صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

تفسير سورة ق 11- من هو القرين ؟

تاريخ الإضافة 24 أبريل, 2026 الزيارات : 41

تفسير سورة ق 11- من هو القرين ؟ 

 

ما زلنا مع آيات سورة ق سائلين المولى جل وعلا أن يسعدنا بالقرآن في الدنيا والآخرة وأن يجعلنا من التالين له حق تلاوته ،العاملين به كما يحب ربنا ويرضى اللهم آمين.

وقد توقفنا عند قول الحق تبارك وتعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [سورة ق: الآية 21] وقد أحضر هذا الإنسان الكافر المنكر للبعث بين يدي ربه جل وعلا، وأوقف للحساب بين يدي الله، وجاءت كل نفس من بني آدم معها سائق يسوقها إلى الله وشهيد يشهد عليها بما عملت.

نتوقف اليوم مع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 23-29]

من هو القرين؟

القرين: في اللغة بمعني الصاحب والشريك في الأمر، ولذلك في الدعوات الرسمية عندنا في الزواج يقولون: عقد قران(بكسر القاف) فلان وفلانة أي أنهما سيصيران بعد أن كان كل واحد في بيت وله حياته الخاصة سيصيران زوجين تحت سقف بيت واحد، فتسمى الزوجة قرينة لزوجها بهذا المعنى، ويسمى الصاحب القريب جداً منك بالقرين؛ هذا قرينك أي ملازمك وصاحبك.

حقيقة القرين في الشرع

 من الناحية الشرعية القرين هو إما ملك من الملائكة مرافق ومصاحب لك إلى أن تموت، أو شيطان من الشياطين .

وقد جاء ذكر القرين في آيات وأحاديث نذكرها هنا للفائدة:

أولا/ ما جاء في القرآن:

1-  قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾[النساء: 38]

في هذه الآية يخبر الله عن المرائين في الإنفاق الذين ينفقون رياء طلبا لمحمدة الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن يكن الشيطان له خليلاً وصاحبا يعمل بطاعته ويتبع أمره ويترك أمر الله بإنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات فساء الشيطان قرينا.

2- وقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾[فصلت: 25]

أي : وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق قُرَنَاءَ من الشياطين ، كما قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83] أي تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما زينوا ( لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا ، فأقدموا على معاصي اللّه، وسلكوا ما شاءوا من محاربة اللّه ورسله والتكذيب بالآخرة، وهذا التسليط والتقييض من اللّه للمكذبين الشياطين ، بسبب إعراضهم عن ذكر اللّه وآياته، وجحودهم الحق.

3- وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[الزخرف: 36]

العَشَا هو ضعفُ البصرِ يقولون، العمى هو عدمُ البصرِ، والعَشَا ضعفٌ، والمعنى: ومن يُعرِضُ عن الذِّكر الَّذي أنزلَ الرحمن وهو القرآنُ، نُسلِّطُ عليه شيطاناً {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يُلازمُه.

4- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾[ق: 23]

والمراد بقرينه في هذه الآية الملك الموكل بكتابه ما يصدر عن الإِنسان في حياته، وجاء به مفردا مع أن لكل إنسان قرينين (ملك الحسنات وملك السيئات) لأن المراد به اسم الجنس (أي جنس الملائكة) نحن قلنا إن الإنسان معه ملكان ملك الحسنات وملك السيئات. الحديث هنا عن ملك واحد؟ نعم لأن الحديث هنا عن الإنسان الكافر فلم يسجل له إلا السيئات. ما له حسنات لأنه ليس مع الكفر طاعة. فالذي يتكلم الآن لإقامة الحجة كشاهد إثبات على الكافر في أعماله هو ملك السيئات. فقال: يا ربي هذا ما لدي عتيد. يعني كنت شاهداً وحاضراً وقد سجلت كل شيء فعله.

وقوله: (هذا ما لدي عتيد) يعني هذا الكتاب الذي وكلتني بحفظه والذي كتب فيه كل ما فعله هذا العبد، هذا ما لدي عتيد يعني حاضر تام مضبوط، أو هذا ما وكلتني بإحضاره إشارة إلى الإنسان من بني آدم هذا ما وكلتني بإحضاره ها أنا جئت به حاضراً أمامك بهيئته.

5- وقال: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾[ق: 27]

قرينه هنا الشيطان الذي وُكِّل به؛ فيتبرأ منه شيطانه فيقول: (ربنا ما أطغيته) أي: ما أضللتُه؛ بل كان هو في نفسه ضالاًّ قابلاً للباطل معانداً للحقِّ.

أما ورد في السنة:

1- عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ (ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير.) وفي رواية: (وقد وكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة) أخرجه مسلم

2- عن عائشة -رضى الله عنها-أن رسول الله ﷺخرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: (ما لك يا عائشة أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلى على مثلك، فقال رسول الله ﷺ أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: نعم ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن ربى أعانني عليه حتى أسلم) أخرجه مسلم

هل أسلم قرين النبي صلى الله عليه وسلم؟

العلماء لهم قولان:

الأول: منهم من قال “فأسلمُ” بالضم يعني فأسلمُ أنا من شره أو أسلمُ من وسوسته، لأن الشيطان لا حظ له مع الأنبياء والمرسلين.

القول الثاني : قالوا “فأسلمَ” فعل ماض بمعنى هو الذي أسلم يعني دخل الإسلام لأن الرسول قال بعدها “فلا يأمرني إلا بخير” والشيطان لا يأمر بخير فلو بقي على شيطانيته ما أمر النبي بخير؛ إذاً فمعنى أسلم يعني دخل الإسلام.

هل معنى هذا أنه من الممكن أن يكون القرين مسلماً؟ أو أن يكون كافراً؟

أي نعم اقرأوا سورة الجن واقرأوا الآيات بتسلسلها وكيف كانوا على ضلال وكيف كان إبليس يقول لهم إن الله كذا وكذا ويقعون في الشرك وكيف كان يستعيذ بهم أو يستغيث بهم من ضل من الإنس ، وفي الآيات قالوا: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [سورة الجن: الآيات 14-15].

إذاً ممكن أن يسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

3- وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ قال (إذا كان أحدكم يصلِّي فلا يدع أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتلْه فإن معه القرين) أخرجه البخاري ومسلم 

4- وعن عبدالله بن مسعود (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾[البقرة: 268] أخرجه الترمذي في سننه  وأخرجه أحمد في المسند، وصحح الشيخ أحمد شاكر أنه موقوف له حكم الرفع فإن هذا الحديث مما لا يعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يعلم إلا بالوحي من المعصوم ﷺ؛ فالروايات الموقوفة لفظا، هي مرفوعة حكما.

وقوله: (لَمَّة) من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو المَلَك.

وقوله: (إيعاد بالشر) كالكفر والفسق والظلم.

(وتكذيب بالحق) أي في حق الله أو حق الخلق أو تكذيب بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والنار والجنة.

وقوله (وأما لمة الملك فإيعاد بالخير) كالصلاة والصوم.

(وتصديق بالحق) ككتب الله ورسوله.

وقوله (فمن وجد) أي في نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أي لمّة الملك.

(فليعلم أنه من الله) أي منّة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذْ أمَر الملك بأن يلهمه.

(فليحمد الله) أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهَّله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير.

(ومن وجد الأخرى) أي لمّة الشيطان.

ثم قرأ الآية: (الشيطان يعدكم الفقر) أي يخوفكم به ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات (ويأمركم بالفحشاء) أي المعاصي.

فكل إنسان معه قرينه من الملائكة وقرينه من الشياطين، فالمؤمن بطاعته لله ورسوله والاستقامة على دين الله يقهر شيطانه، ويذله ويهينه، حتى يكون ضعيفاً لا يستطيع أن يغالب، ويمنع المؤمن من الخير.

والمؤمن العاصي بسبب معاصيه وسيئاته يعين شيطانه، حتى يقوى على مساعدته على الباطل، وعلى تشجيعه على الباطل.

وهذا الأمر قدره الله تعالى ابتلاءً لبني آدم لأن الجنة ليست بالشيء السهل، وليست ادعاءً يدعيه الإنسان؛ فأنت أمام تكاليف شرعية تتنازعك فيها غرائز وشهوات، وفتن، واختبارات، وابتلاءات؛ فمن باب العدل الإلهي جعل الله لك ملكاً يدلك يلهمك يرشدك يبين لك زاوية الخير، وشيطان يزين لك المعصية.

مثال: أنت الآن تستمع لصوت المنبه لصلاة الفجر ستجد بداخلك صوتاً يقول لك: قم هذه فريضة أدِّ عليك صلاة الفجر أجرها كذا وثوابها كذا. “بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. ها ينبه ينبه يرغب.

ثم تجد داعي الهوى: أنت مثقل ومتعب ولم تنم إلا متأخراً ويومك غداً طويل وعندك أعمال كثيرة نم.

مثال آخر: من أبواب الإنفاق تصدق الصدقة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف الصدقة جزاؤها ثوابها رضا الله البركة يخلف الله عليك. الشيطان: وماذا تفعل بالفواتير؟ عليك فواتير وعليك أقساط والأسعار في ارتفاع وأولادك أولى وأنت لست من أهل الزكاة ويكفي ما أنفقت في رمضان و… و… هذه فتن.

كيف يغلب الخير على الشر؟

لما سئل أحد العلماء: إن بداخلي ذئبان يتصارعان أحدهما يدعوني إلى خير والآخر يدعوني إلى شر من سيغلب؟ قال: من تطعمه.

ما الذي يطعم الملك ويقويه؟ وما الذي يطعم الشيطان ويقويه؟ كلمة يطعم ليس على الحقيقة (لأن الملائكة لا تأكل) إنما أقصد من الذي له موقف معك وقلبك يستقبل بطريقة أعلى وأفضل؟

إذا كنت مقبلاً على الله فإن حظك من التوفيق والهداية والإعانة أكبر.

وإذا كنت معرضاً عن الله كان حظك من حياطة الشياطين واقترانهم بك أكبر.

سلطان الشيطان على من؟

اسمع للآيات في سورة النحل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة النحل: 98-99]. السلطان هنا بمعنى التأثير لأن السلطان إما سلطان بالقوة كالحكومات والرؤساء وكذا وإما سلطان بالحجة وهذا معنى: {فَأْتُونِي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [سورة الصافات: 156]. فالشيطان متى تكون له حجة قوية وقبول عندك في القلب؟ {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [سورة النحل: 100].

هل في القلب استعداد لاستقبال الفتنة وحب للفتنة وتعلق بالفتنة ؟ كما قال الله عن بني إسرائيل: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [سورة البقرة: 93]. أول ما عرض السامري  عليهم الفتنة استجابوا لها … قال: إنكم أخذتم ذهب المصريين وهذا الذهب حرام عليكم ولا يجوز لكم أن تبقوه معكم ماذا نفعل؟ قال: سأحوله لكم إلى صورة للإله الذي ذهب موسى ليناجيه وصهر الذهب في سبيكة وشكله على شكل عجل وقال: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [سورة طه: 88]. فبعض القلوب عندها تعلق بالفتنة، وإقبال عليها ، وتسعد بها هذا هو محل الشيطان.

قال الله تعالى عن هذا الصنف: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة المجادلة: 19].

وكل واقع في الضلالة حوله شياطين يحضونه على هذا الفعل بل ويوحون إليه بالضلال والباطل كما قال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ} [سورة الأنعام: 121]. وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [سورة الأنعام: 112]

وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [سورة مريم: 83]. الأز هو الدفع بقوة وشدة، وتغريهم إغراءً بالشر والمعاصي. الشياطين تحرك الكافرين وتحثهم وتدفعهم بسرعة نحو المعاصييلح ويلح ويلح فيدفع وكأنه يساق سوقاً إلى البغي إلى الظلم إلى أكل الحرام إلى الوقوع في الزنا شرب الخمر فتؤزهم الشياطين يعني تدفعهم دفعاً.

نجاة المتقين بالاستعاذة والذكر

أما عباد الله المتقين اللهم اجعلنا منهم فإنهم إذا أصابهم طائف من الشيطان كما قال الله: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [سورة الأعراف: 201].

وقال: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَّمِيعُ عَلِيمُ} [سورة الأعراف: 200].

إذاً أنا أول ما أشعر بأي شيء من الشيطان أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ خَنَسَ وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ” [والحديث ضعيف مرفوعا عن أنس ، وسنده صحيح موقوفا من قول ابن عباس]

القلب أشبه بقبضة يدي والشيطان جاثم هكذا؛ فإذا ذكر المسلم الله خنس الشيطان، والخنوس يعني التضاؤل إلى حد الاختفاء وإذا غفل وسوس.

الغفلة مدخل الشيطان

ولذلك أكثر شيء أو أكثر موضع الشيطان يؤثر فيه على الإنسان أنه يكون في غفلة بعيد عن الله… بعيد عن الصلاة بعيد عن الوضوء بعيد عن الصالحين بعيد عن القرآن… فطالما أنه بعيد عن كل هؤلاء فإنه يكون قريباً من الشياطين.

وهذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: “عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ” الذئب لما يأتي يأتي إلى قطيع كبير فيه غنم لا يأكل من قلب الغنم حتى لا يتعرض لأذى الكلب أو الراعي؛ إنما يأكل من الغنمة الشاردة البعيدة؛ هكذا الشياطين والعياذ بالله.

إذاً فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى:  {ألقيا في جهنم} وهذا خطاب للسائق والشهيد؛ بدلالة قوله تعالى قبلها: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] فالسائق يسوقه إلى المحشر، والشهيد يشهد عليه بعمله، فيؤمران معا بإلقائه في النار.

صفات أهل النار

ثم ذكر الحق تبارك وتعالى صفات هذا الملقى به في النار والعياذ بالله فقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: 24-26]

فذكر له ست صفات:

أما الصفة الأولى وهي أنه كفار فالمقصود كثرة كفره لا مجرد وقوع الكفر منه مرة واحدة فهو جاحد لنعم الله لا يشكرها، وجاحد لحقوقه، فلا يعبده، وجاحد لدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته، وجاحد برسله وملائكته وكتبه وبلقائه يوم القيامة.

وأما الصفة الثانية وهي أنه عنيد فالعناد هو رد الحق مع العلم به أي أنه يعرف الحق ويتيقنه ثم يرفضه كبرا واستعلاء، وهذا أشد من الجهل لأن الجاهل قد يعذر أما المعاند فهو مكابر للحق.

وأما الصفة الثالثة وهي أنه مناع للخير فليس فقط تاركا للخير بل يمنعه عن نفسه وعن غيره فهو لا يعمل الطاعات، ولا يقرب إلى الله، ولا يفتح باب خير لغيره بل يصد الناس عن الخير والإيمان والإحسان، ولهذا قال ابن القيم إنه لا خير فيه لنفسه ولا للناس

وأما الصفة الرابعة وهي أنه معتد فمع كونه مانعا للخير هو أيضا ظالم معتد يتجاوز الحدود فيؤذي الناس بيده ولسانه وماله وسلطانه فهو يجمع بين السلبية في الخير والإيجابية في الشر.

وأما الصفة الخامسة وهي أنه مريب أي كثير الشك والريبة يعيش في الشبهات ويثيرها في غيره ولا يقف عند حد بل يأتي كل ما يوقع في الريبة والفساد فهو صاحب شك وسوء ظن بالله ودينه.

وأما الصفة السادسة وهي أنه مشرك أي لم يكتف بالكفر والعناد بل جعل مع الله إلها آخر يحبه كما يحب الله ويغضب له ويرضى له ويعظمه ويطيعه ويقدمه على أمر الله في الولاء والبراء والنذر والحلف، والطاعة فصار الشرك متغلغلا في قلبه وسلوكه.

في الآيات الكريمة ذكر للقرين مرتين:

كلام القرين في الموضع الأول وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] هو كلام الملك الموكل به، يقول: هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.

 وكلام القرين في الموضع الثاني من السورة هو الشيطان الذي كان يوسوس له: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾[ق: 27]، يريد أنْ يتبرأ من صاحبه الضال ويتركه؛ بقوله: ربنا ما أطغيته، ولا أجبرته على الكفر والعصيان، وَلَـٰكِن هو الذي كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ؛ دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال أو الكفر.

فيجيبهما الحق تبارك وتعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28-29]

لا تختصموا لدي لأن الخصومة لن تنفعكم اليوم فلا يلقي كُلٌّ منكم بالمسئولية على صاحبه، فأنا أعلم بكم، ولا يخفى عليّ من المطيع ومن العاصي؛ فلا فائدة إذن من هذه الخصومة (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد) أي حذرتكم في الدنيا على ألسنة رسلي من سوء عاقبة الكفر، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم.

