شرح الفوائد لابن القيم(16) عرش الرحمن وقلب الإنسان

تاريخ الإضافة 16 أبريل, 2026 الزيارات : 15

(16)عرش الرحمن وقلب الإنسان

يقول ابن القيم رحمه الله: أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها

وأعلاها ذاتاً وقدراً وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله،ولذلك صلح لاستوائه عليه.

شرح الفائدة

ما هو العرش؟

 العرش في اللغة له أكثر من معنى؛ منها:

  • سرير الملك: يدلُّك على ذلك سرير مَلِكة سبأ سماه الله – جل وعلا – عرشًا، فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23].
  • سقف البيت: العرش من البيت سقفه.
  • ركن الشيء: وبه فسر قولُه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259]؛ أي: على أركانها.
  • الملك: والعرش: الملك، يقال: زال عرشُه؛ أي: زال ملكُه وعزُّه.

ومن المعلوم أن معرفة كل معنى من هذه المعاني، إنما يتحدَّد بحسب ما أُضِيف إلى الكلمة.

والمعنى المقصود في عرش الرحمن من تلك المعاني السابقة، هو سرير الملك؛ ذلك لأن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية قد جاءت معيِّنة لهذا المعنى وحدَه دون غيره من المعاني.

ما معنى عرش الرحمن؟

والمراد بعرش الرحمن كرسي عظيم وهو أعظم المخلوقات، له قوائم، وله حملة من الملائكة يحملونه، والله فوق العرش، كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5]، وقال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السماوات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف:54]

فهو كرسي عظيم ومخلوق عظيم لا يعلم مدى عظمه وسعته إلا الذي خلقه، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف العالم كله، وهو سقف الجنة أيضًا، وليس فوقه شيء سوى الله.

قال الطبري في قوله -تعالى-: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: 75]؛ يعني بالعرش: السرير.

وقال ابن كثير: هو سريرٌ ذو قوائم، تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات.

وقال أيضًا: والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال -تعالى-: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] فكراسي الملوك يقال لها: عروش، لكن عرش الله لا يشابهه شيء من عروش المخلوقين.

يقول ابن القيم رحمه الله: وكل ما كان أقرب إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه، ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش الذي هو سقفها، وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان “أسفل سافلين” شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير.

يشير إلى الحديث الصحيح: قال النبي ﷺ: “فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن” رواه البخاري.

فدلّ على أن قربها من العرش سبب شرفها وكمال نعيمها، وهذا المعنى ذكره أيضًا النووي في شرحه لصحيح مسلم.

وقوله (وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق) يقرر قاعدة عامة: أن البعد عن الله سبب الظلمة والضيق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124)، فالبعد ليس بعد مكان فقط، بل بعد إيمان وطاعة، ولذلك كان “أسفل سافلين” وهو محل أهل الكفر والفساد، في غاية الضيق والظلمة، كما قال القرطبي: هو نهاية الهبوط في الدرجات الحسية والمعنوية.

يقول ابن القيم رحمه الله: وخلق الله القلوب وجعلها محلاً لمعرفته ومحبته وإرادته فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وإرادته.

قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة النحل: الآية 60]

وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة الروم: الآية 27]

وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) [سورة الشورى: الآية 11]

جعل الله القلب هو محل الإدراك والمعرفة والوعي عند الإنسان، العين لا تدرك وحدها والأذن لا تدرك وحدها، يعني مثلاً لو أن قلبك خالٍ من معرفة اللغة الفرنسية أو خالٍ من معرفة اللغة الأردية؛ فالأذن لا تدرك معنى اللغة لو سمعت كلاماً بلغة تجهلها، هل تفهم؟ ما تفهم، لا بد أن يدرك القلب الذي هو موضع العقل؛ فتسمع الأذن ويعي القلب، لكن لو أبصرت العين ولم يدرك القلب؛ أو سمعت الأذن ولم يدرك القلب؛ إذاً لا يوجد وعي، فمحل الوعي والإدراك الكامل هو العقل الذي جعله الله في القلب، كما في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقُلُونَ بِهَا) [سورة الحج: الآية 46]

ويقصد ابن القيم: أن القلب هو محل معرفة الله ومحبته، فإذا امتلأ بذلك صار كأنه عرشٌ يُستقر فيه “المثل الأعلى”، أي صفات الكمال من المعرفة والمحبة والإجلال، لا أن الله يحلّ فيه، بل هذا تمثيل لمعنى الاستقرار المعنوي، وقد بيّن هذا المعنى ابن رجب الحنبلي وغيره.

مفهوم المثل الأعلى لله عز وجل

والمثل الأعلى المذكور في الآيات معناه أن له سبحانه وتعالى الوصف الأكمل، والأعظم، والأعلى في كل شيء (كمال مطلق)، ولا يماثله، ولا يشبهه أحد في صفاته، أو أفعاله، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)

وللتوضيح أقول: عندما نقرب شيئاً غامضاً لأي إنسان نضرب به المثل؛ فنقول مثلاً هذه المدينة أكبر من مدينة كذا مرتين؛ أو هذا البيت متسع كبيت فلان، فنضرب المثل للشيء الغامض بشيء محسوس؛ فإذا ضربنا المثل قربنا الأمر لتصور السامع، أنا مثلاً متعود أصلي في مسجد كذا؛ وصليت في مسجد آخر في مدينة أخرى؛ فتقول لي: “المساجد هناك كبيرة ولا صغيرة؟” فتقول: “أنت تعرف مسجد كذا الذي نصلي فيه دائما؟” “نعم أعرفه”، “مساحته مثل مساحة مسجدنا مرتين”، إذاً فأنا لأن عندي تصور وإدراك لمساحة مسجدنا أدركت هذا الشيء الغامض بالنسبة لي بشيء محسوس، فأنت إذا أردت أن تضرب المثال لله عز وجل لتقرب المعنى للسامع في قدرته أو في علمه أو في غناه أو أي شيء من هذا القبيل تعجز؛ لأنه ليس له مثيل، فلو أردت أن أقول إن الله تعالى علمه كـ… ماذا؟ لا ينفع، هل تقول علمه كالبحر؟ هو الذي خلق البحر، علمه كفلان؟ هو الذي خلق فلان وهو الذي علمه، لو أردت أن تقول الله غني؛ غني بماذا؟ ما معايير الغنى عندك؟ السماوات والأرض كلها ملكه، قال تعالى: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [سورة النحل: الآية 74]

يقول ابن القيم رحمه الله: فهذا من المثل الأعلى وهو مستوٍ على قلب المؤمن فهو عرشه، وإن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة، فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وإرادتها، والتعلق بها فضاق، وأظلم، وبَعُدَ من كمالٍه وفلاحه)

يريد أن يقول إن القلب لو كان طاهراً منيراً فيه ما فيه من الإيمان؛ هنا صلح لهذا القلب أن يكون فيه محبة الله ومعرفة الله والشوق إلى الله والحرص على إرضاء الله عز وجل، وإذا كان في هذه القلوب معاصٍ وذنوب وتعلق بشهوات؛ لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه، فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها ومعرفتها وإرادتها والتعلق بها، ماذا يحدث؟ كلما تعلق قلبك بالله كلما انشرح صدرك واتسع وتشعر بالسكينة والطمأنينة وبروح العبادة، كما قال تعالى: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) [سورة الحجرات: الآية 7]، وكلما حصلت القاذورات والمعاصي والذنوب والغل والحقد والحسد؛ هذا القلب يتسفل ويضيق ويظلم فيبتعد عن العرش ويبتعد عن الاتصال بالله عز وجل، فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها ومعرفتها وإرادتها والتعلق بها؛ فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتى تعود القلوب على قلبين:

يقول ابن القيم رحمه الله: حتى تعود القلوب على قلبين:

قلب هو عرش الرحمن ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير.

وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم، فهو حزين على ما مضى مهموم بما يستقبل مغموم في الحال.

وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا دخل النور القلب انفسح وانشرحقالوا فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: “الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله،[1]

والنور الذي يدخل القلب إنما هو من آثار المثل الأعلى فلذلك ينفسح وينشرح، وإذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق

هنا يذكر أن القلوب على نوعين:

  • قلب هو عرش الرحمن: فيه النور والحياة، وهو الذي امتلأ بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: 122)،
  • وقلب هو عرش الشيطان: فيه الظلمة والضيق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ (الزخرف: 36)،

وهو يشير أيضا إلى الحديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه» رواه مسلم

نكتت: كلُّ نُقْطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت.

مربادا: شدة البياض في سواد.

الكوز مجخيا : منكوسا. 

ومعنى الحديث: أن الفتن تظهر وتلصق بعرض وجانب قلب الإنسان كما يلصق فراش الحصير بجنب النائم عليه، ويؤثر في القلب شدة التصاق الفتن به، وتعاد هذه الفتن، وتكرر فتنة بعد أخرى، فأي قلب دخلت فيه، وأحبها وخالطته كمخالطة الشراب ودخوله؛ نقط في قلبه نقطة سوداء، وأي قلب ردها نقط فيه نقطة بيضاء، حتى تصير القلوب على نوعين؛ على قلب أبيض لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كحجر الصفا (الرخام)الأملس الذي لا يعلق به شيء، فلا تضره فتنة حتى يلقى الله.

والقلب الآخر قلب تغير لونه أسود من الفتن كالإبريق المائل أو المقلوب الذي لا يثبت فيه ماء، فكذا هذا القلب لا يعلق به خير ولا حكمة، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أحبه وهوته نفسه.

والحديث الذي ذكره ابن القيم (إذا دخل النور القلب انفسح وانشرحقالوا فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: “الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله) هذا الحديث، وإن كان ضعيفا من جهة السند إلا أن معناه صحيح فهو يبيّن أثر النور، وأن النور يورث الانشراح، لأن مصدره معرفة الله، وكلما قوي هذا النور اتسع القلب، فهناك علاقة عظيمة بين العلو والنور، وبين القرب من الله وسعة القلب، فالعرش أعلى المخلوقات وأشرفها، وأقرب ما يكون إليه هو أكمل في النور، وكذلك القلب إذا امتلأ بمعرفة الله صار كأنه في أعلى مراتب الوجود المعنوي، فيه النور والطمأنينة، وإذا امتلأ بالدنيا صار في أسفل سافلين من حيث المعنى، فيه الضيق والظلمة، فالمسألة ليست مكانًا فقط بل حال القلب، وكلما طهُر القلب وارتفع تعلّقه بالله اقترب من هذا النور الأعلى، وكلما تلوّث بالدنيا هبط إلى الظلمة والضيق.

الخلاصة:

 كلما كان القلب متعلقاً بالله فهذا يدل على طهارة هذا القلب؛ وكلما تزداد الشفافية والروحانية والسمو تصل إلى درجة عالية وقرب من الله، وكلما عصى الإنسان فإن القلب يضيق ويتسفل؛ وكلما نزل لأسفل ازداد الضيق والظلمة.


[1] الحديث أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره والبيهقي في “شعب الإيمان” من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد روي مرسلاً ومرفوعاً، والحديث ضعفه الألباني في “ضعيف الجامع” برقم (519) و “مشكاة المصابيح” برقم (5221) من حيث السند ولكن معناه صحيح وله شواهد تقويه من حيث المعنى في كتاب الله وسنة نبيه.

Visited 12 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل جميع دروس ومحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور والشيخ بصيغة ملفات صوتية

عبر الرابط التالي

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 8 أبريل, 2026 عدد الزوار : 14637 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع