(15) شرح دعاء تفريج الهم والحزن ( اللهم إني عبدك وابن عبدك..)

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: في المسند وصحيح ابن أبي حاتم وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا”، قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال، “بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن،)[1]
تضمن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية، منها:
أن الداعي به صدر سؤاله بقوله، “إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك”، وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء، وفي ذلك تملق له واستخذاء بين يديه واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه، وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك، ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة، وتحت هذا الاعتراف، أني لا غنى لي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده، وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا في شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار.
شرح الفائدة
الفائدة هنا تدور في ظلال هذا الحديث النبوي : حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)[2]
وهذا الحديث فيه معانٍ عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم آتاه الله جوامع الكلم في كل كلامه، وسنعيش مع الإمام ابن القيم وهو يبرز بعض هذه المعاني الجليلة، في هذا الدعاء.
قوله: (اللَّهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك)[3]
العبودية في اللغة مأخوذة من التعبيد تقول عبّدت الطريق أي ذللته وسهلته، وعبودية العبد لله لها معنيان:
عام: المُعبّد أي المذلل والمسخر فهو المعنى العام ويدخل فيه جميع المخلوقات من جميع العالم العلوي والسفلي من عاقل وغيره ومن رطب ويابس ومتحرك وساكن وكافر ومؤمن وبَرٍّ وفاجر فالكل مخلوق لله عز وجل مسخر بتسخيره مدبر بتدبيره ولكل منهم حدٌّ يقف عنده.
وخاص: وهو العبد العابد لله المُطيع لأمره من المؤمنين، فهم عباد الله حقا الذين أفردوه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ولم يشركوا به شيئاً، كما قال تعالى في قصّة إبليس: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 41-42]
واعتراف العبد بأنه مخلوق للَّه تعالى، مملوك له، هو وآباؤه وأمهاته، ابتداءً من أبويه المقربين، وانتهاءً إلى آدم وحواء، فالكل مماليك للَّه خالقهم، ومدبّر أمورهم، وشؤونهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، وليس لهم من يلوذون ويعوذون به سواه، وهذا فيه كمال التذلّل والخضوع والاعتراف بالعبودية للَّه تعالى؛ لأنه لم يكتف بقوله: (إني عبدك) بل زاد فيه (ابن عبدك ابن أمتك) دلالة على التأكيد والمبالغة في التذلّل، والعبودية للَّه تعالى.
وهذا من أسباب إجابة الدعاء قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]
وبين الله أن من أسباب رفع العقوبة والبلاء عن العباد التضرع قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43] نعوذ بالله من قسوة القلب.
فكأنك تقول يا رب أتوسل إليك بفقري وحاجتي وضعفي فأنا عبدك وابْنُ عَبْدِكَ، وابْنُ أَمَتِكَ، فكلنا عبيد لله عز وجل.
والعبودية من البشر للبشر ذل، ومن البشر لله تعالى عز وتشريف ولذلك وصف الله تعالى نبيه في أشرف المقامات بالعبودية فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]
وأنبياء الله كذلك، مثل نوح عليه السلام وصفه الله تعالى بأنه كان عبداً شكوراً، قال سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3] وقال:﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30] وقال:﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: 45]
وعيسى عليه السلام، نطق بعبوديته لله وهو في المهد، فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]
وكلمة العبودية كلمة مذمومة تشمئز منها النفس إنْ كانت عبودية للبشر؛ لأن عبودية البشر للبشر يأخذ فيها السيد خير عبده، لكن عبودية البشر لله تعالى يأخذ العبد خير سيده، فالعبودية لله عزٌّ وقوة ومنَعة وللبشر ذٌلٌّ وهوان؛ لذلك نرى كل المصلحين يحاربون العبودية للبشر، ويدعون العبيد إلى التحرر.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (كفاني فخرا أن تكون لي ربا، وكفاني عزا أن أكون لك عبدا)
فأول ما يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم العبد أن يبدأ بقوله: “اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ”
وهذه الجملة وحدها تحمل معاني عظيمة جدًا. فقوله: “إني عبدك” اعتراف صريح كامل بأنك مملوك لله، ولست مستقلًا بنفسك، ولا قائمًا بنفسك، ولا متصرفًا في أمرك على وجه الاستقلال، بل أنت عبد مربوب ضعيف فقير.
ثم زاد هذا المعنى توكيدًا بقوله: “ابن عبدك ابن أمتك”، يعني أنا لست وحدي عبدك، بل أنا وأبي وأمي ومن فوقهم من الآباء والأمهات كلنا عبيد لك، حتى ينتهي النسب إلى آدم وحواء عليهما السلام.
ولهذا قال ابن القيم: “وفي ذلك تملق له واستخذاء بين يديه” والتملق هنا ليس بالمعنى المذموم الذي يُستعمل بين الناس، وإنما المقصود به إظهار الخضوع الكامل والافتقار والذلة المحمودة بين يدي الله و(الاستخذاء) معناه الانكسار والخضوع والاستسلام؛ فكأن العبد يقول: يا رب أنا لا أقف بين يديك معتمدًا على قوتي ولا على عملي ولا على حولي، بل أقف موقف العبد الذليل الفقير المنكسر الذي لا غنى له عن سيده.
ثم قال ابن القيم: “واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه”. وهذا اعتراف يقطع جذور الكبر والعجب والاعتماد على النفس؛ لأن كثيرًا من الهموم تتفاقم حين ينسى الإنسان حقيقته، فيتصور أنه يملك التدبير التام، أو أن الأمور ينبغي أن تجري وفق مراده، أو أنه إذا فقد شيئًا فكأن الدنيا انتهت، أما إذا تذكر أنه عبد، وأنه مملوك لله، وأن كل أمره بيد الله، هدأ قلبه؛ لأنه عاد إلى موضعه الصحيح: عبد تحت قهر الرب ورحمته وحكمته.
ثم يشرح ابن القيم معنى آخر دقيقًا جدًا، وهو أن العبد إذا اعترف بهذا، فقد اعترف ضمنًا بأنه لا باب له إلا باب الله، ولا ملجأ له إلا إليه، ولهذا قال: “وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه”.
يعني أين يذهب العبد إذا ضاقت به الأمور؟ إلى من يلجأ إذا أظلمت الدنيا في وجهه؟ ليس له ملجأ حقيقي إلا الله. كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: 50)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ (التوبة: 51). فإذا علم العبد أن الخلق لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا إلا بما شاء الله، وأن مفاتيح الفرج كلها بيد الله، تعلق قلبه به وحده، وهذا من أعظم أسباب انشراح الصدر.
ولهذا أكمل ابن القيم فقال: “وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك، ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه، بل يضيع أعظم ضيعة”.
هذا المعنى شديد التأثير؛ لأن الناس قد يظنون أن الأبواب كثيرة، وأن الاعتماد يمكن أن يكون على المال أو المنصب أو العلاقات أو الذكاء أو الخبرة، لكن الحقيقة أن الله إذا تخلى عن العبد، فلا ناصر له. قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (آل عمران: 160). فالمقصود أن سلامة العبد كلها في رعاية الله، وأن هلاكه كله في أن يُوكَل إلى نفسه، ولهذا كان من أعظم الدعاء: ألا يكل الله العبد إلى نفسه طرفة عين.
ثم قال: “وتحت هذا الاعتراف، أني لا غنى لي عنك طرفة عين”.
يعني هذا ليس مجرد معنى لطيف، بل هو نتيجة لازمة من قولك: “إني عبدك”. فالعبد لا يستغني عن سيده لحظة واحدة؛ أنفاسك بيده، قلبك بيده، ثباتك بيده، هدايتك بيده، رزقك بيده، فرجك بيده، فإذا استقر هذا في القلب انكسر بين يدي الله انكسار صدق، وصار دعاؤه أقرب إلى الإخلاص والقبول؛ لأنه لم يعد يدعو دعاءَ من يرى لنفسه حيلةً مستقلة، بل دعاءَ من أيقن أنه لا نجاة له إلا بالله.
ثم قال ابن القيم: “وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده”. “أعوذ به” أي ألتجئ إليه وأتحصن به، و”ألوذ به” أي ألوذ بجنابه وأعتصم برحمته، وهذا من كمال التوحيد؛ لأن القلب عند المصيبة قد يتوزع، فيتعلق بسبب هنا وسبب هناك، وينسى الأصل، وهو أن الاعتصام الحقيقي بالله وحده. قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (النجم: 43)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: 80). فكل جلبٍ للنفع، وكل دفعٍ للضر، أصله من الله وحده.
ثم انتقل ابن القيم إلى معنى آخر في غاية الأهمية، فقال: “وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي”.
ومعنى “مربوب” أي له ربٌّ يربيه ويدبر أمره ويصرف شأنه. و”مدبر” أي أن أمره كلَّه تحت تدبير الله، ليس شيء من أحواله خارجًا عن علم الله ولا عن حكمته ولا عن مشيئته. و”مأمور منهي” أي أنه عبد مكلَّف، عليه أوامر ونواهٍ، وليس حرًّا على الحقيقة يفعل ما يشاء دون حساب.
وهذا يربي العبد على أمرين:
الأول أن ما يجري عليه من أقدار فليس عبثًا، بل هو بتدبير الحكيم.
والثاني أنه في تعامله مع البلاء لا يخرج عن مقام العبودية، فلا يعترض اعتراض المتكبرين، ولا يتسخط تسخط المتمردين، بل يصبر ويرجو ويدعو ويأخذ بالأسباب المشروعة.
ثم قال: “إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه”.
أي أن العبد ليس صاحب سيادة مطلقة على نفسه حتى يقول: أفعل ما أشاء، وأمتنع عما أشاء، وأرضى بما أراه مناسبًا لي فقط؛ بل هو عبد، يتصرف وفق ما يرضي ربه، لا وفق ما تهواه نفسه، فإذا نزل به الهم لم يكن همه فقط: كيف أتخلص من الألم؟ بل يكون همه أيضًا: كيف أعبد الله في هذا البلاء؟ كيف أرضيه؟ كيف أصبر؟ كيف أحسن الظن به؟ كيف ألتزم حدوده وأنا مبتلى؟ وهذا فرق عظيم بين نظر المؤمن ونظر غيره؛ فالمؤمن لا ينظر إلى البلاء مجردَ ألم يجب الفرار منه، بل ينظر إليه أيضًا مقامًا تعبديًا يُظهر فيه صدق العبودية.
ولهذا ختم ابن القيم بقوله: “فليس هذا في شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار”.
يعني أن من يتصرف على مقتضى الاستقلال التام والاختيار المطلق دون خضوع، فهذا ليس شأن العبد، بل شأن من يتوهم لنفسه الملك والحرية المطلقة، أما العبد الحق فيعرف قدر نفسه، ويعرف مقام ربه، فيقف عند حد العبودية، فهذه المعرفة نفسها تُصلح النفس؛ لأن كثيرًا من الاضطراب النفسي ينشأ من منازعة الربوبية. يريد الإنسان أن تكون المقادير تابعة لهواه، فإن لم تكن اضطرب وسخط.
أما إذا استقر في قلبه أنه عبد، وأن الله رب حكيم رحيم، وأنه تحت تدبيره، صار أقرب إلى السكينة.
الفرق بين العبودية العامة والخاصة
يقول ابن القيم: أما العبيد فتصرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله، {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [سورة الحجر: 42]، وقوله، {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [سورة الفرقان: 63]
ومن عداهم عبيد القهر والربوبية، فإضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه، وإضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه، وإضافة عبودية رسوله إليه بقوله، {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [سورة البقرة: 23]، وقوله، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [سورة الإسراء: 1]، وقوله، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [سورة الجن: 19]
العبودية نوعان:
العبودية العامة: هي أن كل الخلق عبيد لله، كلنا ملك لله الذي خلقنا وأوجدنا من العدم وأنعم علينا بنعمة الوجود، وهذه العبودية يشترك فيها الجميع من المؤمن والكافر والمطيع والعاصي.
والعبودية الخاصة: هي عبودية العبادة والطاعة لله، وهي عبودية الشرف التي إذا نسب العبد فيها إلى الله كان له الشرف بها، وهذا المعنى في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [سورة الإسراء: آية 1]، العبودية هنا للشرف لأنه لما نسب إلى الله شرف بذلك.
ومثل ذلك ما نراه في فعل البشر مع بعضهم، فالإنسان يشرف بما أضيف إليه، فإذا شرفت بالشرف العالي نسبت إلى الله كعبد، فجعل الله تعالى أشرف ألقاب نبينا أنه عبد الله، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} [سورة الكهف: آية 1]، وقال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [سورة الجن: آية 19]، فهنا العبودية هي عبودية الشرف والتكريم والإنعام من الله عز وجل لأنك تنسب إلى الله وحده.
أي عامة الخلق المشتركين في أن الله خلقهم ورزقهم ويدبر أمرهم ويوقع بهم قضاءه وقدره، فليس فيها شرف لمن كان متصفا بها لأنها تشمل المؤمن والكافر، فإضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه، فالمسجد بيت الله وهذه إضافة تشريف رغم أن كل بناء هو ملك لله، ومثله قول نبي الله صالح عليه السلام: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةُ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [سورة الشمس: آية 13]، فكل النوق (جمع ناقة) ملك لله ولكن لأن هذه الناقة فيها معجزة شرفها بنسبتها إليه.
يقول ابن القيم: وفي التحقيق بمعنى قوله “إني عبدك” التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة، وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار إليه واللجوء إليه والاستعانة به والتوكل عليه، وعياذ العبد به ولياذه به أن لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء، وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه، صغيرا وكبيرا حيا وميتا مطيعا وعاصيا معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح، وفيه أيضا أن مالي ونفسي ملك لك، فإن العبد وما يملك لسيده، وفيه أيضا أنك أنت الذي مننت علي بكل ما أنا فيه من نعمة فذلك كله من إنعامك على عبدك، وفيه أيضا أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده، وأني لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة.
هذا المقطع من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله من أعمق ما كُتب في بيان معنى العبودية، وهو يشرح أن قولك في الدعاء: “إني عبدك” ليس كلمة تُقال، بل حقيقة عظيمة إذا استقرت في القلب غيّرت نظرة الإنسان لنفسه وللحياة كلها.
فقوله: “في التحقيق بمعنى قوله إني عبدك” يعني: إذا أردنا المعنى الحقيقي الكامل لهذه الكلمة، فليست مجرد إخبار، بل التزام عملي قلبي وظاهري.
ولهذا بدأ بقوله: “التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة”. الذل هنا هو الذل لله وحده، وهو أشرف الذل، لأن فيه كمال العز. والخضوع هو الانقياد لأمره، والإنابة هي الرجوع الدائم إليه في كل حال، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (الزمر: 54). فمعنى “إني عبدك” أن قلبي خاضع لك، راجع إليك، منيب لا يرى ملجأ إلا أنت.
ثم قال: “وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه”.
يعني أن العبودية ليست مشاعر فقط، بل طاعة. فمن قال: “إني عبدك” ثم لم يمتثل أمر الله ولم يجتنب نهيه، فعبوديته ناقصة بقدر ذلك، لأن حقيقة العبد أنه ينفذ أوامر سيده ويجتنب نواهيه.
ثم قال: “ودوام الافتقار إليه واللجوء إليه”. أي أن العبد يعيش وهو يشعر دائمًا أنه محتاج إلى الله في كل شيء، لا في الشدائد فقط. وهذا المعنى دل عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (فاطر: 15) فالفقر إلى الله ليس حالة طارئة، بل هو صفة دائمة للعبد.
ثم قال: “والاستعانة به والتوكل عليه”. أي أن العبد لا يعتمد على نفسه ولا على الأسباب وحدها، بل يأخذ بالأسباب وقلبه معلق بالله. كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 23).
ثم جاء بمعنى دقيق جدًا: “وعياذ العبد به ولياذه به ألا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء”. “العياذ” هو الالتجاء لدفع الشر، واللياذ” هو الالتجاء لطلب الخير. والمعنى: أن العبد يجعل قلبه متعلقًا بالله وحده في كل شيء:
- يحب الله أعظم محبة
- يخافه أعظم خوف
- يرجوه أعظم رجاء
ولا يجعل هذه المعاني متعلقة بغيره تعلقًا يزاحم تعلقه بالله، وهذا هو كمال التوحيد. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: 44).
ثم قال: “وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه، صغيرا وكبيرا حيا وميتا مطيعا وعاصيا معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح”.
يعني أن عبوديتك لله ليست في حالة دون حالة، بل أنت عبد لله في كل وقت وكل حال:
- في صغرك وكبرك
- في حياتك وحتى بعد موتك
- في طاعتك وكذلك إذا وقعت في معصية فأنت لا تزال عبدًا لله تحتاج إلى التوبة
- في العافية وفي البلاء
- في أعمال قلبك (كالنية والخوف)
- وفي لسانك (كالكلام)
- وفي جوارحك (كالأفعال)
فلا تخرج عن العبودية أبدًا. وهذا يربي في القلب دوام المراقبة لله.
ثم قال: “وفيه أيضا أن مالي ونفسي ملك لك، فإن العبد وما يملك لسيده”.
وهذا معنى مهم جدًا: أنت لا تملك نفسك حقيقة، ولا مالك ملكًا مطلقًا، بل هو ملك لله أعطاك إياه. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33). فمالك أمانة، ونفسك أمانة، تستعملهما فيما يرضي الله.
ثم قال: “وفيه أيضا أنك أنت الذي مننت علي بكل ما أنا فيه من نعمة”.
أي أن كل ما عندك من خير: صحة أو علم أو مال أو هداية أو قوة فهو من الله، وليس منك استقلالًا. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53). وهذا يقتل العجب والغرور، ويجعل العبد دائم الشكر.
ثم قال: “وفيه أيضا أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك”.
أي أنك لا تتصرف كما تشاء مطلقًا، بل كما يأذن الله، فليس لك أن تقول: هذا مالي أفعل به ما أريد، بل تقول: هذا مال الله عندي، أتصرف فيه وفق أمره، وكذلك نفسك.
ثم قال: “كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده”. وهذا تشبيه يقرّب المعنى: كما أن العبد المملوك لا يتصرف دون إذن سيده، فكذلك أنت مع الله، لكن مع فرق عظيم أن الله سيد رحيم حكيم.
ثم ختم بقوله: “وأني لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا”. وهذا مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف: 188). أي أنك لا تتحكم حتى في أبسط الأمور استقلالًا، فكيف تتكبر أو تعتمد على نفسك؟
فالقلب متعلق بالله في كل الأحوال، أنا يا رب قلبي معلق بك لا بما يتعلق به البشر، فبعض الناس يتعلق ببشر مثله معتقدا أن النفع والضر بيده أو الرزق بيده فلما يكله الله إليه يهلك، وبعض الناس يعتقد أن قوته الجسدية، أو ماله، أو سلطانه سينفعه؛ فيقدر الله أن هذه الأشياء كلها تخيب؛ حتى يعلم العباد أنه لا حول ولا قوة لهم إلا بالله عز وجل، وكما في قصة قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض ولم تنفعه كنوزه.
ثم قال: “فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة”.
يعني: إذا عاش العبد هذه المعاني بقلبه، واستحضرها، وظهر أثرها في سلوكه، فهنا فقط يكون صادقًا عندما يقول: “إني عبدك” أما إذا قالها بلسانه فقط دون أن يعيش معناها، فهي ناقصة بقدر ما نقص من هذه المعاني.
هذا الكلام لو فهمته جيدًا، سيغيّر طريقة تعاملك مع كل شيء:
- مع الهم: ترجع إلى الله لأنك عبد
- مع النجاح: تشكر لأن النعمة من الله
- مع المال: تتصرف فيه بأمانة
- مع الذنوب: تتوب لأنك عبد محتاج
- مع الخوف: لا تخاف إلا الله
وهذا هو السر الحقيقي في أن هذا الدعاء يذهب الهم، لأنك حين تقول “إني عبدك” بهذه المعاني، تخرج من وهم السيطرة والاستقلال، وتدخل في مقام العبودية، وهو أوسع مقام راحة وطمأنينة للإنسان.
يقول ابن القيم رحمه الله: ثم قال “ناصيتي بيدك”، أي أنت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست أنا المتصرف في نفسي، وكيف يكون له تصرف من نفسه، ونفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده، وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته، وبلاؤه كله إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك، ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم.
قوله: “ناصيتي بيدك” الناصية هي مقدّم الرأس، وكانت العرب إذا أرادت إذلال إنسان أو السيطرة عليه أخذت بناصيته، لأنها موضع القيادة والسيطرة. فمعنى الجملة: يا رب أنا تحت تصرفك الكامل، أنت الذي تقودني وتدبرني، لا أملك لنفسي شيئًا.
ولهذا قال ابن القيم: “أي أنت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست أنا المتصرف في نفسي”. يعني أن الإنسان يظن أنه يخطط ويدبر ويتحكم، لكن الحقيقة أن كل ذلك داخل تحت مشيئة الله، لا يقع شيء إلا بإذنه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (التكوير: 29).
ثم قال: “وكيف يكون له تصرف من نفسه، ونفسه بيد ربه وسيده”.
هذا رد على وهم الاستغناء عن الله؛ لأن الإنسان إذا تأمل: قلبه، عقله، صحته، قراراته، توفيقه… كلها ليست بيده استقلالًا، بل بيد الله.
ثم زاد بيانًا فقال: “وقلبه بين أصبعين من أصابعه”. إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء” [رواه مسلم] فهذا أعظم دليل أن قلبك الذي تظن أنه ملكك، هو بيد الله يقلبه كيف يشاء.
ثم وسّع المعنى أكثر فقال: “وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه”.
يعني كل ما يتعلق بك: متى تعيش ومتى تموت، وهل تكون سعيدًا أو شقيًا، وهل تُعافى أو تُبتلى، كل ذلك بيد الله، ليس للعبد منه شيء استقلالًا. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 26-27]
ثم قال: “بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر”.
يعني لو تخيلت عبدًا ضعيفًا مملوكًا عند ملك قوي، فهذا العبد لا يملك شيئًا من أمره، فكيف بحالك مع الله؟ الأمر أعظم من ذلك بكثير؛ لأن ملك الله كامل وقهره تام.
ثم قال: “بل الأمر فوق ذلك”. أي أن التشبيه السابق لا يفي بالحقيقة، لأن الله ليس كملوك الدنيا، بل هو القاهر فوق عباده، وعلمه وإحاطته وتصرفه أعظم بكثير.
ثم انتقل إلى أثر هذا المعنى على القلب، وهذا هو المقصود العظيم، فقال: “ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء…”. يعني إذا أدركت أنك وكل الناس بيد الله؛ فماذا يحدث؟
قال: (لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم) لا يخافهم خوفًا مُرضيًا يجعله يذل لهم، ولا يرجوهم رجاءً يجعله يتعلق بهم، لأنه يعلم أنهم لا يملكون لأنفسهم ولا له شيئًا إلا بإذن الله.
ثم قال: “ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين“. يعني لم يعد يرى الناس كأنهم أصحاب قوة مستقلة، بل يراهم عبيدًا مثلُه تحت قهر الله، وهو الذي يحركهم ويصرفهم، وهذا يحررك من التعلق بالناس ومن الخوف منهم.
ثم قال: “المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم”. أي أن الذي يدبرهم هو الله، وليس هم أنفسهم. فهم أسباب، لكن الفاعل الحقيقي هو الله.
يقول ابن القيم رحمه الله: فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفا لازما له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته، ولهذا قال هود لقومه، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة هود: 56]
يعني يصبح شعورك الدائم: أنا محتاج إلى الله في كل شيء، لا في الأزمات فقط، وهذا هو الفقر الحقيقي إلى الله.
وإذا رأيت الناس عبيدًا مثلَك لا تعتمد عليهم اعتماد القلب، ولا تربط سعادتك بهم، ولا تجعل رجاءك فيهم؛ بل تتعامل معهم بالأسباب، لكن قلبك مع الله.
ثم قال: “فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته” وهذه خلاصة عظيمة: أن توحيده وتوكله وعبوديته كل هذا يستقيم لأنه لم يعد يتعلق إلا بالله.
ثم ختم بالآية العظيمة على لسان نبي الله هود عليه السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (هود: 56).
أي ما من مخلوق يدب على الأرض إلا وهو تحت هيمنة الله الكاملة، آخذ بناصيته، يقوده ويصرفه كيف يشاء، فلا يقع على العبد إلا ما أراده الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أن هذا التصرف كله قائم على العدل والحكمة، ليس ظلمًا ولا عبثًا.
فإذا فهمت هذا المعنى بعمق: لن تخاف من الناس، لأنهم ليسوا بيد أنفسهم، ولن تتعلق بهم، لأنهم لا يملكون لك شيئًا، وسترجع بقلبك إلى الله وحده، وهنا يأتي أثر هذا الدعاء: سكون القلب، وزوال الهم، لأنك لم تعد ترى الأمور بيد الخلق، بل بيد الله الحكيم الرحيم.
************
يقول ابن القيم رحمه الله: وقوله، “ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك”، تضمن هذا الكلام أمرين، أحدهما مضاء حكمه في عبده، والثاني يتضمن حمده وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وهذا معنى قول نبيه هود، {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}، ثم قال، {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، أي مع كونه قاهرا مالكا متصرفا في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم، وهو العدل الذي يتصرف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه، فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه كله مفسدة وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته، وفرق بين الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل للقضاء، فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي وحكمه الكوني القدري، والنوعان نافذان في العبد ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته أما الديني الشرعي فقد يخالفه.
قوله: (ماض في حكمك عدل في قضاؤك)، ماض يعني نافذ، يقول لك هذا كلام مضى أو ماض يعني نفذ، فمعنى ماض في حكمك يعني حكمك فيّ نافذ، والحكم هنا المقصود به الحكم القدري
ما معنى الحكم القدري؟
عندنا أمران: الحكم القدري والحكم الشرعي.
الحكم القدري: هي الأمور القدرية فيقدر الله حياة فلان، ووفاة فلان، وصحة فلان، وهكذا المرض والغنى والفقر … الخ، هذا حكم قدري، وسواء رضيت أم لم ترض فحكمه نافذ، ولذلك أقدار الله تقع على الجميع المؤمن والكافر فيرضى المؤمن ويسلّم لربه جل وعلا ويسخط الكافر.
فأنت حينما تقول لله عز وجل ماض في حكمك يعني ما قضيت به من أمر قدري فهو نافذ وماض فيّ، وهذا أيضاً من الاستسلام لله، فمن تمام الاستسلام قال يا رب ودلالة عبوديتي لك أن أمرك فيّ نافذ ماض في حكمك، وهذا الأمر الذي ينفذ فيّ رغم قدرتك علي ورغم أنك تفعل بي ما تشاء إلا أنك عدل لا تظلم أحداً من عبادك شيئاً، عدل في قضاؤك فالله تعالى منزه عن الظلم، لأن من يظلم لماذا يظلم؟ يظلم ليأخذ حق غيره أو ينتقص من حق غيره.
فالحق جل جلاه غني عن ذلك لأن الظلم منقصة والنقص لا يليق بالله عز وجل ولذلك بين أنه لا يظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء: 40)،
وأمر الله عز وجل لا ينتج عن جهل أو تقارير من أعوان أو جند وحاشية ، كلا فإنه سبحانه هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأفعاله كلها حكمة، وقضاؤه فيه حكمة ، وليس فيه ظلم، وليس فيه جهل، وليس فيه هضم لحق أحد، فأنت تقول مستسلماً لله: ماض في حكمك عدل في قضاؤك، ولذلك الدعاء عند المصيبة عنوانه الاستسلام لله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، معناه إنا ملك لله أنا عبد لله أنا ملك لله يفعل الله فيّ ما يشاء، ومع هذا أنا في الدنيا وجودي مؤقت، ففي النهاية راجع إليه (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وأعلى درجات العبودية أن تعلم أن ما أراده الله عز وجل فيك خير مما أردته لنفسك، ومقام الاستسلام والرضا عن الله عز وجل مقام الصديقين، نسأل الله أن نكون منهم.
الحكم التكليفي: ما أمر الله به عباده: كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]
والأمر الشرعي قد يخالفه بعض عباده ويعصونه، فلا يعاجلهم بالعقوبة لأنهم في دار التكليف دار الاختبار الدنيا وليس دار الجزاء، وفي هذا إجابة عن السؤال المحير لبعض الناس لماذا يترك الله الظالم يظلم، والكافر يفعل كذا وكذا؟ تركه لأن هذه الدنيا دار التكليف، ولو كل واحد عصى عاقبه الله عز وجل عقابا فوريا فما فائدة الدنيا؟
فالدنيا دار اختبار وابتلاء، فالله تعالى يترك كل واحد يفعل ما يشاء، في إطار الحكمة الإلهية لا يخرج أحد عنها لكن الجميع سيجزى بما فعل، فتركه لهم ليس لأن هؤلاء الكفار أعجزوا الله أو أنهم الله تعالى لا يقدر أن يمنعهم، كلا فإنه سبحانه وتعالى يقدر أن يمنعهم، ويقدر أن يلعنهم، وأن يمقتهم، وأن يهلكهم، وأن يعاجلهم بالعقوبة، لكن الله من تمام عدله أنه يمهل يعطي مهلة وإنذاراً لكنه لا يهمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) رواه البخاري ومسلم
والإملاء هو الإمهال فيعطي الكافر والعاصي مهلة حتى إذا أخذه لم يفلته لا يخطئه عقاب الله عز وجل.
ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه قال، “عدل في قضاؤك”، أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه، أما الحكم فهو يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه، فإن كان حكما دينيا فهو ماض في العبد وإن كان كونيا فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه، فهو سبحانه يقضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء، ويقدر أمرا، ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي فله القضاء والإمضاء.
القاضي من البشر بعد التحقيق والأقوال والمرافعات والمحامين إلى أخره يقول حكمت المحكمة على فلان بالسجن كذا بالغرامة إلى آخره، هذا اسمه حكم؛ هل ينفذ هذا الحكم؟
هناك عدة احتمالات: هروب المتهم، أو استئناف الحكم، أو لا تقوم الشرطة بالقبض على المتهم كسلا أو فسادا، أو خوفا من سطوته، أو أن عائلته من العائلات الكبيرة النافذة، ومن الممكن الرئيس، أو الملك يصدر عفوا عن المجرم؛ فالقاضي يحكم فقط لكن نفاذ حكمه مسألة أخرى.
الله جل جلاله ليس كمثله شيء إذا حكم حكماً فهو نافذ، وهذا معنى ماضٍ في حكمك، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: 41] فلو أراد الله لفلان موتا سيموت لا يحول دون قضاء الله حائل لا كونه رئيس ولا وزير ولا غني من كبار القوم ولا سليل عائلة كذا كل هذا لا يمنع من تنفيذ حكم الله، وجنود الله لا يخشون حصوناً ولا قلاعاً ولا جنوداً ولا حرساً ولا حاشية ولا رتباً؛ فينفذ حكم الله وقضاؤه.
يقول ابن القيم رحمه الله: وقوله، “عدل في قضاؤك” يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه، من صحة وسقم وغنى وفقر ولذة وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك، قال تعالى، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [سورة الشورى: 30]، وقال، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ} [سورة الشورى: 48]، فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه.
“عدلٌ في قضاؤك” هذا من أعظم ما يرسّخ الرضا والطمأنينة في القلب، وهو يبين أن كل ما يقضيه الله على العبد فهو عدلٌ كامل من كل جهة، لا ظلم فيه بوجه من الوجوه، فهذه الكلمة لا تختص بنوع معين من الأقدار، بل تشمل كل ما يقع لك في حياتك: من الصحة والمرض، والغنى والفقر، والفرح والألم، والحياة والموت، والعقوبة والمغفرة؛ كل ذلك داخل في قوله: (عدل في قضاؤك).
ثم يوضح أن العبد قد يستشكل هذا، خصوصًا عند البلاء، فيظن أن بعض الأقدار فيها قسوة أو ظلم، فجاء ابن القيم ليقرر أصلًا عظيمًا: أن كل ما قضاه الله فهو عدل، حتى لو لم تفهم حكمته، ولهذا استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30).
أي أن كثيرًا من المصائب تكون بسبب ذنوب العبد، فليست ظلمًا من الله، بل هي جزاء عادل على عمله، ومع ذلك قال بعدها: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، أي أن الله لا يؤاخذ بكل الذنوب، بل يعفو عن أكثرها، فلو حاسبنا بعدله الكامل دون عفو لهلكنا.
ثم ذكر الآية الثانية: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (الشورى: 48).
وهذا تأكيد أن ما يصيب الإنسان من شدة أو سوء فهو بسبب ما قدمه من أعمال، لا بسبب ظلم من الله- تنزه سبحانه عن الظلم-
وهنا نقطة مهمة وهي: أنه ليس كل بلاء عقوبة فقط، بل البلاء قد يكون تكفيرًا للذنوب، أو رفعًا للدرجات، أو ابتلاءً لتمييز الصادق من غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه”.
فإذا فهمت هذا، تفهم معنى “عدل في قضاؤك” بشكل أعمق:
- إن كان البلاء بسبب ذنب فهذا عدل.
- وإن كان تكفيرًا أو رفعًا فهذا فضل ورحمة.
- وإن كان ابتلاءً فهذا لحكمة عظيمة.
ففي كل الحالات لا يوجد ظلم، ولهذا قال ابن القيم: “فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه”
يعني: لا يُعاقَب العبد إلا بما يستحق أو بما فيه مصلحته، ولا يُمنع من شيء إلا لحكمة، ولا يُعطى شيئًا إلا لحكمة، وهذا المعنى إذا استقر في القلب، يحدث تغييرًا كبيرًا جدًا:
أولًا: يزول الاعتراض على قضاء الله، لأنك تعلم أن ما أصابك ليس ظلمًا، بل عدل أو فضل.
ثانيًا: يهدأ القلب عند المصائب، لأنك تعلم أن الذي قضى عليك هذا هو الله الحكيم، وليس عبثًا.
ثالثًا: يدفعك إلى محاسبة نفسك، لأنك إذا أصابك شيء، تتفكر: هل هو بسبب ذنب؟ فتتوب.
رابعًا: يجعلك تحسن الظن بالله دائمًا؛ حتى في أصعب الظروف، لأنك تعلم أن قضاءه عدل.
ولهذا كانت هذه الجملة من أعظم ما يقال في وقت الهم: لأن أكثر ما يثقل القلب هو الشعور بأن ما يحدث لك غير عادل،
فإذا استقر في قلبك أن “قضاء الله كله عدل”، زال هذا الثقل، وجاء مكانه التسليم والطمأنينة.
وهذا لا يعني أنك لا تتألم، بل تتألم، لكن بدون اعتراض، وتحزن، لكن مع رضا، وتسعى للخروج من البلاء، لكن مع تسليم لحكمة الله.
وهذا هو مقام عظيم من مقامات الإيمان، الذي كان عليه الأنبياء والصالحون.
فكل ما يمضي على العبد فهو عدل فيه فثق تماماً أن كل شيء يقدره الله هو من عدل الله الذي مضى فيك، فاستسلم لأمر الله عز وجل سلم لربك سبحانه وتعالى، ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (لقمان: 22)، إسلام الوجه لله الاستسلام لله سبحانه وتعالى، وهذا من أعلى درجات العبودية.
الرد على القدرية والجبرية
يقول ابن القيم رحمه الله: فإن قيل، فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل في قضائها؟
فإن العدل في العقوبة عليها غير ظاهر، قيل، هذا سؤال له شأن، ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته، قالوا لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير والله له كل شيء فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلا، وقالت طائفة بل العدل أنه لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منها العقوبة على الذنب علم أنه ليس بقضائه وقدره، فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا وإما في الآخرة، وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل والقدر فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر، كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات فزعموا أنه لا يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات فصار توحيدهم تعطيلا وعدلهم تكذيبا بالقدر
هذا الموضع من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله دقيق جدًا، لأنه يعالج إشكالًا عظيمًا وقع فيه كثير من الناس، وهو: كيف نجمع بين القدر (أن كل شيء بقضاء الله) وبين العدل (أن الله لا يظلم أحدًا)؟ خصوصًا في مسألة المعاصي والعقوبة عليها.
بدأ ابن القيم بالإشكال فقال: إذا كانت المعصية بقضاء الله وقدره، فكيف يكون من العدل أن يُعاقَب العبد عليها؟ ظاهر السؤال يوهم التعارض بين العدل والقدر.
ثم ذكر أن الناس انقسموا إلى طائفتين، كل واحدة حاولت حل الإشكال بطريقة خاطئة:
الطائفة الأولى (وهم الجبرية) قالوا:العدل هو مجرد ما يفعله الله، ولا يُتصور أن يكون فيه ظلم أصلًا، لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، والله مالك كل شيء، فلا يمكن أن يكون فعله ظلمًا بأي حال.
فبالتالي: حتى لو عذّب من شاء، فذلك عدل بمجرد كونه فعله.
وهذه النظرة فيها مشكلة كبيرة، لأنهم جعلوا العدل مجرد تعريف شكلي، وألغوا المعنى الحقيقي للعدل الذي أخبر الله به عن نفسه، وهو أنه لا يظلم أحدًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (يونس: 44) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49) فهم بالغوا في إثبات القدر حتى اقتربوا من نفي مسؤولية العبد، وكأن العبد مجبور لا اختيار له، وهذا يؤدي إلى إبطال معنى التكليف والثواب والعقاب.
أما الطائفة الثانية (وهم القدرية) فقالوا بالعكس: حتى نثبت العدل، لا يمكن أن نقول إن المعاصي بقضاء الله وقدره، لأنهم رأوا أن هذا يؤدي إلى ظلم العبد بالعقوبة على شيء قُدِّر عليه، فقالوا: العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه، وليس الله هو الذي قدّره، فهؤلاء أرادوا إثبات العدل، لكنهم أنكروا القدر.
ولهذا قال ابن القيم: “فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل، ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر”
ثم شبّه هذا بخطأ آخر وقعوا فيه، وهو مسألة الصفات: كما أنهم لم يستطيعوا الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات، فظنوا أن إثبات الصفات ينافي التوحيد، فأنكروها،
كذلك هنا لم يستطيعوا الجمع بين العدل والقدر، فأنكروا القدر.
ولهذا قال: “فصار توحيدهم تعطيلا وعدلهم تكذيبا بالقدر” أي أن نتيجتهم كانت: في التوحيد: عطّلوا صفات الله، وفي العدل: كذّبوا بالقدر.
وهنا يأتي منهج أهل السنة الذي يقرره ابن القيم ضمنًا، وهو الجمع الصحيح:
يقول ابن القيم رحمه الله: وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين، والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ كتعذيب المطيع، ومن لا ذنب له، وهذا قد نزه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه كقوله تعالى، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة يونس: 44]، وهو سبحانه وإن أضل من شاء، وقضى بالمعصية والغي على من شاء، فذلك محض العدل فيه، لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كيف ومن أسمائه الحسنى العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق، وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتاب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية، والطاعة، بالأسماع، والأبصار، والعقول وهذا عدله، ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله.
مراد ابن القيم رحمه الله في هذا الكلام بيان مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر والعدل الإلهي، والرد على الطائفتين اللتين ضلّتا في هذا الباب (الجبرية والقدرية) فأهل السنة أثبتوا الأمرين جميعًا فقال: وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين:
- أن الله سبحانه خالق أفعال العباد وقدّرها وشاءها كونًا.
- وأنه سبحانه مع ذلك منزه عن الظلم والعبث، فلا يقع منه إلا ما هو قائم على الحكمة والعدل.
فلا تناقض عندهم بين عموم مشيئة الله وقدره، وبين كمال عدله وحكمته.
ثم فسر الظلم بقوله (والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه) يعني أن الظلم ليس مجرد التصرف، بل التصرف في غير موضعه اللائق، كأن يُعذَّب البريء الذي لا ذنب له، أو يُسوَّى بين المطيع والعاصي من غير حكمة، أو يُحرم المستحق بلا سبب، فهذا كله ظلم، والله منزه عن ذلك، ولهذا استشهد بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (سورة يونس: 44)، فالله سبحانه نفى عن نفسه الظلم نفيًا عامًا، وأثبت أن العباد هم الذين يجنون على أنفسهم بالكفر والمعصية والإعراض، فيكون ما ينزل بهم من العقوبة جزاءً عدلًا لا ظلمًا.
ثم يأتي الموضع الذي قد يشكل على كثير من الناس، وهو قوله (وهو سبحانه وإن أضل من شاء، وقضى بالمعصية والغيّ على من شاء، فذلك محض العدل فيه)
ومعناه أن الله سبحانه قد يخذل بعض العباد فلا يوفقهم للهداية، ويتركهم في ضلالهم، ويقضي عليهم كونًا بما يقع منهم من المعصية والغي، لكن هذا ليس ظلمًا منه سبحانه، لأن هذا الإضلال ليس واقعًا على من يستحق الهداية الكاملة مع صدقه وإقباله ثم يُحرمها ظلمًا، وإنما يقع في موضعه اللائق بمن أعرض، واستكبر، وفسد قصده، ولم يرد الحق، أو لم يكن أهلًا لفضل الله الخاص، فابن القيم يقول: (لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به) أي أن الله لا يضل أحدًا عبثًا، ولا يخذلك وأنت قائم بحق الهداية طالب لها صادق فيها، وإنما يخذل من علم سبحانه أنه ليس أهلًا للتوفيق، إما لفساد قلبه، أو لإعراضه، أو لكبره، أو لظلمه، ولهذا قال الله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (سورة الصف: 5)، فبيّن أن الزيغ الأول منهم، فجاءت الإزاغة الثانية عقوبة وعدلًا، وقال سبحانه: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (سورة الأنعام: 110)، فدلّ على أن الحرمان اللاحق كان بسبب إعراض سابق.
ثم قوله (كيف ومن أسمائه الحسنى العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق)[4]
يريد به أن الله هو العدل، وأفعاله كلها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، فلا يخرج شيء من قضائه عن ذلك. ومعنى (سداد وصواب وحق) أي مستقيم، موافق للحكمة، ليس فيه عبث ولا جور ولا نقص.
ثم فصّل ابن القيم كيف يظهر عدل الله في معاملة العباد فقال: (وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتاب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول وهذا عدله)
وهذه الجملة تبين أن الله لم يخلق العباد ثم يعذبهم بلا بيان، بل أقام عليهم الحجة من كل وجه: فبيّن طريق الخير وطريق الشر، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأعطاهم السمع الذي يسمعون به الحق، والبصر الذي يبصرون به الآيات، والعقل الذي يميزون به، وأقدرهم على أصل الفعل والترك، فهذا كله من تمام عدله. ومعنى (أزاح العلل) أي أزال الأعذار التي قد يحتج بها المحتج، فلم يترك الناس في ظلمة وجهل محض، بل عرّفهم، ونبّههم، ودعاهم، ومكّنهم من أصل الاستجابة، فمن هلك بعد ذلك فإنما يهلك بعد قيام الحجة. قال الله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (سورة النساء: 165)، وقال سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (سورة البلد: 10)، أي بيّنا له طريقي الخير والشر.
ثم قال ابن القيم: (ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله) وهنا يفرّق بين العدل والفضل، فالله إذا أعطاك أصل القدرة والسمع والبصر والبيان وإقامة الحجة فهذا من عدله، أما إذا فتح قلبك فتحًا زائدًا، وأحبب إليك الإيمان، ويسر لك الطاعة، وصرف عنك موانع الشر، وأعانك على نفسك، وشرح صدرك للهدى، فهذا ليس مجرد عدل، بل هذا فضل زائد ومنحة خاصة. ولهذا الهداية نوعان:
- هداية عامة هي البيان والدلالة وإقامة الحجة، وهذه تشمل الناس من حيث الأصل.
- وهداية خاصة هي التوفيق والإلهام وتليين القلب للحق، وهذه فضل محض من الله، يعطيها من يشاء بحكمته. قال الله تعالى: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (سورة الحجرات: 7)، وهذا من التوفيق الخاص، وقال سبحانه: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) (سورة النور: 35).
ثم قال: (وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلى بينه وبين نفسه) ومعناه أن بعض الناس لا يعان هذه الإعانة الخاصة، بل يترك إلى نفسه وهواه وشهوته وضعف عقله، وهذا هو الخذلان، أي أن الله لا يمده بألطاف التوفيق الخاصة، فيبقى العبد مع نفسه، ومن وُكِل إلى نفسه هلك، لأن النفس ظالمة جاهلة ميالة للهوى. لكن هذا الخذلان ليس ظلمًا، لأن الله لم يمنع عنه حقًا واجبًا له، وإنما منعه فضلًا ليس لازمًا لكل أحد، وأبقى له ما تقتضيه العدالة من البيان والقدرة وإقامة الحجة.
ولهذا ختم بقوله: (ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله) أي أن الله إذا لم يعط العبد التوفيق الخاص، فإنه يكون قد منع عنه الفضل، لا أنه ظلمه أو حرمه ما يجب له؛ فالعدل شيء، والفضل شيء آخر.
- العدل ألا تعاقب إلا على ذنب، وأن تقوم عليك الحجة، وأن تُعطى من الآلات والتمكين ما به يصح التكليف، وهذا حاصل.
- وأما الفضل فهو الزيادة على ذلك، من شرح الصدر، وحب الطاعة، وسهولة الخير، وقوة الإرادة، وثبات القلب، فهذا ليس حقًا لازمًا لكل أحد، بل هو عطية ربانية. فمن أُعطيه فهذا فضل الله، ومن مُنعه لم يكن مظلومًا، لأنه لم يُمنع حقًا واجبًا، بل مُنع أمرًا زائدًا ليس مستحقًا بذاته.
حكمة الإضلال والخذلان
يقول ابن القيم رحمه الله: وهذا نوعان، أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه وإيثار عدوه في الطاعة والموافقة عليه وتناسي ذكره وشكره فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه، والثاني أن لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، ولا يشكره عليها، ولا يثني عليه بها ،ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله، قال تعالى، {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [سورة الأنعام: 53]، وقال، {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [سورة الأنفال: 23]، فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما إذا قضى على الحية بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وإن كان مخلوقا على هذه الصفة.
والمقصود أن قوله صلى الله عليه وسلم “ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك” رد على الطائفتين، القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله في عبده، والجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله “عدل فيّ قضاؤك”.
مراد ابن القيم رحمه الله في هذا الكلام أن يبين أن هداية العبد وضلاله كلاهما داخلان تحت حكم الله وقضائه، لكن على وجه العدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه، وأن الخذلان والإضلال ليسا شيئًا يقع عبثًا ولا ظلمًا ولا اعتداءً على حق أحد، بل يقعان بحكمة بالغة يعلمها الله سبحانه، ولهذا فرّق بين نوعين من الخذلان والإضلال حتى يفهم العبد أن الأمر ليس كما تقوله طائفة تنفي القدر، ولا كما تقوله طائفة تسلب العبد اختياره ومسؤوليته.
فأما النوع الأول الذي ذكره فهو أن يكون الخذلان والإضلال جزاءً من الله للعبد على إعراضه عنه، وهذا معناه أن العبد يبدأ أولًا بالانصراف عن ربه، ويؤثر عدوه عليه، ويتبع الشيطان والهوى، ويترك ذكر الله وشكره وطاعته، فإذا فعل ذلك استحق أن يعاقبه الله بأن يحرمه التوفيق ويتركه ونفسه، فلا يمده بأسباب الهداية، ولا يشرح صدره للحق، ولا يعينه على الخير، فيكون ضلاله هنا جزاءً على عمل سابق منه، وهذا من تمام العدل، لأن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سورة الصف الآية 5، فبيّن سبحانه أن الزيغ الأول منهم، ثم كان الإزاغة من الله جزاءً لهم على ذلك، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة الأنعام الآية 110]، فدل على أن حرمانهم بعد ذلك من الهداية كان بسبب ردهم الحق أول مرة، فهذا النوع واضح جدًا في العدل، لأن العبد هو الذي قدّم سبب الحرمان بيده، فلما اختار العمى على الهدى، وعشق الباطل، وأعرض عن الذكر، وخالف أمر الله، عوقب بأن خذله الله، كما قال سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [سورة البقرة الآية 10] ، فالمرض الأول في قلوبهم بسبب نفاقهم وكذبهم وإعراضهم، ثم كانت الزيادة عقوبة وعدلًا من الله تعالى.
وأما النوع الثاني فهو أن الله لا يشاء الهداية لبعض الخلق ابتداءً، لا لأنه ظلمهم، بل لأنه يعلم منهم أنهم ليسوا أهلًا لهذه النعمة، ولا يعرفون قدرها، ولا يشكرون الله عليها، ولا يحبونه، ولا يثنون عليه بها، فمحلّ قلوبهم غير صالح للهداية، والنعمة إذا وُضعت في غير محلها لم تكن حكمة، والله سبحانه حكيم يضع فضله حيث يعلم أنه يليق، ويمنعه عمن يعلم أنه لا يصلح له، ولذلك استدل ابن القيم بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية 53] فمعنى الآية أن الله يعلم من الذي يشكر نعمة الهداية ويعرف قدرها، فليس كل أحد يصلح لها، وليس كل قلب أهلًا لأن يحمل نورها، ولهذا قال سبحانه أيضًا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ سورة الأنفال الآية 23، فبيّن أن انتفاء الخير من قلوبهم هو السبب في عدم إسماعهم إسماع انتفاع وهداية، ولو وقع هذا الإسماع مع فساد باطنهم وإعراضهم لما قبلوه، بل لتولوا وهم معرضون، فليس الأمر أن الله منعهم شيئًا هم أهل له ثم ظلمهم، بل الأمر أنه علم سبحانه خلو قلوبهم من القابلية الصادقة للخير، فلم يشأ لهم هذه النعمة، وهذا أيضًا من تمام حكمته وعدله.
ومراد ابن القيم بقوله إنهم لا يعرفون قدر نعمة الهداية ولا يشكرونه عليها، أن الهداية ليست مجرد معلومة تُلقى في الذهن، بل هي نعمة عظيمة تحتاج إلى قلب حي يحب الحق، ويقبل على الله، ويتواضع له، ويعرف فضل ربه، أما القلب المعاند المستكبر المحب لشهوته وهواه، فإن وضع الهداية فيه ليس من الحكمة، لأن هذا القلب لا يزداد بها إلا حجة عليه، ولهذا ترى أن كثيرًا من الناس يسمع الحق واضحًا بيّنًا ثم يرده لا لخفائه، بل لكبر في نفسه، أو حسد، أو تعلق بالدنيا، أو خوف على جاهه، أو حب لمعصيته، فمثل هذا إذا حُرم التوفيق لم يكن مظلومًا، لأنه هو الذي سد على نفسه أبواب الرحمة.
ولهذا ضرب ابن القيم مثلًا بالحيات والعقارب والكلب العقور، وليس مراده تشبيه الناس بها من كل وجه.
وإنما أراد تقريب معنى العدل، أي أن الله إذا قضى على شيء بما يناسب حقيقته ووصفه كان ذلك عدلًا، فالحية والعقرب لما كان منهما الأذى والفساد كان قتلهما عدلًا، لا ظلمًا، لأن الحكم وقع على وفق الوصف المناسب، فكذلك النفوس الخبيثة المعرضة المعاندة التي لا تريد الهدى ولا تقبل الحق ولا تشكر النعمة إذا قُضي عليها بالضلال والمعصية والخذلان كان ذلك عدلًا، لأنه وقع موافقًا لما علمه الله فيها من خبث المحل وعدم صلاحيته للهدى.
وهذا الموضع يحتاج إلى فهم دقيق حتى لا يزل فيه العبد، فإن بعض الناس إذا سمع هذا ظن أن العبد لا حيلة له أصلًا، وهذا غلط، لأن ابن القيم لا يقول إن العبد مجبور على الضلال من غير سبب منه، بل يقرر أن الله يعلم ما في القلوب، ويعامل العباد بعدله وحكمته، فمن أقبل على الله وصدق في طلبه وسأله الهداية وحرص على الحق هداه الله ووفقه وفتح عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [سورة محمد الآية 17] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية 69]
فالهداية لها أسباب، والله يخلق في العبد إرادة الخير ويعينه إذا علم منه صدق الطلب، وأما من أحب العمى على الهدى وآثر الدنيا على الآخرة، وأعرض عن الذكر، واستكبر عن الحق، فإنه يعاقب بحرمان التوفيق.
ومن هنا يظهر لك معنى الخذلان عند أهل السنة، فهو ليس مجرد أن يخلق الله في العبد المعصية ثم يحاسبه بلا سبب، بل هو أن يتركه الله ونفسه، ويرفع عنه أسباب العون، ويحجبه عن التوفيق، فيبقى يتخبط في ظلمات نفسه وهواه وشيطانه، وهذا أشد العقوبة.
ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه الثبات والهداية، لأن العبد يعلم أن قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأنه لا نجاة له إلا بأن لا يكله الله إلى نفسه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» رواه الترمذي وصححه الألباني.
فهذا يدل على أن المؤمن يخاف من الخذلان، ويعلم أن الثبات محض فضل من الله، لكنه في الوقت نفسه مأمور بالأخذ بالأسباب، من الدعاء والصدق والطاعة ومجاهدة النفس.
فالخلاصة من كلام ابن القيم أن العبد لا يخرج عن أمرين:
إما عدل من الله، وإما فضل من الله، ولا يخرج أبدًا إلى ظلم من الله. فإن أطاع واهتدى فذلك بفضل الله أولًا وآخرًا، وإن عوقب على ذنبه فذلك بعدل الله، وإن حُرم التوفيق الخاص فليس هذا ظلمًا، لأنه لم يُمنع إلا فضلًا، بعد أن أُعطي من البيان والتمكين وإقامة الحجة ما تقوم به العدالة، ولهذا كان أهل السنة يقولون: الله سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء من جهة الاستحقاق على وجه الإلزام، لكنه أخبر عن نفسه بالرحمة والعدل، ووعد فأوفى، ونهى وحذّر، وأقام الحجة، فلا يظلم مثقال ذرة.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (سورة النساء: 40)، وقال سبحانه: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (سورة فصلت: 46).
ومن المهم جدًا أن تفهم أن هذا الكلام لا يعني أن العبد مجبور جبرًا يسقط عنه اللوم، ولا يعني أيضًا أنه مستقل عن مشيئة الله، بل أهل السنة وسط بين الطرفين، فيقولون: العبد له مشيئة حقيقية، وإرادة حقيقية، وفعل حقيقي، ولذلك يصح أمره ونهيه وثوابه وعقابه، لكن مشيئته وفعلَه داخلان تحت مشيئة الله وخلقه.
قال الله تعالى: (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (سورة التكوير: 28-29). فأثبت للعبد مشيئة بقوله (لمن شاء منكم أن يستقيم)، ثم بيّن أنها تابعة لمشيئة الله بقوله (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين). فليس العبد مجبورًا كالميت، وليس مستقلًا عن ربه، بل هو فاعل حقيقة تحت سلطان الله وقدره.
وكلام ابن القيم أيضًا يربي القلب على أمرين عظيمين:
الأول: ألا يتهم العبد ربه في قضائه، بل يوقن أن كل ما يفعله الله عدل وحكمة، وإن خفيت التفاصيل على العبد.
والثاني أن يلجأ العبد إلى الله دائمًا بطلب الهداية والتوفيق، لأنه إذا فهم أن التوفيق فضل خاص، علم أنه لا نجاة له إلا بربه، فلا يغتر بعقله ولا بعمله، بل يكثر من الدعاء: اللهم اهدني، اللهم ثبتني، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
فمن فهم هذا الكلام حق الفهم جمع بين تعظيم عدل الله، والافتقار إلى فضل الله، والخوف من الخذلان، وحسن الظن بالله، وعدم الاعتراض على القدر.
التوسل بأسماء الله الحسنى
وقوله “أسألك بكل اسم هو لك” إلى آخره توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم، وهذه أحب الوسائل إليه فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه.
وقوله، “أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري” الربيع هو المطر الذي يحيي به الأرض، شبه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق؛ كما جمع بينهما سبحانه في قوله، {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} [سورة الرعد: 17]، وقوله، {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [سورة البقرة: 17]، ثم قال، {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [سورة البقرة: 19]، وفي قوله، {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة النور: 35]، ثم قال، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [سورة النور: 43]، فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور، قال تعالى، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [سورة الأنعام: 122]
قوله: (أسألك بكل اسم هو لك) ثم شرع في الدعاء بعد إظهار غاية التذلل والخضوع لربه تعالى، وهذا من أدب السائلين، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال ولا سيما إذا كان المسؤول كريماً، ومن أكرم من اللَّه تبارك وتعالى، فإذا تضرع إليه عبده، وتذلل له، وأظهر الخضوع والخشوع ثم سأل حاجة كان ذلك أرجى في القبول على ما هو اللائق لكرمه وجوده.
والمعنى: أتوسّل إليك بكل اسم من أسمائك الحسنى، وهذا هو أعظم أنواع التوسّل إلى اللَّه تعالى بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] ، فصار هذا التوسل جامعا لكل الأسماء، وما دامت أسماء الله كلها دالة على كماله وجلاله وجماله ورحمته وعلمه وقدرته وحكمته وعدله ولطفه، فإن التوسل بها يكون توسلا إلى الله بكماله كله، ولهذا قال ابن القيم إن هذه أحب الوسائل إليه، لأن فيها توسلا بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه، ومعنى هذا أن أسماء الله ليست ألفاظا مجردة، بل كل اسم منها يتضمن صفة كمال، فاسم الرحيم يتضمن الرحمة، واسم الغفور يتضمن المغفرة، واسم العليم يتضمن العلم، واسم الحكيم يتضمن الحكمة، واسم الرزاق يتضمن الرزق، فحين يتوسل العبد إلى الله بجميع أسمائه فكأنه يتوسل إليه بجميع صفات الكمال الثابتة له، وبما يترتب على هذه الصفات من أفعال عظيمة يفعلها سبحانه في خلقه من رحمة ومغفرة وهداية ونصر وتفريج وكفاية وعطاء ومنع وعدل وحكمة.
وهذا يدل أيضا على كمال افتقار العبد، لأنه يعلم أنه لا مخرج له من ضيق النفس ولا من حزن القلب ولا من هم الدنيا إلا بالله، فيجمع في دعائه بين فقره هو وبين كمال ربه، فيكون هذا أبلغ في الذل والانكسار والتعظيم.
قوله: (سمَّيت به نفسك): أي اخترته لنفسك الذي يليق بكمالك وجلالك.
قوله: (أو أنزلته في كتابك): الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب المنزلة على رسل الله.
قوله: (أو علمته أحداً من خلقك): من الأنبياء والملائكة، ومنهم نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشفاعة الطويل الذي يقول فيه: (فأخر له ساجدا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي، وليس يحمده بها أحد بعدي)
قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك): أي خصصت به نفسك في علم الغيب، فلم يطّلع عليه أحد، وهذا يزيد القلب تعظيما لله، لأن العبد مهما تعلم من أسماء ربه وصفاته فما خفي عليه أكثر، وكمال الله أعظم من أن يحيط به الخلق.
وهذا كلّه تقسيم لقوله: (بكل اسم هو لك)، وهذا يدلّ على أن أسماءه تعالى الحسنى غير محصورة في عدد معين، فجعل أسماءه تعالى ثلاثة أقسام:
- قسم سمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من أنبيائه ورسوله، وملائكته أو غيرهم، ولم يُنزله في كتابه.
- وقسم أنزله في كتابه، فتعرَّف به إلى عباده.
- وقسم استأثر به في علم الغيب عنده لا يطّلع عليه أحد.
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين:
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:” إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك؛ إذاً فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة
فتضمّن هذا الدعاء المبارك التوسّل إليه تعالى بأسمائه الحسنى كلّها، ما علم العبد منها، وما لم يعلم، والعلم بأسماء اللَّه وصفاته أصل لكل العلوم؛ لأنه كُلَّما كان عظيم العلم والمعرفة باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته زادت خشية العبد لربه، وعظمت مراقبته وعبوديته له جلّ وعلا، وازداد بُعداً عن الوقوع في سخطه ومعصيته؛ ولهذا كان أعظم ما يطرد الهمّ والحزن والغمّ أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأن يعمر قلبه بذكرها، والثناء بها عليه، واستحضار معانيها، فبعد أن قدَّم جملاً من الإقرار بالتذلل والخضوع له تعالى، والإيمان بكمال حكمه وقضائه وعدله، ثم توسل إليه بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، فجمع ثلاثة أنواع من التوسّلات الجليلة مقدمة بين يدي دعائه دلالة على أهمية هذه الوسائل في إعطاء ما يسأله العبد ربه.
قوله: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي) الربيع في أصل كلام العرب يطلق على المطر الذي تحيا به الأرض بعد موتها، فإذا نزل الغيث على الأرض اليابسة اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بالمطر الذي به حياة الأرض، لأن القلوب كذلك قد تموت بالقسوة والغفلة والشهوة والشبهة والبعد عن الله، فإذا نزل عليها القرآن تلاوة وفهما وتدبرا وعملا أحياها الله به، فيعود القلب بعد مواته حيا، وبعد قسوته لينا، وبعد غفلته يقظا، وبعد ضلاله مهتديا، وبعد وحشته مطمئنا.
فمعنى “ربيع قلبي” أي اجعل القرآن هو المادة التي تحيا بها نفسي وقلبي، كما تحيا الأرض بالمطر، وهذا المعنى نفسه قرره القرآن في مواضع كثيرة، فإن الله سبحانه شبه الوحي بالماء النازل من السماء، لأن الماء سبب حياة الأبدان والأرض، والوحي سبب حياة الأرواح والقلوب، قال تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ [سورة الرعد الآية 17] ففي هذه الآية مثل للهدى والوحي، حيث ينزل من عند الله كما ينزل الماء، ثم تختلف القلوب في قبولها كما تختلف الأودية في حمل الماء، فكل قلب يأخذ من الوحي بقدر سعته واستعداده، فالقلب الكبير الحي يأخذ من القرآن علما وخشية ويقينا وعملا، والقلب الضعيف لا يأخذ إلا قليلا، والقلب الميت لا ينتفع به أصلا.
ثم إن ابن القيم قال: وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق
قوله: (ونور صدري) معناه اجعل القرآن ضياء لصدري، يكشف ظلمات الجهل والشك والوساوس والحيرة والشهوات، لأن الصدر إذا امتلأ بالنور اتضح له الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال، وسهل عليه السير إلى الله، بخلاف من يعيش في ظلمة الشبهة أو ظلمة الشهوة، فإنه وإن تحرك فإنه يتحرك بلا بصيرة.
وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ [سورة النور الآية 35]، ثم ذكر بعد ذلك من آياته في هذا الباب قوله سبحانه: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا﴾ [سورة النور الآية 43]، فجمع في هذه السورة بين النور الذي تراه الأبصار، وبين الماء الذي تحيا به الأرض.
وكأن ابن القيم يريد أن يقول: هذا الاجتماع نفسه موجود في القرآن، فهو ماء القلوب ونورها، فهو الذي يحييها وهو الذي يبصرها، وقال الله تعالى أيضا في بيان الفرق بين أهل الإيمان وأهل الكفر: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [سورة الأنعام الآية 122] فهذه الآية ذكر فيها أمرين: الإحياء ثم النور، فالميت المقصود هنا ميت القلب، لا ميت البدن، فأحييناه بالهداية والإيمان والوحي، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، أي صار بعد ذلك يبصر الطريق ويسير على هدى، فاجتمع له أمران: الحياة والنور، وهذا هو عين ما تضمنه الدعاء “ربيع قلبي ونور صدري”، فلو أحيي القلب بلا نور لكان عنده حركة وحياة لكن لا يدري أين يتجه، ولو وجد نور بلا حياة لم ينتفع، أما إذا اجتمعت الحياة والنور تم للعبد سعادته.
سر تخصيص القلب بالربيع، وتخصيص الصدر بالنور
يقول ابن القيم: ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه، ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها، ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك.
الصدر أوسع من القلب، فإذا امتلأ الصدر بالنور سرى ذلك إلى القلب، لأن القلب داخل الصدر، فإذا نال الأوسع النور وصل أثر ذلك إلى ما هو أخص منه، فقول الداعي “نور صدري” فيه طلب أن يعم نور القرآن موضع الانشراح والإدراك والقبول واليقين، فيفيض هذا على القلب، وأما الحياة فمادتها في الأصل القلب، لأن القلب هو أصل حياة البدن المعنوية، فإذا حي القلب سرى أثر حياته إلى الصدر ثم إلى الجوارح كلها، ولهذا كانت الجوارح تفسد بفساد القلب وتصلح بصلاحه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” متفق عليه.
فالقلب هو الأصل، ومنه تسري حياة الطاعة والخشية واليقين إلى سائر الأعضاء، فإذا طلب العبد أن يكون القرآن ربيع قلبه فقد طلب أصل الحياة، وإذا طلب أن يكون نور صدره فقد طلب تمام الإشراق والانفساح والطمأنينة والبصيرة.
قوله: (وجلاء حزني، وذهاب همّي): الجلاء هو: الانكشاف، أي انكشاف حزني وهمّي؛ لأن القرآن شفاء، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] و ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44]
فسأل العبد ربه أن يكون القرآن سببا لذهاب الحزن والهم والغم، لأن هذه الآفات الثلاثة تضاد حياة القلب واستنارته، فالقلب إذا ضعف نوره وحياته تكاثرت عليه الأحزان والهموم والغموم، وأصبح أسير الماضي أو المستقبل أو الحاضر المؤلم، وأي شيءٍ يقف أمام هذا الكلام العظيم، فالقرآن الذي هو أفضل الذكر، كاشف للحزن، ومُذهب للهمّ لمن يتلوه بالليل والنهار بتدبّر وتفكّر، فليس شيء مثله مُذهب للأوهام والأحزان، والأمراض النفسية العصرية، وفيه من نعيم القلب، وأنسه، ولذّاته، وراحته ما لا يوصف، وعلى قدر تحصيل العبد لكتاب اللَّه تعالى: تلاوةً، وحفظاً، وفهماً، ومدارسةً، وعملاً ينال من السعادة والراحة والطمأنينة والعافية في البدن والنفس ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى.
قال ابن القيم والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن وإن كان من مستقبل أحدث الهم وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم.
هنا يوضح ابن القيم أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان متعلقا بالماضي أورث الحزن، لأن الحزن يكون على ما فات، أو وقع وانقضى، كمن يتحسر على ذنب مضى أو فرصة ضاعت أو مصيبة نزلت، وإن كان المكروه متعلقا بالمستقبل أورث الهم، لأن الهم انشغال القلب بما يتوقعه ويخافه قبل وقوعه، كمن يظل قلقا مما سيأتي عليه من رزق أو مرض أو فشل أو موت أو خسارة، وإن كان المكروه متعلقا بالحال الحاضر أورث الغم، لأن الغم هو الضيق الذي يجثم على النفس بسبب أمر واقع مباشر يثقلها في اللحظة نفسها؛ فهذه الثلاثة تشتت القلب، وتضعف سيره إلى الله، وتكدر عليه معيشته، ولذلك كان هذا الدعاء من أعظم ما يستدفع به البلاء النفسي والقلبي، لأنه لا يعالج العرض فقط، بل يعالج الأصل، إذ يحيي القلب ويملؤه نورا، فإذا حي القلب بنور القرآن وضعفت سلطان الأحزان والهموم والغموم عليه.
فالحاصل أن ابن القيم رحمه الله أراد أن يبين أن قوله “أسألك بكل اسم هو لك” يتضمن أكمل أنواع التوسل، لأنه توسل إلى الله بجميع أسمائه الحسنى، وهي متضمنة لجميع صفاته العليا وأفعاله الحكيمة.
وأن قوله “أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري” يتضمن طلب أعظم ما يحتاجه العبد، وهو أن يحيي الله قلبه بالقرآن كما يحيي الأرض بالمطر، وأن يملأ صدره بنوره حتى يبصر الحق ويسير عليه، وأن اجتماع الحياة والنور هو سر السعادة والهداية، وأن من ثمرات ذلك أن يذهب الله بالقرآن حزنه وهمه وغمه ذهابا راسخا، لأن القرآن إذا أصلح القلب من داخله كان الشفاء به أعمق وأثبت من كل سبب دنيوي يزول بزواله.
ولعلّنا بعد أن رأينا عظمة معاني هذا الدعاء المبارك، وما تضمّن من مقاصد ومعانٍ جليلة، علمنا معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن )
[1] أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (3712) وابن حبان في صحيحه برقم (972) والحاكم في المستدرك وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
[2] أخرجه الإمام أحمد في المسند (3712) وابن حبان في صحيحه (972) والحاكم في المستدرك، وصححه الإمام الألباني في السلسلة الصحيحة.
[3] فائدة: ماذا تقول المرأة في هذا الدعاء؟ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة سمعت في الحديث: (اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك) إلى آخره فداومت على هذا اللفظ، فقيل لها: قولي: اللهم إني أمتك بنت أمتك إلى آخره. فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هي مصيبة أم لا؟ فأجاب: “بل ينبغي لها أن تقول: اللهم إني أمتك، بنت عبدك، ابن أمتك، فهو أولى وأحسن وإن كان قولها: عبدك ابن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج [يعني: أن لفظ الزوج يطلق على الذكر والأنثى] والله أعلم” انتهى” مجموع فتاوى ابن تيمية” (2/ 177) وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن كيفية دعاء المرأة بهذا الدعاء اللهم إني عبدك ابن عبدك هل تقول المرأة في دعائها وأنا عبدك وابن عبدك، أو تقول وأنا أمتك ابن عبدك أو بنت عبدك؟ فأجاب رحمه الله: الأمر واسع إن شاء الله، إذا قالت ما جاء في الحديث فلا بأس، وإن قالت الصيغة المعروفة: اللهم إني أمتك وابنة عبدك فلا بأس كله طيب.
[4] فائدة: هل العدل من أسماء الله تعالى؟ اسم (العدل) لم يرد إطلاقه اسما لله تعالى في القرآن ولم يصح به حديث، ولكن ورد في حديث عد الأسماء المشهور الذي رواه الترمذي وغيره، وقد تكلم العلماء في هذا الحديث وضعفوا رفع هذا العد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن عد أسماء الله تعالى في الحديث- إدراج من بعض الرواة.
لكن ورد العدل مقيداً بكونه وصفاً لكلمات الله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115] ولم يرد إطلاقه اسماً على الله تعالى في نص صحيح، فالثابت الصحيح أنه قد ثبت وصفه سبحانه بالعدل في أفعاله، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، في شأن الذي اعترض على قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَقَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) رواه البخاري ومسلم
بل إن ابن القيم رحمه الله قال في القصيدة النونية: والعدْلُ من أوصافهِ في فعلهِ ومقالِهِ والحكم في الميزانِ
ومعنى صفة العدل: هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، فهو سبحانه لا يحكم إلا بالحق، ولا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا الحق؛ فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلا؛ فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة.