صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 28- أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة

تاريخ الإضافة 5 مايو, 2026 الزيارات : 1013
(28) أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة

عن أبي نجيح العرباض بن سارية [1]رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) [2]

 

شرح الحديث

قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة) الوعظ هو التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب.

(وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون) (وجلت)؛ أي: خافت. (وذرفت)؛ أي: سالت (منها العيون) بالدموع، لأن القلب إذا خاف بكت العين، وإذا كان قاسيا، لم تدمع العين.

(فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا) لأن المودع إذا أراد المغادرة فإنه يعظ من خلفه الموعظة البليغة التي تكون ذكرى لهم لا ينسونها، ولهذا تجد الإنسان إذا وعظ عند فراقه بسفر أو غيره، فإن الموعظة تمكث في قلب الموعوظ وتبقى.

(أوصيكم بتقوى الله عز وجل) وتقوى الله: اتخاذ وقاية من عقابه؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وهذا هو حق الله، وهي وصية الله للأولين والآخرين؛ قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: 131].

(والسمع والطاعة) يعني لولاة الأمور.

(وإن تأمر عليكم عبد) “تأمر” معنى تغلب، وفي بعض الروايات: عبد حبشي، قال بعض العلماء: العبد لا يكون واليا، ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن؛ كقوله ﷺ: (من بنى لله مسجدا كمفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة)، ومفحص القطاة لا يكون مسجدا [3] ، ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك، ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا؛ تغليبا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته؛ لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.

العز بن عبد السلام بائع الملوك

في زمن العز بن عبدالسلام كان المماليك هم الذين يحكمون مصر، وكانوا بالأصل عبيدا جلبوا ليكونوا قوة عسكرية بالجيش، فالحكومة الحقيقية كانت في أيديهم، فقد كان نائب السلطنة مملوكيًّا، وكذلك أمراء الجيش، والمسئولون كلهم مماليك في الأصل، وفيهم من لم يثبت تحرره من الرق، وكان العز بن عبدالسلام كبير القضاة بمصر، فكان كلما جاءته رقعة فيها بيع أو شراء أو نكاح أو شيء من هذا للمماليك الذين لم يحرروا أبطلها وقال: هذا عبد مملوك، حتى لو كان أميرًا وكبيرًا عندهم، أو قائدًا في الجيش يَرُدُّه، إذ لابد أن يُبَاع ويحرَّرَ، وبعد ذلك يُصَحِّحُ بيعهم وشراءهم وتصرفاتهم كلها، أما الآن فهم عبيد.

فغضب المماليك من هذا الإمام، وجاءوا إليه وقالوا: ماذا تصنع بنا؟

قال: رددنا بيعكم، فغضبوا أشد الغضب، ورفعوا أمره إلى السلطان، فقال: هذا أمر لا يعنيه.

فلمّا سمع العز بن عبد السلام هذه الكلمة؟ قام وعزل نفسه من القضاء.

ثم قام بجمع متاعه وأثاث بيته واشـترى حمارين، ووضع متاعه على حمار، وأركب زوجته، وطفله على الحمار الآخر، ومشى بهذا الموكب البسيط المتواضع يريد أن يخرج من مصر، ويرجع إلى بلده الشام، لكن الأمة كلها خرجت وراءه، فذهب بعض الناس إلى السلطان الصالح أيوب، وقالوا له: من بقي لك تحكمه إذا خرج القاضي العز بن عبد السلام، وخرجت الأمة كلها وراءه؟ 

فأسرع السلطان، وركض يدرك هذا الموكب ويسترضيه ويقول له: ارجع ولك ما تريد، قال: لا أرجع أبدًا إلا إذا وافقتني على ما طلبت من بيع هؤلاء المماليك، قال: لك ما تريد، افعل ما تشاء.

ورجع العز بن عبد السلام وبدأ المماليك يحاولون معه ليغيّر رأيه؛ إذ كيف يباعون بالمزاد العلني، فأرسل إليه نائب السلطنة وكان من المماليك بالملاطفة فلم يفد معه هذا الأسلوب، فاقترح بعضهم قتل العز بن عبد السلام، فذهب نائب السلطنة ومعه مجموعة من الأمراء، ثم طرق باب العز بن عبد السلام، وكانت سيوفهم مصلتةً يريدون أن يقتلوه.

 فخرج ولد العز بن عبد السلام، واسمه عبد اللطيف، فرأى موقفًا مهيبًا مخيفًا، فرجع إلى والده وقال: يا والدي انجُ بنفسك.. الموت، الموت، قال: ما الخبر؟

 قال: الخبر كيت، وكيت.

فقال العز بن عبد السلام لولده: يا ولدي، والله إن أباك لأحقر وأقل من أن يقتل في سبيل الله – عز وجل.

ثم خرج مسرعًا إلى نائب السلطنة، فلمّا رآه نائب السلطنة يبست أطرافه، وتجمّد وأصابته حالة من الذعر والرعب، وأصبح يضطرب، وسقط السيف من يده، واصفرَّ وجهه، وسكت قليلاً ثم بكى وقال: يا سيدي، خبِّر ماذا تعمل؟

قال العز: أنادي عليكم وأبيعكم. قال: تقبض الثمن؟ قال: نعم.

قال: أين تضعه؟ قال: في مصالح المسلمين العامة، فطلب منه الدعاء وبكى بين يديه ثم انصرف.

وفعلاً فَعَلَها العز بن عبد السلام – رحمه الله – قام وجمع هؤلاء، وأعلن عنهم، وبدأ يبيعهم، وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار، فلا يبيعه تَحِلَّةَ القسم، وإنما يريد أن يزيل ما في النفوس من كبرياء، فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني، وقد حكم مجموعة من العلماء والمؤرخين بأن هذه الواقعة لم يحدث مثيل لها في تاريخ البشرية كلها.

إنما الطاعة في المعروف

والسمع والطاعة هنا ليسا على الإطلاق، بل هما مقيدان بما كان وفق كتاب الله وسنة رسوله؛ كما جاء في عدة أحاديث منها:

  • (ما أقام فيكم كتاب الله) [4]
  • وحديث علي رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب ، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى ، قال: فاجمعوا لي حطبا ، فجمعوا ، فقال: أوقدوا نارا ، فأوقدوها ، فقال: ادخلوها ، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار ، فما زالوا حتى خمدت النار ، فسكن غضبه ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في المعروف)[5] 
  • وحديث: (ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[6]

(فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا) هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات.

(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) أي: الطريقة القويمة التي تجري عليها السنن، وهي السبيل الواضحة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين يعني الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم أجمعين.

وأمره ﷺ بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر، والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة.

(عضوا عليها بالنواجذ) جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، فمعناه: عضوا عليها بجميع الفم، ولا يكون تناولها نهسا، وهو الأخذ بأطراف الأسنان، وضرب مثلا لذلك العض بالفم؛ لأنه مبتدأ الأكل، وهو أيضا كناية عن شدة التمسك بها؛ لأن النواجذ محددة، إذا عضت شيئا نشبت فيه فلا يكاد يتخلص.

(وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) تحذير لأمته من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: (فإن كل بدعة ضلالة)، والمراد ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة، فقوله ﷺ: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين.

أما من أحدث شيئا له أصل في الدين فهذا لا يعتبر بدعة، مثلا لو قلنا: إن شاء الله عز وجل سنقوم بدرس في أحكام التجويد كل يوم بعد صلاة العشاء، هل هذه بدعة هذه ليست بدعة، لأنها تندرج تحت الأصل العام وهو مدارسة القرآن، وتعلم القرآن وأحكام القرآن، والقراءة الصحيحة للقرآن، ولا نعتقد أن ليوم الجمعة مساء بعد العشاء له مزية عن غيره، أو له فضيلة عن غيره،

وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فالمقصود به  البدعة بمعناها اللغوي لا الشرعي، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة هذه! وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة.[7]

فهذا الفعل لم يكن على هذا الوجه من قبل، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها: أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده ﷺ.

 ومن ذلك أذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي، واستمر عليه عمل المسلمين.

ومثل هذا جمع القرآن في مصحف واحد لما كثر القتل في القراء، وأشار عمر على أبي بكر بهذا الأمر، وخاف أبو بكر، وقال كيف أفعل ما لم يفعله رسول الله؟

 فما زال به حتى اقتنع ووافق فجمع القرآن لأول مرة في مصحف واحد.

الفوائد من الحديث

  1. الموعظة النافعة هي التي تحرّك القلب وتوقظه، ولذلك وصف الصحابة موعظة النبي ﷺ بأنها وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون.
  2. لين القلب علامة خير؛ لأن القلب إذا خاف الله أثّر ذلك في العين والجوارح، أما قسوة القلب فتمنع التأثر والدموع.
  3. التقوى أن يجعل العبد بينه وبين عقاب الله وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
  4. السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف فقط أصل شرعي مهم لحفظ جماعة المسلمين ومنع الفتن، لكن لا يجوز أن يطاع أحد في معصية الله.
  5. النبي ﷺ أخبر أن الأمة ستقع فيها اختلافات كثيرة، وهذا يدعو المسلم إلى طلب النجاة بالرجوع إلى السنة لا باتباع الأهواء.
  6. طريق النجاة عند الاختلاف هو التمسك بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
  7. قوله ﷺ: (عضوا عليها بالنواجذ) يدل على شدة التمسك بالسنة.
  8. البدعة الشرعية هي ما أُحدث في الدين وليس له أصل صحيح في الشريعة يدل عليه.
  9. قوله ﷺ: (كل بدعة ضلالة) أصل عظيم في الدين، وفيه تحذير شديد من إدخال العبادات والمحدثات في الدين بغير دليل.
  10. المسلم عند الفتن والاختلاف يحتاج إلى ثلاث ركائز: تقوى الله، ولزوم الجماعة بالسمع والطاعة في المعروف، والتمسك بالسنة وترك المحدثات.

[1] العرباض بن سارية السلمي، يكنى أبا نجيح، وكان رضي الله عنه من أهل الصفة، روى عنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي، وجبير بن نفير، قال الذهبي: قال عتبة بن عبد: أتينا النبي ﷺ سبعة من بني سليم، أكبرنا العرباض بن سارية، فبايعناه، توفي العرباض سنة 75 هجرية، ومعنى العرباض الشخص الطويل طولا مميزا.

[2] أخرجه أبو داود في السنن (كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم 4607)، والترمذي في السنن (كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم 2676)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود وصحيح سنن الترمذي.

[3] القطاة طائر، ومفحص أي موضع فحصها في الأرض لتضع بيضها.

[4] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم (1838)

[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام (باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث رقم 7145)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإمارة (باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم 1840)

[6] أخرجه أحمد في المسند (حديث رقم 20653( من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه .

[7]  وقد سبق تفصيل الحديث عن البدعة في شرح الحديث الخامس عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ: (مَنْ أَحْدَثَ فِيْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري ومسلم

Visited 114 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 125
  • Today's page views: : 141
  • Total visitors : 36,216
  • Total page views: 40,084