(8) من هو القرين؟

يقول ابن القيم : ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن قرينه وَهُوَ الَّذِي قرن بِهِ فِي الدُّنْيَا من الْمَلَائِكَة يكْتب عمله وَقَوله يَقُول لمّا يحضرهُ هَذَا الَّذِي كنت وكّلتني بِهِ فِي الدُّنْيَا قد أحضرته وَأَتَيْتُك بِهِ هَذَا قَول مُجَاهِد وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة الْمَعْنى هَذَا مَا كتبته عَلَيْهِ وأحصيته من قَوْله وَعَمله حَاضر عِنْدِي وَالتَّحْقِيق أَن الْآيَة نتضمن الْأَمريْنِ أَي هَذَا الشَّخْص الَّذِي وكلت بِهِ وَهَذَا عمله الَّذِي أحصيته عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُقَال (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) وَهَذَا إِمَّا أَن يكون خطابا للسائق والشهيد.
الشرح
القرين: في اللغة بمعني الصاحب والشريك في الأمر، أما من الناحية الشرعية فلكل إنسان (قرين) من الملائكة وقرين من الشياطين من وقت الولادة إلى الممات.
وقد جاء ذكر القرين في آيات وأحاديث نذكرها هنا للفائدة:
أولا/ ما جاء في القرآن:
- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: 38]
في هذه الآية يخبر الله عن المرائين في الإنفاق الذين ينفقون رياء طلبا لمحمدة الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن يكن الشيطان له خليلاً وصاحبا يعمل بطاعته ويتبع أمره ويترك أمر الله بإنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات فساء الشيطان قرينا.
- وقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: 25]
أي : وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق قُرَنَاءَ من الشياطين ، كما قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83] أي تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما زينوا ( لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا ، فأقدموا على معاصي اللّه، وسلكوا ما شاءوا من محاربة اللّه ورسله والتكذيب بالآخرة، وهذا التسليط والتقييض من اللّه للمكذبين الشياطين ، بسبب إعراضهم عن ذكر اللّه وآياته، وجحودهم الحق.
- وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]
العَشَا هو ضعفُ البصرِ يقولون، العمى هو عدمُ البصرِ، والعَشَا ضعفٌ، والمعنى: ومن يُعرِضُ عن الذِّكر الَّذي أنزلَ الرحمن وهو القرآنُ، نُسلِّطُ عليه شيطاناً {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يُلازمُه.
- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23]
والمراد بقرينه في هذه الآية الملك الموكل بكتابه ما يصدر عن الإِنسان في حياته، وجاء به مفردا مع أن لكل إنسان قرينين (ملك الحسنات وملك السيئات) لأن المراد به اسم الجنس (أي جنس الملائكة) وقوله: (هذا ما لدي عتيد) يعني هذا الكتاب الذي وكلتني بحفظه والذي كتب فيه كل ما فعله هذا العبد، هذا ما لدي عتيد يعني حاضر تام مضبوط، أو هذا ما وكلتني بإحضاره إشارة إلى الإنسان من بني آدم هذا ما وكلتني بإحضاره ها أنا جئت به حاضراً أمامك بهيئته.
قال ابن القيم: هَذَا قَول مُجَاهِد[1] وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة[2] الْمَعْنى هَذَا مَا كتبته عَلَيْهِ وأحصيته من قَوْله وَعَمله حَاضر عِنْدِي.
إذن سياق الآيات يقتضي المعنيين أي هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيته عليه.
- وقال: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: 27]
قرينه هنا الشيطان الذي وُكِّل به؛ فيتبرأ منه شيطانه فيقول: (ربنا ما أطغيته) أي: ما أضللتُه؛ بل كان هو في نفسه ضالاًّ قابلاً للباطل معانداً للحقِّ.
أما ورد في السنة:
- وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ (ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير.) وفي رواية: (وقد وكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة)[3]
ومعنى (فأسلم) برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أسلم أنا من شرِّه وفتنته، ومَن فتح قال: إن القرين أسلم، من الإسلام وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير، والأرجح منهما أنه صار مسلماً فالأمَّة مجتمعة على عصمة النَّبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.
- وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ قال (إذا كان أحدكم يصلِّي فلا يدع أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتلْه فإن معه القرين) [4]
- عن عائشة -رضى الله عنها-أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: (ما لك يا عائشة أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلى على مثلك، فقال رسول الله ﷺ أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: نعم ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن ربى أعانني عليه حتى أسلم) [5]
- وعن عبدالله بن مسعود (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: 268][6]
وقوله: (لَمَّة) من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو المَلَك.
وقوله: (إيعاد بالشر) كالكفر والفسق والظلم.
(وتكذيب بالحق) أي في حق الله أو حق الخلق أو تكذيب بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والنار والجنة.
وقوله (وأما لمة الملك فإيعاد بالخير) كالصلاة والصوم.
(وتصديق بالحق) ككتب الله ورسوله.
وقوله (فمن وجد) أي في نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أي لمّة الملك.
(فليعلم أنه من الله) أي منّة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذْ أمَر الملك بأن يلهمه.
(فليحمد الله) أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهَّله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير.
(ومن وجد الأخرى) أي لمّة الشيطان.
ثم قرأ الآية: (الشيطان يعدكم الفقر) أي يخوفكم به ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات (ويأمركم بالفحشاء) أي المعاصي.
فكل إنسان معه قرينه من الملائكة وقرينه من الشياطين، فالمؤمن بطاعته لله ورسوله والاستقامة على دين الله يقهر شيطانه، ويذله ويهينه، حتى يكون ضعيفاً لا يستطيع أن يغالب، ويمنع المؤمن من الخير.
والمؤمن العاصي بسبب معاصيه وسيئاته يعين شيطانه، حتى يقوى على مساعدته على الباطل، وعلى تشجيعه على الباطل.
ورب العزة أذن بوجود الاثنين: قرين من الملائكة وقرين من الشياطين ابتلاء واختباراً، فيكون كل واحد منا عنده داع للإيمان، وداع للهوى
وقت صلاة الفجر، وأنت نائم بداخلك صوتان: صوت يقول لك: قم انهض صلِّ في المسجد صلاة الجماعة … وصوت ثاني يقول لك: نم الليل طويل ما زال باقي على الشروق ساعة ونصف ما زال باقي وقت متسع نم، وخذ راحتك أنت مجهد أنت متعب وهكذا حتى يطمئنك أن تهرب من تأنيب الضمير فهذا داعي الإيمان وهذا داعي الهوى من يغلب؟ هذا يختلف بحسب قوة الإيمان، أو ضعفه.
يقول: فحينئذ يقال {ألقيا في جهنم} وهذا إما أن يكون خطابا للسائق والشهيد أو خطابا للملك الموكل بعذابه وإن كان واحدا وهو مذهب معروف من مذاهب العرب في خطابها أو تكون الألف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
قول تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 24] أي عند عرض العبد يوم القيامة يصدر الأمر الإلهي بإلقائه في جهنم، لكن لمن الخطاب في قوله: ألقيا؟
ذكر ابن القيم عدة أقوال لعلماء التفسير:
- القول الأول وهو الأقوى الخطاب هنا للسائق والشهيد، بدلالة قوله تعالى قبلها: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] فالسائق يسوقه إلى المحشر
والشهيد يشهد عليه بعمله، فيؤمران معا بإلقائه في النار. - القول الثاني: هو خطاب للملك الموكل بعذابه وإن كان واحداً لكن وارد في لغة العرب أنه يعبر عن الواحد بالمثنى، وهذه القاعدة من القواعد المعروفة في لسان العرب وهي أن العرب قد تخاطب الواحد بلفظ الاثنين أو الجمع مع أن المخاطب واحد في الحقيقة، والأصل في الخطاب أن يكون اللفظ مطابقا للعدد، لكن العرب تتوسع في أساليبها البلاغية فتخرج عن هذا الأصل لأغراض معتبرة عندهم ومن أهم هذه الأغراض التعظيم والتفخيم، فإذا كان المخاطب ذا شأن عظيم أو موكلا بأمر جليل خوطب بلفظ الجمع أو التثنية تعظيما لأمره، وتقوية لمعنى الخطاب، وكذلك قد يستعمل هذا الأسلوب للتأكيد وتشديد الأمر لأن التثنية أو الجمع في الخطاب يوحيان بقوة الطلب وكأن الأمر يتكرر أو ينفذ من جهات متعددة، وقد تستعمله العرب أيضا إذا كان الفعل له أسباب متعددة أو أعوان وإن كان المنفذ واحدا، فيجعل بمنزلة الجماعة؛ كما قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع إذا أريد أنه يقوم مقام جماعة في الفعل أو الصفة، وهذا كله معروف في كلامهم ومن شواهد ذلك في القرآن: الآية التي معنا قوله تعالى: ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) فعلى هذا القول يكون الخطاب لملك واحد موكل بالعذاب لكنه خوطب بصيغة التثنية على هذا الأسلوب العربي المعروف، وكذلك قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده وخرج بلفظ الجمع ، وذكر النحاة هذه القاعدة في كتبهم وعبروا عنها بقولهم خطاب الواحد بلفظ الاثنين أو الجمع أو إجراء الواحد مجرى الجماعة، وهذا محاسن البيان والبلاغة .
- القول الثالث: أن تكون الألف في (ألقيا) منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة لأن أصل الفعل ألقين فعل أمر مؤكد بنون التوكيد الخفيفة، ونون التوكيد الخفيفة هي نون ساكنة تلحق آخر الفعل لتأكيد معناه مثل قولك افعلن واضربن وهذه النون إذا وقف عليها العرب لا يقفون عليها نونا بل يقلبونها ألفا مدية تخفيفا في النطق فيقال في الوقف افعلا واضربا بدلا من افعلن واضربن، فإذا طبقنا هذا على الآية يكون أصل اللفظ ألقين في جهنم بنون التوكيد الخفيفة فلما وقف على الفعل قُلبت النون ألفا فصار اللفظ ألقيا.
وأما قول ابن القيم: ثم أجري الوصل مجرى الوقف فمعناه أن هذه الكلمة لم تُستعمل على أصلها في حال الوصل كما هو القياس بل استعملت في الوصل بنفس الصورة التي تستعمل في الوقف أي بالألف لا بالنون فبقيت الألف في حال الوصل مع أن الأصل أن تعود النون عند الوصل لكن العرب أحيانا تُجري الوصل مجرى الوقف فتثبت صورة الوقف في الكلام المتصل وهذا أسلوب فصيح معروف عندهم، فالمعنى النحوي الكامل أن كلمة ألقيا ليست تثنية حقيقية في هذا الوجه من التفسير وإنما هي فعل أمر مؤكد بنون التوكيد الخفيفة قُلبت نونه ألفا عند الوقف ثم استعملت هذه الصيغة نفسها في الوصل|؛ فجاء اللفظ على صورة ألقيا، مع أن الأصل ألقين.
هذا شرح لكلام ابن القيم وإن كان الأوجه والأرجح هو القول الأول بدلالة سياق الآيات عليه.
صفات أهل النار
يقول ابن القيم: ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات:
أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته كفار برسله وملائكته كفار بكتبه ولقائه.
الثانية أنه معاند للحق بدفعه جحدا وعنادا.
الثالثة أنه مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذي هو إحسان إلى نفسه من الطاعات والقرب إلى الله والخير الذي هو إحسان إلى الناس فليس فيه خير لنفسه ولا لبني جنسه كما هو الحال أكثر الخلق.
الرابعة أنه مع منعه للخير معتد على الناس ظلوم غشوم معتد عليهم بيده ولسانه.
الخامسة أنه مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو آت لكل ريبة يقال فلان مريب إذا كان صاحب ريبة.
السادسة أنه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله إلها آخر يعبده ويحبه ويغضب له ويرضى له ويحلف باسمه وينذر له ويوالي فيه ويعادي فيه.
الشرح
ثم ذكر الحق تبارك وتعالى صفات هذا الملقى به في النار والعياذ بالله فذكر له ست صفات:
أما الصفة الأولى وهي أنه كفار فالمقصود كثرة كفره لا مجرد وقوع الكفر منه مرة واحدة فهو جاحد لنعم الله لا يشكرها، وجاحد لحقوقه، فلا يعبده، وجاحد لدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته، وجاحد برسله وملائكته وكتبه وبلقائه يوم القيامة.
وأما الصفة الثانية وهي أنه عنيد فالعناد هو رد الحق مع العلم به أي أنه يعرف الحق ويتيقنه ثم يرفضه كبرا واستعلاء، وهذا أشد من الجهل لأن الجاهل قد يعذر أما المعاند فهو مكابر للحق.
وأما الصفة الثالثة وهي أنه مناع للخير فليس فقط تاركا للخير بل يمنعه عن نفسه وعن غيره فهو لا يعمل الطاعات، ولا يقرب إلى الله، ولا يفتح باب خير لغيره بل يصد الناس عن الخير والإيمان والإحسان، ولهذا قال ابن القيم إنه لا خير فيه لنفسه ولا للناس
وأما الصفة الرابعة وهي أنه معتد فمع كونه مانعا للخير هو أيضا ظالم معتد يتجاوز الحدود فيؤذي الناس بيده ولسانه وماله وسلطانه فهو يجمع بين السلبية في الخير والإيجابية في الشر.
وأما الصفة الخامسة وهي أنه مريب أي كثير الشك والريبة يعيش في الشبهات ويثيرها في غيره ولا يقف عند حد بل يأتي كل ما يوقع في الريبة والفساد فهو صاحب شك وسوء ظن بالله ودينه.
وأما الصفة السادسة وهي أنه مشرك أي لم يكتف بالكفر والعناد بل جعل مع الله إلها آخر يحبه كما يحب الله ويغضب له ويرضى له ويعظمه ويطيعه ويقدمه على أمر الله في الولاء والبراء والنذر والحلف، والطاعة فصار الشرك متغلغلا في قلبه وسلوكه.
وخلاصة كلام ابن القيم أن اجتماع هذه الصفات الست يدل على فساد كامل في العقيدة والقلب والسلوك وهذا هو الذي يستحق أن يلقى به في جهنم لأنه لم يترك بابا من أبواب الشر إلا دخله، ولم يترك بابا من أبواب الخير إلا أغلقه على نفسه.
[1] مجاهد بن جبر هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي من كبار أئمة التفسير من التابعين أخذ التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما وكان ثقة عالما، وقال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله عنها، قال عنه ابن عباس إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وقال الشافعي الناس عيال في التفسير على مجاهد كان ثقة عالما عابدا
وكلامه في التفسير معتمد عند أهل السنة وخاصة فيما نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما وتوفي سنة 104هـ
[2] ابن قتيبة هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري من كبار أئمة أهل السنة ولد سنة هـ،213 وتوفي سنة 276 هـ وكان عالما بالقرآن والحديث واللغة والأدب، ومن المدافعين عن السنة، والرد على أهل البدع، ومن أشهر كتبه تأويل مشكل القرآن، وغريب القرآن، وغريب الحديث، وأدب الكاتب وعيون الأخبار، وكلامه في تفسير الآيات ومعاني الألفاظ معتمد عند أهل العلم.
[3] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، حديث رقم 2814)
[4] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الصلاة، باب يرد المار بين يدي المصلي) ومسلم في صحيحه (كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي) حديث رقم (509)
[5] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه) حديث رقم (2814)
[6] أخرجه الترمذي في سننه (كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة البقرة)، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد في المسند، وصحح الشيخ أحمد شاكر أنه موقوف له حكم الرفع فإن هذا الحديث مما لا يعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يعلم إلا بالوحي من المعصوم ﷺ؛ فالروايات الموقوفة لفظا، هي مرفوعة حكما.