شرح الفوائد لابن القيم :(9)مع قول الحق جل وعلا (ما يبدل القول لدي)

تاريخ الإضافة 19 يناير, 2026 الزيارات : 24

(9)مع قول الحق جل وعلا (ما يبدل القول لدي)

يقول ابن القيم- رحمه الله-: فيختصم هُوَ وقرينه من الشَّيَاطِين ويحيل الْأَمر عَلَيْهِ وَأَنه هُوَ الَّذِي أطغاه وأضله فَيَقُول قرينه لم يكن لي قوّة أَن أضلّه وأطغيه وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد اخْتَارَهُ لنَفسِهِ وآثره على الْحق كَمَا قَالَ إِبْلِيس لأهل النَّار: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي} وعَلى هَذَا فالقرين هُنَا هُوَ شَيْطَانه يختصمان عِنْد الله وَقَالَت طَائِفَة بل قرينه هَهُنَا هُوَ الْملك فيدعي عَلَيْهِ أَنه زَاد عَلَيْهِ فِيمَا كتبه عَلَيْهِ وطغى وَأَنه لم يفعل ذَلِك كُله وَأَنه أعجله بِالْكِتَابَةِ عَن التَّوْبَة وَلم يمهله حَتَّى يَتُوب فَيَقُول الْملك مَا زِدْت فِي الْكِتَابَة على مَا عمل وَلَا أعجلته عَن التَّوْبَة {وَلَكِنْ كَانَ فِي ضلال بعيد}

فَيَقُول الرب تَعَالَى {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَي} وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن اختصام الْكفَّار وَالشَّيَاطِين بَين يَدَيْهِ فِي سُورَة الصافات والأعراف وَأخْبر عَن اختصام النَّاس بَين يَدَيْهِ فِي سُورَة الزمر وَأخْبر عَن اختصام أهل النَّار فِيهَا فِي سُورَة الشُّعَرَاء وَسورَة ص ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه لَا يبدَّل القَوْل لَدَيْهِ فَقيل المُرَاد بذلك قَوْله {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) ووعده لأهل الْإِيمَان بِالْجنَّةِ وَأَن هَذَا لَا يُبدل وَلَا يخلف، قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد مال وعدي خلف لأهل طَاعَتي، وَلَا أهل معصيتي قَالَ مُجَاهِد قد قضيت مَا أَنا قَاض وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَة وفيهَا قَول آخر أَن الْمَعْنى مَا يغيّر القَوْل عِنْدِي بِالْكَذِبِ والتلبيس كَمَا يغيّر عِنْد الْمُلُوك والحكّام فَيكون المُرَاد بالْقَوْل قَول المختصمين وَهُوَ اخْتِيَار الْفراء وَابْن قُتَيْبَة قَالَ الْفراء الْمَعْنى مَا يكذب عِنْدِي لعلمي بِالْغَيْبِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة أَي مَا يحرف القَوْل عِنْدِي وَلَا يُزَاد فِيهِ وَلَا ينقص مِنْهُ قَالَ لِأَنَّهُ قَالَ القَوْل عِنْدِي وَلم يقل قولي وَهَذَا كَمَا يُقَال لَا يكذب عِنْدِي.

فعلى القَوْل الأوّل يكون قَوْله {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} من تَمام قَوْله {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لدي} فِي الْمَعْنى أَي مَا قلته ووعدت بِهِ لَا بُد من فعله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عدل لَا ظلم فِيهِ وَلَا جور.

وعَلى الثَّانِي يكون قد وصف نَفسه بأمرين أَحدهمَا أَن كَمَال علمه واطلاعه يمْنَع من تَبْدِيل القَوْل بَين يَدَيْهِ وترويج الْبَاطِل عَلَيْهِ وَكَمَال عدله وغناه يمْنَع من ظلمه لعبيده ثمَّ أخبر عَن سَعَة جهنّم وَأَنَّهَا كلّما ألْقى فِيهَا تَقول هَل من مزِيد وَأَخْطَأ من قَالَ أَن ذَلِك للنَّفْي أَي لَيْسَ من مزِيد والْحَدِيث الصَّحِيح يردّ هَذَا التَّأْوِيل.

