26- كل سلامى من الناس عليه صدقة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
(كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابّته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم[1] .
شرح الحديث
قوله: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) السلامى هي مفاصل الإنسان وعظامه الدقيقة التي يتركب منها البدن.
وقد ورد في السنة أن للإنسان ثلاث مئة وستون مفصلا (360) ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: ( إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل؛ فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما من طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى، فإنه يمشى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار. )[2]
فكل حركة في اليد أو الرجل أو الأصابع أو الظهر أو غير ذلك إنما تكون بفضل الله، ولذلك جاء الشرع بتذكير العبد بها حتى يعرف عظيم نعمة الله عليه، فكل واحد منها نعمة تستحق الشكر، ولهذا قال النبي ﷺ إن على الإنسان صدقة عن هذه السَّلامى، أي شكرًا لله على هذه النعم الكثيرة، وهذا كله على سبيل الاستحباب المؤكد.
وقد يظن البعض أن شكر النعم يكون باللسان فقط، والحقيقة أن هذا لا يكفي، نعم : الشكر باللسان أمر مطلوب شرعا ، ولكن ينبغي أن يضمّ إليه الشكر بالعمل ، فيحقّق بذلك أعلى درجات الشكر للخالق ، وحين نستعرض الصور التي وردت في الحديث الذي نتناوله ، نجد أكثرها يدخل في باب الشكر بالعمل .
قوله: (تعدل بين اثنين صدقة ) بمعنى: أنك تصلح بين اثنين بينهما خصومة ومنازعة، فتجمع بين القلوب وتفض النزاع، وتدفع أسباب الشر بين المسلمين، فإن هذا الأمر تؤجر عليه، سواء كان ذلك بين الرجل وامرأته، أو بين الرجل وجاره، أو بين الرجل، ومن يعامله بمعاملة كالأجير أو الشريك، أو نحو ذلك، فإن الإنسان يؤجر على هذا، فالعدل بين المتخاصمين شكر على نعمة اللسان الذي نطق بالحق ، وشكر على نعمة العقل الذي أعان العبد على اختيار الحق والقضاء به ، وشكر على نعمة الهداية والتوفيق التي أعانت على الإصلاح بين المتخاصمين ، ولو مضينا في ذكر هذه النعم فلن نحصيها عددا ، وحسبنا أن نعلم أن هذا العمل الخيّر هو من أفضل القربات إلى الله عزوجل ، كما أنه سبب تلتئم به المشاحنات التي تحصل بين الناس ، فهو إذا صدقة على المجتمع المسلم .
قوله: (وتعين الرجل في دابّته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة)
هذا باعتبار الأزمنة السابقة حينما كان الناس يسافرون على الجمال، والدواب المعروفة، فلربما الرجل يحتاج إلى إعانة ليركب، ولربما يحتاج الرجل إلى إعانة ليحمل متاعه فتكون الأحمال، يكون العِدل من هاهنا، والآخر من هاهنا على جانبي البعير مثلاً أو الحمار، أو نحو ذلك، يحتاج إلى من يرفع معه هذا، وكانوا في السابق يتعبون من هذه القضايا في الأسفار وفي غيرها، فهذه الأحمال التي على الرواحل إذا نزلوا في محل اشتغلوا برفعها عنها، ووضعها على الأرض، من أجل أن تستروح الدواب، ولربما ترعى، أو نحو هذا، وإذا أرادوا أن يرتحلوا حملها الرجال، ووضعوها على ظهور هذه الدواب، فهذه أعمال تحتاج إلى جهود، ولربما يكون الإنسان ضعيفاً، والشباب الأقوياء ربما الواحد منهم يحمل العِدلين بنفسه، ولكن الضعيف الرجل الكبير!، فلا يبقى يكابد ذلك، فهذا يؤجر عليه الإنسان.
واليوم إذا تعطلت سيارة أخيك فأعنه على إصلاحها، أو نحو هذا فإن الإنسان يؤجر على ذلك جميعاً.
قوله: (والكلمة الطيبة صدقة) فكم كان للكلمة الطيبة من أثر واضح على كثير من الناس، وللكلمة الطيبة وجوه متعددة وصور متنوعة، فهي:
- الذكر لله عزوجل.
- وهي الشفاعة الحسنة التي تقضي للناس حوائجهم.
- وهي التسلية للمصاب لتخفف عنه بلاءه.
- وهي الموعظة الصادقة التي ترشد العباد إلى ربهم.
- وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- وهي كل ما يُسرّ بها السامع، وما يجمع القلوب ويؤلفها.
قوله: (وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة) وهذا من كمال فضل الله وجوده بعباده أن جعل السعي إلى العبادة عبادة في الأجر.
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على فضل المشي إلى المساجد، منها:
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، ما لم يحدث، تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة متفق عليه.[3]
- وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). [4]
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره و كثرة الخطا إلى المساجد و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) [5]
- وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه (لا يخرجه) إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)[6]
- وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: (كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له أو فقلت له: لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء؟ فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: قد جمع الله لك ذلك كله). [7]
فينبغي للمؤمن ألا يزهد في هذا الفضل العظيم وأن يحرص على المشي إلى المسجد فإن الصبر على مشقة ذلك من الجهاد ولا يستبدله بالركوب إلا لحاجة عارضة.
قوله: (وتميط الأذى عن الطريق صدقة) إزالة الأذى عن طريق المسلمين عبادة لأنه داخل في الإحسان للخلق والله يحب الإحسان ويحب المحسنين ومن محاسن هذا الدين أن جعل كف الأذى عن الناس عبادة يتقرب بها المؤمن ويؤجر على فعلها.
وإزالة الأذى عن طريق المسلمين سبب لغفران الذنوب وتكفير الخطايا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)[8]
وفي رواية أبي ذر للحديث عند مسلم قال النبي ﷺ في آخره: (وَيَجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعهُمَا مِنْ الضُّحَى) وفيه دليل على أن من صلى ركعتين ضحى فقد أدى شكر يومه على نعمة البدن، وذلك لأن الصلاة تشتمل على جماع الشكر، والحمد، والتوحيد والتأله لله عز وجل فمن أداها محتسبا موافقا لهدي النبي ﷺ كان شاكرا لربه ذلك اليوم، فإن زاد عليها فعل النوافل التي أرشد إليها النبي ﷺ فقد جمع خصال الخير.
وقد دلت السنة على مشروعيتها واستحبابها قال أبو هريرة رضي الله عنه: (أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ). متفق عليه.[9]
وختاما: فإن أعمال العباد كلها لا تساوي قدر أقل نعمة من نعم الله المتكاثرة، فلئن كان شكرها لا يوافي قدرها، فلا أقل من رعاية الحواس حق الرعاية ، وصيانتها من استعمالها في غير مرضاة خالقها ومولاها ، لعل ذلك يكون أقل ما يجب.
نسأل الله التوفيق والسداد.
الفوائد من الحديث:
- أن نعم البدن كثيرة ومتجددة، وكل مفصل من مفاصل الإنسان نعمة تستحق الشكر كل يوم لله تعالى.
- أن الصدقة لا تقتصر على المال، بل تشمل أعمال الخير المتنوعة كالإصلاح، والإعانة، والكلمة الطيبة، والمشي إلى الصلاة، وإزالة الأذى.
- أن شكر النعمة يكون باللسان والعمل، وليس بالقول وحده، ولذلك ذكر الحديث صورًا عملية للشكر.
- أن الإصلاح بين الناس من الصدقات العظيمة؛ لأنه يجمع القلوب، ويقطع أسباب الخصومة، ويحفظ وحدة المجتمع.
- أن إعانة المحتاج في أموره اليومية صدقة.
- أن الكلمة الطيبة عبادة، وتشمل الذكر، والنصيحة، والمواساة، والشفاعة الحسنة، والأمر بالمعروف، وكل كلام يدخل السرور ويؤلف القلوب.
- أن المحافظة على صلاة الجماعة من أعظم أبواب الأجر، لما فيها من مضاعفة الثواب، وكتابة الخطوات، وصلاة الملائكة على المصلي.
- أن إزالة الأذى عن طريق الناس صدقة، وهي من صور الإحسان إلى الخلق وكف الضرر عنهم.
- أن صلاة الضحى لها منزلة عظيمة؛ لأنها تجزئ عن شكر سلامى البدن في ذلك اليوم.
- أن المسلم ينبغي ألا يحتقر شيئًا من المعروف.
- أن الإسلام يربي المسلم على النفع العام، فلا يكون صلاحه لنفسه فقط، بل يمتد خيره إلى الناس والمجتمع.
- أن استعمال الجوارح في طاعة الله من شكر النعمة، واستعمالها في المعصية من كفرانها.
- أن العبد مهما عمل فلن يؤدي حق نعم الله كاملة، لكن الواجب عليه أن يجتهد في الشكر، ويحفظ جوارحه مما لا يرضي الله.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح باب كل معروف صدقة (حديث رقم 2707)، وأخرجه أيضًا في كتاب الجهاد والسير باب من أخذ بالركاب ونحوه (حديث رقم 2989)، وفي كتاب الأدب باب كل معروف صدقة (حديث رقم 6021)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (حديث رقم 1009)
[2] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (حديث رقم 1007) من حديث
[3] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان أو أبواب صلاة الجماعة والإمامة (باب فضل صلاة الجماعة، حديث رقم 647 في الترقيم المشهور، ويقع برقم 620 في بعض الطبعات)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، حديث رقم 649)
[4] أخرجه الترمذي في سننه في كتاب أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ (باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، حديث رقم 223)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة (باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، حديث رقم 251) وورد عند مسلم أيضًا من طريق مالك بزيادة تكرار قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)
[6] أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة (باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، حديث رقم 558)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، وقوله صلى الله عليه وسلم (فأجره كأجر الحاج المحرم) له ثلاثة تفسيرات: الأول: أي كامل أجره ، بأن يأخذ ثواب الحاج المحرم ، الثاني: أي كأجر الحاج المحرم من حيث أخذه ثوابا على كل خطوة يخطوها ، فالماشي إلى المسجد والحاج كلاهما لهما ثواب على كل خطوة يخطوهما ، وإن اختلف الثواب بينهما ، الثالث:أنه مثل الحاج المحرم من حيث أن له ثوابَ الصلاة من أول خروجه من بيته حتى عودته ، وإن لم يكن يصلي في كل الوقت ، كما أن للحاج ثوابَ الحج من أول خروجه إلى عودته ، وإن لم يكن في شعائر الحج طوال هذه الفترة.
[7] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، حديث رقم 663)
[8] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم والغصب (باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به، حديث رقم 2472)
[9] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد (باب صلاة الضحى في الحضر، حديث رقم 1178)

