
ما زلنا في رحاب آيات سورة ” ق” نسأل الله أن يسعدنا بالقرآن في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين يتلونه حق تلاوته؛ فيقيمون حروفه ويعملون بحدوده. اللهم آمين.
توقفنا في اللقاء الماضي عند مشهد من مشاهد يوم القيامة، حينما يُوقف القرين من الملائكة؛ فيقول أمام رب العزة جل وعلا: {هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [سورة ق: الآية 23]. هذا ما سجلته وسطرته على عبدك العاصي. وكنت حاضراً راصداً مراقباً.
ثم يأتي الكلام من القرين من الشياطين؛ فيقول لرب العزة: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [سورة ق: الآية 27].
فيجيب الحق جل في علاه: {قال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة ق: الآيات 28-29].
هكذا الشيطان الذي أغوى الإنسان وزين له المعصية وحببه إليها وحببها إليه يتبرأ منه ويقول: يا رب ما كنت سبباً في طغيانه ولا معصيته، وإنما كان هو في ضلال بعيد… كان مستعداً للمعصية والغواية…. فكان عملي هو أن أزين له الغواية فاستجاب لي.
وقد ذكر الله تبارك وتعالى لنا في سورة إبراهيم مشهد خطبة الشيطان في أهل جهنم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة إبراهيم: الآية 22]
فيتبرأ إبليس من أتباعه ويقول لهم: ما أجبرتكم على شيء، ولا أكرهتكم على طاعتي، ولا أن تستجيبوا لكلامي، فلا تلوموني، ولوموا أنفسكم، لن أنقذكم اليوم من عذاب الله ولن تنقذوني من عذاب الله( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي)
فالشيطان هنا بين يدي رب العزة يكذب ويقول: ( ربنا ما أطغيته) ومن المعلوم أن : من حرض على المعصية، أو دعا إليها، أو زينها فهو شريك فيها، بل من حضر المعصية وأقرها فهو شريك فيها حتى وإن لم يفعلها، فالمحرض والمزين والمخطط والمسهل والفاعل كلهم في الإثم والجريمة سواء.
عَنِ العُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا- كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا». رواه أبو داود وحسنه الألباني.
يقول الله عز وجل: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد} [سورة ق: الآية 28]
أي في الدنيا بالوعيد، والوعيد هو قانون الله قانون العدل، وهو: إن يوم القيامة جعله الله تعالى (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)[ النجم: 31]
ومعنى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [سورة ق: الآية 29]. أي أنه ما سبق من وعيدي ووعدي، وعيدي لأهل النار، ووعدي لأهل الجنة لن يُبدل.
فليس معنى أنكم استحققتم النار فوقفتم بين يدي تطلبون الشفقة والرحمة ،أو يلقي كل واحد منكم باللوم على صاحبه أو على سيده أو على من زين له أني أبدل هذا الوعيد، فهو وعيد لا يتبدل.
ومن المعلوم لدينا أن رحمة رحمة الله تعالى يتعرض لها كل من مات على التوحيد حتى وإن قصر به عمله، أما من مات على الشرك فإن الله حرم عليه الجنة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [سورة النساء: الآية 48] فمن جاء إلى الله تعالى بكل أصناف المعاصي والذنوب فهو واقع في خطر المشيئة: إن شاء الله عفا وإن شاء الله عذب، فإن عفا فبفضله وإن عذب فبعدله؛ وهذا لمن مات عاصياً وهو على التوحيد، أما من مات على الشرك والعياذ بالله فإنه لا تنفعه شفاعة الشافعين ولا يخفف عنهم من عذاب جهنم وما هم منها بمخرجين.
قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [سورة المائدة: الآية 72] إذاً هذا قول حق من الإله الحق {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيْ}.
هناك تفسير آخر لأهل العلم:
أن معنى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} أي أنه لا يُبدل بالكذب والغش والتدليس، فالله سبحانه وتعالى ذكر أن المشركين حينما يقفون بين يدي الله يقسمون به ويقولون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [سورة الأنعام: الآية 23] يكذبون بعد عمر مديد في الشرك والمعصية والصد عن سبيل الله والعناد والمكابرة ثم يقسمون بالله كذباً ما كنا مشركين.
وتجد السادة والأتباع يتلاومون كل منهم يتبرأ من صاحبه؛ فالله سبحانه وتعالى يقول {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} أي أنه ليس معنى أن تكذبوا أو أن تغشوا أو أن تقسموا بي كذباً أن أصدقكم {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سورة المجادلة: الآية 18]. نسأل الله العافية.
فمعنى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} أن القاضي من قضاة الدنيا من الممكن أن يقف الخصوم أو المتهمون أمامه، وعندهم وثائق مزورة، أو تزييف للحقائق، أو محامٍ عنده ثغرات يفهمها في القانون فيبدل ويغير ويتهم ويعكس القضية وإلى آخره، القاضي بشر لا يعرف إلا ما يراه من أدلة وقرائن وشهود، لا يملك أن يقول للشهود أنتم شهود زور بدون بينة، ولا يملك أن يقول هل هذه الوثيقة صحيحة أم مزورة أو أن هذا الكلام صدق أو كذب إلا ببينة.
فهو يحاول أن يجمع الأدلة والقرائن ثم في النهاية هو بشر لا يملك أن يعرف البواطن والخبايا والخفايا.
من الذي لا يخفى عليه شيء؟
الله عز وجل، فقال لهم: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} فمهما كذبتم ومهما غششتم، ومهما أقسمتم بي كذباً فإن كذبكم لا اعتبار له عندي {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}. ممكن قاضٍ من قضاة الدنيا يحكم في قضية ثم بعد ذلك يطعن المحامي ويقول ظهرت أدلة جديدة، ظهر شهود جدد، ظهر عيب في قرارات الاتهام أو في الحالة العقلية للمتهم إلى آخره…فهذا القاضي الأول، ثم قد يستأنف هذا الحكم فيكون الحكم موقوفاً ، وتُعاد المحاكمة مرة أخرى.
لكن هل يوم القيامة هناك استئناف أو نقض؟
كلا، لأن الحقائق كلها والأدلة كلها مجتمعة يوم القيامة، الخصوم بين يدي الله الذي لا تخفى عليه خافية، الذي قال عن نفسه: إنه عليم بذات الصدور. يعلم ما تكنّه الأنفس وما تخفيه الضمائر، فلا يُبدل القول لديه: لا استئناف لحكمه، ولا معقب لقضائه كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة الرعد: الآية 41].
كمال الله وتنزيهه عن الظلم
(ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) علماء السلف لهم كلمة احفظوها قالوا: من يظلم هو الناقص.
ما هوالظلم ؟
الظلم هو أن تأخذ حق غيرك، أو تمنع حق غيرك. أنا لي مال عندك فتمنعه فأنت ظالم لي، أو أنك بالقوة أو بالغصب تأخذ مالي مني فأنت ظالم.
هل الله عز وجل ينقصه شيء؟
سبحانه جل شأنه له الكمال، لا ينقصه مال، ولا ينقصه عز، ولا تنقصه مكانة ولا سيادة. ولا ينقصه سبحانه وتعالى علم.
جل جلاله له الكمال كله وبيده خزائن كل شيء، وهو مالك الملك سبحانه جل شأنه، فهو ليس بناقص ليظلم، فلكمال قدرته ولعظم غناه وكمال غناه ولرفعته، وعزته جل شأنه؛ ترفع عن الظلم فقال: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة ق: الآية 29] وقال في الحخديث القدسي:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا…». رواه مسلم
معنى ذي الجلال والإكرام
من أسماء الله الحسنى ذو الجلال والإكرام: ذو الجلال معناها ذو العظمة. والعظمة والجلال لله سبحانه وتعالى عظمة دائمة ليست طارئة ولا وصفاً مؤقتاً؛ إنما هي عظمة وجلال يليق به دائماً أبداً، فلا يلحق هذا الجلال نقص ولا ضعف ولا شيخوخة ولا فقر ولا حاجة، ولا يليق به جل جلاله أن يتصف بصفة من صفات النقص.
ممكن ملك من ملوك الدنيا قبل أن يكون ملكاً ماذا كان؟ كان طفلاً صغيراً لا حول له ولا قوة، حتى لو قالوا عليه سمو الأمير أو صاحب السمو أو جلالة كذا أو عظمة كذا، هو طفل يلهو ويلعب ويمرض ويبكي، ويأكل ويشرب، ولما أصبح ملكاً يعتريه ما يعتري أي واحد من البشر، ممكن أن يمرض أو يضعف، ممكن تجرى عليه مؤامرات أو يموت أو يصيبه مرض الزهايمر وضعف في الذاكرة بسبب الشيخوخة والسن.
الله جل وعلا لا يطرأ عليه أي وصف من هذه الأوصاف، فهو العزيز دائماً أبداً ، وهو القوي دائماً أبداً ،وهو الغني دائماً أبداً، لم يلحق غناه فقر ولا يدركه إفلاس.
وهو عليم لم يسبق علمه جهل ولا يلحقه نسيان، وهكذا في كل أسمائه وصفاته جل وعلا .
فقال: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} فالله لكماله لا يظلم، لأنه لا يليق به أن يظلم، ولأنه ليس بحاجة إلى أن يظلم، لأنه المتصف بالكمال والجلال {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن: الآية 78].
مشهد جهنم وهل من مزيد
ثم يقول جل وعلا: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلِ مِن مَّزِيدٍ} [سورة ق: الآية 30].
هذه الآية فسرها النبي ﷺ بأن جهنم فيها متسع لكل من يدخلها. كما أن الجنة فيها متسع لكل من يدخلها: ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ. فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}» رواه ابن ماجه في سننه، وصححه الألباني.
فمن عدل الله تعالى أنه جعل مكاناً لكل عبد من عباده في الجنة، ومكاناً في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة أخذ مكانه، وورث مكان الكافر، والكافر إذا دخل النار أخذ مكانه وورث مكان المؤمن.
فالمجرمون المستحقون لعذاب الله يلقون في النار وفيها متسع لهؤلاء لتتم كلمة ربك كما في سورة السجدة: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [سورة السجدة: الآية 13] حتى إن النار تطلب المزيد وتقول هل من مزيد؟ يعني أن فيها متسع وما زال فيها أماكن لم تمتلئ بعد.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة».أخرجه البخاري ومسلم .
الخاتمة:
فعلى العبد المؤمن حينما يقرأ هذه الآيات أن يراجع الصفات التي ذكرها الله لمن استوجبوا عذابه: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} [سورة ق: الآيات 24-26].
فإن طهرك الله من هذه الصفات فاسأل نفسك هل أنا من أهل الجنة؟
يأتي الجواب: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [سورة ق: الآيات 31-33].
ذكر الله صفاتهم وهي: لكل أواب (الصفة الأولى) حفيظ (الصفة الثانية) من خشي الرحمن بالغيب (الصفة الثالثة) وجاء بقلب منيب (الصفة الرابعة). وهذا يحتاج إلى تفصيل نرجئه إلى لقاء قادم إن شاء الله.
نسأل الله أن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأن يعيذنا من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم آمين.

