تفسير سورة ق : 10- قوله تعالى: (ونفخ في الصور …)

تاريخ الإضافة 13 أبريل, 2026 الزيارات : 44

10- قوله تعالى: (ونفخ في الصور …)

نواصل بعون الله وفضله تفسيرنا لآيات سورة (ق) وقد توقفنا عند الآية 20 من السورة : يقول الحق تبارك وتعالى:﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: 20]

الصور في لغة العرب القَرْن ، وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصور ، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها ، ففي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” ما الصور ؟ قال : الصور قرن ينفخ فيه ” قال الترمذي حديث حسن صحيح .

ولا يعلم مقدار عظم هذه البوق إلا الملك جل جلاله .

النَافخ في الصُّور
 صاحب الصور إسرافيل عليه السلام ، وقد نقل الإجماع على أن نافخ الصور هو إسرافيل عليه السلام.
قال القرطبي : ( والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام ) [يُنظر: (التذكرة)) (1/ 211).]
وقال الحافظ في الفتح: ( اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام ، ونقل فيه الحليمي الإجماع ، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه ، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي ، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه ، وكذلك في حديث الصور الطويل)[يُنظر: (فتح الباري) (11/ 368).]
وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن صاحب الصور مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى: فعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كيف أنعم ، وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ ، وحنى جبهته ، وأصغى سمعه ، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ ، فينفخ . قال المسلمون : فكيف نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، توكلنا على الله ربنا ” رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ورقمه : 1079 .

اليَوم الذي يكون فيه النفخة
تقوم الساعة في يوم الجمعة ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خُلِق آدم ، وفيه أُدخل الجنة ، وفيه أُخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة ” صحيح مسلم

وفي حديث آخر أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الساعة تقوم في يوم الجمعة ، وفيها يُبعث العباد أيضاً ، فعن أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خُلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصَّعْقَة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ ” رواه أبو داود .

قبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة

والساعة لا تقوم حتى يتحقق خلو الأرض من جميع المؤمنين، دل على ذلك عدة أحاديث منها:
1 ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس) رواه مسلم.
2 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبعث ريحاً من اليمن، ألين من الحرير (ألين مِنَ الحرير رِفقًا وإكراما لِلمُؤمِنين)، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضتْه (قبضت روحه وذلك عند قيام الساعة) رواه مسلم.
3 ـ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله) رواه مسلم.
4 ـ عن النواس بن سمعان رضي الله عنه الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الدجال ويأجوج ومأجوج: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة) رواه مسلم.
“الهرْج: الفتن في آخر الزمان. والهرج أيضاً: الاختلاط، ومنه قيل: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة. والهرج أيضاً: كثرة النكاح.. وفى الحديث: (يتهارجون تهارج الحمر) يحتمل للمعنيين معا”. وقال ابن حجر: “والذي يظهر أنه هنا بمعنى يتقاتلون”. وقال العيني: “(يتهارجون تهارج الحُمُر) قيل: معناه: يتخالطون رجالا ونساء ويتناكحون مزاناة.
5 ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبَدَ اللّاتُ والْعُزَّى، فَقُلتُ: يا رسول الله إن كنتُ لأظن حين أنزل الله {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ}(الصف:9) أن ذلك تاماً (أي أن ملَّةَ الإِسلامِ ظاهرةٌ على الأَديانِ كلِّها)، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم) رواه مسلم.
هذه الأحاديث وما في معناها من أحاديث، تدل على أن الساعة لا تقوم إلا على الشرار من الناس فقط، قال القرطبي: “هذا غاية في البيان في كيفية انقراض هذا الخَلق وهذه الأزمان، فلا تقوم الساعة وفي الأرض من يعرف الله، ولا من يقول: الله الله”.

كم مرة ينفخ إسرافيل في الصور؟

هناك قولان للعلماء:

القول الأول: أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين :

  • الأولى يحصل بها الصعق.
  • والثانية يحصل بها البعث ، قال تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) [ الزمر : 68 ]

وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة ، والنفخة الثانية بالرادفة ، قال تعالى : ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ – تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) [ النازعات : 6-7 ] .
وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة ، وصرح بالنفخ بالصور في الثانية ، قال تعالى: ( مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ – فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ – وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) [ يس : 49-51 ] .
وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما بين النفختين أربعون “. قالوا : يا أبا هريرة ، أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت ، قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ” 
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ثم ينفخ في الصور ، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ، ورفع ليتاً ، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ، قال : فيصعق ، ويصعق الناس ، ثم يرسل الله – أو قال : ينزل الله مطراً ، كأنه الطَّلُّ ، أو الظِّلُّ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ” رواه مسلم

الليت : صفحة العنق ، وإصغاؤه : إمالته .

وقد رجح هذا الذي دلت عليه هذه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم ، منهم القرطبي ، وابن حجر العسقلاني .

القول الثاني: وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات ، وهي نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة البعث .وممن ذهب هذا المذهب ابن العربي  ، وابن تيمية ، وابن كثير، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) [ النمل : 87 ] .
كما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث ، كحديث الصور، وهو حديث طويل ، أخرجه الطبري ، وفيه : ” ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام لرب العالمين ” 
أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة على أن هذه نفخة ثالثة ، إذ لا يلزم من ذكر الحق تبارك وتعالى للفزع الذي يصيب من في السماوات والأرض عند النفخ في الصور أن تجعل هذه نفخة مستقلة ، فالنفخة الأولى تفزع الأحياء قبل صعقهم ، والنفخة الثانية تفزع الناس عند بعثهم .
يقول ابن حجر رحمه الله تعالى : ” ولا يلزم من مغايرة الصعق الفزع أن لا يحصلا معاً من النفخة الأولى ” 

وجاء في تذكرة القرطبي : ” ونفخة الفزع هي نفخة الصعق ، لأن الأمرين لازمين لها ، أي : فزعوا فزعاً ماتوا منه “

أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى.

من الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله : ( إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ).
أخبرنا الباري جلَّ وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يُصعقون عندما يُصعق من في السماوات ومن في الأرض ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ) [ الزمر : 68 ] .

وقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله : ( إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ).
والقول الأقوى ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أن المراد بهم الذين في الجنة من الحور العين والولدان ، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين ، فإن الجنة ليس فيها موت ” (مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (4/261) )

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله ، لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على المراد .
وقال ابن تيمية : ” وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين ، فإن الجنة ليس فيها موت ، ومتناول لغيرهم ، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله ، فإن الله أطلق في كتابه .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد توقف في موسى ، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا ؟
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخْبَر بكل من استثنى الله ، لم يمكننا نحن أن نجزم بذلك ، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء ، وأمثال ذلك مما لم يخبر الله به ، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر ، والله أعلم ” ( مجموع فتاوي شيخ الإسلام : (4/261) )

أولا/ نفخة الفزع:

نفخة الفزع هي النفخة التي يقع عندها الهول العظيم والرعب الشديد في جميع الخلق عند قيام الساعة.

قال اللـه تعالى : (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)[ النمل : 87 ] .

قال ابن جرير الطبري:الفزع هنا هو الرعب الشديد الذي يدخل القلوب عند سماع النفخة.

وقال ابن كثير:“أي: هالهم ذلك اليوم هولًا عظيمًا”.

ففزع من فى السموات ومن فى الأرض ..!! أى تنفك كل صلات الكون وروابطه ، تتزلزل الأرض وترتج بأهلها رجَّات عنيفة مزلزلة ، وتصوروا معى هذه المشاهد التى تخلع القلب ، فالشمس قد كورت ، والكواكب تناثرت هنا وهناك وتمزقت بأمر اللـه، والبحار والأنهار ما عادت تحوى بطونها ماء ، فماءها تحول نار أجاج ، والجبـال نسفها الله نسفا ؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ  وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 105-108]

ويقول النبى  : ( من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى العين فليقرأ إذا الشمس كورت وليقرأ إذا السماء انفظرت وليقرأ إذا السماء انشقت ) رواه الترمذى 

ثانيا/  نفخة الصعق والموت:

نفخة الصعق والموت هي النفخة التي إذا وقعت مات بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهي من أعظم أهوال الساعة، وقد دل عليها صريح القرآن في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68). 

وأما معنى الصعق في هذا الباب، فالعلماء يذكرون أنه يدور على الغشي الشديد أو الموت بسبب الهول والصوت العظيم، لكن آية الزمر في هذا الموضع فسّرها كثير من أهل العلم بالموت نفسه، ولذلك قال الطبري: “فصعق: مات”، وقال ابن كثير: هذه نفخة الصعق “وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله”.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ثم ينفخ في الصور ، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ، ورفع ليتاً ، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ، قال : فيصعق ، ويصعق الناس ، ثم يرسل الله – أو قال : ينزل الله مطراً ، كأنه الطَّلُّ ، أو الظِّلُّ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ” رواه مسلم

فسبحان ذى الملك والملكوت ، سبحان ذى العزة والجبروت ، سبحان الذى كتب الموت على جميع الخلائق وهو الحى الباقى الذى لا يموت .

قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) [ الرحمن : 26 – 27 ] 

وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر:67]

عن ابن مسعود  قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر. ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67]».

وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله.

وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع أخرجاه.

ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟. ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله ﷺ:«يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» متفق عليه

ويقول جل جلاله : ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ(15)يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [ غافر : 15-16 ].

مات كل مخلوق ولم يبق إلا اللـه الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، كان آخراً كما كان أولا { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد :3]هو الأول فلا شىء قبله وهو الآخر فلا شىء بعده وهو الظاهر فلا شىء فوقه وهو الباطن فلا شىء دونه وهو السميع العليم .

ثالثا/ نفخة البعث والنشور

نفخة البعث والنشور هي النفخة التي يُحيي الله بها الخلق بعد موتهم، فيخرجون من القبور إلى موقف الحساب ، قال تعالى :{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [  يس : 51 – 54 ]  .

وقال تعالى :{ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرض عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ }[ ق : 41 – 45 ].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ، منه خلق ، وفيه يركب ” رواه أبوداوود

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما بين النفختين أربعون ، ثم ينزل من السماء ماء ، فينبتون كما ينبت البقل ، وليس في الإنسان شيء إلا بَلي ، إلا عظم واحد ، وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة ” رواه البخاري ومسلم
وقد دلت النصوص الصحيحة أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد ، ففي الحديث ” إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ” رواه أبو داود

يعيد الله العباد أنفسهم ، ولكنهم يخلقون خلقاً مختلفاً شيئاً ما عما كانوا عليه في الحياة الدنيا ، فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) [ إبراهيم : 17 ] 
ومن ذلك إبصار العباد ما لم يكونوا يبصرون ، فإنهم يبصرون في ذلك اليوم الملائكة والجن ، وما الله به عليم ، ومن ذلك أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتغوطون ولا يتبولون .

كم بين النفختين: الصعق والموت ونفخة البعث والنشور؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما بين النفختين أربعون “. قالوا : يا أبا هريرة ، أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت ، قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ” 

ما معنى أبيت ؟ قال أبيت أن أسأل عن ذلك رسول اللـه فَعِلْم هذه الأربعين عند رب العالمين ، وبعد الأربعين يأمر اللـه جل وعلا إسرافيل أن ينفخ فى الصور النفخة الثانية .

أول من تنشق عنه الأرض
أول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع .. وأول مشفع ” (صحيح مسلم) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ” استب رجل من المسلمين ، ورجل من اليهود ، فقال المسلم : والذي اصطفى محمد على العالمين ، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ، فرفع المسلم عند ذلك يده ، فلطم اليهودي ، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم ، فقال : لا تُخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق ، أو كان ممن استثنى الله عز وجل ” .رواه البخاري ومسلم
وفي رواية لهما : ” … فإنه ينفخ في الصور ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يبعث ، فإذا موسى آخذ بالعرش ، فلا أدري : أحوسب بصعقة الطور ، أم بعث قبلي ؟ ” 

حشر الخلائق جَميعاً إلى الموقف العظيم
وأما صورة الخلق عند البعث، فإن القرآن عبر عنها بتعابير بليغة متوافقة: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ تدل على المفاجأة وسرعة الانتقال من الموت إلى الحياة، و﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ تدل على الإسراع في الخروج، و﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ تدل على انقيادهم الكامل لأمر الله، و﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ تدل على كثرتهم وسرعة توجههم إلى المحشر. فهذه الألفاظ إذا جُمعت أعطت صورة متكاملة للنشور: إحياء مفاجئ، ثم قيام، ثم خروج سريع، ثم سوق إلى الحساب.

وقد سمى الله يوم الدين بيوم الجمع ، لأن الله يجمع العباد فيه جميعاً : ( ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) [ هود : 103 ] ، ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون ( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ – لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ) [ الواقعة : 49-50 ] .
وقدرة الله تحيط بالعباد ، فالله لا يعجزه شيء ، وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم ، إن هلكوا في أجواز الفضاء ، أو غاروا في أعماق الأرض ، وإن أكلتهم الطيور الجارحة أو الحيوانات المفترسة ، أو أسماك البحار ، أو غيبوا في قبورهم في الأرض، كل ذلك عند الله سواء : ( أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ البقرة : 148 ] .

وكما أن قدرة الله محيطة بعباده تأتي بهم حيثما كانوا ، فكذلك علمه محيط بهم ، فلا ينسى منهم أحد ، ولا يضلُّ منهم أحد ، ولا يشذُّ منهم أحد ، لقد أحصاهم خالقهم تبارك وتعالى ، وعَدَّهم عداً ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا – لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا – وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) [ مريم : 93-95 ] ، ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) [ الكهف : 47 ] .

صِفَةُ حشر العبَاد
يحشر العباد حفاة عراة غرلاً ، أي : غير مختونين ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً ” ثم قرأ ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )  [ الأنبياء : 104 ] .
وعندما سمعت عائشة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ” يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ” قالت : يا رسول الله ، الرجال والنساء جميعاً ، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال : ” يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ” متفق عليه  .

كِسَوة العبَاد في يَوم المعَاد
بعد حشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ، يكسى العباد ، فالصالحون يكسون الثياب الكريمة ، والطالحون يسربلون بسرابيل القطران ، ودروع الجرب ، ونحوها من الملابس المنكرة الفظيعة .
وأول من يكسى من عباد الله نبي الله إبراهيم خليل الرحمن ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل ” 
وأخرج البيهقي من طريق ابن عباس نحو حديث الباب وزاد : ” وأول من يكسى من الجنة إبراهيم ، يكسى حلة من الجنة ، ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ، ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر ” 

وذكر العلماء أن تقديم إبراهيم على غيره بالكسوة في يوم القيامة ، لأنه  الذين ألقوه في النار جردوه ، ونزعوا ثيابه على أعين الناس ، كمن يفعل بمن يراد قتله ، فجزي بكسوته في يوم القيامة أول الناس على رؤوس الأشهاد، وهذا أحسنها ” 

 

Visited 13 times, 3 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل جميع دروس ومحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور والشيخ بصيغة ملفات صوتية

عبر الرابط التالي

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 8 أبريل, 2026 عدد الزوار : 14623 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع