صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية 41- لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ

تاريخ الإضافة 14 يوليو, 2026 الزيارات : 679

41- لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ

 

عَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنِ عمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا[1] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لا َيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ) [2]

شرح الحديث

(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) المقصود بالإيمان هنا: الإيمان الكامل، أي لا يكون المرء مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تتحقق محبته التامة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي.
ومذهب أهل السنة: الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا الحديث يدل على ذلك؛ إذ ربط النبي ﷺ كمال الإيمان بجعل الهوى تابعًا لما جاء به.

 يتحقق ذلك من خلال: محبة ما أمر به الرسول ﷺ، وكراهية ما نهى عنه.

(حَتَّى يَكُونَ هَواهُ)”حتى”: بمعنى “إلى”، أي: يستمر عدم الإيمان الكامل إلى صيرورة هواه تابعًا لما جاء به النبي ﷺ.

تعريف الهوى:

الهوى هو ميل النفس إلى مخالفة الشرع وإلى ما تدعو إليه الشهوات.
كما في قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (النازعات: 40). وقال تعالى مخاطبًا داود عليه السلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26).
هذا هو المعروف في استعمال الهوى غالبًا، وقد يأتي بمعنى الميل إلى الشيء فقط سواء كان حقا أو باطلا.
كما بقول عائشة رضي الله عنها: كنتُ أغارُ على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قلتُ: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) متفق عليه[3]

ومعنى قولها: ليس المقصود ذمَّ النبي ﷺ أو اتهامه باتباع الهوى المذموم، حاشاه؛ وإنما قالت ذلك عائشة رضي الله عنها بدافع الغيرة المعروفة بين الزوجات، ومعناه: ما أرى ربك إلا يوسّع عليك فيما تحبه ويختاره لك، ويقضي لك بما فيه راحتك وخصوصيتك من الأحكام، ولذلك قال أهل العلم: المراد بـ هواك هنا ما تحبه وتميل إليه مما أباحه الله لك، لا الهوى المذموم المخالف للحق

 وفي قصة أسارى بدر أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فأشار أبو بكر رضي الله عنه بأخذ الفداء، رجاء أن يهديهم الله، وأشار عمر رضي الله عنه بقتل صناديد الكفر، قال عمر: فهوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء، ثم نزل قول الله تعالى:﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67][4]

ومعنى هوِيَ ما قال أبو بكر: أي مال إليه واختاره، وليس المراد الهوى المذموم، بل الميل والاختيار في موضع الاجتهاد قبل نزول الحكم.

وجوب تقديم الوحي على كل شيء:

لا يجوز تقديم القياس أو الاستحسان أو الرأي الشخصي على النصوص الشرعية.
إذا جاء الحكم الشرعي، فإن الواجب هو:
 التصديق به، والإيمان بصحته، والاستسلام التام له، سواء وافق هوى النفس أم خالفه؛ ظهرت الحكمة والمصلحة منه أم خفيت.

(تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ) تابعًا لما جاءت به الشريعة، أي أن يميل قلبه تلقائيًا إلى ما تحبه الشريعة طبعًا واستسلامًا.

 أهمية تقديم الدليل على الحكم:
القاعدة الشرعية: المسلم يجب أن يستدل أولًا ثم يحكم، وليس العكس.
خطورة عكس القاعدة:
الحكم قبل الاستدلال يجعل العقل هو الأصل والنصوص الشرعية تابعة له، وهذا يؤدي إلى ضلال الفكر.
الأمثلة على هذه الخطورة:
بعض العلماء أو أصحاب المذاهب يحكمون بناءً على آرائهم المسبقة، ثم يفسرون النصوص لتناسب هذا الحكم، وهذا يؤدي إلى: ليّ أعناق النصوص الشرعية، وإخراج النصوص عن سياقها الصحيح.
والواجب هو: الالتزام بالنصوص الشرعية وجعلها الأصل، واتباع الكتاب والسنة في إصدار الأحكام، مع فهم النصوص وفقًا لقواعد أهل العلم.

علامات اتباع الهوى:

  1. كراهة ما جاء به النبي ﷺ
  2. النفور من الأحكام الشرعية والسعي للتخلص من الأمر والنهي بشتى الحيل.
  3. تفضيل الأدنى على الأعلى في الأعمال المشروعة: كالمسارعة إلى النوافل مع التكاسل عن أداء الواجبات؛ كالإكثار من الصدقة أو الصلاة النافلة مع إهمال الصلاة المكتوبة أو أداء الزكاة الواجبة.
  4. كراهة التحاكم إلى الله ورسوله: النفور من الرجوع إلى القرآن والسنة عند حدوث الخلاف.
  5. الحب والبغض لغير الله: تفضيل العلاقات والمصالح الدنيوية على معايير الحب والبغض لله، ووزن الناس بميزان المصلحة الدنيوية بدلاً من معايير الدين.

الآثار السلبية لاتباع الهوى:

  1. رفض الأحكام الشرعية بحجة أنها تحدّ من الحرية الشخصية.
  2. إشباع النفس الأمارة بالسوء على حساب حقوق الآخرين، كأكل الأموال بالباطل، وانتهاك الحرمات.
  3. معاداة أهل الحق ومعاداة الناس جميعًا.
  4. من يتبع هواه يعادي أهل الحق لأنه لا يحتمل من يُذكّره بالصواب.
  5. وقد يعادي كل من يشاركه الهوى نفسه، إذ تنشأ صراعات للحصول على نفس المصلحة أو الرغبة.

الفرق بين أهل الطاعة وأهل الهوى:

أهل الطاعة: قلوبهم صافية، صفوفهم متماسكة، يجتمعون على طاعة الله وحب الخير للآخرين.

أهل الهوى: قلوبهم متفرقة، صفوفهم ممزقة، يعيشون في نزاعات مستمرة بسبب تنافسهم على إشباع رغباتهم الشخصية.

أسباب الوقوع في الهوى:

  1. مخالطة أهل الأهواء: فهم ينشرون شبهاتهم بين الناس، فيؤثرون على من يختلط بهم.
  2. قراءة كتب أهل البدع والاستماع إلى شبهاتهم بوسائل الإعلام المغرضة التي تؤدي إلى انحراف الفكر.
  3. التأثر بالعلمانيين وعلماء السوء: هؤلاء يُلبسون الباطل ثوب الحق، ويضللون الناس بحجج واهية.

 فوائد الحديث:

  1. كمال الإيمان لا يتحقق حتى يخضع هوى العبد لما جاء به النبي ﷺ.
  2. الواجب على المسلم أن يجعل ميله ورغبته تابعة للوحي، لا أن يجعل الوحي تابعًا لرغبته.
  3. لا يجوز تقديم الرأي الشخصي أو القياس أو الاستحسان على النص الشرعي الصحيح.
  4. الشرع لا يعارض الهوى دائمًا؛ بل إن الهوى إذا وافق الحق فإنه محمود.
  5. إذا ثبت حكم الله ورسوله، فالواجب التصديق والانقياد، سواء ظهرت الحكمة للإنسان أم خفيت.
  6. من علامات صدق الإيمان أن يفرح العبد بحكم الله إذا وافق هواه أو خالفه.
  7. المنهج الصحيح أن يستدل المسلم أولًا ثم يحكم، لا أن يحكم أولًا ثم يلوّي النصوص لتوافق حكمه.
  8. كراهية ما جاء به النبي ﷺ علامة خطيرة من علامات اتباع الهوى.
  9. من اتباع الهوى: النفور من الأحكام الشرعية ومحاولة التخلص من الأوامر والنواهي بالحيل.
  10. الهوى إذا تمكن من النفس دفعها إلى أكل الحقوق، وانتهاك الحرمات، والتعدي على الآخرين.
  11. صاحب الهوى يعادي أهل الحق؛ لأنهم يذكّرونه بما يخالف شهوته.
  12. مخالطة أهل الأهواء من أسباب الانحراف؛ لأن شبهاتهم تنتقل إلى القلوب الضعيفة.
  13. مجاهدة الهوى من أعظم أبواب تزكية النفس.
  14. أهمية العلم الشرعي: لأن فهم النصوص والقواعد الشرعية ضرورة لضمان عدم الانحراف أو الوقوع في المبالغات.
  15. العودة إلى العلماء الموثوقين: لأن العلم الشرعي يجب أن يُؤخذ من أهله، ممن عُرفوا بالاستقامة والمنهج الصحيح.

  [1] عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما صحابي جليل، وهو ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه فاتح مصر. كان من علماء الصحابة وعبّادهم، عُرف بكثرة الصيام والقيام وقراءة القرآن، وبشدة حرصه على طلب العلم وسماع حديث النبي ﷺ. أسلم قبل أبيه، ولازم النبي ﷺ، وكان يكتب ما يسمعه منه بإذنه، حتى صارت له صحيفة مشهورة تُسمى الصادقة، وروى أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ، وروى عنه عدد من الصحابة والتابعين، وكان رضي الله عنه مثالًا في محبة السنة والحرص على العمل بها، مع ما عُرف به من الزهد والورع والعبادة، وتوفي نحو سنة 65 هـ.

[2]  أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، حديث رقم 15، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 4/368، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى، حديث رقم 209، والبغوي في شرح السنة، ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أشار إلى ضعف الحديث بسبب ضعف أحد رواته وهو نعيم بن حماد، وقد أعله ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وضعفه الألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن أبي عاصم، وذكر أن في إسناده كلاما، وفي السلسلة الضعيفة (حديث رقم 78) حكم عليه بالضعف.
والخلاصة: الحديث ضعيف من حيث السند، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ إذ أن تحقيق الإيمان الكامل يتطلب أن يوافق هوى الإنسان ما جاء به النبي ﷺ من الشرع، وهذا مدعوم بنصوص أخرى من القرآن والسنة، كقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (سورة النساء: 65).فشرط التحقق بصفة الإيمان الكامل هو الخضوع لأحكام الشرع والتسليم لإرادة الله دون أدنى تردد، ومن استحسن شيئًا برأيه المجرَّد، ومالت إليه نفسه، ولو كان مخالفًا للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد ينتفي الإيمان بالكلية إن كان هواه لا يكون تابعًا لما جاء به الرسول ﷺ في كل الدين.

 [3]  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، حديث رقم 4788، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، حديث رقم 1464)

[4] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم 1763

 

Visited 186 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 784
  • Today's page views: : 864
  • Total visitors : 105,944
  • Total page views: 117,633