!!

الفوائد من الحديث:

1 –الأمر بتقوى الله، وهي وصية الله لجميع خلقه.

2 – الحث على فعل الطاعات واجتناب المنهيات.

3 – الحسنات يذهبن السيئات.

4 – الترغيب في حسن الخلق، وبيان أنه أثقل ما يوضع في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للشيخ حسين عامر

السيرة الذاتية للشيخ حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 198 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم