صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعون النووية:40- كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ

تاريخ الإضافة 14 يوليو, 2026 الزيارات : 708

40- كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمنْكبيَّ فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ. وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ..) رواه البخاري[1].

شرح الحديث

الحديث يدور حول التخفف من الدنيا وترك الانشغال بها عن الآخرة، وتقصير الأمل فيما فيها، والحث على طلب الصالحات والتحذير من تسويف التوبة، واغتنام الأوقات في طاعة الله.

(أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمنْكبيَّ (أي تناوله بيده وقبض عليه، والمنكب: مجمع الذراع والكتف، وقد روى بمنكبي بالإفراد دون التثنية.

 ويُستفاد من هذا جواز – بل استحباب – إمساك المعلّم بمنكب المتعلم أو يده أو نحو ذلك منه، وذلك لما فيه من الأمور التالية:

  • استحضار قلبه وتنبيهه وتذكيره.
  • وليكون أبعد عن النسيان، إذ العادة غالبًا ألا ينسى من فُعل ذلك معه.
  • أن فيه مؤانسة لقلب المتعلم، وإشعارًا بالمحبة والشفقة نحوه.

ولهذا أمثلة في الأحاديث والآثار، ومنها:

  1. عند نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لأول مرة، قال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أنا بقارئ”، فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله…)[2]
  2. حديث جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم حين أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه.
  3. فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن مسعود رضي الله عنه في تعليم التحيات، حيث قال ابن مسعود: “علّمني رسول الله التشهد وكفّي بين كفّيه” وفي هذا دليل على محبته لابن مسعود[3].
  4. وفي حديث الباب دليل على محبته لابن عمر رضي الله عنهما أيضًا، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض على كتفيه تنبيهًا له على ما سيقول له وإيناسًا له، وتبسطًا معه.

فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ) أي متشبهاً بالغريب، يعني: لا تركن إلى الدنيا، ولا تطمئن فيها، ولا تتعلق بها؛ لأنك على جناح السفر منها إلى وطن إقامتك، وهو كالغريب الذي لا يستقر في دار الغربة، ولا يسكن إليها، ويظل مشتاقاً إلى وطنه.

وجه الشبه بينه وبين الغريب:

أن الغريب مستوحش في دار الغربة، لا يجد من يأنس به، ولا مقصد له إلا الخروج من غربته إلى وطنه، من غير أن ينافس أحدًا من أهل غربته؛ وكذلك المؤمن في الدنيا.

(أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) أي: غريب يمر بطريق لحاجته.

 “أو” هنا ليست للشك؛ بل تفيد: العطف بمعنى “بل”، وقيل: تفيد التخيير، وهذا محتمل، والأصح الأول؛ فهي هنا من باب عطف الخاص على العام بمعنى “بل”.

والمعنى: كن في الدنيا كغريب بل كعابر سبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل، فإن من شأنه ألا يقيم ولا يتخذ سكنا، وكذلك المؤمن في الدنيا.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً، فقال:

(ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) [4]

هكذا كانوا غرباء في الدنيا:

  1. عن أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّةِ، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) [5]
  2. وعنه أيضًا: “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” [6]
  3. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: “والله يا ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهِلَّة في شهرين، وما أُوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار” فقلت: يا خالة! فما كان يُعيِشُكُم؟ قالت: “الأسودان؛ التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا”[7]

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ) جاء بكلام ابن عمر عقب الحديث: لأن قول ابن عمر أصرح في بيان المعنى المراد من سياق الحديث، فهو كالتفسير والتتميم للمعنى المذكور في الحديث.

 أي إذا دخلت في المساء فلا تحدّث نفسك بالبقاء إلى الصباح، وكذا إذا دخلت في الصباح فلا تنتظر المساء، بل انتظر الموت على كل حال، واجعله نصب عينيك؛ فإن من قصر أمله زهد، ومن طال أمله طمع ورغب، وترك الطاعة، وتكاسل عن التوبة، وقسا قلبه لنسيانه الآخرة.

(وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) فمن كان محافظًا على وردٍ معين من الأعمال الصالحات، أو كان مستمرًا على فعل من صلاة أو صدقة أو صيام ثم عرض له ما يمنعه من عمله هذا، كُتب له أجره، كما لو كان عاملاً، وكان حاله في هذا العارض صدقة من الله سبحانه وتعالى على عبده.

وقد ورد هذا المعنى في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا.[8]

(وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ) أي اغتنم ما ترجو نفعه بعد موتك ما دمت حيًا، فإن الإنسان إذا مات انقطع عمله، واعلم أنه سيأتي عليك زمان طويل وأنت تحت الأرض، لا يمكنك أن تتقرب فيه بشيء إلى مولاك.

والمؤمن مكلّف أن يعمل في الدنيا بطاعة الله تعالى وما أمره به، والاجتهاد في ذلك؛ لأنه لا يدري أي وقت يدركه الموت.

 ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل”[9]

ومعنى الفسيلة: النخلة الصغيرة أو الغرسة الصغيرة، والمقصود من الحديث الحث على العمل النافع، وعدم ترك الخير ولو قربت النهاية.

تنبيه: وإنما ذمّ طول الأمل؛ لما فيه من معنى إيثار الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، والرضا بالدنيا الأدنى على الآخرة الأعلى، والمقصود أن تكون الدنيا في يد الإنسان لا في قلبه وعقله وتفكيره، حتى لا يستولي عليه حبها فيُفسده.

وهذا حث على الزهد في الدنيا، بجانب الحثّ على إصلاح المال، واتخاذ أسباب الكسب، والإنفاق على النفس ومن تعول.

 فالمراد من ذلك كله: قطع العلائق التي تحول بين المرء وبين إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وتفريغ القلب من كل شائبة تشغل بغير الله سبحانه وتعالى، وليس المقصود التفريط في جانب على حساب جانب آخر من الأوامر والنواهي.

أو كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

فوائد الحديث

  1. الحديث أصل عظيم في الزهد في الدنيا، وقصر الأمل، والاستعداد للآخرة.
  2. وصية النبي ﷺ لابن عمر رضي الله عنهما تدل على عنايته التربوية الخاصة بأصحابه، وحسن تعليمه لهم.
  3. أخذ النبي ﷺ بمنكب ابن عمر فيه لطف ومؤانسة، وتنبيه للمتعلم ليستحضر قلبه ويعي الكلام.
  4. الغريب لا يستقر قلبه في دار الغربة، بل يظل مشتاقًا إلى وطنه، وكذلك المؤمن وطنه الحقيقي الآخرة.
  5. المؤمن في الدنيا مسافر إلى الله، والدنيا ليست دار إقامة دائمة، بل محطة عبور.
  6. الزهد المشروع ليس ترك الدنيا بالكلية، بل ألا تسكن الدنيا في القلب ولا تشغل العبد عن الآخرة.
  7. قصر الأمل يعين على المبادرة إلى الطاعة، وترك التسويف، والاستعداد للموت.
  8. طول الأمل يورث الغفلة، والتكاسل عن التوبة، والتعلق بالدنيا، وقسوة القلب.
  9. المسلم ينبغي أن يعيش بين أمرين: يعمل لدنياه بما يحتاجه، ويستعد لآخرته كأن الموت قريب.
  10. لا يدري الإنسان متى يأتيه الموت، ولذلك لا يجوز له تأخير التوبة ولا تسويف العمل الصالح.
  11. الجمع بين الزهد والعمل هو المنهج الصحيح: قلب متعلق بالآخرة، ويد عاملة في الدنيا بما يرضي الله.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، حديث رقم 6416 

[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 3، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 160  

[3] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، حديث رقم 831، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، حديث رقم 402

  [4] أخرجه الترمذي في سننه كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، حديث رقم 2377، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

 [5] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد، حديث رقم 431.

[6]  أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم 2956.

 [7]  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب فضل المنيحة، حديث رقم 2567، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم 2972

 [8] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب يُكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، حديث رقم 2996

 [9] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب اصطناع المال، حديث رقم 479، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم 9، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه كذلك في صحيح الأدب المفرد.

 

Visited 270 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 3
  • Today's page views: : 3
  • Total visitors : 105,960
  • Total page views: 117,650