وقوله: (مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ) فيه تفسيران:

التفسير الأول: أى: لا خلف لوعدي، ولا معقب لحكمي، بل هو كائن لا محالة، والوعد من الله هو: أنه وعد المؤمنين بالجنة وتوعد الكافرين بالنار.

التفسير الثاني: ما يغير القول عندي بالكذب والتلبيس؛ كما يغير عند الملوك والحكام، فيكون المراد قول المختصمين؛ لعلمه سبحانه بالغيب، وقد قال تبارك وتعالى: “ما يبدل القول لدي” ولم يقل “قولي”

قد يقف المتخاصمون بين يدي قاض من قضاة الدنيا أو ملك من الملوك؛ فيكذب أحد المتخاصمين أو يغش أو يزين الكلام، لكن هل هذا يقع بين يدي أحكم الحاكمين؟ فرب العزة حينما يوقف العباد بين يديه لا يقبل القول بالكذب ولا بالتدليس، فالجميع أمام من يعلم السر وأخفى، فإذا كان هناك فرصة متخيلة عند هؤلاء المجرمين للكذب فهي مفضوحة بكل أبعادها وأشكالها؛ تكذب على من؟ على الله سبحانه وتعالى وبين يديه جل في علاه.

حقيقة القرين والتحذير من الأوهام

 قبل أن أختم هناك مسألة أريد أن ألفت الأنظار إليها:

القرين سواء من الملائكة أو من الجن هذا غيب؛ وبعض الناس الآن يكتبون على وسائل التواصل:

كيف تتكلم مع القرين؟

كيف تستحضر القرين؟

كيف تدعو القرين للإسلام؟

هذه كلها أوهام وعناوين فقط “للترند” مداعبة لخيال الناس لا أكثر ولا أقل.

فالشيطان ليس من دورك أن تدعوه أنت للإسلام ولا أن تقيم عليه الحجة؛ هذا عالم آخر ليس عالمك؛ فلا استحضار ولا استنطاق ولا أي شيء من هذه الخزعبلات الموجودة حالياً لما يسمى بالروحانيين والمعالج الفلاني.

علاج الوسواس القهري

هل القرين فعلاً له تأثير عليّ؟

نعم إذا كنت بعيداً عن الله تأثيره الوسوسة فقط، والوسوسة قد تكون بالشر والمعصية، وقد تكون بما يعرف بالوسواس القهري أو ليسبب لك للقلق والتوتر

ما هو العلاج؟

العلاج في الأذكار التي تعلمناها من النبي صلى الله عليه وسلم والتي تدفع عنك الشيطان وأسهلها قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

أيضاً عندنا المعوذات الإخلاص والفلق والناس الرسول علمنا أن نقرأها ثلاث مرات إذا أصبحت وإذا أمسيت.

فإذا جاءك وسوسة في العقيدة وسواس في الإيمان وسواس في الحياة وسواس بالانتحار وسواس بأن زوجتي كذا بأن ابني كذا. ماذا أفعل؟

اطرد هذه الأوهام لا تنشغل بها لا تسترسل فيها تعوذ بالله من الشيطان الرجيم وافعل كما أوصى النبي الصحابة. تلتفت على يسارك وتتفل ثلاثاً ثم تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى الأمر،كما في حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما اشتكى وسوسة الشيطان: “ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا”. أخرجه مسلم 

ولا تسترسل ولا تواصل ولا تبقى دائماً في أسر الشيطان بوساوسه القهرية وافتراضاته الوهمية كما ورد في الآية: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: الآية 268].

وبعض العلماء المتخصصين في الرقية الشرعية قالوا: إن عند كثرة الوساوس تقرأ سورة ق، وقالوا إنها مجربة في علاج تسلط القرين على الإنسان بالوساوس القهرية، فيقرأها كل ليلة مع سورة الملك ،ويجعل الله تعالى فيها الشفاء.

والخلاصة :

إذا أردت التخلص من الشيطان بإضعافه فكن قريباً من الله؛ فالقريب من الله لا يستطيع الشيطان أن ينال منه شيئاً ولا أن يصله بسوء أبداً كما ذكرنا خلال الخطبة.

Visited 13 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 189
  • Today's page views: : 223
  • Total visitors : 2,456
  • Total page views: 2,834