صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 25- ذهب أهل الدثور بالأجور

تاريخ الإضافة 22 أبريل, 2026 الزيارات : 698

25- ذهب أهل الدثور بالأجور

عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم.[1]

شرح الحديث

(أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ) هم فقراء المهاجرين، كما بينه في رواية البخاري، من حديث أبي هريرة.

(قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور)؛ “الدثور” الأموال، واحدها دثر، أي: سار ومضى أصحاب الأموال الكثيرة بالأجور الزائدة على أجورنا.

(يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم)

أي: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، يعني: فنحن وهم سواء في الصلاة وفي الصيام، ولكنهم يفضلوننا بالتصدق بفضول أموالهم، أي بما أعطاهم الله تعالى من فضل المال؛ يعني: ولا نتصدق، وهذا كما جاء في الحديث الآخر عن فقراء المهاجرين، قالوا: ويعتقون ولا نعتق.

حرص فقراء الصحابة على الاستكثار من فعل الخيرات:

انظر إلى الهمم العالية من الصحابة – رضي الله عنهم؛ يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدقون بها ويعتقون منها، ولم يقولوا: عندهم فضول أموال؛ يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة؛ ذلك لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى، وهو الآخرة، فهم اشتكوا للرسول – ﷺ– شكوى غبطة، لا شكوى حسد، ولا اعتراض على الله عز وجل – ولكن يطلبون فضلا يتميزون به عمن أغناهم الله من فضله؛ فتصدقوا بفضول أموالهم.

فكان السابق عندهم هو السابق بالخيرات، وليس السابق بالأموال والدنيا؛ وكان التنافس بينهم على الخير والعمل الصالح، وهذا ينبئنا عن عقليتهم الواعية، وقلوبهم النقية الصافية وكيف أن أحدهم كان يحزن لو فاته شيء من الخير، ويدل أيضا على قوة رغبتهم في الخير، وقد حزن فقراء الصحابة رضي الله عنهم على عجزهم عن الخروج في سبيل الله، لقلة ما في أيديهم قال تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) [التوبة:92]

فالمؤمن حقا من يحزن على تقصيره في الطاعة، وعجزه عن الاستكثار من الصالحات، لأن قلبه مهتم بأمر الآخرة، وتحصيل رضا الله، ولا يكترث كثيرا لأمر الدنيا، ولا يحزن لفقدها لأن قلبه غير مهتم بها.

وأما الغافل فيحزن لفوات الدنيا، وعجزه عن الاستكثار منها، ولا يحزن لفوات أمر الدين، والتقصير في عمل الآخرة لأن قلبه مفتون بحب الدنيا.

(قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون)؛ أصلها: تتصدقون به، حذفت إحدى التاءين للتخفيف.

(إن لكم بكل تسبيحة صدقة)؛ أي: قول: سبحان الله، أي: كأجر الصدقة.

(وكل تكبيرة صدقة)؛ أي: قول: الله أكبر.

(وكل تحميدة صدقة)؛ أي: قول: الحمد لله.

(وكل تهليلة صدقة)؛ أي: قول: لا إله إلا الله

(وأمر بالمعروف صدقة)؛ أي: إذا أمر شخصا أن يفعل طاعة فهذه صدقة.

(ونهي عن منكر صدقة)؛ أي: إذا نهى شخصا عن منكر فإن ذلك صدقة.

الصدقة ليست محصورة في بذل المال:

وقد دل هذا الحديث على أن جميع المعروف، والإحسان يعتبر في الشرع صدقة ،وأن الصدقة ليست محصورة في بذل المال، بل هي عامة في كل معروف؛ كما قال النبي ﷺ: (كل معروف صدقة). رواه مسلم[2]

وقد تكاثرت النصوص في الشرع بهذا المعنى:

  • فالذكر باللسان صدقة.
  • والتبسم في وجه المسلم صدقة.
  • وبذل المعروف للغير صدقة.
  • والأمر بالمعروف صدقة والنهي عن المنكر صدقة.
  • وإرشاد الضائع صدقة.
  • وكف الأذى عن المسلمين صدقة.
  • وإعانة الأخرق[3] صدقة.
  • وإزالة الأذى من الطريق صدقة.
  • وتعليم العلم النافع صدقة.
  • وإقراء القرآن صدقة.
  • والشفاعة للمسلمين صدقة.
  • والسعي في قضاء حوائجهم صدقة.
  • والنفقة على الأهل صدقة.
  • وإطعام الحيوان صدقة.

عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها قال: إن أبواب الجنة لكثيرة التسبيح والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك)[4]

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: (فيعين ذا الحاجة الملهوف) قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: (فليأمر بالخير) قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: (فليمسك عن الشر فإنها له صدقة)[5]

والصدقة بغير المال نوعان:

الأول: صدقة قاصرة بالاشتغال بذكر الله من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير والمشي إلى المساجد.

الثاني: صدقة متعدية النفع بالإحسان إلى المسلمين بجميع صور البر الحسية والمعنوية وأعظمها أجرا تعليم الخلق دين الله عز وجل وتبصيرهم في أحكام الشرع وإنقاذهم من الهلاك.

قوله: (وفي بضع أحدكم صدقة) وهو بضم الباء، ويطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه، وكلاهما يصح إرادته ها هنا.

هل له الأجر سواء نوى العبادة أم لا؟

مسألة النية للحصول على هذا الأجر على قولين:

  • ذهب طائفة من أهل العلم، واختاره الشيخ ابن عثيمين، إلى أن الزوج يُؤجر على جماع زوجته ولو لم ينوِ العبادة، استدلالاً بظاهر الحديث؛ فالصحابة تعجبوا قائلين: “أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟” فلم يقل لهم “إذا نويتم”، بل قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر“.
  • يرى طائفة أخرى من العلماء، منهم النووي، أن العادات (مثل الجماع) لا تصبح عبادات، ويؤجر عليها الإنسان إلا بنية صالحة (احتسابها عند الله (والنية هنا أن ينوي إعفاف نفسه وزوجته، أو قضاء حقها، أو طلب الولد الصالح، أو نية الخير العام والمتابعة لأمر الشارع بترك الحرام.

والراجح: أن إتيان الرجل أهله في الحلال يُؤجر عليه، وأن مجرد فعله للحلال وتركه للحرام فيه أجر لأن فيه إعفافًا للنفس والزوجة وامتثالًا لأمر الله، وهذا داخل في عموم قوله ﷺ، لكن الأجر يكون أعظم وأكمل إذا نوى به التقرب إلى الله كنية إعفاف النفس وغض البصر وإعفاف الزوجة وطلب الولد الصالح.

قالوا: (يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)

قال النووي رحمه الله: اعلم أن شهوة الجماع أحبها الأنبياء والصالحون، قالوا: لما فيها من المصالح الدينية والدنيوية؛ من غض البصر، وكسر الشهوة عن الزنا، وحصول النسل الذي تتم به عمارة الدنيا، وتكثر الأمة إلى يوم القيامة.

من أعمال البر والطاعة معاشرة الرجل زوجه:

دل الحديث على أن من أعمال البر والطاعة معاشرة الرجل زوجه وأنه يؤجر على ذلك إذا ابتغى بذلك التعفف بالحلال عن الحرام والكف عن الفواحش وقد استشكل الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى فبين لهم النبي ﷺ ورفع عنهم اللبس بالمقابلة بين الحلال والحرام وهو ما يسمى عند الأصوليين بقياس العكس وقرر لهم أن الرجل إذا استعمل شهوته في الحرام كان آثما ؛ فكذلك إذا استعمل شهوته في الحلال كان مأجورا، وهذا يصدق على من قصد التعفف عن الحرام، واقتصر على الحلال ، وتورع عن الشهوات أما من فعل ذلك عادة ولم يكن تعففا عن الفجور، وكان لا يبالي في شهوته وضعها في حلال، أو حرام كعادة الفجار؛ فهذا لا يؤجر في نكاحه ،لأنه لم يقصد بذلك الاستعانة على القربة.

أهم ما يستفاد من الحديث:

  1. حرص الصحابة رضي الله عنهم على التنافس في الطاعات، حتى كانوا يحزنون إذا فاتهم باب من أبواب الخير.
  2. الغبطة المحمودة هي تمني مثل ما عند الغير من الخير دون حسد أو اعتراض على قدر الله.
  3. التفاضل الحقيقي بين الناس ليس بكثرة المال، بل بكثرة العمل الصالح والقرب من الله.
  4. سعة رحمة الله تعالى حيث فتح أبوابًا كثيرة للصدقة لا تقتصر على المال.
  5. الذكر بأنواعه (التسبيح، التكبير، التحميد، التهليل) يُعد صدقة يؤجر عليها العبد.
  6. الأعمال القلبية والبدنية مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الصدقات.
  7. كل معروف وإحسان للناس يدخل في مفهوم الصدقة، ولو كان شيئًا يسيرًا.
  8. الإسلام يربط حياة المسلم كلها بالعبادة، حتى العادات يمكن أن تكون عبادة يؤجر عليها.
  9. إتيان الرجل زوجته في الحلال فيه أجر، لأنه إعفاف للنفس وابتعاد عن الحرام.
  10. ترك الحرام وفعل الحلال عبادة يؤجر العبد عليها.
  11. النية تزيد الأجر وتكمله، فكلما احتسب العبد العمل لله كان أعظم ثوابًا.
  12. من صفات المؤمن الصادق أنه يحزن على فوات الطاعات لا على فوات الدنيا.
  13. مقصد النكاح في الإسلام ليس فقط الشهوة، بل التعفف، والاستقرار، وحفظ المجتمع من الفساد.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم (1006)

[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب كل معروف صدقة حديث رقم 6021

[3] الأخرق هو الذي لا يُحسن التصرف ولا يُجيد القيام ببعض شؤونه إما لجهل أو ضعف خبرة أو عجز، فإعانته تكون بمساعدته فيما لا يُحسنه كأن تعلّمه أو تُرشده أو تُتمّ عنه ما عجز عنه، فهذه المساعدة تُعد صدقة يؤجر عليها العبد لأنها من جملة الإحسان إلى الناس.

[4] مسند أحمد في مسند أبي ذر رضي الله عنه بلفظ قريب من المذكور، وأخرجه الأدب المفرد، وصحيح ابن حبان، وقال الألباني: حديث حسن، وصححه في صحيح الأدب المفرد.

[5] أخرجه البخاري في صحيحِه في كتاب الأدب باب كل معروف صدقة حديث رقم 6022، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف حديث رقم 1008 بلفظ: (تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك).

 

Visited 124 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 161
  • Today's page views: : 182
  • Total visitors : 8,571
  • Total page views: 9,695