ثمَّ أخبر عَن تقريب الْجنَّة من الْمُتَّقِينَ وَأَن أَهلهَا هم الَّذين اتصفوا بِهَذِهِ الصِّفَات الْأَرْبَع إِحْدَاهَا أَن يكون أوابا أَي رجَّاعاً إِلَى الله من مَعْصِيَته إِلَى طَاعَته وَمن الْغَفْلَة عَنهُ إِلَى ذكره قَالَ عبيد بن عُمَيْر الأوّاب الَّذِي يتَذَكَّر ذنُوبه ثمَّ يسْتَغْفر مِنْهَا وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ الَّذِي إِذا ذكر ذَنبه فِي الْخَلَاء اسْتغْفر مِنْهُ وَقَالَ سعيد بن المسيّب هُوَ الَّذِي يُذنب ثمَّ يَتُوب ثمَّ يُذنب ثمَّ يَتُوب الثَّانِيَة أَن يكون حفيظا قَالَ ابْن عبّاس لما ائتمنه الله عَلَيْهِ وافترضه وَقَالَ قَتَادَة حَافظ لما استودعه الله من حقّه وَنعمته وَلما كَانَت النَّفس لَهَا قوّتان قُوَّة الطّلب وَقُوَّة الْإِمْسَاك كَانَ الأواب مُسْتَعْملا لقُوَّة الطّلب فِي رُجُوعه إِلَى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مُسْتَعْملا لقُوَّة الْحِفْظ فِي الْإِمْسَاك عَن مَعَاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك نَفسه عَمَّا حرّم عَلَيْهِ والأوّاب الْمقبل على الله بِطَاعَتِهِ الثَّالِثَة.

قَوْله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} يتَضَمَّن الْإِقْرَار بِوُجُودِهِ وربوبيته وَقدرته وَعلمه واطلاعه على تفاصيل أَحْوَال العَبْد ويتضمن الْإِقْرَار بكتبه وَرُسُله وَأمره وَنَهْيه ويتضمن الْإِقْرَار بوعده ووعيده ولقائه فَلَا تصح خشيَة الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ إِلَّا بعد هَذَا كُله الرَّابِعَة قَوْله {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} قَالَ ابْن عَبَّاس رَاجع عَن معاصي الله مقبل على طَاعَة الله وَحَقِيقَة الْإِنَابَة عكوف الْقلب على طَاعَة الله ومحبته والإقبال عَلَيْهِ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ جَزَاء من قَامَت بِهِ هَذِه الْأَوْصَاف بقوله {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود لَهُم مَا يشاؤون فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}

الشرح

في الآيات الكريمة ذكر للقرين مرتين: كلام القرين في الموضع الأول وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] هو كلام الملك الموكل به، يقول: هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.

 وكلام القرين في الموضع الثاني من السورة هو الشيطان الذي كان يوسوس له: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [ق: 27]، يريد أنْ يتبرأ من صاحبه الضال ويتركه؛ بقوله: ربنا ما أطغيته، ولا أجبرته على الكفر والعصيان، وَلَـٰكِن هو الذي كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ؛ دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال أو الكفر.

فيجيبهما الحق تبارك وتعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 28-29]

لا تختصموا لدي لأن الخصومة لن تنفعكم اليوم فلا يلقي كُلٌّ منكم بالمسئولية على صاحبه، فأنا أعلم بكم، ولا يخفى عليّ من المطيع ومن العاصي؛ فلا فائدة إذن من هذه الخصومة (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد) أي حذرتكم في الدنيا على ألسنة رسلي من سوء عاقبة الكفر، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم.

وقوله: (مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ) فيه تفسيران:

التفسير الأول: أى: لا خلف لوعدي، ولا معقب لحكمي، بل هو كائن لا محالة، والوعد من الله هو: أنه وعد المؤمنين بالجنة وتوعد الكافرين بالنار.

التفسير الثاني: ما يغير القول عندي بالكذب والتلبيس؛ كما يغير عند الملوك والحكام، فيكون المراد قول المختصمين؛ لعلمه سبحانه بالغيب، وقد قال تبارك وتعالى: “ما يبدل القول لدي” ولم يقل “قولي”

قد يقف المتخاصمون بين يدي قاض من قضاة الدنيا أو ملك من الملوك؛ فيكذب أحد المتخاصمين أو يغش أو يزين الكلام، لكن هل هذا يقع بين يدي أحكم الحاكمين؟ فرب العزة حينما يوقف العباد بين يديه لا يقبل القول بالكذب ولا بالتدليس، فالجميع أمام من يعلم السر وأخفى، فإذا كان هناك فرصة متخيلة عند هؤلاء المجرمين للكذب فهي مفضوحة بكل أبعادها وأشكالها؛ تكذب على من؟ على الله سبحانه وتعالى وبين يديه جل في علاه.

وعلى القول الثاني: يكون قد وصف الحق تبارك وتعالى نفسه بأمرين:

 أحدهما: أن كمال علمه واطلاعه يمنعه من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه، فالقاضي من قضاة الدنيا من الممكن أن يحكم بحكم، ثم يتبين له أشياء كانت مخفية عنه أو بطلان أدلة فيعدّل الحكم، ولذلك في القضاء البشري توجد محكمة ابتدائية ثم استئناف ثم المحكمة العليا؛ فتتعدد درجات الحكم لأنه قد يجدّ جديد في القضية أو يكن في القضية أمرا لم ينتبه له القاضي.

وهذا بالنسبة إلى الله جل وعلا مستحيل!! أقصد مستحيل أن يجد جديد لا يعلمه الله فهو سبحانه منزه عن الجهل، فحين يحكم بأن هذا يلقى في جهنم فهذا حكم عدل ليس فيه ظلم، ولذلك قال في سورة الرعد: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [سورة الرعد: 41]. يعني لا تعديل على أحكامه لأن علمه محيط بكل شيء لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.

والثاني: كَمَال عدله وغناه يمْنَع من ظلمه لعبيده: فتنزه رب العزة عن الظلم، وهو سبحانه غني عنا، وفي الحديث القدسي قال الله عز وجل أنه قال: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا) [1]

وعلماء السلف لهم كلمة تحتاج إلى تأمل طويل، يقولون: “من يظلم هو الناقص” فالذي يظلم سبب ظلمه إما لنقص علمه فتخفى عليه الحقائق ويغشه المنافقون، أو عنده نقص في المال فيظلم ويأخذ مال غيره، أو عنده نقص في القوة فيظلم ويبطش، ويسجن، ويعذب لشعوره الدائم بالخوف ممن ينقلب عليه، فكلما زاد شعور الفاجر بالنقص زاد ظلمه. الأمر الثاني أن كمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده.

فعلى القول الأول يكون قوله: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} من تمام قوله: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) في المعنى؛ أي ما قلت ووعدت به لا بد من فعله، فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور، أى: لا أعذب أحدا بدون ذنب جناه، وإنما أجازى الذين أساؤوا بما عملوا، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى.

يقول ابن القيم: إن الله سبحانه أخبر في القرآن عن أنواع من الاختصام تقع يوم القيامة، وكلها حق ثابت لا تعارض بينها: فأخبر عن اختصام الكفار مع الشياطين بين يديه كما في سورتي الصافات والأعراف، حيث يحمّل الأتباعُ القادةَ والشياطينَ سبب الضلال، ويتبرأ القادةُ منهم، وكلٌّ يلقي باللائمة على غيره، في مشهد يَظهر فيه خذلان الشيطان لمن اتبعه.

وأخبر سبحانه عن اختصام الناس بعضهم مع بعض بين يديه كما في سورة الزمر، وهذا يشمل خصومات الحقوق والمظالم والادعاءات، حيث تُعرض الأعمال ويُفصل بين العباد بالعدل.

وأخبر عن اختصام أهل النار فيما بينهم داخل النار كما في سورة الشعراء وسورة ص، حيث يلعن بعضهم بعضًا، ويعترف بعضهم بإضلال بعض، ويتمنّى الضعفاء لو أن لهم كرة فيتبرؤوا من المتبوعين، وكل ذلك بعد أن صار المصير محققًا.

إذن الخصومات يوم القيامة ليست لمراجعة الحكم، وإنما لإظهار العدل، وقطع المعاذير، وإقامة الحجة، وبيان أن الجزاء من الله واقع عن علم وعدل وحكمة، لا عن ظلم ولا عن غفلة.

وخلاصة كلام ابن القيم أن الله يُظهِر الخصومات ليظهر الحق، ثم يُمضي حكمه الذي سبق به علمه، فلا يُبدَّل قوله، ولا يُرد قضاؤه، ولا يَنجو إلا من سبقت له الحسنى.

سعة جهنم وقولها هل من مزيد:

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن سعة جهنم وأنها كلما ألقي فيها فوج طلبت المزيد؛ في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: 30]

وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث صحيح يوضح هذا المشهد المهيب:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال جهنم تقول هل من مزيد ، حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فتقول قط قط وعزتك ، ويزوى بعضها إلى بعض )[2]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي ، أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذابي ، أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منهما ملؤها ، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله ، فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا ) .[3]

ومعنى (هل من مزيد) أن النار تطلب الزيادة لسعتها، وقد أخطأ من أول الحديث وقال إن الاستفهام للنفي (أي ليس فيّ مزيد)؛ فالحديث الصحيح يرد هذا التأويل، حيث يثبت أن الله يضع قدمه فيها لتمتلئ وينضم بعضها إلى بعض.

صفات أهل الجنة:

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تقريب الجنة من المتقين في قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق: 31-33] ثم فصل من هم المتقون بذكر أربع صفات:

  1. الصفة الأولى (أواب) ومعنى أواب أي كثير الرجوع إلى الله، فالتائب يرجع إلى الطريق كلما أضله الشيطان بمعصية أو غفلة، والبعض يوسوس له الشيطان بترك الاستغفار حتى لا ينافق ربه وهذا خطأ، فالشيطان يود لو يئس العبد من رحمة الله.

كما قال الحسن البصري لما قيل له: أيذنب أحدنا ثم يستغفر ثم يذنب؟ قال: (ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه فلا تملوا من الاستغفار).

وقال عبيد بن عمير: الأواب الذي يتذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها.

وقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.

الحديث الوارد بنصه وتخريجه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا). تخريجه: أخرجه الإمام البخاري (43) ومسلم (785).

  1. الصفة الثانية (حفيظ): قال ابن عباس: أن يكون حفيظاً لما ائتمنه الله عليه وافترضه. مثل قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [سورة البقرة: 238] فهو يحفظ أوامر الله ومحارمه فلا ينتهكها.

الأواب يستعمل قوة الطلب في الرجوع إلى الله والحفيظ يستعمل قوة الإمساك عن المعاصي.

  1. الصفة الثالثة (من خشي الرحمن بالغيب): وهذا هو الإيمان الحقيقي، فالتقوى هي مراقبة الله عز وجل دون الحاجة لرقيب بشري أو كاميرا، وهو يتضمن الإقرار بوجود الله وربوبيته ووعده ووعيده.
  2. الصفة الرابعة (وجاء بقلب منيب): قال ابن عباس: راجع عن معاصي الله مقبل على طاعته. وحقيقة الإنابة هي عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والاقبال عليه.

جزاء أهل الجنة:

ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: 34-35] أي: ادخلوا الجنة بِسَلاَمٍ فهي دار خالية من المنغِّصات، ولا تنتقل إلى غَمٍّ أو ضيق أبداً بعد ذلك، وهذا اليوم هو يَوْمُ الخلود الدائم والنعيم الذي لا ينقطع ولا يزول، وهذا هو الفرْق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؛ فنعيم الدنيا قد ينتهي بالموت، أو بالفقر أو المرض، أما نعيم الآخرة فسالم من كلِّ المنغصات.

( لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا ) أى: لهؤلاء المتقين ما يشاءون ويشتهون.. في الجنة.
( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) أى: وعندنا – فضلا عن كل هذا النعيم الذي يرفلون فيه – المزيد منه، مما لم يخطر لهم على بال، ولم تره أعينهم قبل ذلك.
وقال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ[يونس: 26]، لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.


[1]  أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2577).

[2]  رواه البخاري (6661)، ومسلم (2848)

[3] رواه البخاري (4850)، ومسلم (2847)

Visited 23 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع