خطبة عيد الفطر 1446هـ
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لعزته، واستسلم كل شيء لقدرته.
أحمدك ربي حمداً يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلوات ربي وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الله أكبر، الله أكبر،الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
بالتكبير نفتتح أعيادنا، وبالتكبير نزين أعيادنا، فلا كبير إلا الله ولا عظيم إلا الله.
قال جل في علاه: “وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ” (البقرة: 185).
فاللهم لك الحمد أن بلغتنا صيام رمضان، ولك الحمد أن أعنتنا على قيامه، ولك الحمد على ما هديتنا إلى الإسلام، ولك الحمد على نعمة التمام، لك الحمد أولاً ولك الحمد آخراً، لك الحمد في السراء والضراء، لك الحمد في الشدة والرخاء.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
بشراكم أيها الصائمون:
فقد أكملتم العدة، وصمتم كما أمر الله تعالى، وأفطرتم كما شرع الله عز وجل. بالأمس الصيام كان واجبا واليوم الصيام حرام، أفطرنا لله كما صمنا لله، حياتنا كلها لله، شعارنا مرضاة الله، كما قال كليم الله موسى: “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى” (طه: 84).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.
الفرحة الأولى كل يوم عند أذان المغرب، حينما تسمع النداء ويحل لك ما حرم عليك، فيفرح الإنسان لانقضاء يوم في طاعة لله عز وجل، امتنع عن الطعام والشراب إيماناً واحتساباً لله، فنقول: “ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله”.
ثم الفرحة الكبرى يوم نلقى الله عز وجل فيجازينا على صيامنا، كما قال إمامنا المعصوم صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة باباً يقال له الريان، يقال أين الصائمون؟ فإذا دخلوه أغلق فلا يدخل أحد بعده”. فهنيئاً لكم أيها الصائمون، وبشراكم بالفرحة الكبرى يوم نلقى الله عز وجل، فيكافئنا ويجازينا على هذه الأيام التي قضيناها في طاعة الله سبحانه وتعالى.
وقد ورد في تفسير قول الحق تبارك وتعالى: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” (الحاقة: 24) أنها تقال للصائمين، فاللهم تقبل منا واقبلنا، واكتبنا عندك من المقبولين الفائزين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها الإخوة المؤمنون، رمضان ليس معنى نهايته انتهاء العبادة، بل هو معسكر رباني تربينا فيه على المعاني الإيمانية، بذلنا الجهد الطيب في الطاعة، ورفعت الهمة إلى مرضاة الله صيام بالنهار وقيام وتهجد بالليل، ودعوات وصلوات وصدقات وصالحات كلها لله، نسأل الله القبول.
لكن يا إخواني انتهاء رمضان ليس معناه نهاية العبادة، رمضان بداية للهداية وليس نهاية للعبادة، كما كان السلف يتواصون: “كن ربانياً ولا تكن رمضانياً”
وكان السلف يقولون: “من علامات قبول الحسنة تجدد الحسنة بعدها، ومن شؤم المعصية تجدد المعصية بعدها”، وما من حسنة إلا ولها أخوات، وما من سيئة إلا ولها أخوات.
فمن علامات القبول أن نثبت على ما كنا عليه في رمضان من حب الطاعة والإقبال عليها.
وينبغي أن نعلم أن الهمة أعلى في رمضان ولا شك، وأنها تقل بعد رمضان ولا شك، لكنه فتور ليس بعده انقطاع، إنما فتور بعده عمل دائم يرضي الله وأن قل، كما قال الصادق المصدوق: “خير العمل أدومه وإن قل”.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
سعدنا في هذا العام بأن رمضان جاء في الربيع، حيث النهار المعتدل والليل الطويل نسبياً، كان هناك متسع من الوقت لأداء صلاة التراويح بأريحية، بل وصلاة التهجد ولله الحمد، ورأينا مساجدنا كلها تعج بالمصلين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً.
وها نحن نرى أثر هذا في صلاتنا للعيد بهذا العدد غير المسبوق والحمد لله، جئنا جميعاً نعظم الله ونجله ونكبره، ويشارك بعضنا بعضاً فرحة العيد.
فهذه ظاهرة ملفتة هذا العام، كثرة المصلين وتدافعهم، بل والله كان من يقف على الباب ينتظر دوره ليدخل إلى المسجد، وهذا كله من فضل الله تعالى.
نسأل الله أن يفسح لنا في مساجدنا، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يكثر هذا السواد المبارك، وأن يجعلنا بإذنه تعالى وأبناءنا وذرياتنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ويأتي العيد هذا العام وفرحتنا مع إخواننا بسوريا، حيث نجحت ثورتهم المباركة التي دامت لسنوات، وأدال الله دولة الظلم وفر السفاح وعصابته التي أذاقت إخواننا بسوريا ويلات وعذابات وكربات.
ولى الفار المذعور، وأدال الله دولته، وجعل الله الفرحة بعودة إخواننا لأهليهم، وجعل الله الرخاء ينتظرهم بإذنه سبحانه وتعالى. فبشراكم يا أهل سوريا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل غدكم أفضل من أمسكم، وأن يقيم العدل والرخاء في بلادكم، وأن يديم علينا جميعاً نعمة الأمن والأمان.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وبعد نظرتنا وعيوننا المتفائلة على إخواننا بسوريا، ننظر إلى غزة وما فيها من آلام وأوجاع، وما نرى فيها من مآس ودماء، وما نرى فيها من تضييق وحصار.
وندعو الله جل في علاه أن يرفع الكرب عن إخواننا بغزة، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً، وأن يجعلهم في عافية من هذا البلاء، ونسأل الله تعالى أن ينزل عليهم سكينته، وأن يملأ قلوبهم طمأنينة ورضا، ونسأله تعالى أن يتقبل شهداءهم في الصالحين، وأن يشفي مرضاهم، وأن يعافي مبتلاهم، ونسأله جل وعلا أن يحفظهم بحفظه، وأن يكلأهم بعينه، وأن يجعلهم في عزة ونصر منه سبحانه وتعالى.
إخواني وأحبابي الكرام، إن قضية غزة هي القضية التي تؤرق مضاجعنا، وتتفطر لها أكبادنا بما نراه من مآس، بل وكل المخازي يراها العالم على مرأى ومسمع، غارات جوية وصواريخ وطيران ودماء وأشلاء ليل نهار بلا توقف، وحصار وتضييق، وتدمير للمباني، وتسميم للآبار، واعتداء وتهديم لكل البنية التحتية، والعالم المنافق يقف وقوف المتفرج، وربما المؤيد والمشجع، ونرى هذه السلبية المقيتة التي لا تتحرك إلا عند وجود المنفعة والمصلحة.
فاللهم اجعل هذه الدماء لعنة على كل من شارك فيها وكل من دعمها وأيدها، واجعل يا رب من جوّع إخواننا بغزة من الجائعين في الدنيا والآخرة، ونسأل الله أن يضيق عليهم أنفاسهم كما ضيقوها على إخواننا بغزة، وأن يرينا الله تعالى فيهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يرى ما يحدث لإخواننا بغزة ويغمض عينيه أو يساعد على ما هم فيه من كرب وحصار.
ونسأل الله عز وجل أن يثبت إخواننا بغزة، وأن يمدهم بمدد من السماء، وأن يجعلهم من أهل العافية، وأن يبشرنا بنصر وفتح منه قريب.
قال تعالى: “وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” (الصف: 13).
لكنها سنة الله حينما قال جل وعلا: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” (البقرة: 214).
فاللهم عجل بمددك، وعجل بنصرك، وعجل بفرجك يا من أمره إذا قال للشيء كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الدعاء
اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك في هذا الجمع الكريم أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا وصالح أعمالنا.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نعوذ بك من الضلالة بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم اجعله عيد عزة ونصرة وتفريج كرب على إخواننا بغزة وفلسطين،
وعلى كل المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا، ولا تجعل للشيطان حظاً بيننا.
اللهم إنا نسألك لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وبدناً على البلاء صابراً، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.
اللهم اكتب هذا الجمع الكريم صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً، اكتبنا عندك يا أرحم الراحمين من الفائزين المقبولين.
اللهم اكتبنا عندك من السعداء في الدنيا والآخرة، واكتب لنا البشرى بمرضاتك، والبشرى بمثوبتك،
وأفض علينا من رحماتك وبركاتك،
واغمرنا بفضلك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار،
وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى المختار وعلى آله وصحبه الأطهار وسلم تسليماً كثيراً.
وكل عام وحضراتكم بخير. والسلام عليكم ورحمة الله.