كتاب إتحاف الدعاة بفقه الزكاة
المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن علم فقه الزكاة من أجلّ أبواب الفقه الإسلامي وأعظمها أثرًا في حياة الأفراد والمجتمعات، إذ يجمع بين التعبد الخالص لله تعالى، وتحقيق مقاصد الشريعة في العدل والتكافل الاجتماعي، وحفظ المال، وسدّ حاجات الفقراء والمساكين، وتقوية أواصر الرحمة بين أبناء الأمة.
فالزكاة ليست مجرد عبادة مالية تؤدى في وقت محدد، وإنما هي نظام رباني متكامل، يقوم على تزكية النفس والمال، وبناء مجتمع متوازن تسوده القيم الإيمانية والإنسانية، وتُحفظ فيه الكرامة البشرية، ويُصان فيه الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وقد احتل فقه الزكاة مكانة مركزية في التشريع الإسلامي؛ إذ قرنه الله تعالى بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، مما يدل على عظيم شأنه، وعلو مرتبته، وخطورة التفريط فيه.
فالزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي مظهر عملي للإيمان، ودليل صدق العبودية، وبرهان على تعظيم أوامر الله والانقياد لأحكامه، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103]
ومن هنا كان الاشتغال بفقه الزكاة تعلّمًا وتعليمًا من فروض الكفايات التي تحتاجها الأمة في كل زمان، وتزداد الحاجة إليه كلما تعقّدت صور الأموال، وتنوّعت المعاملات، وتغيرت أنماط الكسب والإنفاق.
وفي عصرنا الحاضر، برزت أهمية فقه الزكاة بصورة أوضح، نتيجة التحولات الاقتصادية الكبرى، وظهور أنواع جديدة من الأموال، وتوسع المعاملات التجارية، وانتشار النقود الورقية، والاستثمارات، والأسهم، والديون طويلة الأجل.
وقد أدى ذلك إلى كثرة الأسئلة والنوازل المعاصرة المتعلقة بالزكاة، مما جعل الحاجة ماسّة إلى عرض يسير يجمع بين التأصيل الشرعي، وفهم الواقع، والتيسير المنضبط الذي يراعي مقاصد الشريعة، دون إخلال بثوابتها وأصولها.
ومن هذا المنطلق جاء هذا الكتاب الذي أسميته:
(إتحاف الدعاة بفقه الزكاة)
ليسهم في سدّ هذه الحاجة، ويقدّم مادة فقهية متكاملة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتوازن بين النقل والاجتهاد، وتراعي مستوى طلبة العلم والدعاة، وكل من يرغب في فهم أحكام الزكاة فهماً صحيحًا مبنيًا على الدليل والتعليل.
وقد حرصت على أن يكون هذا العمل جامعًا لأهم مسائل الزكاة، بدءًا من تعريفها وحكمها وشروطها، مرورًا بالأموال التي تجب فيها، وانتهاءً بتفصيل أحكامها التطبيقية في واقع الناس المعاصر.
وقد طُبع هذا الكتاب قديمًا بمصر منذ قرابة عشرين عامًا، ثم لما جدَّت مسائل عصرية كثيرة أعدتُ تنسيقه وترتيبه، وأضفتُ إليه ما استجد من النوازل، وها أنا أنشره اليوم بثوبه الجديد، لينتفع به الدعاة وطلبة العلم.
ويمتاز هذا الكتاب -بفضل الله- بعدة مزايا علمية ومنهجية، من أبرزها:
- وضوح الأسلوب وسهولة العبارة، مع المحافظة على العمق الفقهي اللازم، مما يجعله مناسبًا للتدريس، والمطالعة، والاستفادة العامة.
- كما يتميز بحسن الترتيب والتدرج في عرض المسائل، حيث يبدأ بالتأصيل الشرعي من القرآن والسنة، ثم يعرض أقوال الفقهاء، ويبيّن أدلتهم، ويوازن بينها، مع ذكر الراجح وعلته، بأسلوب يقرّب الفقه إلى الأذهان، ويزيل كثيرًا من الإشكالات التي تعترض غير المتخصصين.
- كما أن من أهم مميزات هذا الكتاب عنايته بالمسائل العصرية والنوازل الفقهية المتعلقة بالزكاة، مثل زكاة النقود الورقية، وزكاة الديون، وزكاة التجارة المعاصرة، وأحكام الدين الحال والمؤجل، ومسائل الزكاة في ظل الأنظمة الاقتصادية الحديثة، مما يجعله كتابًا حيًّا مرتبطًا بواقع الناس، وليس مجرد عرضٍ نظري لمسائل تراثية.
ومن الناحية المنهجية، اعتمدت في هذا الكتاب اعتمادًا كبيرًا على موسوعة فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي- رحمه الله تعالى-، تلك الموسوعة التي تُعد من أوسع وأشمل ما كُتب في هذا الباب في العصر الحديث، لما امتازت به من جمعٍ لأقوال الفقهاء، وتحقيقٍ علمي، وربطٍ عميق بين النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة والواقع المعاصر.
وقد استفدت من هذا العمل الموسوعي استفادة واضحة، سواء في التقعيد الفقهي، أو في معالجة المسائل المستجدة، أو في إبراز البعد المقاصدي والاجتماعي للزكاة، لكن راعيت تبسيط كثير من المسائل الفقهية التي توسّع فيها الدكتور القرضاوي رحمه الله، واختصرتها، مركزا على خلاصة الأقوال الراجحة وأدلتها، تيسيرًا على طلبة العلم، وتخفيفًا عن القارئ، مع الحفاظ على الأمانة العلمية والدقة في النقل والترجيح.
وقد وافقت الشيخ القرضاوي في كثير من المسائل والترجيحات الفقهية، وخالفته في مسائل يسيرة جدا مثل زكاة المستغلات وغيرها.
نسأل الله تعالى أن يجعله عملًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلاب العلم، والدعاة، وعامة المسلمين، وأن يجعله في ميزان حسنات مؤلفه، وكل من أسهم في إعداده ونشره، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
والله الموفق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
لتحميل نسخة من الكتاب اضغط هنا:
إتحاف الدعاة بفقه الزكاة