
عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك،
يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.[1]
شرح الحديث
هذا الحديث هو خاتمة الأربعين حديثاً التي جمعها الإمام النووي رحمه الله والتي عرفت باسم (الأربعين النووية) وقال النووي وقد أنهى كتابه ” الأذكار” بكتاب الاستغفار: “اعلم أن هذا الباب من أهم الأبواب التي يعتني بها، وتحافظ على العمل به، وقصد بتأخيره التفاؤل بأن يختم الله الكريم لنا به” وفيه إشارة إلى تغليب حسن الظن بالله تعالى في آخر العهد بالدنيا وأول العهد بالآخرة.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح الأربعين النووية: هذا الحديث بشارة عظيمة، وحِلْمٌ وكرم عظيم، وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان، والرأفة والرحمة والامتنان.
قوله: (يا ابن آدم)
هذا نداء عام، لم يُقصَد به فرد بعينه، بل يشمل جميع بني آدم، وهذا النداء تكرر ثلاث مرات في الحديث:
النداء الأول: للتنبيه على الرحمة الواسعة.
النداءان الآخران: لتأكيد ما فُهِم من النداء الأول وزيادة التأكيد.
ما دلالة النداء بـ “يا ابن آدم”؟
يدل على رفعة المنادى (ابن آدم)، لأن الله يدعوه للإقبال عليه، ولا يطلب الإقبال إلا من هو عظيم في المقام، وهذا هو سر التكرار في النداء، فهو لإظهار أهمية الرسالة المُلقاة إليه.
ولفظ “الابن” يُستخدم بمعنى الولد، وهو شامل للذكور والإناث[2].
لماذا لم يُقل: “يا عبادي”؟
اختيار النداء “يا ابن آدم” يُظهر شرف الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات، والتعميم باستخدام “يا عبادي” قد يوهم دخول الملائكة، وهم غير معنيين بالاستغفار والمغفرة لأنهم معصومون.
معنى لفظ “آدم”: “آدم” هو اسم علم على أبي البشر آدم عليه السلام؛ غير منصرف لعلَميته ووزنه الذي يشبه وزن الأفعال، ومعنى ممنوع من الصرف، أي لا يُنوَّن ولا يُجرّ بالكسرة، فيقال: جاء آدمُ، ورأيتُ آدمَ، ومررتُ بآدمَ، ولا يقال: آدمٌ أو بآدمِ. وسبب منعه من الصرف أنه اجتمع فيه سببان: الأول العَلَمية، أي أنه اسم عَلَم على شخص معيّن، وهو آدم عليه السلام أبو البشر، والثاني أنه على وزن يشبه وزن الفعل، مثل: أكرم وأحمد. فمعنى (غير منصرف لعلميته ووزنه الذي يشبه وزن الأفعال) أنه اسم علم، وجاء على وزن من أوزان الأفعال، ولذلك مُنع من التنوين ومن الجر بالكسرة.
وأصله “أأدم” بهمزتين: الأولى متحركة، والثانية ساكنة للتخفيف أُبدلت الهمزة الثانية ألفًا.
أصل التسمية: “آدم” ليس اسمًا أعجميًا، بل هو مأخوذ من “أديم الأرض” والمقصود بـ “أديم الأرض”: هو سطح الأرض الظاهر، ويُقصد به ما يبدو من وجهها، سواء كان ترابًا أو صخرًا، والكلمة تُستخدم للإشارة إلى الطبقة الخارجية أو الغطاء الذي يواجه الإنسان عند النظر إلى الأرض، من حيث الألوان والطبائع، فكما أن الأرض متنوعة في مكوناتها (طين، تراب، صلصال، حمأ مسنون، وكذلك الألوان الأبيض والأسمر والأصفر…)، وهذا يدل على تنوع البشر في صفاتهم وألوانهم وأحوالهم تبعاً لأصل الخلق.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه “ عن النبي ﷺ قال “: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحَزْن، والخبيث والطيب “ [3]
وقوله “الحزن”: الحزن هنا يشير إلى الشخص غليظ القلب القاسي، الذي لا يُرجى منه خير ولا يُؤمَن شره.
النداء الأول
(قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)
أي: إنك ما دعوتني في أي وقت من ليل أو نهار أو على أي حال من سر أو علانية غفر لك.
و(ما) هنا مصدرية ظرفية، أي: مدة دعائك إياي ورجائك فيما عندي.
وقد تكون (ما) هنا شرطية، وفعل الشرط: (دعا) في قوله: “دَعَوتَنِي” وجواب الشرط: “غَفَرْتُ” وإذا أردنا أن نعرف: (ما) الشرطية نجعل مكانها: (مهما) فلو قلت: مهما دعوتني ورجوتني غفرت لك لصح المعنى.
وليس المقصود أن المغفرة تحتمل في وقت الدعاء ومدته، إنما المراد أي وقت دعوتني، لا تقييد المغفرة بزمن الدعاء.
و”الدعاء”: رفع الحاجات إلى رفيع الدرجات، وإظهار العجز والمسكنة بلسان التضرع.
تفسير آخر في معنى “ما دعوتني”: أي: ما دمت تعبدني، لأن الدعاء هو العبادة، وقد فسر الدعاء في القرآن بالعبادة، كما قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [غافر:90]
ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟
دائما تطرح هذه الشبهة والجواب عليها كالتالي:
- الدعاء نفسه من القضاء
فالله سبحانه قدّر الشيء وقدّر سببه، كما أن الشبع مقدّر، ومع ذلك لا يحصل إلا بالأكل، والشفاء مقدّر، ومع ذلك يطلب الإنسان الدواء، فكذلك الفرج والرزق ودفع البلاء قد يقدّره الله بسبب الدعاء. - القضاء لا ينافي اتخاذ الأسباب
من قال: ما فائدة الدعاء والقضاء مكتوب؟ يُقال له: وما فائدة الطعام والرزق مكتوب؟ وما فائدة الدواء والأجل مكتوب؟
فالجواب: لأن الله أمرنا بالأسباب، والدعاء من أعظم الأسباب. - الدعاء سبب لدفع البلاء أو تخفيفه
قد يكون البلاء مقدرًا أن ينزل، ويكون مقدرًا أيضًا أن يُدفع أو يُخفف بدعاء العبد، فليس الدعاء خارجًا عن قدر الله، بل هو داخل في قدر الله. - ورد في الحديث: “لا يرد القضاء إلا الدعاء”[4]
ومعناه عند أهل العلم: أن الدعاء سبب من الأسباب التي جعلها الله لدفع بعض ما قدّره على العبد من البلاء، أو لتغييره مما في صحف الملائكة، أما علم الله الأزلي فلا يتغير ولا يخفى عليه شيء. - هناك فرق بين علم الله الأزلي وما يظهر للعبد
الله يعلم أزلًا أن هذا العبد سيدعو، وأنه بسبب دعائه سيُصرف عنه بلاء أو يُعطى خيرًا. فالعبد لا يغيّر شيئًا خفي على الله، وإنما يقع ما علمه الله وقدّره من قبل. - الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبًا
حتى لو لم يرَ الإنسان أثر الدعاء فورًا، فهو مأجور؛ لأن الدعاء عبادة، وفيه افتقار إلى الله، وتوحيد، وخضوع، وحسن ظن بالله. - ثمرة الدعاء ليست محصورة في حصول المطلوب بعينه
قد يعطي الله العبد ما سأل، أو يصرف عنه شرًا، أو يدخر له أجر الدعاء يوم القيامة، فالداعي رابح على كل حال إذا دعا بصدق ولم يعتدِ في الدعاء. - ترك الدعاء بحجة القدر خطأ في فهم القدر
الصحابة آمنوا بالقدر، ومع ذلك كانوا أكثر الناس دعاءً وجهادًا وعملًا وأخذًا بالأسباب. فالإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل، بل يعني العمل مع الاعتماد على الله. - الدعاء يغيّر حال العبد نفسه
فهو يوقظ القلب، ويزيد الإيمان، ويكسر الكبر، ويجعل العبد متعلقًا بالله لا بالأسباب وحدها.
قوله: (ورجوتني) في اللغة: الرجاء بالمد: الأمل، واصطلاحا: تعلق القلب بمرغوب في حصوله في المستقبل مع الأخذ في أسباب الحصول.
وما الفرق بينه وبين الطمع؟
الطمع ليس فيه أخذ بالأسباب، وهو مذموم، وقل أن يظفر صاحبه بمقصوده.
وقد يطلق الرجاء على الخوف ومنه قوله تعالى: (وارجوا اليوم الأخر) [العنكبوت:36] وقول نوح لقومه: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) [نوح:13]؛ أي: لا تخافون عظمة الله.
وقد يستعمل الطمع بمعنى الرجاء في قوله: (والذي أطمع أن يغفر إلى خطيئتي يوم الدين) [الشعراء:82]
المسلم بين الخوف والرجاء:
يكون المسلم بين الخوف والرجاء بأن يجمع في قلبه بين أمرين:
الخوف من ذنوبه وتقصيره وعدل الله وعقوبته، فلا يغتر بعمله ولا يأمن مكر الله.
والرجاء في رحمة الله وفضله ومغفرته، فلا ييأس بسبب ذنوبه ولا يقنط من رحمة الله.
فليس الصحيح أن يغلب عليه الخوف حتى ييأس، ولا أن يغلب عليه الرجاء حتى يتجرأ على المعاصي، بل يسير إلى الله بهما معًا.
وقد قال الله تعالى في وصف عباده الصالحين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]، وقال سبحانه:﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50] فجمع بين الرجاء والخوف.
ومثال ذلك:
إذا أذنب المسلم، لا يقول: ذنوبي كثيرة ولن يغفر الله لي؛ فهذا يأس.
ولا يقول: الله غفور رحيم وسأستمر في المعصية؛ فهذا غرور.
بل يقول: ربي غفور رحيم، فأرجو مغفرته، وهو شديد العقاب، فأخاف من ذنبي، ولذلك أتوب وأستغفر وأجتهد في الطاعة.
وكان السلف يقولون: ينبغي أن يكون خوف العبد ورجاؤه كجناحي الطائر؛ إذا استويا استقام الطائر، وإذا نقص أحدهما وقع.
وقال بعض العلماء في كلام نفيس: إن كان عاصيا فالخوف أفضل، وإن كان مطيعا فالرجاء أفضل، أو إن كان قبل الذنب فالخوف أفضل، وإن كان بعده فالرجاء أفضل، أو إن كان صحيحا فالخوف أفضل.
قوله: (غفرت لك على ما كان منك): أي: غفرتُ لك ذنوبك التي وقعت منك، مهما كثرت وعظمت، ما دمتَ قد دعوتني ورجوتني واستغفرتني، ولم تيأس من رحمتي.
(على ما كان منك): يفيد العموم، أي: على كل ما صدر منك من تقصير وذنوب ومعاصٍ.
(ولا أبالي) معناه: لا يتعاظمني ذنبك، ولا يصعب عليّ مغفرته، فذنوب العباد وإن عظمت فهي يسيرة أمام سعة رحمة الله ومغفرته؛ فهو غني عن خلقه، لا يُعجزه شيء، ولا تؤثر كثرة الذنوب في قدرته على المغفرة؛ كما قال تعالى: ﴿مَا خَلَقَكُمْ وَلَا بَعْثَكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28]. أي أن خلق الجميع وبعثهم جميعًا بالنسبة إلى الله كخلق نفس واحدة.
لماذا خُصَّت المغفرة بالذنوب؟ مع أن الله يجيب دعاء عباده في كل الأمور؟
من أعظم ما يُسأل الله في الدعاء هو مغفرة الذنوب، لأن المغفرة تستلزم: النجاة من النار، ودخول الجنة.
النداء الثاني
(يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك)
العنان بفتح العين هو السحاب، والمعنى: أن الخطايا لو صارت جسما له حجم وكتلة فبلغت بحجمها إلى أن ملأت الأرض بل ووصلت للسحاب إشارة إلى كثرتها.
(ثم استغفرتني) أي: طلبت مني مغفرتها بصدقٍ وإخلاص وافتقار، وقد امتدح الله عز وجل عباده المتقين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]، وهذا الاستغفار هو المقرون بالعزم على ترك الذنب وعدم الإصرار عليه، فإذا أقلع العبد عن الذنب وعزم على عدم العود إليه واستغفر الله عز وجل غفر الله له.
(غفرت لك) إياها غير مبالٍ بكثرتها؛ أي: سترت عليك ذنوبك بعدم العقاب، وذلك لأن كرم الله تعالى وفضله ورحمته لا تتناهى؛ فهي أكثر وأوسع مما ذكر.
فلا ينبغي لعبد أن يستعظم ذنبا بجانب عفو الله، فيقول: لن يغفر الله لي، لن يقبلني الله عز وجل، فمهما كان ذنبك وخطؤك طالما دعوته واستغفرته فإنه يغفر لك، قال تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر/53]
وعد العلماء من جملة الكبائر اليأس من رحمة الله كما قال يعقوب لبنيه: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف/87]
وفي الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ)[5]
لو أساء إنسان في حق أحد يحمل ألف هم كيف يقابله وكيف يعتذر له ويسترضيه، لكن سبحان الله العظيم علمنا الله ألا نستعظم ذنبا بجانب عفوه سبحانه وتعالى فمهما أذنبت أقبل على ربك وتب إليه، واستغفره فإنه يغفر ولا يبالي، فليس هناك ذنب عظيم على ألا يغفره الله.
وقد أحسن من قال: أنا خاطئ أنا مذنب أنا عاص، هو راحم هو غافر هو كافي، قابلتهن ثلاثة بثلاثة، ولتغلبن أوصافه أوصافي.
فأنا عبد خاطئ مذنب عاص أما هو الله جل جلاله فهو راحم غافر كافي فهذه الأوصاف الثلاثة من العبد يقابلها تلكم الثلاثة صفات لله، ولا شك أن صفاته أعظم وأكمل وأتم، فبرحمته سبحانه يغفر ويستر ويرحم، ولتغلبن أوصافه أوصافي.
يقول ابن القيم: ” إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى لقائه، وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبّة الله والإنابة إليه ودوام ذكرِه وصدق الإخلاص له، ولو أعطِي العبد الدنيا وما فيها لم تسدّ تلك الفاقة منه أبدًا.[6]
ومن جميل الشعر
فليتك تَحلـو والْحيـاة مريـرة وليتك ترضـى والأنام غضاب
وليـت الـذي بينِي وبينك عامر وبيني وبين العـالَمين خـراب
إذا صحّ منك الـود فالكـل هين فكـلّ الذي فوق التراب تراب
الشافعي عند موته:
دخلوا على الشافعي رحمه الله في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟
قال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها.
ثم قال:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعل الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظم
فضل الاستغفار:
تعهد سبحانه أن يغفر لمن استغفره کما في هذا الحديث، وكما قال تعالي: “ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (النساء:110)، وأمر به في مواضع؛ كقوله سبحانه: ” واستغفروا الله إن الله غفور رحيم “[البقرة:199]، ومدح المستغفرين بالأسحار فقال سبحانه: “والمستغفرين بالأسحار” [آل عمران:17]، وكثيرا ما يقرن الاستغفار بالتوبة، كما في قوله سبحانه: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (هود:3]
فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح، وأفضل الاستغفار: ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: “أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فيعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا، فقال: رب أذنبت آخر فاغفره لي، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا، قال: رب أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي فليعمل ما شاء”[7]
ومعنى (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) ليس إذنًا في المعصية، وإنما معناه: ما دمت كلما أذنبت ندمت ورجعت واستغفرت توبةً صادقة، فإن باب المغفرة مفتوح لك؛ أما من استمر على الذنب بلا توبة ولا ندم، فهو مستحق للعقوبة إلا أن يعفو الله عنه.
وقال الحسن: “أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متی تنزل المغفرة.
والاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح أهله، ووعدهم المغفرة، قال بعض العارفين: “من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته؛ فهو كاذب في استغفاره”
وقال بعضهم: “استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير”، وهذا هو استغفار من استغفر بلسانه وقلبه مصرّ على المعصية.
مسألة: وهل التوبة والاستغفار بمعنى واحد أم لا؟
الذي يظهر من النصوص الواردة في الباب أن التوبة والاستغفار يفترقان في المعنى عند اجتماعها، ويغني أحدهما عن الآخر عند الانفراد، فإذا قال الشخص أستغفر الله؛ فهذه توبة، وإذا قال: أتوب إلى الله أو رب تب علي فهذا شامل للاستغفار وطلب العفو والمغفرة.
وشروط التوبة: الإخلاص، والندم على ما حصل، والإقلاع عن المعصية التي تاب منها، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة وقت قبول التوبة، ومن الإقلاع عن المعصية تدارك الواجبات وإرجاع الحقوق لأصحابها.
وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه ثم يسأل الله المغفرة .
كما في حديث شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال:) سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
ثم قال ﷺ: ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة.) [8]
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: “قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم”[9]
النداء الثالث
(يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)
قوله: “لَوْ أَتَيْتَنِيْ” أي جئتني بعد الموت.
“بقراب الأرض”: بضم القاف أشهر من کسرها؛ أي: بقرب ملئها أو بملئها، وهو أبلغ في سعة العفو.
“خَطَايا “ جمع خطيئة وهي الذنوب، وهذه مبالغة أيضا فلو أن الذنوب تجسمت وبلغت ما يقارب ملء الأرض، ثم لقيت الله على التوحيد لا تشرك به شيئا:
“ لأتيتك بقرابها مغفرة “يعني مغفرة تمحو كل هذه الذنوب، وعبر بقرابها للمشاكلة وإلا فمغفرة الله سبحانه أعظم وأوسع من ذلك.
وفي هذا يقولُ بعضُهُم:
يَا كبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللَّهِ مـنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرُ
أَعْظَمُ الأَشْيَاءِ فِي جَنْبِ عَفْوِ اللَّهِ يَصْغُرُ
وقالَ آخَرُ:
يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِيَ كَثْرَةً فَلَقَدْ عَلِمْتُ بأنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إنْ كَانَ لا يَرْجُوكَ إلاَّ مُحْسِنٌ فمَن الَّذِي يَرْجُو وَيَدْعُو المُجْرِمُ
مَالي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلاَّ الرَّجَا وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثمَّ أَنِّي مُسْلِمُ
هل معنى ذلك أن لو مات المسلم على التوحيد فقط يكفيه ليغفر الله له؟
هناك فارق بين من فعل الصغائر ومن فعل الكبائر، فالصغائر لا يخلو منها إنسان، وقد وعد الله بمغفرتها فقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) [النساء/31]
أما الكبائر فمن مات موحدا لله لكنه مصرا على كبيرة فإن عبارة أهل السنة تقول: (من مات على كبيرة فهو واقع في خطر المشيئة إن شاء الله عذبه بعدله وإن شاء عفا عنه بفضله)
وقد يجعل الله للعبد مكفرات دون أن يشعر بأن يرزقه التوبة النصوح فيبدل الله سيئاته حسنات، قال تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) [الفرقان/70] أو يوفقه لعمل صالح قبل الموت كما في الحديث:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) [10]
أو تكون هناك شدائد كالمرض قبل الموت، أو شدة خروج الروح أو في القبر وكذلك بين يدي يوم القيامة حين يغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم.
عن المقداد – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ– يقول: ” تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق إلجاما “، وأشار رسول الله – ﷺ– بيده إلى فيه. [11]
أيضا لا ننس شفاعة الأنبياء والشهداء والصالحين، فإن كانت ذنوبه أكثر من ذلك غمس في النار بمقدار ما يطهر من ذنوبه ثم يخرج منها لأن الجنة دار الأبرار الأطهار لا يدخلها إلا كل من طهُر من الذنوب، فهو لا يدخل الجنة أولا وإنما يدخلها آخرا ولذلك يقول علماؤنا: (لا يخلد موحد في النار)
ومن لقي الله مشركا يخلد في النار، قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) [النساء/48]
وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) [المائدة/72]
وهذا جمع وتوفيق بين النصوص الواردة.
الإسراف في الترهيب:
والحديث يفتح باب الأمل دائما لكل من عصى وأسرف وقصر في حق ربه، وبعض الخطباء يسرف في جانب الترهيب ولو بالقصص المكذوبة ناسيا الترغيب في رحمة الله الواسعة.
ومن ذلك:
- الأثر المروي عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ” لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله ” : فمع أنه أثر مشهور متداول، إلا أني لم أقف عليه مسنداً لا بسندٍ صحيح ولا ضعيف ،وهو يتنافى مع ما ورد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال النبي – ﷺ– : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) [12]
فلا يتصور مؤمن أبدا أن عبدا من عباد الله وضع أحد قدميه في الجنة ثم يقول له الله ارجع فلن تدخلها !!!ثم إن مكر الله يكون بالعاصين والكافرين وليس بالمؤمنين.
- ويذكرون عن البعض أنه بكى من خشية الله حتى أصابه العمى!!!
- ومنهم من كان يبكي حتى تجري دموعه من الميزاب!!!
وفي الصحيح من كتاب الله وهدي رسول الله غنية عن هذا كله من المبالغات والقصص التي لا أساس لها من الصحة قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) [الأعراف/156]
ويقول عمر بن عبد العزيز: “اللهم إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك، فإن رحمتك أهل أن تبلغني، فرحمتك وسعت كل شيء وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين”
فهذا الحديث ليس لفتح باب التكاسل عن أداء العبادات وتسويف التوبة والتواكل على المغفرة؛ كلا بل هو لفتح أبواب الرحمة والأمل في وجه العصاة عساهم يتوبوا ويرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى
فوائد من الحديث
- هذا الحديث من أعظم أحاديث الرجاء وسعة رحمة الله.
- تكرار النداء بـ “يا ابن آدم” ثلاث مرات فيه تنبيه وتشريف وتأكيد لعِظَم الرسالة الموجهة للإنسان.
- من أسباب المغفرة العظيمة: الدعاء مع الرجاء، فمن دعا الله راجيًا رحمته غفر الله له.
- المسلم ينبغي أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ فلا ييأس بسبب ذنوبه، ولا يغتر برحمة الله فيتجرأ على المعصية.
- الاستغفار هو طلب المغفرة بصدق وإخلاص، مع ترك الإصرار على الذنب.
- لا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنبه بجانب عفو الله، ولا أن يقول: لن يغفر الله لي؛ فإن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب.
- التوحيد أصل النجاة، والشرك أكبر مانع من المغفرة.
- من مات موحدًا مصرًّا على كبيرة فهو تحت مشيئة الله: إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء عفا عنه بفضله.
- لا يخلد موحد في النار، أما من مات على الشرك فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
- الحديث لا يفتح باب التكاسل عن الطاعة ولا تسويف التوبة، بل يفتح باب الأمل للعصاة ليرجعوا إلى الله.
- خلاصة أسباب المغفرة في الحديث ثلاثة: الدعاء مع الرجاء، والاستغفار الصادق، والتوحيد الخالص.
[1] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، حديث رقم 3540، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[2] ومن الطريف في الدارجة المصرية قولهم للفتاة: يا بني آدمة هكذا بالتأنيث ولا يصح لغويا.
[3]أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في القدر، حديث رقم 4693، والترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، حديث رقم 2955، وصححه الألباني في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي.
[4] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب القدر، باب ما جاء: لا يرد القدر إلا الدعاء، حديث رقم 2139، وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي.
[5] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾، حديث رقم 7554، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، حديث رقم 2751
[7] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، حديث رقم 7507، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، حديث رقم 2758
[8] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، حديث رقم 6306
[9] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، حديث رقم 834، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم 2705.
[10] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب القدر، باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم، حديث رقم 2142
[11] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة يوم القيامة أعاننا الله على أهوالها، حديث رقم 2864، والحِقْوان: موضع الإزار من الجسد، أي قريب من الخصر والوسط، والميل في الحديث بيّن الراوي سليم بن عامر أنه لا يدري: هل المراد به مسافة الميل المعروفة، أم الميل الذي يُكتحل به، والمقصود بيان شدة القرب والهول.
[12] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾، حديث رقم 7405، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم 2675.

