تفسير سورة ق
10- قوله تعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد …)

ما زلنا نعيش في رحاب سورة ق، هذه السورة المباركة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من تلاوتها على المنبر، وقد تطرقنا للعديد من قضايا العقيدة في هذه السورة المباركة، وتوقفنا عند الحديث عن القيامة الصغرى حينما يموت الإنسان، ومن مات قامت قيامته، ثم الحديث عن القيامة الكبرى ونهاية هذا الكون؛ عندما يأمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن ينفخ في الصور، فحينئذ يبعث من في السماوات ومن في الأرض، كما قال الله عز وجل: ثم يأمره فينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وقد ذكرنا هذا بالتفصيل في الخطبة الماضية.
القيامة رأي عين:
القرآن الكريم فيه خاصية لن تجدها في كثير من الكتب التي نقرؤها، لأن هذا كتاب يحرك القلوب، كتاب من رب العالمين جل جلاله الذي خلق الإنسان ويعلم ظاهره وباطنه؛ فهو حينما يتكلم عن مشهد من مشاهد يوم القيامة لا يجعلك قارئا أو مشاهدا للحدث، إنما يجعلك مشاركا داخل الحدث، أنت أيها الإنسان تقرأ الآن هذه الآيات وتعيشها وكأنها رأي عين، ولذلك أتعمد في تفسيرنا لهذه الآيات أن أتوقف وقفات بينة واضحة حتى نستوعب كل آية من آيات السورة.
وقدعشنا في الأسبوع الماضي كيف يكون النفخ في الصور، وكيف يفزع الخلائق ثم يصعقون ويموتون، لتتم كلمة الله عز وجل: (كل شيء هالك إلا وجهه)[سورة القصص الآية 88.]، ثم كيف يبعثون من قبورهم سراعا كأنهم جراد منتشر.
وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد
يقول الحق سبحانه وتعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد.)[سورة ق : 21،22] جاءت كل نفس، هل هي نفس البر والفاجر؟ نعم، كل نفس خلقها الله معها سائق يسوقها إلى الله، وشهيد من الملائكة يشهد بما عملت.
وبعض العلماء قالوا: إن السياق هنا يتحدث عن المشركين الذين كانوا ينكرون البعث، ولذلك قال بعدها: ( ذلك يوم الوعيد)، فالمؤمنون يكرمون بأنهم يساقون إلى الجنة وفدا كراما، قال تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا)[سورة مريم الآية 85]
أما المجرمون فإنهم يساقون إلى جهنم دفعا بغلظة، قال تعالى: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا)[سورة الطور الآية 13]
فمن العلماء من قال هذه الآية للبر والفاجر، ومنهم من خصها بالكافر الذي كان ينكر البعث.
وجاءت كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله، وشهيد يشهد على ما عملت.
هذا الشهيد من الملائكة، هل هو القرين من الملائكة كما سنذكر في الخطبة المقبلة إن شاء الله، أم هو أحد الكتبة، أو هو ملك مخصص لهذا المشهد؟ كلها تفسيرات قالها العلماء.
لقد كنت، أي في الدنيا، في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، مثل الغفلة وكأنها غطاء على العين بحيث إن الكافر لا يرى أن بعد الموت حياة أخرى، وبعد الدنيا دارا آخرة وحسابا وجزاء، يجازي الله الناس على أعمالهم، فهو في غطاء لا يرى شيئا.
كشف الآن الغطاء، ما كان غيبا صار رأي عين، تراه بعينك الآن، ترى جميع الخلق إنسا وجنا وملائكة، الآن أنت في أرض المحشر، يساق العباد إلى الله.( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك)
ومعنى (فبصرك اليوم حديد)، البصر الحديد هو البصرالقوي النافذ، يعني لم يعد هناك سبب من أسباب الضعف أو الإنكار، أو أن هذا الغيب هو الآن حق يقين ورأي عين.
عدل الله يوم القيامة
والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وهو سبحانه قادر على أن يحاسب العباد جميعا، وهو يعلم من المحسن ومن المسيء، من المؤمن ومن الكافر، لكنه جل في علاه يريد أن يقيم العدل التام بين عباده يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، قال تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما)[سورة النساء الآية 40] فالله تعالى يعقد الحساب يوم القيامة لإقامة عدله، وإقامة الحجة على العباد.
والشهود يوم القيامة خمسة:
- فأول شاهد هو الله رب العالمين.
- ثم الملائكة الكتبة الذين يسجلون أعمال العباد.
- ثم الرسل الكرام.
- ثم الأرض ومعالم الأرض.
- ثم الجوارح.
هؤلاء هم الأشهاد يشهدون يوم القيامة لإقامة عدل الله جل وعلا على جميع الخلق، فلا يبقى لذي عذر عذرا.
الشاهد الأول الله سبحانه وتعالى
أول شاهد هو الله، وهوخير الشاهدين، وكفى بالله شهيدا، سبحانه جل شأنه، والله سبحانه وتعالى من أسمائه العليم الذي يعلم كل شيء، علمه محيط بكل شيء، وهو خبير يعلم بواطن الأمور وخفاياها، وهو شهيد يعلم ظواهرها، يسمع ويرى، لا يخفى عليه شيء، جل جلاله.
قال تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)[سورة آل عمران الآية 5]
الله سبحانه وتعالى قال عن المنافقين: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول)[سورة النساء الآية 108]، وقال جل في علاه في اطلاعه على أعمال عباده: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) [سورة التوبة الآية 105]
وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه لا يغيب عنه شيء في هذه الدنيا سرا أو علانية، فقال: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا.)[سورة المجادلة الآية 7]
وأخبرنا سبحانه وتعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم.)[سورة الأنعام الآية 19]
أي شهيد من البشر قد ينسى أو يجهل أو يضل أو يكذب أو يزور، أما الله جل جلاله فهو خير الشاهدين، (قل الله شهيد بيني وبينكم) يسمع ويرى، ويعلم ظواهر الأمور وبواطنها، ولا يخفى عليه شيء، سبحانه جل شأنه؛ فأول الشاهدين هو رب العالمين، وكفى بالله شهيدا.
الشاهد الثاني الملائكة
وقد فصلنا القول في ذلك في خطبة ماضية مع قول الله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد)[سورة ق الآية 17] ملك ذات اليمين يكتب الحسنات، وملك ذات الشمال يكتب السيئات، وقعيد أي أنه قاعد ملازم لك، لا ينفك عنك، لا يترك ولا يغيب عنه شيء من أعمالك، (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)[سورة ق الآية 18] فتسجل الأعمال في الصحف لا لأن الله ينسى، حاشاه جل في علاه، وإنما لإقامة الحجة على العباد، فإذا نشرت الصحف ضج المجرمون وقالوا: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا)[سورة الكهف الآية 49]
الشاهد الثالث: الرسل الكرام
رسل الله الذين أرسلهم الله تعالى بالهدى ودين الحق لإقامة الحجة على العباد، قال تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) [سورة الإسراء الآية 71]
و(ولكل أمة رسول)[ سورة يونس الآية 47]، و(فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) [سورة الأعراف الآية 6 ]، و(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) [سورة النساء الآية 41] هذا المشهد يا إخواني جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي حينما طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فافتتح بسورة النساء حتى إذا بلغ هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) أشار إليه النبي فقال: حسبك، فإذا عيناه تذرفان.
بكى رسول الله، لماذا؟ قالوا: إجلالا للعرض على الله، فالعرض على الله يا إخواني عرض على ملك الملوك جل جلاله، عرض على ذي العزة والجلال الذي لا يخفى عليه شيء؛ فبكى رسول الله هيبة وإجلالا لعظمة الله حينما يوقف، وهو رسول الله، وخير خلق الله، فيسأل عن أمته ويشهد بما لها وما عليها، فبكى إجلالا لله سبحانه وتعالى.
وقالوا أيضا: بكى رسول الله رقة على أمته حينما يوقف بين يدي الله، وهوصلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم، الذي ابتعثه الله تعالى رحمة للعالمين، فيشهد لمؤمنهم ويشهد على كافرهم، فبكى رسول الله رقة على أمته، صلوات ربي وتسليماته عليه.
نوح وقومه:
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن نبي الله نوح، وأنه يوقف بين يدي الله فيسأل، فيكذب قومه، نوح ذكره النبي كمثال لأنه أطول الأنبياء عمرا فيما أعلم، وأطولهم دعوة، دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعلى الرغم من هذا يكذبون ويدعون أنه ما جاءهم من نذير.
فقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: من يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله عز وجل: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143].
من أين ستشهد هذه الأمة أن نوحاً بلغ؟! لأنهم يؤمنون بالقرآن، والقرآن حكى لنا أن نوحاً عليه السلام بلغ أمته، وهو خبر الله سبحانه وتعالى الذي لا مراء فيه، وفي رواية ابن المبارك: (ستقول فيكم الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟! فيقول لهم الرب سبحانه وتعالى-يعني للمسلمين-: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا، فذلك قول الله عز وجل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)
وقوف عيسى عليه السلام بين يدي الله:
أيضا ذكرت لنا سورة المائدة أن الله تعالى سيوقف عيسى ابن مريم بين يديه يوم القيامة، فيقول:( وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
وهكذا يا إخواني يوقف الرسل، كل رسول بأمته، فيشهد بما بلغ، ويبين، ويقيم الحجة بين يدي العباد، لتكون حجة الله البالغة على جميع الخلق.
الشاهد الرابع الأرض
فالأرض تشهد بما يجري فيها وعليها، كما في قول الحق تبارك وتعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ما لها، يومئذ تحدث أخبارها.)[الزلزلة:1:4]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما أخبارها؟ فإنها تشهد على كل عبد وأمة بما فعل فيها، تقول: فعل كذا يوم كذا.)أخرجه الترمذي في سننه.
فالأرض تشهد إما بخير أو بشر، إما بطاعة وإما بمعصية، والله سبحانه وتعالى ذكر في آيات كتابه أنه لما أهلك قوم فرعون وجنده، قال: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين)[سورة الدخان الآية 29]
وقد ورد أثر عن علي بن أبي طالب : أنه ما من مؤمن يموت إلا وبكى عليه موضعان، موضع سجوده في الأرض، وموضع نزول رزقه من السماء، هذا الأثر ضعيف غير صحيح.
هل الآية هنا على الحقيقة أم المجاز؟
هل السماوات والأرض تبكيان فعلا أم أن هذا مجاز؟ وبعد بحثي في كتب التفسير وكلام العلماء، ترجح لدي أن هذا معنى مجازي وليس حقيقيا، لأن أي إنسان عزيز لما يموت يبكي عليه أحبابه، لأن الإنسان مجموعة عواطف حب واشتياق ولوعة وحزن وأسى، فلما يموت أحد أحبابنا نبكي حزنا عليه.
أما الأفاك الأثيم فرعون وجنده، فلفجورهم وعتوهم ما بكى عليهم أحد، فما بكى عليهم أحد في الأرض ولا في السماء.
ومن العلماء من قال بتأويل الآية على حذف مضاف تقديره: فما بكى عليهم أحد من أهل السماء أو من أهل الأرض، لا الملائكة ولا الإنس، الكل فرح لهلاك هذا الطاغية.
والمعنى الآخر أن هذا مجاز عقلي في اللغة العربية، أن يسند الفعل إلى من يستحيل أن يفعله من باب المبالغة، فلو أن السماوات والأرض تهيأ لهما أن تبكيا فلن تبكيا على هذا الظالم الطاغية، لأنه لما هلك استراح العباد من شره.
وهذا ما قاله السلف قديما: من أحبه كل الناس فهو منافق، ومن كرهه كل الناس فهو فاجر
من أحبه كل الناس، كل الناس أهل الحق والباطل والإيمان والكفر، معناه أنه منافق، إما أنه على الحق وينافق أهل الباطل، وإما أنه على الباطل وينافق أهل الحق، ثم من كرهه كل الناس، التقي والفاجر والمؤمن والكافر، فهذا فاجر، لأن أذاه عم جميع الخلق.
إذا الأرض تشهد بما جرى عليها وفيها، ولذلك علمنا علماؤنا: إذا عصيت الله في مكان فأطع الله فيه، إذا عصيت الله سرا فأطع الله سرا، فإنك بذلك تطهر نفسك من هذا الذنب، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: واتبع السيئة الحسنة، لأن الحسنة تمحو السيئة.
الشاهد الخامس والأخير الجوارح
قال تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين.)[سورة النور الآية 24] يأتي الكافر يوم القيامة فينكر ما كتبته الملائكة وسطرته في الصحائف، وينكر أنه قد جاءه الرسل، وينكر كل الشهود.
وقال تعالى: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) [سورة فصلت الآيات 19 إلى 21]
عن أنس – رضي الله عنه – قال : كنا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فضحك ، فقال : ( هل تدرون مما أضحك ) ؟ . قال : قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : ( من مخاطبة العبد ربه ، يقول يا رب ! ألم تجرني من الظلم ) ؟ قال : يقول : بلى . قال : ( فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني ) . قال : فيقول : ( كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا ) . قال : ( فيختم على فيه ، فيقال لأركانه : انطقي ) قال : فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام . قال : فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل . رواه مسلم .
فتنطق الجوارح وتشهد بما فعلت؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلى بينه وبين الكلام ، يعاد إليه التحكم في أعضائه، فيقول سحقا لكن وهلاكا لكن، فعنكن كنت أناضل، يعني كان ينغمس في الملذات والشهوات والبغي والظلم ليمتع جوارحه، ليقع في اللذة الكاذبة، ليعصي الله عز وجل، ويمني نفسه ألا حساب ولا جزاء.
هؤلاء هم الشهود الخمسة: الله جل جلاله، رسل الله الكرام، الملائكة الكتبة الأطهار، ثم الأرض ومعالمها، ثم الجوارح، كل هؤلاء يشهدون لك أو عليك، والله خير الشاهدين، نسأل الله أن يسترنا بستره، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، وأن يسترنا في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
الخاتمة:
ها نحن نعود من هذه الإطلالة على مشهد من مشاهد يوم القيامة، والتي هي من أصعب المشاهد وأشقها، مشهد العرض على الله سبحانه وتعالى والقيام بين يديه، ما زلنا من أهل الدنيا، ما زال لنا أجل مسمى في الدنيا، ما زال لنا عمل صالح نعمله ونلقى به الله سبحانه وتعالى، فنستغفر الله مما مضى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا فيما بقي، وألا يتوفانا إلا وهو راض عنا، اللهم آمين.
وأختم بهذه الكلمات الخمس التي نزل بها جبريل الأمين على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، قال له يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وأن عزه استغناؤه عن الناس.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، وتوفنا وأنت راض عنا يا أكرم الأكرمين.

