قوانين السعادة (19)
من كان رزقه على الله فلا يحزن

من أكبر أسباب الهم عند الناس الخوف على الرزق ، ونحن في زمن ضعف فيه الإيمان، ورقّ الدين ،وكثرت فيه الفتن والمغريات ، وصار الحرام سهلا ميسورا ، والحلال صعبا معسورا.
ونسي هؤلاء أن الرزق بيد الله وحده، وأنه تبارك وتعالى المتكفّل بالأرزاق؛ ويوقن أنّ رزقه مكتوب ومضمون لا يستطيع أحد أن يأخذه منه.
ومعرفة هذا المعنى والإيمان به سيحل الكثير من المشاكل كالقلق والخوف من المستقبل ، والجرأة على أكل الحرام ،والحسد ، واستحلال الربا وتبرير الرشوة ، وجرائم القتل والسرقة من أجل المال التي سببها عدم أو ضعف الإيمان باسم الله الرزاق ،هذا الإيمان سيحرّر الإنسان من الذلّ للناس، فلا يبيع دينه أو كرامته من أجل لقمة عيش، بل وسيعيش عزيزا كريما موفور الكرامة لا يمدّ يده إلا إلى الله.
ونحاول أن نعالج قضية القلق على الرزق من خلال النقاط التالية :
أولا / رزق جميع الكائنات على الله :
فالله سبحانه تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين وكافرين، إنسًا وجنا، طيرًا وحيوانا، وهو سبحانه كما يقول البلغاء يرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6] وكلمة (دابة ) جاءت نكرة لتفيد الشمول، لتشمل هذه الكلمة كل شيء يدب على وجه الأرض.
وصدق من قال :
فلو كانت الأرزاق تجري على الحِجى هلكـنَ إذًا من جهلهن البهـائمُ
وأصحاب الحجى هم أصحاب الألباب والعقول فلو أن الأرزاق معلقة بالعقول لهلكت البهائم .
فالرزق ليس على فلان أو علان إنما هي أسباب هيأها الله في الكون لييسر على العباد معايشهم، فما يتحصله الناس من وظائف أو مهن ؛ إنما هي أسباب لنيل رزق الله .
ثانيا / التوكل على الله في طلب الرزق :
إذا أيقنا أن الرزق بيد الله وحده فعلينا الأخذ بالأسباب ، قال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]
ويقول النبي ﷺ: )لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا (
وقَوْله: تَغْدُو: أَيْ تَخْرُج مِنْ أَوَّل النَّهَار، خِمَاصًا : جِيَاعًا، وَتَرُوح أَيْ آخِر النهار، بِطَانًا : أَيْ مُمْتَلِئَة الأجواف .
قال الشافعي رحمه الله:
توكلتُ فِي رزقي على الله خالفي وأيقنتُ أن الله لا شـك رازقـي
ومـا يكُ من رزقـي فليس يفوتني ولو كان في قاع البحـار العوامق
سيـأتي بـه الله العظيـم بفضلـه ولو لم يكن مني اللسـانُ بنـاطق
ففي أي شيء تذهب النفس حسرة وقد قسم الرحمـن رزق الخلائق؟
ثالثا/ لا يطلب الرزق بمعصية الله :
فعلى المسلم أن يسلك الأسباب الحلال لطلب الرزق وليعلم أن رزقه مقسوم ومقدور؛ فلا حيلة في الرزق، ولا شفاعة في الموت ، ورزق الإنسان يطلبه كما يطلبه أجله وقد حذَّرنا النبي ﷺ من أن تتعلق قلوبنا بتحصيل أرزاقنا؛ فننسى الله – تعالى – والدار الآخرة، ونُشْغَل عن العمل الصالح بالجمع والتحصيل، ولربما شحت نفوسنا عن أداء حق الله تعالى في أموالنا.
عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أنَّه لن تَموتَ نفسٌ حتى تَستَكمِلَ رزقَها وأجَلَها، فاتَّقوا اللهَ وأَجمِلوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّكم استبطاءُ الرِّزقِ أن تَطلُبوه بمعصيةِ اللهِ، فإنَّ ما عندَ اللهِ لا يُنالُ إلا بطاعتِه) رواه أبو داود
ماذا لو أيقنّا يقيناً قطعياً أن الله عزَّ وجل بيده الرزق وحده؟ يكثِّره أو يقلله، يضيقه أو يوسعه، يسهله أو يعسره، وأن الواحد منا لن ينال ما عند الله عزَّ وجل إلا بطاعته.
وإذا توهَّم إنسان أنه بمعصية الله عزَّ وجل يزداد رزقه ، قد يأتيه رزقٌ وفير بادئ ذي بدْء، ثم يُمْحَق، ثم يتلف، ثم يُهلك.
وصدق الشاعر حينما قال :
لا تعجلن فليس الرزق في العجل الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل
ولو صبرنا لكان الرزق يطلبنا لكنه الإنسان خلق من عجل
ويذكر أن عليا رضي الله عنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج درهما ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدرهم، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله! إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدرهم، فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالا، فأبى إلا أن يأخذه حراما!
الخطام : هو الحبل الذي يقاد به البعير.
رابعا/ كثرة الأموال ليس علامة لحب الله للعبد :
الرزق بيد الله فالعطاء عطاؤه، والمنُّ مَنُّه، وكلٌّ بيده – جل وعلا –، ورزقه لعباده على نوعين:
الأول: رزق عام، يشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وهذا عطاء عام لا يختص به أحد دون أحد، قال الله ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] أي: المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، وهذا النوع من العطاء لا يدل على رضا الله عمن أعطاه، فإنه جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب.
وقال تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]
كَلاَّ ليس الأمر أنَّ الإنسان إذا أُعطي وأُكرم في الدنيا كان ذلك دليلاً على إكرام الله له ورضاه عنه، وليس أيضًا التضييق على الإنسان في طعامه ورزقه دليلاً على عدم رضا الله عنه وإهانته له، فإنه جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، والعطاء في الدنيا من الإنعام والملبس والمسكن ليس دليلاً على الرضا، وكذلك التضييق في ذلك ليس دليلاً على إهانة الله لعبده.
ويؤكد هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من أحب) صححه الألباني.
الثاني: رزق خاص: وهو الرزق المتعلق بالإيمان والتقوى والهداية والطمأنينة القلبية، إضافة إلى التوفيق للرزق الحلال الطيب، وهذا النوع من الرزق يختص الله به أولياءه وأهل طاعته، قال تعالى: ﴿ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: 2-3].
خامسا/ الرزق ليس هو المال فقط :
هناك فرق بين الرزق والكسب، فالكسب هو المال الذي تحصل عليه نظير عمل ما، أما الرزق فهو كل ما يُنتَفع به؛ فالرزق أشمل وأعم من المال، وما كسب المال إلا صورة من صور الرزق، فالأب الصالح رزق، والأخ الطيب رزق، والأم الحانية رزق، والزوجة الخيِّرة رزق، والابن الطائع رزق، والمدير المتفاهم العادل رزق، والصحة رزق، وانتفاعك بالموعظة رزق، وحب الناس رزق.
والحقيقة التي أثبتتها تجارب الحياة، أن الرزق لو نزع منه البركة لا نراه كافيا مهما زاد، ولا نراه معينا مهما جمعنا منه، والقليل المبارك فيه نهر من الخير يجري ولا ينقطع مداده قال تعالى : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]
سادسا/ الرزق والأجل بيد الله وحده:
وأكثر شيء يقلق الإنسان الخوف على رزقه وأجله، وأخشى ما يخشاه انقضاء أجله وانقطاع رزقه، لذلك لو علم الناس علم اليقين أن آجالهم بيد الله، وأن إنساناً واحداً على وجه الأرض لا يستطيع أن يحدِّدها، وأن أرزاقهم بيد الله، وأن أي جهةً على وجه الأرض مهما عظمت لا تستطيع أن تمنع ، ولا أن تعطي، فإذا أيقنت يقيناً قطعياً أن حياتك بيد الله ، وأن الذي منحك الحياة هو وحده يُنْهِي هذه الحياة ، وأن الذي خلقك هو الذي تكفَّل برزقك، لو أيقن الإنسان بهاتين الحقيقتين لأصابته سكينة عجيبة ليقينه بالله .
الطمأنينة بعد اليقين بأن الله هو الرزاق :
فالمؤمن الحق الذي يفهم قضية الرزق فهمًا صحيحًا لن تستشرف نفسه ما في أيدي الناس، ولن تمتد يده إلى ما حرم الله عليه مهما كلف الأمر؛ لعلمه أن الذي خلقه سيرزقه، والعبدَ إذا أيقن بأن الأجل محدد، وأن الرزق مقدر، واطمأن قلبه بذلك؛ فإنه لن يجزع من فقر أصابه، أو جائحة أتلفت ماله، ولن يشغل نفسه بالدنيا عن عمل الآخرة؛ لأنه يعلم أنه مهما سعى واجتهد وأجهد نفسه فلن يكتسب إلا ما كُتب له.
ومر إبراهيم بن أدهم على رجل ينطق وجهه بالهم والحزن فقال له إبراهيم :يا هذا إني أسالك عن ثلاثة فاجبني : قال له الرجل نعم
- فقال له إبراهيم : أيجري في هذا الكون شي لا يريده الله ؟فقال : لا
- قال : أينقص من أجلك لحظة كتبها الله لك في الحياة ؟ قال : لا
- قال : أينقص رزقك شي قدره الله.قال : لا
- قال إبراهيم : فعلام الهم إذن ؟
وسئل الحسن البصري ما سر زهدك في الدنيا ؟ قال أربعة أشياء :
- علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي؟
- وعلمتُ أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي.
- وعلمتُ أن الله مطلع عليّ فاستحييت أن يراني على معصية.
- وعلمتُ أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي.
فاللهم متعنا بما رزقتنا وزدنا من فضلك وجودك يا حي يا قيوم ، اللهم اجعلنا من أوثق خلقك بك… وأفقر عبادك إليك ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم وما رزقتنا من رزق فاجعله عونًا لنا على طاعتك ، ومقربًا لنا إلى مرضاتك. ومتاعًا لنا إلى حين.